Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
مراعاة مقاصد الشريعة ومآلات الأفعال في العمل المصرفي الإسلامي
 

مراعاة مقاصد الشريعة ومآلات الأفعال

في العمل المصرفي الإسلامي

إعداد

الدكتور حسين حامد حسان

مراعاة مقاصد الشريعة ومآلات الأفعال

في العمل المصرفي الإسلامي

الفصل التمهيدي

نعقد هذا الفصل لتعريف مقاصد الشريعة وتحديد خصائصها، ثم بيان طريقة إثباتها ومنهج الاستدلال بها، وأخيرا دورها في تفسير النصوص، والحكم على تصرفات المكلفين.

أولاً: تعريف مقاصد الشريعة

المقاصد لغةً جمع مقصد، وهو القصد والإرادة، والشريعة تعني الوحي بقسميه: المتلو وهو القرآن وغير المتلو وهو السنة، وتعرف الشريعة بأنها خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع؛ إذ خطاب الله تعالى، أي كلامه، لا يعرف إلا من وحيه. فمقاصد الشريعة لغة هي ما قصدته الشريعة وأرادته.

ومقاصد الشريعة عند علماء الأصول هي ما قصده الشارع من وضع شريعته وتكليف عباده بطاعتها والتزام أحكامها إذا علم ذلك القصد باستقراء عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع، كما تطلق على ما يرادف المصالح الشرعية الملائمة لجنس تصرفات الشرع، والتي يطلق عليها أحيانا المصلحة المرسلة أو الاستدلال المرسل، وعلى الأصول الكلية المستنبطة من عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع، وعلى العموم المستفاد من استقراء هذه النصوص؛ أي الذي لم يثبت عمومه بالصيغة، بل بالاستقراء المفيد للقطع. فهذه عبارات مختلفة لمعنى واحد عند علماء الأصول الذين تعرضوا لدراسة مقاصد الشريعة العامة ومصالحها الكلية، وقالوا بقطعية أصول الفقه؛ أي ما يعتمد عليه الفقه وتُستنبط أحكامه منه، ولذلك يقال أن حفظ المال مقصود للشارع، وهو مصلحة شرعية، وهو أصل كلي، وهو عموم استقرائي أو معنوي، ويقال إن "تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة مقصِود للشارع، وهو في نفس الوقت مصلحة شرعية، وأصل كلي وعموم استقرائي.

ولذا عرف الغزالي المصلحة بأنها "المحافظة على مقصود الشارع، ثم قال "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينَهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعُه مصلحة". (المستصفى 1/286) فحفظ النفس مثلاً مقصود للشارع، وما يتضمن هذا الحفظ ويحققه مصلحة".

ويقرر الشاطبي أن " كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائماً لتصرفات الشرع ومأخوذاً معناه من أدلته فهو صحيح يبني عليه ويرجع إليه؛ إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به، ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال المرسل. والمقصود بالإرسال هو عدم التقييد بالنص المعين الذي يدل على هذا الأصل أو ذلك المقصد؛ لأنه ثبت بعدة نصوص وجملة أدلة تفوق الحصر". (الموافقات 2/39) فمقصود الشارع هو المصلحة الملائمة، وهو الأصل الكلي، وهو العام الاستقرائي، والاستدلال به استدلال مرسل عن النص المعين، لا عن النصوص الكثيرة التي دلت عليه بطريقة الاستقراء المفيد للقطع، وتجد هذا الاستعمال شائعاً في عبارات علماء الأصول.

ولذا فإننا سوف نستخدم عند عرضنا لدراسة مقاصد الشريعة وتطبيقاتها عبارات مختلفة مثل المصلحة الملائمة، أو المقصود الشرعي، أو الأصل الكلي، أو العموم الاستقرائي، مجاراة لعلماء الأصول الذين استعملوا هذه العبارات في معنى واحد هو مقاصد الشريعة، ولم يفردوا لمقاصد الشريعة تعريفاً خاصاً بها.

ثانياً: خصائص مقاصد الشريعة

للمقاصد الشرعية خصائص منها:

1.   أنها أساس التشريع: فمقاصد الشريعة، أي مصالحها الكلية، هي أساس التشريع، فقد اتفقت كلمة علماء أصول الفقه ومقاصد الشريعة قديماً وحديثاً على أن الشارع سبحانه قاصد بشريعته تحقيق مصالح العباد، ودفع الضرر والمفاسد عنهم في العاجل والآجل، فكل نص نزل، وكل حكم شرع قصد به الشارع تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة، ظهرت للمجتهد أو خفيت عليه، وقد استدلوا على ذلك بالاستقراء المفيد للقطع من نصوص الكتاب والسنة التي جاءت معللة للحل والتحريم والإيجاب والندب والأمر والنهي بعلل وحكم ومصالح تعود على المكلفين في العاجل والآجل قصدها الشارع سبحانه من شرعه هذه الأحكام.

2.   أنها كلية عامة: فمقاصد الشريعة تطبق على كل ما يتحقق فيه مناطها من العبادات والعادات والعقود والتصرفات لا تخرج عن تطبيقها واقعة أو نازلة، لأنها أخذت بطريق استقراء نصوص الشريعة وأدلتها

3.   أنها قطعية الثبوت: فمقاصد الشريعة قطعية بمعنى أنها لم تؤخذ من نص واحد ولا من دليل معين، بل أُخذ معناها من عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع، ذلك أن الأدلة الجزئية تفيد الظن بآحادها، ولكنها إذا اجتمعت على معنى واحد أفادت فيه القطع، ومن هنا فقد أفاد التواتر القطع، وإن كانت كل رواية للحديث خبر واحد تفيد الظن، وقد تقدم أن تحقيق مناط المقاصد الشرعية على الوقائع والنوازل التي ليس فيها نص حكم للشارع قد تفيد مجرد الظن، وتختلف فيه آراء المجتهدين، غير أن هذا الظن يجب العمل به قطعا بإجماع المجتهدين، إذ أن الشارع الحكيم أنزل شريعته على نحو يحتمل في الاجتهاد أوجها، وكان غالب نصوصها ظواهر.

ثالثا: طريقة إثبات مقاصد الشريعة ومنهج التعرف عليها

مقاصد الشريعة لا تعرف من نص خاص ولا يدل عليها دليل معين، بل يؤخذ معناها من استقراء عدة نصوص وجملة أدلة شرعية تفيد في مجموعها القطع.

يقول الشاطبي (الموافقات 2/39) "كل أصل (مقصد) شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائماً لتصرفات الشرع، ومأخوذاً معناه من أدلته فهو صحصح يبنى عليه، ويرجع إليه، إذ كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به؛ لأن الأدلة لا تلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها، ومن أجل ذلك أفاد التواتر القطع، وإن كانت أخبار الآحاد التي أخذت في الاستقراء كل منها على حدة تفيد الظن ".

وقد مثل الشاطبي لذلك بعدة أمثلة نذكر منها ما يلي:

1-                                                                    المحافظة على النفس:

إن المحافظة على النفس مقصود للشارع، وهو أصل شرعي كلي وعام مأخوذ معناه بطريق الاستقراء من النصوص استقراء يفيد القطع، والأدلة على ذلك تفوق الحصر، ومن ذلك كما يقول الشاطبي: "أن النفس نهي عن قتلها، وجعل قتلها موجباً للقصاص، متوعداً عليه ومن كبائر الذنوب المقرونة بالشرك، ووجب سد رمق المضطر، ووجبت الزكاة والمواساة والقيام على من لا يقدر على إصلاح نفسه، وأقيم الحكام والقضاة والملوك لذلك، ورتبت الأجناد لقتال من رام قتل النفس، ووجب على الخائف من الموت سد رمقه بكل حلال وحرام من الميتة والدم ولحم الخنزير إلى غير ذلك.

كل هذه النصوص والأحكام تدل يقيناً على أن الشرع قاصد لحفظ النفس، وأن المحافظة عليها أصل قطعي، لم يثبت بدليل واحد خاص ولا يشهد له أصل معين يمتاز برجوعه إليه، بل علمت ملاءمة هذا الأصل للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد، ولو استند إلى شيء معين لوجب تعيينه، فهذا الأصل إذن مأخوذ من استقراء مقتضيات الأدلة بإطلاق، لا من أحدها على الخصوص.

وقد طبق الصحابة هذا الأصل على الاشتراك في القتل واستدلوا به على حكمه.  فقضوا بقتل الجماعة بالواحد، إذا تمالأوا على قتله، وفي هذا يقول عمر رضي الله عنه: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به". ووجه دخول قتل الجماعة بالواحد تحت هذا المقصد الشرعي أو تلك المصلحة الكلية أنه لو لم يقتل الجماعة بالواحد لاتخذ القتال الاشتراك ذريعة لقتل أعدائهم، فتفوت النفس التي قصد الشرع المحافظة عليها. وقد دعت إلى هذا الحكم المصلحة، فلم يكن مبتدعاً مع ما فيه من حفظ مقاصد الشرع في حقن الدماء، وعليه يجري عند مالك قطع الأيدي باليد الواحدة، وقطع الأيدي في النصاب الواجب. (الاعتصام 2/125)

ولقد طبق المالكية والغزالي هذا الأصل على فرع لم يدل عليه نص معين، وهو إذا ما عم الحرام الأرض وسدت طرق المكاسب الحلال، فإنه يجوز تناول مقدار الحاجة من الحرام، ولا يقتصر على ما يحفظ الرمق، يقول الإمام الغزالي: "لو فرضنا انقلاب أموال العالمين بجملتها محرمة لكثرة المعاملات الفاسدة، واشتباه الغصوب بغيرها، وعسر الوصول إلى الحلال المحض – وقد وقع فما بالنا نقدره؟ - نبيح لكل محتاج أن يأخذ مقدار كفايته من كل مال، لأن تحريم التناول يفضي إلى القتل، وتخصيصه بمقدار سد الرمق يكف الناس عن معاملاتهم".

2-                                                                   إقامة مظنة الشيء مقام نفس الشيء:

وهذا يعني أن الشارع يقصد إقامة السبب مقام ما يؤدي إليه في مجرى العادات من نتائج، ويعطيه حكمه، وهذا مقصد شرعي أو مصلحة كلية أو عام أخذ من نصوص الشريعة بطريق الاستقراء المفيد للقطع، والدليل على ذلك:

أ‌)       أن الشارع حرم الخلوة بالأجنبية لأنها مظنة الزنا، أي سبب قد يؤدي إلى الزنا، وهو إقامة لمظنة الشيء مقام نفس الشيء، وإعطاء المظنة (الخلوة) حكم المظنون أي الزنا في التحريم.

ب‌) أن النبي صلى الله عليه وسلمنهى عن سفر المرأة دون محرم باعتباره مظنة للزنا، وهو إقامة لمظنة الشيء مقام نفس الشيء وإعطاء المظنة حكم المظنون.

ت‌) نهي النبي صلى الله عليه وسلمعن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وقال: "إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم". وهو إقامة لمظنة الشيء وهو الجمع بينهما مقام نفس الشيء، وهو تقطيع الأرحام، وإعطاء المظنة حكم المظنون في التحريم.

ث‌) تحريم خطبة المعتدة تصريحاً، وعقد النكاح للمحرم إذ الخطبة في العدة مظنة لأن تكذب المرأة استعجالاً للزواج في العدة، فأعطى الشارع حكم المظنون للمظنة، ونكاح المحرم مظنة لأن يفسد الحج بالوطء قبل التحليل فحرم، إقامة للمظنة مقام المظنون، أو بعبارة أخرى إقامة السبب مقام النتيجة التي قد يؤدي إليها.

ج‌) وجوب إقامة الحدود مظنة للزجر عن ارتكاب أسبابها، وإن لم يحصل الزجر بها في الواقع، ولكنا أقمنا المظنة مقام المظنون.

فهذه النصوص وغيرها كثير يقطع بأن الشارع يقصد إقامة مظنة الشيء مقام نفس الشيء، أي يقيم الأسباب مقام النتائج التي قد تترتب عليها، وإن لم يثبت تحقق هذه النتائج في جميع الحالات، وهو ما يعبر عنه علماء الأصول بقولهم "العبرة بالمظنة دون المننة" والمننة معناها التحقق من ترتب النتيجة.

3-                                                                    تقديم المصلحة العامة على الخاصة:

يقول الشاطبي إن تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة مقصد شرعي وأصل كلي لم يؤخذ من نص واحد ولم يدل عليه دليل معين، وإنما أُخذ معناه من عدة نصوص وجملة أدلة بطريق الاستقراء الذي يفيد القطع ". من هذه النصوص ما جاء في الحديث من النهي عن بيع الحاضر للبادي، رعاية لمصلحة أهل السوق، والنهي عن تلقي الركبان لمصلحة أهل الحضر، وتحريم الاحتكار وإخراج الطعام من يد محتكره قهراً، تقديماً لمصلحة الجماعة في توفير الأقوات اللازمة لمعاشهم، وقد اتفق الصحابة على منع أبي بكر حينما ولي الخلافة من التجارة والتحرف وفرضوا نفقته من بيت المال، تقديماً لمصلحة عامة، هي النظر في مصالح المسلمين، على مصلحته الخاصة وهي قيامه بالتجارة التي يريدها والحرفة التي يختارها، وما جاء في قصة أبي طلحة من تتريسه على الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله نحري دون نحرك، حتى شلت يده، ولم ينكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلمذلك، وذلك تقديم لمصلحة عامة، هي حفظ حياة الرسول صلى الله عليه وسلملحفظ الدين، إذ في وفاته فوات مصالح الإسلام والمسلمين، على مصلحة خاصة هي سلامة أبي طلحة.

 وكذلك جواز الحجر على السفيه؛ تقديماً لمصلحة عامة هي حفظ مال الجماعة، على مصلحة خاصة بالسفيه، وذلك على أساس أن للجماعة حقاً في ماله، وأن حقه قاصر على الإنفاق على نفسه وأسرته، دون إسراف أو تبذير، فإن فعل كان مُفَوِتاً لمصلحة الجماعة.

فكل هذه الأدلة وغيرها مما لم يذكر تفيد بمجموعها أن تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة مقصود للشارع، ولم يدل دليل منها على هذا الأصل أو المقصد بانفراده، ولكنه يؤخذ من مجموع هذه النصوص وتلك الأحكام. وكأن هذا الأصل أو المقصود الشرعي أو المصلحة عموم لفظي مفاده "المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة" بل هو أقوى منه؛ إذ العام اللفظي ظني الدلالة عند البعض، أما العموم الاستقرائي فهو قطعي عند الجميع.

ويرى الشاطبي أن اعتبار الشارع لهذا المقصد الشرعي، ويطلق عليه أيضاً الأصل الكلي أو المصلحة الكلية هو اعتبار لكل واقعة أو نازلة جزئية تدخل تحت هذا الأصل أو يتحقق فيها مناط تلك المصلحة، فمثلاً قضى الصحابة بتضمين الصناع ما تحت أيديهم من سلع إذا ادعوا التلف أو الهلاك، تقديماً لمصلحة أرباب السلع على مصلحة طائفة الصناع، وذلك بعد أن فسدت ذمم الصناع وفشأ فيهم الكذب، وضعف سلطان الدين على نفوسهم، وغلب عليهم التعدي والخيانة، وكان الأصل فيهم أنهم لا يضمنون ما بأيديهم إذا ادعوا التلف أو الهلاك، ما لم يقم أصحاب السلع البينة على تعدي الصناع، أو تقصيرهم، في زمن كان للدين فيه سلطان على النفوس، وكان الغالب صدق ما يدعون. فهذه الواقعة أو النازلة لم يدل على حكمها نص معين، بل عدت جزئياً يدخل تحت مقصد شرعي أو أصل كلي ثبت بعدة نصوص وجملة أدلة بطرية الاستقراء المفيد للقطع وهو تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وكأن هذا الكلي عموم لفظي.

رابعا: منهج الاستدلال بالمقاصد الشرعية

يقرر الشاطبي أن العموم المستفاد من استقراء النصوص الشرعية (المقصد الشرعي) يجري في قوة الاحتجاج به مجرى العام المستفاد من الصيغة، فيقول: "العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط، بل من استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغة"، ومثَّل لذلك بأصل رفع الحرج في الدين، وهو مقصد شرعي، فقال: "فإنا نستفيده – أصل رفع الحرج – من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج، كما إذا وجدنا التيمم شرع عند مشقة طلب الماء، والصلاة قاعداً عند مشقة طلب القيام، والقصر والفطر في السفر، والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر، والنطق بكلمة الكفر عند مشقة القتل والتأليم، وإباحة الميتة وغيرها عند خوف التلف الذي هو أعظم المشقات، والصلاة إلى أي جهة عند تعثر استخراج القبلة، والمسح على الجبائر والخفين لمشقة النزع ولرفع الضرر، والعفو في الصيام عما يعثر الاحتراز منه من المفطرات , كغبار الطريق ونحوه , إلى جزئيات كثيرة جداً , يحصل من مجموعها قصد الشارع لرفع الحرج، فإذا تم للمجتهد هذا الاستقراء فإنه يطبق هذا العموم الاستقرائي على كل ما تحقق فيه مناطه، تماماً كما يفعل في العموم اللفظي" ثم يقول بعد أن أثبت أن رفع الحرج مقصود للشارع:"فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء فكأنه عموم لفظي." (الموافقات 3/299)

خامسا: تحقيق مناط المقصد الشرعي في النوازل والوقائع التي ليس فيها نص حكم للشارع

ولا يفوت الشاطبي أن يفرق بين المقصد الشرعي (الأصل الكلي أو العموم المعنوي) وبين تحقيق مناطه في بعض الوقائع أو النوازل، أي الفرق بين أصل "تقديم المصلحة العامة على الخاصة" وتقديم مصلحة أرباب السلع على مصلحة الصناع مثلا، فيقول: "إن الأصل الكلي المأخوذ من استقراء عدة نصوص أصل قطعي، وأما تحقيق مناط هذا الأصل الكلي في أحد الجزئيات أو تطبيقه على إحدى النوازل فأمر ظني، وهذا يعني أننا، وإن كنا نقطع بأن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة، فإننا قد لا نقطع بتطبيق هذا الأصل أو تحقيق مناطه في فرع تضمين الصناع أو المنع من إقامة مصنع في جهة آهلة بالسكان، أو فرض قيود معينة في استعمال الملك؛ فإن العام الذي يؤخذ من الصيغة قد يكون قطعي الثبوت ولكن قد يكون ظنياً في دلالته على أحد الأفراد، فالأدلة عموماً قد تكون قطعية ويكون تحقيق مناطها أو تطبيقها على بعض الجزئيات أي الوقائع والنوازل ظنياً. فإذا قلنا إن مقاصد الشريعة دليل قطعي، فإننا نعني المقاصد الكلية؛ أي الأصل الكلي أو مقصود الشارع الذي دلت عليه جملة نصوص شرعية تفيد في مجموعها القطع، وإذا قلنا إن المقاصد الشرعية دليل ظني فإننا نعني بذلك تطبيق المقصد الشرعي على الفرع المعين وإعطائه حكمه.

ومثال ذلك ما يقوله الغزالي من أن تقديم المصلحة الكلية على المصلحة الجزئية مقصود شرعي، عُلِم كونه مقصوداً بأدلة لا تنحصر، ثم يطبق هذا الأصل الكلي القطعي على مسألة الترس: أي تترس الكفار بأسرى المسلمين بحيث لا يتأتى دفعهم عن بلاد المسلمين إلا بقتل الترس المسلم، ويقول الغزالي إن هذه مصلحة ظنية، بمعنى أننا لا نقطع بدخول هذا الفرع أو هذه النازلة تحت الأصل الكلي، بل نظن ظناً راجحاً أن هذا الأصل ينطبق على مسألة الترس، وهذا لا يغير من صحة الحكم المستنبط في هذه المسألة؛ إذ أن العمل بالظن واجب شرعاً باتفاق العلماء، ولذا قلنا إن المصلحة المتحققة من قتل الترس مصلحة جزئية ظنية قد تختلف فيها نظرات المجتهدين، وهذا هو الشأن في جميع المقاصد الشرعية الكلية القطعية من حيث إن تحقيق مناطها وتطبيقها على النوازل الجديدة يفيد الظن، وهو ظن يعد حجة في الأحكام الفقهية.

فأنت ترى أن الاستدلال المرسل أي المقاصد الشرعية منهج من مناهج الاستدلال بالنصوص الشرعية، وليس شيئاً خارجاً عنها أو مصادماً لها أو زائداً عليها، والمعنى فيه هو استنباط للحكم من معقول عدة نصوص وجملة أدلة، لا يدل أي منها بعينه على الحكم، بل تفيد في مجموعها القطع. وهذا هو معنى الإرسال، فهو يعني عدم التقييد بأصل معين أو دليل خاص، لأن القصد الشرعي أو الأصل الكلي مقيد بعدة نصوص وجملة أدلة اجتمعت على هذا المقصد أو الأصل حتى أفادت فيه القطع، وعلى ذلك فإن النوازل والوقائع الجديدة والتي ليس فيها نص حكم للشارع، والتي تدخل تحت مقصد شرعي ويتحقق فيها مناطه، تكون ثابتة بالأدلة الكثيرة التي تفوق الحصر على صحته المقصد الشرعي أو الأصل الكلي، وذلك بطريق غير مباشر، أي إن دليل دليل الفرع دليل لذلك الفرع.  

سادسا: دور مقاصد الشريعة في تفسير النصوص

بناءً على أن الشارع الحكيم قاصد بشرعه تحقيق مصالح العباد ودفع الفساد والضرر عنهم، فإنه إذا وردت نصوص شرعية من الكتاب والسنة تحتاج إلى التفسير والبيان، فإن هذه النصوص تفسر ويحدد نطاق تطبيقها ومجال إعمالها في ضوء مقاصد الشريعة التي وردت هذه النصوص لتحقيقها والحكم والمصالح التي قصد بها حمايتها، وجميع المدارس الفقهية قد تبنت هذا المنهج، واستنبطت على أساسه كثيراً من الأحكام الشرعية. وهذا المنهج لا يلتزم التفسير الحرفي للنص الشرعي، بل يستلهم في ذلك التفسير  مقاصد الشريعة، ويستعين بالحكم والمصالح التي جاءت النصوص لحمايتها، مسترشداً بما عُرِف من عادة الشرع في الأحكام.

فإذا ما توصل المجتهد إلى معرفة قصد الشارع واستنبط المصلحة التي قصد بالنص حمايتها فسّر النص في ضوئها، وحدد نطاق تطبيقه ومجال إعماله على أساسها. وقد أثبت الثقات من علماء الأصول، أن هذا المنهج استدلال بالنصوص الشرعية وتفسير لها في ضوء المقاصد الشرعية التي جاءت لتحقيقها، وبينوا أن جميع المجتهدين يعتمدون عليه في الاجتهاد ويصدرون على أساسه الفتاوى والأحكام. وإليك بعض تطبيقات هذا المنهج في مجالات مختلفة دون الاقتصار على المؤسسات المالية الإسلامية، لأننا بصدد بيان دور المقاصد الشرعية في الفقه الإسلامي جملة، وسوف نخصص للمؤسسات المالية الإسلامية فصلا مستقلا:

1-                   عدالة الشهود

العدالة شرط في قبول الشهادة للأدلة الواردة في ذلك، ومع ذلك يقول الإمام الغزالي باشتراط عدالة الشهود حتى لو لم ترد هذه الأدلة اكتفاء بقوله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم" البقرة ( 282) على أساس تفسيره لهذه الآية  على ضوء قصد الشارع من الشهادة فقال: لو لم يشترط الشارع العدالة في الشهود لقلنا بها؛ ذلك أن قصد الشارع من الشهادة هو إثبات الحقوق، والحقوق لا تثبت بالفاسق. فقد فسر النص وحدد شروط وضوابط ونطاق تطبيقه في ضوء قصد الشارع من الشهادة، ولا يعد ذلك زيادة على النص أو مصادمة له أو خروجا عليه، بل مجرد بيان لقصد الشارع من هذا النص.

2-                    تلقي الركبان

نهى النبي صلى الله عليه وسلمعن تلقي الركبان، والركبان هم الجالبون للسلع؛ أي المستوردون، وتلقيهم يعني لقاؤهم في الطريق قبل دخول الأسواق وشراء السلع والبضائع منهم، وبذلك لا يلتقي العرض بالطلب، أي لا تتحقق السوق اللازمة لتحديد السعر العادل. والقاعدة العامة أن النهي يقتضي الفساد، ولكن ما الحكم إذا حدث التلقي ووقع الشراء من الركبان قبل هبوط الأسواق؟ هل يكون البيع باطلاً يجب فسخه؟ أم يكفي إعطاء الركبان حق الخيار إذا ظهر لهم أنهم غبنوا، أي باعوا بثمن أقل من ثمن المثل بكثير؟ اختلف المجتهدون في التفسير بناءاً على أصل التفسير في ضوء مقصد الشارع، أي المصلحة التي قصد الشارع بالنص حمايتها.

فمن قائل أن المصلحة التي قصد الشارع بالنص حمايتها هي مصلحة الركبان أي التجار، لأنهم إذا باعوا قبل نزول السوق، فإنهم قد يبيعون بأقل من ثمن المثل لعدم اطلاعهم على الأسعار، وهنا لا يكون الحكم هو البطلان، لأن البطلان خلاف الأصل، ولا يصار إليه إلا إذا اقتضته المصلحة، بل الحكم في هذه الحالة هو إعطاء التجار حق الخيار مع صحة البيع، فإن هبطوا السوق فعلموا أنهم باعوا بأقل من ثمن المثل، طلبوا فسخ البيع وإلا فلا، وذلك على أساس أن النص يفسر في ضوء مقصود الشارع منه، أي المصلحة التي قصد الشارع بالنص حمايتها دون زيادة ولا نقص.

وهناك فريق يرى أن قصد الشارع أي المصلحة التي قصد الشارع حمايتها بالنهي عن تلقي الركبان هي مصلحة أهل السوق أي المستهلكين؛ ذلك أن المتلقي يشتري بسعر رخيص، ثم يحتكر السلع في مخازنه ويبيعها شيئاً فشيئاً فيغلو السعر على المستهلكين. ومن هنا فقد قال هذا الفريق بأن حكم البيع هو البطلان، فيرد المشتري السلعة، ويأخذ ما دفعه من ثمن، وينزل بها الركبان إلى السوق فيلتقي العرض بالطلب ويمتنع الاحتكار ويتحدد السعر العادل، فالمصلحة أو مقصود الشارع من شرع الأحكام هو الذي حدد التفسير الذي يحقق هذا المقصود أو تلك المصلحة، واختلف الحكم تبعاً لاختلاف التفسير والنظرة إلى المصلحة المقصود بالنص تحقيقها.

3-                   التسعير

امتنع النبي صلى الله عليه وسلمعن التسعير عندما قال له الصحابة سعر لنا يا رسول الله، وقال: "إن الله هو المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال...."، وقد فسر المالكية هذا النص في ضوء مقاصد الشارع والمصلحة التي جاء النص لحمايتها في نظرهم، وهي مصلحة التجار الذين يبيعون وفق قانون العرض والطلب، فالتسعير عليهم ظلم لهم، وقالوا إذا كان ارتفاع الأسعار بسبب الاحتكار والتلاعب بالأسعار من التجار جاز التسعير عليهم.

4-                   منع القاتل من الإرث

جاء الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم" لا ميراث لقاتل " دون وصف القتل بأنه عمد أو خطأ، أو أنه وقع بحق أو بدون حق، أو أنه مباشرة أو بالسبب، واحتاج المجتهدون إلى تفسيره وتحديد مجال تطبيقه، وكان منهجهم في ذلك هو التعرف على مقصد الشارع، أي المصلحة التي قصدها الشارع بهذا النص، فمن قال إن هذه المصلحة هي منع العدوان على النفوس قصر التطبيق على القتل العمد دون الخطأ، وبغير حق دون ما كان بحق، ومن رأى غير ذلك طرد الحكم في كل أنواع القتل ومنع الإرث بها كلها كالشافعي.

سابعا : دور مقاصد الشريعة في الحكم على تصرفات المكلفين

لقد اتفق الثقات من المجتهدين، على أن تصرفات المكلفين، عبادات أو عادات، عقودا أو تصرفات، يحكم عليها بالحِل أو الحرمة والصحة أو البطلان بمدى تحقيقها لمقاصد الشارع، فإذا كان قصد المكلف في العمل موافقاً لقصد الشارع في تشريع ذلك العمل صح العمل وترتبت عليه آثاره، عقداً أو تصرفاً، فإن كان هذا القصد مخالفاً حرم التصرف وبطل ولم تترتب عليه آثاره، وإن كان التصرف أو العقد قد استوفى شكله واكتملت أركانه وتوافرت شروطه الشرعية. فالعبرة في نظر المجتهدين ليس بصورة التصرف أو العقد وصيغته فقط، بل بتحقيقه لقصد الشارع من شرع هذا التصرف أو العقد، وذلك إنما يكون بموافقة قصد العاقد أو المتصرف بتصرفه وعقده ما قصده الشارع من تشريع ذلك العقد والتصرف، وقد قدم الشاطبي الأدلة التي تقطع بوجوب موافقة قصد الشارع ثم أكد بطلان العمل الذي خولف فيه قصد الشارع، ثمم بين حكم مخالفة قصد الشارع بالعمل الموفق، وضرب بعض الأمثلة المخالفة قصد الشارع في العمل الموافق صورة:

1- أدلة وجوب موافقة قصد الشارع:

" قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع، والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة؛ إذ قد مر أنها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع. ولأن المكلف خُلق لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة – هذا محصول العبادة – فينال بذلك الجزاء في الدنيا والآخرة. وأيضاً فقد مر أن قصد الشارع المحافظة على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينات، وهو عين ما كلف به العبد، فلا بد أن يكون مطلوباً بالقصد إلى ذلك، وإلا لم يكن عاملا على المحافظة، لأن الأعمال بالنيات. وحقيقة ذلك أن يكون خليفة الله في إقامة هذه المصالح بحسب طاقته ومقدار وسعه , وأقلُّ ذلك خلافته على نفسه، ثم على أهله، ثم على كل من تعلقت له به مصلحة. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " كُلّكم راعٍ وكُلكم مسئولٌ عن رَعِيَّته" وفي القرآن الكريم: (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) ( الحديد 7) وإليه يرجع قوله تعالى: (إني جاعلٌ في الأرض خليفة) ( البقرة 30 ) وقوله: (ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) (الأعراف 129 ) وقوله، (وهو الذي جعلكم خَلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم) والخلافة عامة وخاصة حسبما فسرها الحديث حيث قال: "الأميرُ راعٍ والرجلُ راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده. فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" وإنما أتى بأمثلة تبين أن الحكم كلي عام غير مختص، فلا يتخلف عنه فرد من أفراد الولاية، عامة كانت أو خاصة. فإذا كان كذلك فالمطلوب منه أن يكون قائماً مقام من استخلفه، يجري أحكامه ومقاصده مجاريها، وهذا بين.

وبذلك يكون الشاطبي قد أقام الأدلة القطعية على أن قصد المكلف في جميع أعماله، ومنها عقوده وتصرفاته، يجب أن يوافق قصد الشارع في تشريعه تلك الأعمال، وهي أدلة أخذت باستقراء نصوص الشريعة استقراء يصل إلى القطع، فصار كالعموم المعنوي يطبق على كل ما يتحقق فيه مناطه من الجزئيات، دون حاجة إلى دليل جزئي في كل واقعة أو نازلة يراد تطبيقه عليها، بل تقدم على الأدلة الجزئية إذا ظهر تعارض هذا الأصل معها.

2-بطلان العمل الذي خولف فيه قصد الشارع

يؤكد الشاطبي على بطلان كل عمل، عبادة أو معاملة، عقداً أو تصرفاً، ابتغى فيه المكلف غير ما شرع له من المصالح، وإن صدر في الصيغة والشكل الذي طلبه الشارع وتوافرت أركانه وشروطه الشرعية. وقد أقام الشاطبي الأدلة القاطعة على أن هذا الأصل كلي قطعي يطبق على جميع أنواع الأعمال، عبادات أو معاملات، عقوداً أو تصرفات، متى توافر فيها مناط تطبيقه. فقال: " كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة. وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل. فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل". ثم قال:

"أما أن العمل المناقض باطل، فظاهر؛ فإن المشروعات إنما وضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال التي خولف بها جلب مصلحة ولا درء مفسدة. وأما أن مَن ابتغى في تكاليف الشريعة ما لم توضع له فهو مناقض لها، فالدليل عليه من أوجه" ثم عدد هذه الأوجه وبينها أحسن بيان في عبارات غاية في الدقة والوضع (راجع الموافقات 2: 333 ).

ثم قال: وللمسألة أمثلة كثيرة؛ كإظهار كلمة التوحيد قصداً لإحراز الدم والمال، لا للإقرار للواحد الحق بالوحدانية، والصلاة لينظر إليه بعين الصلاح، والذابح لغير الله، والهجرة لينال دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، والجهاد للعصبية أو لينال شرف الذكر في الدنيا، والسلف ليجرّ به نفعاً، والوصية بقصد المضارة للورثة، ونكاح المرأة ليحلها لمطلقها، وما أشبه ذلك.  (الموافقات 2/333)، ويكن التمثيل لذلك بشراء السلعة بثمن آجل بفصد بيعها بثمن حال أق منه، توصلا إلى شراء نقد عاجل بنقد آجل أكثر منه مقابل الأجل، إذ لا قصد ولا حاجة بالمشتري إلى السلعة بدليل بيعها ثانية، وإنما قصده هو القرض بفائدة، وقد أظهر ذلك في صورة عمليات بيع وشراء توافرت شروطها وكان قصد الفاعل فيها مناقضا لقصد الشارع.

3-مخالفة قصد الشارع بالعمل الموافق صورة

وقد عقد الشاطبي مسألة خاصة بحكم من قصد بالعمل الموافق في الصورة غير ما قصده الشارع به، فعلاً كان ذلك العمل أو تركا، وذكر أن مخالفة المكلف لقصد الشارع في العمل الموافق في الظاهر؛ أي التورق مكتمل الصورة والأركان والشروط، معصية وغير صحيح جملة، لمخالفة قصد الشارع، وذكر لذلك أمثلة فقال:

"فاعل الفعل أو تاركه إما أن يكون فعله أو تركه موافقاً أو مخالفاً. وعلى كلا التقديرين إما أن يكون قصده موافقة الشارع أو مخالفته. فالجميع أربعة أقسام، وبعد أن عدد هذه الأقسام قال:

(والرابع) أن يكون الفعل أو الترك موافقاً إلا أنه عالم بالموافقة، ومع ذلك فقصده المخالفة. ومثاله أن يصلي رياء لينال دنيا أو تعظيماً عند الناس، أو ليدرأ عن نفسه القتل وما أشبه ذلك. فهذا القسم أشد من الذي قبله ( أي الذي لا يعلم فيه الفاعل بموافقة الفعل الذي خالف به قصد الشارع ). وحاصله أن هذا العامل قد جعل الموضوعات الشرعية التي جعلت مقاصد، وسائل لأمور أخرى لم يقصد الشارع جعلها لها، فيدخل تحتها النفاق والرياء والحيل على أحكام الله تعالى، وذلك كله باطل، لأن القصد مخالف لقصد الشارع عيناً فلا يصح جملة، وقد قال لله تعالى: ((إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار))

4-أمثلة مخالفة قصد الشارع في العمل الموافق صورة:

ضرب الشاطبي بعض الأمثلة لمخالفة قصد الشارع في العمل الموافق في الصورة فقال :

فنحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات إنما شرعت للتقرب بها إلى الله، والرجوع إليه، وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح في الطاعة والانقياد؛ فإذا عمل بذلك على قصد نيل حظ من حظوظ الدنيا من دفع أو نفع، كالناطق بالشهادتين قاصداً لإحراز دمه وماله لا لغير ذلك، أو المصلي رئاء الناس ليُحمد على ذلك أو ينال به رتبة في الدنيا، فهذا العمل ليس من المشروع في شيء؛ لأن المصلحة التي شرع لأجلها لم تحصل، بل المقصود به ضد تلك المصلحة.

وعلى هذا نقول في الزكاة مثلاً: أن المقصود بمشروعيتها رفع رذيلة الشح ومصلحة إرفاق المساكين، وإحياء النفوس المعرّضة للتلف؛ فمن وهب في آخر الحول ماله هروباً من وجوب الزكاة عليه، ثم إذا كان في حول آخر أو قبل ذلك استوهبه، فهذا العمل تقوية لوصف الشح وإمداد له، ورفع لمصلحة إرفاق المساكين. فمعلوم أن صورة هذه الهبة قد اكتملت إلا أنها بالقصد المناقض ليست هي الهبة التي ندب الشرع إليها؛ لأن الهبة إرفاق وإحسان للموهوب له، وتوسيع عليه غنياً كان أو فقيراً، وجلب لمودته ومآلفته، وهذه الهبة على الضد من ذلك. ولو كانت على المشروع من التمليك الحقيقي لكان ذلك موافقاً لمصلحة الإرفاق والتوسعة، ورفعاً لرذيلة الشح، فلم يكن هروباً عن أداء الزكاة. فتأمل كيف كان القصد المشروع في العمل لا يهدم قصداً شرعياً، والقصد غير الشرعي هادم للقصد الشرعي !

ومثله أن الفدية شرعت للزوجة هرباً من أن لا يقيما حدود الله في زوجيتهما، فأبيح للمرأة أن تشتري عصمتها من الزوج عن طيب نفس منها، خوفاً من الوقوع في المحظور. فهذه بذلت ما لها طلباً لصلاح الحال بينها وبين زوجها، وهو التسريح بإحسان، وهو مقصد شرعي مطابق للمصلحة، لا فساد فيه حالاً ولا مآلاً؛ فإذا أضرَّ بها لتفتدي منه فقد عمل هو بغير المشروع حين أضرّ بها لغير موجب، مع القدرة على الوصول إلى الفراق من غير إضرار، فلم يكن التسريح إذا طلبته بالفداء تسريحاً بإحسان، ولا خوفاً من أن لا يقيما حدود الله؛ لأنه فداء مضطر وإن كان جائزاً لها من جهة الاضطرار والخروج من الإضرار، وصار غير جائز له إذ وضع على غير المشروع ".

وكذلك نقول: إن أحكام الشريعة تشتمل على مصلحة كلية في الجملة، وعلى مصلحة جزئية في كل مسألة على الخصوص. أما الجزئية فما يعرب عنها كل دليل لحكم في خاصته. وأما الكلية فهي أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته، فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها، حتى يرتاض بلجام الشرع. وقد مر بيان هذا فيما تقدم. فصار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع رُخَص المذاهب، وكل قول وافق فيها هواه فقد خلع ربيقة التقوى وتمادى في متابعة الهوى ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه:

ويمكن تطبيق ذلك على المعاملات والمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على الوجه التالي:

عقد البيع شرع لمصلحة قصدها الشارع من شرعه، هي حاجة البائع إلى الثمن وحاجة المشتري إلى السلعة لاستهلاك أو اتجار، فإذا توافرت أركان هذا البيع واكتملت شروطه، ثم ثبت أن العاقدين لم يقصدا بعقدهما ما قصده الشارع من تلبية حاجة كل منهما، بل قصدا به أخذ أحدهما عشرة نقدا مقابل خمسة عشرة مؤجلة، كان عقد البيع الذي اكتملت أركانه وتوافرت شروطه حراما وباطلا لا يترتب عليه أثر، وهذا القصد يثبت من بيع السلعة بعشرة نقدا ثم شرائها بخمسة عشر مؤجلة، فقد عادت السلعة إلى بائعها الأول مما يقطع بأنه لم يكن بحاجة إلى الثمن، وهذا يسمي بيع العينة وقد حرمه جميع المجتهدين وإن اختلفوا في أدلة إثبات القصد المحرم، فالشافعي يرى أن هذا القصد يثبت من التصريح به في صيغة العقد أي الإيجاب والقبول حتى يحكم ببطلان العقد وانعدام آثاره وإلا ثبتت الحرمة عنده إذا كان الله يعلم منه ذلك، وأما غير الشافعي فيرى أن القصد المحرم يثبت من القرائن التي تحف بالمعاملة مثل البيع بالنقد ثم الشراء بالآجل لنفس السلعة.

الفصل الأول