Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
مقاصد الشريعةالإسلامية والعقود المالية ... أيهما أهم المعاني أم المباني؟
 

مقاصد الشريعة والعقود المالية
أيهما أهم المعاني أم المباني؟

 

(Objectives of Sharia and Financial Contracts:
 What is Important, The Substance or The Form)

 

إعداد

الدكتور حسين حامد حسان

 

الـمـقـدمــــة

Objectives of Shari’ah and Financial Contracts:
What is Important, The Substance or The Form?
مقاصد الشريعة والعقود المالية
أيهما أهم المعاني أم المباني؟

 

أولاً : تعريف مقاصد الشريعة

 

المقاصد لغةً جمع مقصد ، وهو القصد والإرادة ، والشريعة تعني الوحي بقسميه : المتلو وهو القرآن وغير المتلو وهو السنة ، وتعرف الشريعة بأنها خطاب الله تعالى والتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع ؛ إذ خطاب الله تعالى ، أي كلامه ، لا يعرف إلا من وحيه . فمقاصد الشريعة لغة هي ما قصدته الشريعة وأرادته .

ومقاصد الشريعة عند علماء الأصول هي ما قصده الشارع من وضع شريعته وتكليف عباده بطاعتها والتزام أحكامها إذا علم ذلك القصد باستقراء عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع كما تطلق على ما يرادف المصالح الشرعية الملائمة لجنس تصرفات الشرع ، وعلى الأصول الكلية المستنبطة من عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع ، وعلى العموم المستفاد من هذه النصوص ؛ أي الذي لم يثبت عمومه بالصيغة ، بل بالاستقراء المفيد للقطع . فهذه عبارات مختلفة لمعنى واحد عند علماء الأصول الذين تعرضوا لدراسة مقاصد الشريعة العامة ومصالحها الكلية، وقالوا بقطعية أصول الفقه ؛ أي ما يعتمد عليه الفقه وتُستنبط أحكامه منه ، ولذلك يقال أن حفظ المال مقصود للشارع ، وهو مصلحة شرعية كلية ، وأصل كلي ، وعموم استقرائي أو معنوي ، ويقال إن "تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة مقصِود للشارع ، وهو في نفس الوقت مصلحة شرعية ، وأصل كلي وعموم استقرائي .

ولذا عرف الغزالي المصلحة بأنها "المحافظة على مقصود الشارع ، ثم قال "ومقصود الشرع من الخلق خمسة : وهو أن يحفظ عليهم دينَهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم ، فكل ما يتضمن حفظ هذا الأصول الخمسة هو مصلحة ، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعُه مصلحة" . (المستصفى 1/286) فحفظ النفس مثلاً مقصود للشارع ، وما يتضمن هذا الحفظ ويحققه مصلحة" .

و يقرر الشاطبي أن " كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين ، وكان ملائماً لتصرفات الشرع ومأخوذاً معناه من أدلته فهو صحيح يبني عليه ويرجع إليه ؛ إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به ، ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال المرسل. والمقصود بالإرسال هو عدم التقييد بالنص المعين الذي يدل على هذا الأصل أو ذلك المقصد ؛ لأنه ثبت بعدة نصوص وجملة أدلة تفوق الحصر . (الموافقات 2/39) فمقصود الشارع هو المصلحة الملائمة ، وهو الأصل الكلي ، وهو العام الاستقرائي ، والاستدلال به استدلال مرسل عن النص المعين ، لا عن النصوص والكثيرة التي دلت عليه بطريقة الاستقراء المقيد للقطع، وتجد هذا الاستعمال شائعاً في عبارات علماء الأصول.

ولذا فإننا سوف نعرض لدراسة مقاصد الشريعة وتطبيقاتها تحت اصطلاح المصلحة الملائمة ، أو المقصود الشرعي ، أو الأصل الكلي ، أو العموم الاستقرائي ، مجاراة لعلماء الأصول الذين استعملوا هذه العبارات في معنى واحد هو مقاصد الشريعة ، ولم يفردوا لمقاصد الشريعة تعريفاً خاصاً بها .

 

ثانياً : طريقة إثبات مقاصد الشريعة ومنهج التعرف عليها

مقاصد الشريعة لا تعرف من نص خاص ولا يدل عليها دليل معين ، بل يؤخذ معناها من استقراء عدة نصوص وجملة أدلة شرعية تفيد في مجموعها القطع.

يقول الشاطبي (الموافقات 2/39) "كل أصل (مقصد) شرعي لم يشهد له نص معين ، وكان ملائماً لتصرفات الشرع ، ومأخوذاً معناه من أدلته فهو صحصح يبنى عليه ، ويرجع إليه ، إذ كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به ؛ لأن الأدلة لا تلزم أن يدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها" .

وقد مثل الشاطبي لذلك بعدة أمثلة نذكر منها ما يلي :

 1      المحافظة على النفس:

إن المحافظة على النفس مقصود للشارع، وهو أصل شرعي كلي وعام مأخوذ معناه بطريق الاستقراء من النصوص استقراء يفيد القطع، والأدلة على ذلك تفوق الحصر، ومن ذلك كما يقول الشاطبي: "أن النفس نهي عن قتلها، وجعل قتلها موجباً للقصاص، متوعداً عليه ومن كبائر الذنوب المقرونة بالشرك، ووجب سد رمق المضطر، ووجبت الزكاة والمواساة والقيام على من لا يقدر على إصلاح نفسه، وأقيم الحكام والقضاة والملوك لذلك، ورتبت الأجناد لقتال من رام قتل النفس، ووجب على الخائف من الموت سد رمقه بكل حلال وحرام من الميتة والدم ولحم الخنزير إلى غير ذلك.

كل هذه النصوص والأحكام تدل يقيناً على أن الشرع قاصد لحفظ النفس، وأن المحافظة عليها أصل قطعي، لم يثبت بدليل واحد خاص ولا يشهد له أصل معين يمتاز برجوعه إليه، بل علمت ملاءمة هذا الأصل للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد، ولو استند إلى شيء معين لوجب تعيينه، فهذا الأصل إذن مأخوذ من استقراء مقتضيات الأدلة بإطلاق، لا من أحدها على الخصوص.

وقد طبق الصحابة هذا الأصل على الاشتراك في القتل واستدلوا به على حكمه.  فقضوا بقتل الجماعة بالواحد ، إذا تمالأوا على قتله، وفي هذا يقول عمر رضي الله عنه: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به". ووجه دخول قتل الجماعة بالواحد تحت هذا المقصد الشرعي أو تلك المصلحة الكلية أنه لو لم يقتل الجماعة بالواحد لاتخذ القتال الاشتراك ذريعة لقتل أعدائهم، فتفوت النفس التي قصد الشرع المحافظة عليها. وقد دعت إلى هذا الحكم المصلحة، فلم يكن مبتدعاً مع ما فيه من حفظ مقاصد الشرع في حقن الدماء، وعليه يجري عند مالك قطع الأيدي باليد الواحدة، وقطع الأيدي في النصاب الواجب. (الاعتصام 2/125)

ولقد طبق المالكية والغزالي هذا الأصل على فرع لم يدل عليه نص معين، وهو إذا ما عم الحرام الأرض وسدت طرق المكاسب الحلال، فإنه يجوز تناول مقدار الحاجة من الحرام، ولا يقتصر على ما يحفظ الرمق، يقول الإمام الغزالي: "لو فرضنا انقلاب أموال العالمين بجملتها محرمة لكثرة المعاملات الفاسدة، واشتباه الغصوب بغيرها، وعسر الوصول إلى الحلال المحض – وقد وقع فما بالنا نقدره؟ - نبيح لكل محتاج أن يأخذ مقدار كفايته من كل مال، لأن تحريم التناول يفضي إلى القتل، وتخصيصه بمقدار سد الرمق يكف الناس عن معاملاتهم".


2      إقامة مظنة الشيء مقام نفس الشيء:

 

وهذا يعني أن الشارع يقصد إقامة السبب مقام ما يؤدي إليه في مجرى العادات من نتائج، ويعطيه حكمه، وهذا مقصد شرعي أو مصلحة كلية أو عام أخذ من نصوص الشريعة بطريق الاستقراء المفيد للقطع، والدليل على ذلك:

1- أن الشارع حرم الخلوة بالأجنبية لأنها مظنة الزنا، أي سبب قد يؤدي إلى الزنا، وهو إقامة لمظنة الشيء مقام نفس الشيء، وإعطاء المظنة (الخلوة) حكم المظنون أي الزنا في التحريم.

2- أن النبي e نهى عن سفر المرأة دون محرم باعتباره مظنة للزنا، وهو إقامة لمظنة الشيء مقام نفس الشيء وإعطاء المظنة حكم المظنون.

3- نهي النبي e عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وقال: "إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" . وهو إقامة لمظنة الشيء وهو الجمع بينهما مقام نفس الشيء، وهو تقطيع الأرحام، وإعطاء المظنة حكم المظنون في التحريم.

4- تحريم خطبة المعتدة تصريحاً، وعقد النكاح للمحرم إذ الخطبة في العدة مظنة لأن تكذب المرأة استعجالاً للزواج في العدة، فأعطى الشارع حكم المظنون للمظنة، ونكاح المحرم مظنة لأن يفسد الحج بالوطء قبل التحليل فحرم، إقامة للمظنة مقام المظنون، أو بعبارة أخرى إقامة السبب مقام النتيجة التي قد يؤدي إليها.

5- وجوب إقامة الحدود مظنة للزجر عن ارتكاب أسبابها، وإن لم يحصل الزجر بها في الواقع، ولكنا أقمنا المظنة مقام المظنون،

فهذه النصوص وغيرها كثير يقطع بأن الشارع يقصد إقامة مظنة الشيء مقام نفس الشيء، أي يقيم الأسباب مقام النتائج التي قد تترتب عليها، وإن لم يثبت تحقق هذه النتائج في جميع الحالات، وهو ما يعبر عنه علماء الأصول بقولهم "العبرة بالمظنة دون المننة" والمننة معناها التحقق من ترتب النتيجة.

3      تقديم المصلحة العامة على الخاصة :

يقول الشاطبي إن لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة مقصد شرعي وأصل كلي لم يؤخذ من نص واحد ولم يدل عليه دليل معين ، وإنما أُخذ معناه من عدة نصوص وجملة أدلة بطريق الاستقراء تفيد القطع ". من هذه النصوص ما جاء في الحديث من النهي عن بيع الحاضر للبادي ، رعاية لمصلحة أهل السوق ، والنهي عن تلقي الركبان لمصلحة أهل الحضر ، وتحريم الاحتكار وإخراج الطعام من يد محتكره قهراً ، تقديماً لمصلحة الجماعة في توفير الأقوات اللازمة لمعاشهم ، وقد اتفق الصحابة على منع أبي بكر حينما ولي الخلافة من التجارة والتحرف وفرضوا نفقته من بيت المال، تقديماً لمصلحة عامة ، هي النظر في مصالح المسلمين ، على مصلحته الخاصة وهي قيامه بالتجارة التي يريدها والحرفة التي يختارها ، وما جاء في قصة أبي طلحة من تتريسه على الرسول e وقوله نحري دون نحرك ، حتى شلت يده ، ولم ينكر عليه الرسول e ذلك ، وذلك تقديم لمصلحة عامة ، هي حفظ حياة الرسول e لحفظ الدين ، إذ في وفاته فوات مصالح الإسلام والمسلمين ، على مصلحة خاصة هي سلامة أبي طلحة.

 وكذلك جواز الحجر على السفيه ؛ تقديماً لمصلحة عامة هي حفظ مال الجماعة ، على مصلحة خاصة بالسفيه ، وذلك على أساس أن للجماعة حقاً في ماله ، وأن حقه قاصر على الإنفاق على نفسه وأسرته ، دون إسراف أو تبذير ، فإن فعل كان مُفَوِتاً لمصلحة الجماعة .

فكل هذه الأدلة وغيرها مما لم يذكر تفيد بمجموعها أن تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة مقصود للشارع ، ولم يدل دليل منها على هذا الأصل أو المقصد بانفراده ، ولكنه يؤخذ من مجموع هذه النصوص وتلك الأحكام . وكأن هذا الأصل أو المقصود الشرعي أو المصلحة عموم لفظي مفاده "المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة" بل هو أقوى منه ؛ إذ العام اللفظي ظني الدلالة عند البعض ، أما العموم الاستقرائي فهو قطعي عند الجميع .

ويرى الشاطبي أن اعتبار الشارع لهذا المقصد الشرعي ، ويطلق عليه أيضاً الأصل الكلي أو المصلحة الكلية هو اعتبار لكل واقعة أو نازلة جزئية تدخل تحت هذا الأصل أو تحقيق فيها مناط تلك المصلحة ، فمثلاً قضى الصحابة بتضمين الصناع ما تحت أيديهم من سلع إذا ادعوا التلف أو الهلاك ، تقديماً لمصلحة أرباب السلع على مصلحة طائفة الصناع ، وذلك بعد أن فسدت ذمم الصناع وفشأ فيهم الكذب ، وضعف سلطان الدين على نفوسهم ، وغلب عليهم التعدي والخيانة ، وكان الأصل فيهم أنهم لا يضمنون ما بأيديهم إذا ادعوا التلف أو الهلاك ، ما لم يقم أصحاب السلع البينة على تعدي الصناع ، أو تقصيرهم ، في زمن كان للدين فيه سلطان على النفوس ، وكان الغالب صدق ما يدعون . فهذه الواقعة أو النازلة لم يدل على حكمها نص معين ، بل عدت جزئياً يدخل تحت مقصد شرعي أو أصل كلي ثبت بعدة نصوص وجملة أدلة بطرية الاستقراء المفيد للقطع وهو تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، وكأن هذا الكلي عموم لفظي .

 

ثالثاً : مناهج الاستدلال بالمقاصد الشرعية

 

يقرر الشاطبي أن العموم المستفاد من استقراء النصوص الشرعية (المقصد الشرعي) يجري في قوة الاحتجاج به مجرى العام المستفاد من الصيغة ، فيقول : "العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط ، بل من استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام ، فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغة" ، ومثَّل لذلك بأصل رفع الحرج في الدين ، وهو مقصد شرعي ، فقال : "فإنا نستفيده – أصل رفع الحرج – من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج ، كما إذا وجدنا التيمم شرع عند مشقة طلب الماء ، والصلاة قاعداً عند مشقة طلب القيام ، والقصر والفطر في السفر ، والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر ، والنطق بكلمة الكفر عند مشقة القتل والتأليم ، وإباحة الميتة وغيرها عند خوف التلف الذي هو أعظم المشقات ، والصلاة إلى أي جهة عند تعثر استخراج القبلة ، والمسح على الجبائر والخفين لمشقة النزع ولرفع الضرر ، والعفو في الصيام عما يعثر الاحتراز منه من المفطرات , كغبار الطريق ونحوه , إلى جزئيات كثيرة جداً , يحصل من مجموعها قصد الشارع لرفع الحرج ، فإذا تم للمجتهد هذا الاستقراء فإنه يطبق هذا العموم الاستقرائي على كل ما تحقق فيه مناطه ، تماماً كما يفعل في العموم اللفظي" ثم يقول بعد أن أثبت أن رفع الحرج مقصود للشارع :"فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء فكأنه عموم لفظي ." (الموافقات 3/299)

 

تحقيق مناط المقصد الشرعي في النوازل والوقائع التي ليس فيها نص حكم للشارع

ولا يفوت الشاطبي أن يفرق بين المقصد الشرعي (الأصل الكلي أو العموم المعنوي) وبين تحقيق مناطه في بعض الوقائع أو النوازل ، أي الفرق بين أصل "تقديم المصلحة العامة على الخاصة" وتقديم مصلحة أرباب السلع على مصلحة الصناع ، فيقول : "إن الأصل الكلي المأخوذ من استقراء عدة نصوص أصل قطعي ، وأما تحقيق مناط هذا الأصل الكلي في أحد الجزئيات أو تطبيقه على إحدى النوازل فأمر ظني ، وهذا يعني أننا ، وإن كنا نقطع بأن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة ، فإننا قد لا نقطع بتطبيق هذا الأصل أو تحقيق مناطه في فرع تضمين الصناع أو المنع من إقامة مصنع في جهة آهلة بالسكان ، أو فرض قيود معينة في استعمال الملك ؛ فإن العام الذي يؤخذ من الصيغة قد يكون قطعي الثبوت ولكن قد يكون ظنياً في دلالته على أحد الأفراد ، فالأدلة عموماً قد تكون قطعية ويكون تحقيق مناطها أو تطبيقها على بعض الجزئيات أي الوقائع والنوازل ظنياً . فإذا قلنا إن مقاصد الشريعة دليل قطعي ، فإننا نعني المقاصد الكلية ؛ أي الأصل الكلي أو مقصود الشارع الذي دلت عليه جملة نصوص شرعية تفيد في مجموعها القطع ، وإذا قلنا إن المقاصد الشرعية دليل ظني فإننا نعني بذلك تطبيق هذا الأصل على الفرع المعين وإعطاءه حكمه ، ومثال ذلك ما يقوله الغزالي من أن تقديم المصلحة الكلية على المصلحة الجزئية مقصود شرعي ، عُلِم كونه مقصوداً بأدلة لا تنحصر ، ثم يطبق هذا الأصل الكلي القطعي على مسألة الترس : أي تترس الكفار بأسرى المسلمين ن بحيث لا يتأتى دفعهم عن بلاد المسلمين إلا بقتل الترس ، ويقول إن هذه مصلحة ظنية، بمعنى أننا لا نقطع بدخول هذا الفرع أو هذه النازلة تحت الأصل الكلي ، بل نظن ظناً راجحاً أن هذا الأصل ينطبق على مسألة الترس ، وهذا لا يغير من صحة الحكم المستنبط في هذه المسألة ؛ إذ أن العمل بالظن واجب شرعاً باتفاق العلماء ، ولذا قلنا إن المصلحة المتحققة من قتل الترس مصلحة جزئية ظنية .

فأنت ترى أن الاستدلال المرسل أي المقاصد الشرعية منهج من مناهج الاستدلال بالنصوص الشرعية ، وليس شيئاً خارجاً عنها أو مصادماً لها أو زائداً عليها ، والمعنى فيه هو استنباط للحكم من معقول عدة نصوص وجملة أدلة ، لا يدل أي منها بعينه على الحكم ، بل تفيد في مجموعها القطع. وهذا هو معنى الإرسال ، فهو يعني عدم التقييد بأصل معين أو دليل خاص ، لأن القصد الشرعي أو الأصل الكلي مقيد بعدة نصوص وجملة أدلة اجتمعت على هذا المقصد أو الأصل حتى أفادت فيه القطع

 

رابعاً : خصائص المقاصد الشرعية

للمقاصد الشرعية خصائص منها:

 

1. أنها أساس التشريع: فمقاصد الشريعة ، أي مصالحها الكلية ، هي أساس التشريع ، فقد اتفقت كلمة علماء أصول الفقه ومقاصد الشريعة قديماً وحديثاً على أن الشارع سبحانه قاصد بشريعته تحقيق مصالح العباد ، ودفع الضرر والمفاسد عنهم في العاجل والآجل ، فكل نص نزل، وكل حكم شرع قصد به الشارع تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة ، ظهرت للمجتهد أو خفيت عليه ، وقد استدلوا على ذلك بالاستقراء المفيد للقطع من نصوص الكتاب والسنة التي جاءت معللة للحل والتحريم والإيجاب والندب والأمر والنهي بعلل وحكم ومصالح تعود على المكلفين في العاجل والآجل قصدها الشارع سبحانه من شرعه هذه الأحكام.

 

2. أنها كلية الأحكام: فمقاصد الشريعة تطبق على كل ما يتحقق فيه مناطها من العبادات والعادات والعقود والتصرفات لا تخرج عن تطبيقها واقعة أو نازلة ، لأنها أخذت بطريق استقراء نصوص الشريعة وأدلتها

 

3. أنها قطعية: فمقاصد الشريعة قطعية بمعنى أنها لم تؤخذ من نص واحد ولا من دليل معين ، بل أُخذ معناها من عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع ، ذلك أن الأدلة الجزئية تفيد الظن بآحادها ، ولكنها إذا اجتمعت على معنى واحد أفادت فيه القطع ، ومن هنا فقد أفاد التواتر القطع ، وإن كانت كل رواية للحديث خبر واحد تفيد الظن .

 

تقسيم البحث

سوف أقسم هذا البحث إلى فصلين أعرض في أولهما دور مقاصد الشريعة في تفسير النصوص الشرعية ، وفي الحكم على تصرفات المكلفين عبادات وعادات ، عقوداً وتصرفات ، وذلك في مبحثين . وأما الفصل الثاني فأخصصه لعرض تطبيقات فقه المقاصد الشرعية ، فأبدأ بتطبيقات المقاصد العامة الأصلية ثم تطبيقات المقاصد الشرعية التابعة وأخيراً أعرض طرفاً من تطبيقات مقاصد الشريعة في الحياة الاقتصادية . وذلك في مباحث ثلاثة


الفصل الأول
دور مقاصد الشريعة في تفسير النصوص ، والحكم على تصرفات المكلفين

المبحث الأول
دور مقاصد الشريعة في تفسير النصوص

 

 

بناءً على أن الشارع الحكيم قاصد بشرعه تحقيق مصالح العباد ودفع الفساد والضرر عنهم ، فإنه إذا وردت نصوص شرعية من الكتاب والسنة تحتاج إلى التفسير والبيان ، فإن هذه النصوص تفسر ويحدد نطاق تطبيقها ومجال إعمالها في ضوء مقاصد الشريعة التي وردت هذه النصوص لتحقيقها والحكم والمصالح التي قصد بها حمايتها ، وجميع المدارس الفقهية قد تبنت هذا المنهج ، واستنبطت على أساسه كثيراً من الأحكام الشرعية . وهذا المنهج لا يلتزم التفسير الحرفي للنص الشرعي ، بل يستلهم في ذلك التفسير  مقاصد الشريعة ، ويستعين بالحكم والمصالح التي جاءت النصوص لحمايتها ، مسترشداً بما عُرِف من عادة الشرع في الأحكام .

فإذا ما توصل المجتهد إلى معرفة قصد الشارع واستنبط المصلحة التي قصد بالنص حمايتها فسّر النص في ضوئها ، وحدد نطاق تطبيقه ومجال إعماله على أساسها. وقد أثبت الثقات من علماء الأصول ، أن هذا المنهج استدلال بالنصوص الشرعية وتفسير لها في ضوء المقاصد الشرعية التي جاءت لتحقيقها ، وبينوا أن جميع المجتهدين يعتمدون عليه في الاجتهاد ويصدرون على أساسه الفتاوى والأحكام . وإليك بعض تطبيقات هذا المنهج :

1-       عدالة الشهود

العدالة شرط في قبول الشهادة للأدلة الواردة في ذلك ومع ذلك يقول الإمام الغزالي باشتراط عدالة الشهود حتى لو لم ترد هذه الأدلة اكتفاء بقوله تعالى : " واستشهدوا شهيدين من رجالكم" على أساس تفسيره لهذه الآية  على ضوء قصد الشارع من الشهادة فقال : لو لم يشترط الشارع العدالة في الشهود لقلنا بها ؛ ذلك أن قصد الشارع من الشهادة هو إثبات الحقوق ، والحقوق لا تثبت بالفاسق . فقد فسر النص وحدد شروط وضوابط ونطاق تطبيقه في ضوء قصد الشارع من الشهادة.

2-       تلقي الركبان

نهى النبي e عن تلقي الركبان ، والركبان هم الجالبون للسع ؛ أي المستوردون ، وتلقيهم يعني لقاؤهم في الطريق قبل دخول الأسواق وشراء السلع والبضائع منهم ، وبذلك لا يلتقي العرض بالطلب ، أي لا تتحقق السوق اللازمة لتحديد السعر العادل. والقاعدة العامة أن النهي يقتضي الفساد ، ولكن ما الحكم إذا حدث التلقي ووقع الشراء من الركبان قبل هبوط الأسواق ؟ هل يكون البيع باطلاً يجب فسخه ؟ أم يكفي إعطاء الركبان حق الخيار إذا ظهر لهم أنهم غبنوا ، أي باعوا بثمن أقل من ثمن المثل بكثير ؟ اختلف المجتهدون في التفسير بناءاً على أصل التفسير في ضوء مقصد الشارع ، أي المصلحة التي قصد الشارع بالنص حمايتها ، فمن قائل أن المصلحة التي قصد الشارع بالنص حمايتها هي مصلحة الركبان أي التجار ، لأنهم إذا باعوا قبل نزول السوق ، فإنهم قد يبيعون بأقل من ثمن المثل لعدم اطلاعهم على الأسعار ، وهنا لا يكون الحكم هو البطلان ، لأن البطلان خلاف الأصل ، ولا يصار إليه إلا إذا اقتضته المصلحة ، بل الحكم في هذه الحالة هو إعطاء التجار حق الخيار مع صحة البيع ، فإن هبطوا السوق فعلموا أنهم باعوا بأقل من ثمن المثل ، طلبوا فسخ البيع وإلا فلا ، على أساس أن النص يفسر في ضوء مقصود الشارع ، أي المصلحة التي قصد الشارع بالنص حمايتها دون زيادة ولا نقص ، وهناك فريق يرى أن قصد الشارع والمصلحة التي قصد الشارع حمايتها بالنهي عن تلقي الركبان هي مصلحة أهل السوق أي المستهلكين ؛ ذلك أن المتلقي يشتري بسعر رخيص ، ثم يحتكر السلع في مخازنه ويبيعها شيئاً فشيئاً فيغلو السعر على المستهلكين . ومن هنا فقد قال هذا الفريق بأن حكم البيع هو البطلان ، فيرد المشتري السلعة ، ويأخذ ما دفعه من ثمن، وينزل بها الركبان إلى السوق فيلتقي العرض بالطلب ويمتنع الاحتكار ويتحدد السعر العادل ، فالمصلحة أو مقصود الشارع من شرع الأحكام هو الذي حدد التفسير الذي يحقق هذا المقصود أو تلك المصلحة ، واختلف الحكم تبعاً لاختلاف التفسير والنظرة إلى المصلحة المقصود بالنص تحقيقها.

3-       التسعير

امتنع النبي e عن التسعير عندما قال له الصحابة سعر لنا يا رسول الله ، وقال : "إن الله هو المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال ...." ، وقد فسر المالكية هذا النص في ضوء مقاصد الشارع والمصلحة التي جاء النص لحمايتها في نظرهم، وهي مصلحة التجار الذين يبيعون وفق قانون العرض والطلب ، فالتسعير عليهم ظلم لهم ، وقالوا إذا كان ارتفاع الأسعار بسبب الاحتكار والتلاعب بالأسعار من التجار جاز التسعير .

4-       منع القاتل من الإرث

جاء الحديث عن الرسول e " لا ميراث لقاتل " دون وصف القتل بأنه عمد أو خطأ ، أو أنه وقع بحق أو بدون حق ، أو أنه مباشرة أو بالسبب ، واحتاج المجتهدون إلى تفسيره وتحديد مجال تطبيقه ، وكان منهجهم في ذلك هو التعرف على مقصد الشارع ، أي المصلحة التي قصدها الشارع بهذا النص ، فمن قال إن هذه المصلحة هي منع العدوان على النفوس قصر التطبيق على القتل العمد دون الخطأ ، وبغير حق دون ما كان بحق ، ومن رأى غير ذلك طرد الحكم في كل أنواع القتل ومنع الإرث بها كلها كالشافعي.

 

 


المبحث الثاني
دور مقاصد الشريعة في الحكم على تصرفات المكلفين

 

لقد اتفق الثقات من المجتهدين ، على أن تصرفات المكلفين ، عبادات أو عادات ، عقودا أو تصرفات ، يحكم عليها بالحِل أو الحرمة والصحة أو البطلان بمدى تحقيقها لمقاصد الشارع ، فإذا كان قصد المكلف في العمل موافقاً لقصد الشارع في تشريع ذلك العمل صح العمل وترتبت عليه آثاره ، عقداً أو تصرفاً ، فإن كان هذا القصد مخالفاً حرم التصرف وبطل ولم تترتب عليه آثاره ، وإن كان التصرف أو العقد قد استوفى شكله وتوافرت أركانه وشروطه الشرعية . فالعبرة في نظر المجتهدين ليس بصورة التصرف أو العقد وصيغته فقط ، بل بتحقيقه لقصد الشارع من شرع هذا التصرف أو العقد ، وذلك إنما يكون بموافقة قصد العاقد أو المتصرف بتصرفه وعقده ما قصده الشارع من تشريع ذلك العقد والتصرف ، وقد قدم الشاطبي الأدلة التي تقطع بأن هذا مقصود للشارع ، وأن أحكام النوازل والوقائع الجديدة تستنبط على أساسه ، وضرب لذلك الأمثلة فقال:

5-       موافقة قصد الشارع :

"قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع ، والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة ؛ إذ قد مر أنها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم ، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله ، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع . ولأن المكلف خُلق لعبادة الله ، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة – هذا محصول العبادة – فينال بذلك الجزاء في الدنيا والآخرة . وأيضاً فقد مر أن قصد الشارع المحافظة على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينات ، وهو عين ما كلف به العبد ، فلا بد أن يكون مطلوباً بالقصد إلى ذلك ، وإلا لم يكن عاملا على المحافظة على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينات ، وهو عين ما كلف به العبد ، فلا بد أن يكون مطلوباً بالقصد إلى ذلك ، وإلا لم يكن عاملاً على المحافظة ؛ لأن الأعمال بالنيات . وحقيقة ذلك أن يكون خليفة الله في إقامة هذه المصالح بحسب طاقته ومقدار وسعه , وأقلُّ ذلك خلافته على نفسه ، ثم على أهله ، ثم على كل من تعلقت له به مصلحة . ولذلك قال e : (( كُلّكم راعٍ وكُلكم مسئولٌ عن رَعِيَّته)) وفي القرآن الكريم : (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه*) وإليه يرجع قوله تعالى : (إني جاعلٌ في الأرض خليفة) وقوله : (ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) وقوله، (وهوَ الذي جعلكم خَلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعضٍ درجات ليبلوكم فيما آتاكم) والخلافة عامة وخاصة حسبما فسرها الحديث حيث قال : (( الأميرُ راعٍ والرجلُ راعٍ على أهل بيته ، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده . فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) وإنما أتى بأمثلة تبين أن الحكم كلي عام غير مختص ، فلا يتخلف عنه فرد من أفراد الولاية ، عامة كانت أو خاصة . فإذا كان كذلك فالمطلوب منه أن يكون قائماً مقام من استخلف ، يجري أحكامه ومقاصده مجاريها ، وهذا بين.

 

وبذلك يكون الشاطبي قد أقام الأدلة القطعية على أن قصد المكلف في جميع أعماله ومنها عقوده وتصرفاته ، يجب أن يوافق قصد الشارع في تشريعه تلك الأعمال ، وهي أدلة أخذت باستقراء نصوص الشريعة استقراء يصل إلى القطع ، فصار كالعموم المعنوي يطبق على الكل ما نتحقق فيه مناطه من الجزئيات ، دون حاجة إلى دليل جزئي في كل واقعة أو نازلة يراد تطبيقه عليها ، بل تتقدم على الأدلة الجزئية إذا ظهر تعارض هذا الأصل معها .

 

6-       بطلان العمل الذي خولف فيه قصد الشارع

ثم يؤكد الشاطبي على بطلان كل عمل ، عبادة أو معاملة ، عقداً أو تصرفاً ، ابتغى فيه المكلف غير ما شرع له من المصالح ، وإن صدر في الصيغة والشكل الذي طلبه الشارع وتوافرت أركانه وشروطه الشرعية وأقام الأدلة القاطعة على أن هذا الأصل كلي قطعي يطبق على جميع أنواع الأعمال ، عبارات أو معاملات ، عقوداً أو تصرفات ، متى توافر فيها مناط تطبيقه وضرب لذلك الأمثلة فقال: " كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة . وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل . فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل". ثم قال:

أما أن العمل المناقض باطل ، فظاهر ؛ فإن المشروعات إنما وضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد ، فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال التي خولف بها جلب مصلحة ولا درء مفسدة . وأما أن مَن ابتغى في تكاليف الشريعة ما لم يوضع له فهو مناقض لها ، فالدليل عليه من أوجه:

 

"(أحدها) أن الأفعال والتروك من حيث هي أفعال أو تروك متماثلة عقلاً بالنسبة إلى ما يقصد بها؛ إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح ، فإذا جاء الشارع بتعيين أحد المتماثلين للمصلحة وتعيين الآخر للمفسدة فقد بيّن الوجه الذي منه تحصل المصلحة فأمر به أو أذن فيه، وبين الوجه الذي به تحصل المفسدة فنهى عنه رحمة بالعباد . فإذا قصد المكلف عين ما قصده الشارع بالإذن فقد قصد وجه المصلحة على أتمّ وجوهه ، فهو جدير بأن تحصل له . وإن قصد غير ما قصده الشارع وذلك إنما يكون في الغالب لتوهم أن المصلحة فيما قصد ؛ لأن العاقل لا يقصد وجه المفسدة كفاحاً – فقد جعل ما قصد الشارع مهمل الاعتبار ، وما أهمل الشارع مقصوداً معتبراً. وذلك مضادة للشريعة ظاهرة"

 

(والثاني) أن حاصل هذا القصد يرجع إلى ما رآه الشارع حسناً فهو عند هذا القاصد ليس بحسن . وما لم يره الشارع حسناً هو عنده حسن . وهذه مضادة أيضاَ.

 

(والثالث) أن الله تعالى يقول : (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) الآية! وقال عمر بن عبدالعزيز ((سنّ رسول الله e وولاةُ الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديقٌ لكتاب الله ، واستكمالٌ لطاعة الله ، وقوة على دين الله . من عمل بها مهتد ؛ ومن استنصر بها منصور ؛ ومن خالفها اتَّبع غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ، وأصلاه جهنم ، وساءت مصيرا)) والأخذ في خلاف مآخذ الشارع من حيث القصد إلى تحصيل المصلحة أو درء المفسدة مشاقة ظاهرة.

 

(والرابع) أن الآخذ بالمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصد آخذ في غير مشروع حقيقة، لأن الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض ، فإذا أخذ بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم فلم يأت بذلك المشروع أصلاً ، وإذا لم يأت به ناقض الشارع في ذلك الأخذ ، من حيث صار كالفاعل لغير ما أمر به والتارك لما أمر به .

 

(والخامس) أن المكلف إنما كلف بالأعمال من جهة قصد الشارع بها في الأمر والنهي ؛ فإذا قصد به غير ذلك كانت بفرض القاصد وسائل لما قصد لا مقاصد ، إذ لم يقصد بها قصد الشارع فتكون مقصودة ، بل قصد قصداً آخر جعل الفعل أو الترك وسيلة له ، فصار ما هو عند الشارع مقصودٌ وسيلة عنده ، وما كان شأنه هذا نقض لإبرام الشارع ، وهدمٌ لما بناه.

 

(والسادس) أن هذا القاصد مستهزئ بآيات الله ؛ لأن من آياته أحكامه التي شرعها ، وقد قال بعد ذكر أحكام شرعها (ولا تتخذوا آيات الله هزواً) والمراد أن لا يقصد بها غير ما شرعها لأجله . ولذلك قيل للمنافقين حيث قصدوا بإظهار الإسلام غير ما قصده الشارع :(( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون)) والاستهزاء بما وضع على الجد مضادة لحكمته ظاهرة . والأدلة على هذا المعنى كثيرة .

 

وللمسألة أمثلة كثيرة ؛ كإظهار كلمة التوحيد قصداً لإحراز الدم والمال ، لا لإقرار للواحد الحق بالوحدانية ، والصلاة لينظر إليه بعين الصلاح ، والذابح لغير الله ، والهجرة لينال دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، والجهاد للعصبية أو لينال شرف الذكر في الدنيا ، والسلف ليجرّ به نفعاً ، والوصية بقصد المضارة للورثة ، ونكاح المرأة ليحلها لمطلقها ، وما أشبه ذلك.  (الموافقات 2/333)

 

7-       مخالفة قصد الشارع بالعمل الموافق

وقد عقد الشاطبي مسألة خاصة بحكم من قصد بالعمل الموافق في الصورة غير ما قصده الشارع به، فعلاً كان ذلك العمل أو تركا وذكر أن مخالفة قصد الشارع في العمل الموافق في الظاهر ؛ أي مكتمل الصورة والأركان والشروط ، معصية وغير صحيح جملة ، لمخالفة قصد الشارع ، وذكر لذلك أمثلة فقال:

 

"فاعل الفعل أو تاركه إما أن يكون فعله أو تركه موافقاً أو مخالفاً . وعلى كلا التقديرين إما أن يكون قصده موافقة الشارع أو مخالفته . فالجميع أربعة أقسام .

 

(أحدها) أن يكون الفعل أو الترك موافقاً وقصده الموافقة ، كالصلاة ، الصيام ، الصدقة والحج وغيرها ، يقصد بها امتثال أمر الله تعالى ، وأداء ما وجب عليه أو ندب إليه ، وكذلك ترك الزنى والخمر وسائر المنكرات ، ويقصد بذلك الامتثال ، فلا إشكال في صحة هذا العمل.

 

(والثاني) أن يكون الفعل أو الترك مخالفاً وقصده المخالفة ، كترك الواجبات وفعل المحرمات قاصداً لذلك . فهذا أيضاً ظاهر الحكم.

 

(والثالث) أن يكون الفعل أو الترك موافقاً وقصده المخالفة وهو ضربات "أحدهما" أن لا يعلم بكون الفعل أو الترك موافقاً ((والآخر)) أن يعلم بذلك . فالأول كواطئ زوجته ظاناً أنها أجنبية ، وشارب الجلاب ظاناً أنه خمر ، وتارك الصلاة يعتقد أنها باقية في ذمته ، وكان قد أوقعها وبرئ منها في نفس الأمر. فهذا الضرب قد حصل فيه قصد العصيان بالمخالفة . ويحكي الأصوليون في هذا النحو الاتفاق على العصيان في مسألة " من أخر الصلاة مع ظن الموت قبل الفعل". فالحاصل أن هذا الفعل أو الترك فيه موافقة ومخالفة. (الموافقات 2/337)

 

(والرابع) أن يكون الفعل أو الترك موافقاً إلا أنه عالم بالموافقة ، ومع ذلك فقصده المخالفة . ومثاله أن يصلي رياء لينال دنيا أو تعظيماً عند الناس ، أو ليدرأ عن نفسه القتل وما أشبه ذلك . فهذا القسم أشد من الذي قبله . وحاصله أن هذا العامل قد جعل الموضوعات الشرعية التي جعلت مقاصد ، وسائل لأمور أخرى لم يقصد الشارع جعلها لها ، فيدخل تحتها النفاق والرياء والحيل على أحكام الله تعالى ، وذلك كله باطل ، لأن القصد مخالف لقصد الشارع عيناً فلا يصح جملة ، وقد قال لله تعالى : ((إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار))

(والقسم الخامس) أن يكون الفعل أو الترك مخالفاً والقصد موافقاً ، فهو أيضاً ضربان:

"أحدهما" أن يكون مع العلم بالمخالفة "والآخر " أن يكون مع الجهل بذلك.

(فإن كان مع العلم بالمخالفة فهذا هو الابتداع ، كإنشاء العبادات المستأنفة والزيادات على ما شرع ، ولكن الغالب أن لا يتجرأ عليه إلا بنوع تأويل . ومع ذلك فهو مذموم حسبما جاء في القرآن والسنة. والذي يتحصل هنا أن جميع البدع مذمومة ، لعموم الأدلة في ذلك ، كقوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) وقوله : ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) وفي الحديث " كل بدعة ضلالة" وهذا المعنى في الأحاديث كالتواتر.

(وإن كان) العمل المخالف مع الجهالة بالمخالفة فله وجهان : "أحدهما" كون القصد موافقاً فليس بمخالف من هذا الوجه ، والعمل وإن كان مخالفاً فالأعمال بالنيات ، ونية هذا العامل على الموافقة لكن الجهل أوقعه في المخالفة ، ومن لا يقصد مخالفة الشارع كفاحاً لا يجري مجرى المخالف بالقصد والعمل معاً ، فعمله بهذا النظر منظور فيه على الجملة لا مطروح على الإطلاق. "والثاني" كون العمل مخالفاً ، فإن قصد الشارع بالأمر والنهي الامتثال ، فإذا لم يمتثل فقد خولف قصده . ولا يعارض المخالفة موافقة القصد الباعث على العمل ؛لأنه لم يحصل قصد الشارع في ذلك العمل على وجه ، ولا طابق القصد العمل ، فصار المجموع مخالفاً كما لو  خولف فيهما معاً فلا يحصل الامتثال.

وبعد أن قرر الشاطبي أن قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصد الشارع في تشرع ذلك العمل ، وأن كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة ، واستدل على أن العمل الذي خالف فيه المكلف قصد الشارع معصية وباطل ، وإن كان العمل موافقاً في الظاهر ؛ أي مكتمل الصورة والأركان والشروط ، فصل ذلك وضرب له الأمثلة ، وعقد لذلك المسألة الثانية عشرة من كتاب الموافقات (مجلد 2/385) فقال :

"لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك ، لأنه مقصود الشارع فيها كما تبين . فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال . وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع ؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها ، وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها ، والمصالح التي شرعت لأجلها . فالذي عمل من ذلك على غير هذا فليس على وضع المشروعات.

 

فنحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات إنما شرعت للتقرب بها إلى الله، والرجوع إليه ، وإفراده بالتعظيم والإجلال ، ومطابقة القلب للجوارح في الطاعة والانقياد ؛ فإذا عمل بذلك على قصد نيل حظ من حظوظ الدنيا من دفع أو نفع ، كالناطق بالشهادتين قاصداً لإحراز دمه وماله لا لغير ذلك ، أو المصلي رئاء الناس ليُحمد على ذلك أو ينال به رتبة في الدنيا ، فهذا العمل ليس من المشروع في شيء ؛ لأن المصلحة التي شرع لأجلها لم تحصل ، بل المقصود به ضد تلك المصلحة.

 

وعلى هذا نقول في الزكاة مثلاً : أن المقصود بمشروعيتها رفع رذيلة الشح ومصلحة إرفاق المساكين ، وإحياء النفوس المعرّضة للتلف ؛ فمن وهب في آخر الحول ماله هروباً من وجوب الزكاة عليه ، ثم إذا كان في حول آخر أو قبل ذلك استوهبه ، فهذا العمل تقوية لوصف الشح وإمداد له ، ورفع لمصلحة إرفاق المساكين . فمعلوم أن صورة هذه الهبة ليست هي الهبة التي ندب الشرع إليها ؛ لأن الهبة إرفاق وإحسان للموهوب له ، وتوسيع عليه غنياً كان أو فقيراً ، وجلب لمودته ومآلفته ، وهذه الهبة على الضد من ذلك . ولو كانت على المشروع من التمليك الحقيقي لكان ذلك موافقاً لمصلحة الإرفاق والتوسعة ، ورفعاً لرذيلة الشح ، فلم يكن هروباً عن أداء الزكاة . فتأمل كيف كان القصد المشروع في العمل لا يهدم قصداً شرعياً ، والقصد غير الشرعي هادم للقصد الشرعي !

 

ومثله أن الفدية شرعت للزوجة هرباً من أن لا يقيما حدود الله في زوجيتهما ، فأبيح للمرأة أن تشتري عصمتها من الزوج عن طيب نفس منها ، خوفاً من الوقوع في المحظور . فهذه بذلت ما لها طلباً لصلاح الحال بينها وبين زوجها ، وهو التسريح بإحسان ، وهو مقصد شرعي مطابق للمصلحة، لا فساد فيه حالاً ولا مآلاً ؛ فإذا أضرَّ بها لتفتدي منه فقد عمل هو بغير المشروع حين أضرّ بها لغير موجب ، مع القدرة على الوصول إلى الفراق من غير إضرار ، فلم يكن التسريح إذا طلبته بالفداء تسريحاً بإحسان ، ولا خوفاً من أن لا يقيما حدود الله ؛ لأنه فداء مضطر وإن كان جائزاً لها من جهة الاضطرار والخروج من الإضرار ، وصار غير جائز له إذ وضع على غير المشروع ".

 

وكذلك نقول : إن أحكام الشريعة تشتمل على مصلحة كلية في الجملة ، وعلى مصلحة جزئية في كل مسألة على الخصوص . أما الجزئية فما يعرب عنها كل دليل لحكم في خاصته . وأما الكلية فهي أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته ، فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها ، حتى يرتاض بلجام الشرع . وقد مر بيان هذا فيما تقدم . فصار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع رُخَص المذاهب ، وكل قول وافق فيها هواه فقد خلع ربيعة التقوى وتمادى في متابعة الهوى ونقص ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه:

 

 


الفصل الثاني
تطبيقات على فقه المقاصد الشرعية

 

عرفنا مقاصد الشريعة، وبينا طريقة إثباتها منهج التعرف عليها وخصائصها، ثم ذكرنا دور هذه المقاصد في تفسير النصوص وفي الحكم على تصرفات المكلفين ودروها في الدلالة على حكم ما ليس فيه نص من الوقائع والنوازل، ونعقد هذا الفصل لعرض بعض تطبيقات فقه المقاصد وذلك في مبحثين يخصص أولهما لعرض المقاصد الأصلية وما يتفرع عنها وتحته مطلبين يخصص أولهما للمقصد الأصلي وهو اعتبار مآلات الأفعال ، ويخصص ثانيهما للمقاصد الفرعية ، وأما المبحث الثاني فأخصصه لدراسة بعض تطبيقات المقاصد الشرعية في مجال الاقتصاد بصفة خاصة.

 

المبحث الأول
المقاصد الأصلية وما يتفرع عنها

المطلب الأول : المقصد الأصلي ، اعتبار مآلات الأفعال

 

سوف أعرض في هذا المطلب أصل اعتبار مآلات الأفعال فأحدد مضمون هذا الأصل ، وأقيم الأدلة على اعتباره مقصوداً للشارع ، وأضرب له الأمثلة وذلك تمهيداً لدراسة المقاصد المتفرعة عن هذا المقصد الأصل وتطبيقاها ، وفروعها فقهية ، ودورها في تفسير النصوص والحكم على تصرفات المكلفين ، وحجتها في استنباط حكم الفرع أو النازلة المراد معرفة حكمها بمنهج الاستدلال بالمقاصد الشرعية.

 

أولاً: مضمون هذا الأصل

 

هذا مقصود الشارع باستقراء عدة نصوص وجملة أدلة تفوق الحصر وتفيد القطع ، ومن ثم فإنه يصلح أساساً لتفسير النص والحكم على تصرفات المكلفين وعقودهم وحجة قطعية في استنباط مالا نص فيه من النوازل والوقائع. يقول الشاطبي في مضمون هذا الأصل : "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود للشارع ، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة من المكلفين بالإقدام أو الإحجام ، أي بالحل أو التحريم وبالصحة أو بالبطلان إلا بعد نظره إلى ما يئول إليه ذلك الفعل ، فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب ، أو مفسدة تُدرأ ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد منه ، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ، ولكن له مآل خلاف ذلك ، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها ، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية ، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية ، وهو مجال للمجتهد صعب المورد ، إلا أنه عذب المذاق ، محبوب الغب جار على مقاصد الشرعية". (الموافقات 4/195)

 

ثانياً : أمثلة على هذا الأصل:

 

1. جاء النص الشرعي بالإذن بالبيع لما يترتب عليه من المصالح لأن الشارع لا يشرع الأحكام عبثاً، وهذه المصلحة هي حاجة البائع إلى الثمن وحاجة المشتري إلى السلعة ، فإذا باع شخص سلعة بعشرة إلى أجل ثم اشتراها قبل الأجل بخمسة نقداً، فإن مآل هذا البيع يحقق مفسدة هي الإقراض بالربا، ولم يحقق مصالح البيع، وفي هذا يقول الشاطبي: "لأن المصالح التي لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شيء"،

 

ومن ذلك التورق المصرفي المنظم، فإن حصول المتعامل مع البنك على نقد عاجل في نقد آجل أكثر منه مقابل الأجل، وهي مفسدة شرعية، تفوق مصلحة شراء المتعامل للسلعة بالأصل وإعادة بيعها بنقد أقل منه ، بل أنه لا مصلحة حيث أنه حاجة للمشتري للسلعة بدليل بيعها نقداً بثمن أقل مما اشتراها به.

 

2. الهبة عقد مشروع لمصالح قصدها الشارع منه، هي الإحسان إلى الموهوب له والتوسيع عليه غنياً أو فقيراً، وجلب مودته، ودفع رذيلة البخل عن الواهب، فإذا وهب شخص جزءاً من ماله في آخر الحول هرباً من الزكاة ثم إذا كان في حول آخر استوهبه، فإن المصالح التي لأجلها شرع الله الهبة ليست موجودة، بل الهبة في هذه الحالة أدت إلى نقيض تلك المصالح، فالعقد في الأصل مشروع لمصلحة ولكن له مآل بخلاف ما قصد منه، بل إن مآل هذه الهبة منع الزكاة وهو مفسدة وفوات مصلحة تزيد على المصلحة التي قصدها الشارع.

 

3. جاءت النصوص الشرعية بوجوب طلب الحلال وتحري طرقه، فإذ تبين لمكلف أن النكاح يلزمه طلب قوت العيال ونفقة الزوجة مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام، وأنه قد يلجأ إلى الدخول في التكسب لهم بما لا يجوز، فإن إطلاق النصوص وعموم الأدلة يقتضي المنع من الزواج لما يلزمه من المفاسد المتوقعة ، ولكن المنع من الزواج يؤول إلى فوات مصالح أهم أو حدوث مفاسد أكبر، ذلك أن الزواج يحصل مصالح ضرورية هي حفظ النسل فضلاً عن أن التحرز من مفسدة التكسب الحرام قد يؤدي إلى الوقوع في مفسدة أشد هي الزنا، فاغتفر الله الأول خشية الوقوع في هذا المآل.

 

ثالثاً: أدلة اعتبار الشارع لهذا الأصل:

 

أقام الشاطبي الأدلة القاطعة على أن اعتبار المآل مقصود للشارع، وذلك عن طريق استقراء عدة نصوص وجملة أدلة تفيد القطع ، ثم ذكر طرق الاجتهاد التي تبنى عليه وهي مقصودة للشارع أيضاً بأدلة لا تنحصر كالذرائع والاستحسان والمنع من التحيل وغيرها من المقاصد والتابعة، وسوف أعرض بإيجاز هذه المقاصد الشرعية فأحدد المقصد الشرعي وأذكر أدلة اعتباره وحجيته، ثم أبين دوره في تفسير النصوص وفي الحكم على تصرفات المكلف وعقوده، ودوره في استباط ما لا نص فيه من الوقائع والنوازل التي ليس فيها نص حكم للشارع.

المقصد الأول:
سد الذريعة وفتحها

أولاً: تعريف سد الذريعة وفتحها:

سد الذريعة يعني المنع من الأمر الجائز ، في الأصل ، في الحالات التي يؤدي فيها إلى ما لا يجوز ، فإذا كان الفعل الجائز لما فيه من المصلحة يؤدي غالباً إلى مفسدة تساوي مصلحة هذا الفعل أو تزيد فإن الشارع يمنع من هذا الفعل سداً للذريعة المفسدة.

 

وفتح الذريعة يعني الإذن في الأمر الممنوع في الأصل لما يترتب عليه من فوات مصالح أو جلب مفاسد في الحالات التي يؤدي فيها المنع منه إلى فوات مصلحة أهم أو حدوث مفسدة أشد.

 

ثانياً : شروط سد الذريعة وفتحها

 

ولسد الذريعة شروط ثلاثة:

1)    أن يؤدي الفعل المأذون فيه إلى مفسدة.

الفعل المأذون فيه يتضمن مصلحة في الأصل ومن ثم فلا يجوز المنع من هذا الفعل طالما أنه يحقق تلك المصلحة ولا يؤدي إلى مفسدة تجب هذه المصلحة، أما إذا كان هذا الفعل ذريعة إلى المفسدة فإن الشرع يمنع منه.

 

2)   أن تكون هذه المفسدة مساوية أو راجحة على مصلحة هذا الفعل،

 فإذا أربت مصلحة الفعل المشروع على المفسدة التي تؤدي إليها فإن الفعل لا يمنع، وفي هذا يقول القرافي: "قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة، إذا أفضت إلى مصلحة راجحة ، كالتوسل إلى فداء الأسرى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به. فالدفع هنا وسلية إلى المعصية بأكل المال، ومع ذلك فهو مأمور به لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة. وكالمنع من تلقي الركبان ، فإن منعه في الأصل ممنوع ، إذ هو من باب منع الارتفاق وأصله ضروري أو حاجي ، لأجل أهل السوق، ومنع بيع الحاضر للبادي ، لأنه في الأصل منع من النصيحة، إلا أنه إرفاق لأهل الحضر.

3)   أن يكون أداء الفعل المأذون فيه إلى المفسدة كثيراً.

قاعدة الذرائع لا تعني أن كل ذريعة إلى ممنوع تمنع ، بل إن في المسألة بعض التفصيل:

فالقرافي يقسم الذرائع إلى أقسام ثلاثة: قسم أجمعت الأمة على سده ، كحفر الآبار في طرق المسلمين ، فإنه وسيلة إلى هلاكهم به . وقسم أجمعت الأمة على عدم منعه ، كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر . وقسم مختلف فيه بين الأئمة كبيوع الآجال ، كمن باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر ، فمالك يقول إنه أخرج من يده خمسة الآن وأخذ عشرة آخر الشهر، فهذه وسيلة لسلف خمسة بعشرة إلى أجل توسلاً بإظهار صورة البيع لذلك ، والشافعي يقول: ينظر إلى صورة البيع الذي استكمل أركانه وتوافرت شروطه لا إلى نية العاقدين والقرائن المحيطة بها ويحمل الأمر على ظاهره فيصح العقد ، ما لم ينص العاقدان على الشرط المبطل فيبطل العقد عندئذ بالشرط الباطل. وهذه البيوع يقال إنها تصل إلى ألف مسألة ، اختص بها مالك فأبطلها بالقرائن التي تدل على قصد العاقدين ، وفشو هذا القصد في الناس ، وخالفه فيها الشافعي ، الذي لا يبطل العقود بنية العاقدين التي لم تظهر في صيغة العقد ، وإن قامت عليها القرائن أو فشا القصد المحرم والباعث غير المشروع بني الناس ويترك أمر نية العاقدين لله تعالى ، ويبطل العقد ديانة وقضاء إذا أظهر العاقدين القصد المحرم والباعث غير الشرعي في العقد وصرح بين العاقدان فإن العقد يبطل عنده ديانة وقضاء.

وكذلك اختلف في تضمين الصناع ، لأنهم يؤثرون في السلع بصنعتهم فتتغير السلع فلا يعرفها ربها إذا بيعت فيضمنون سداً لذريعة الأخذ أم لا يضمنون لأنهم أجراء والأصل في الأجير الأمانة ؟ ونحن قلنا بسد هذه الذرائع ولم يقل بها الشافعي بناء على مذهبه من أن الفعل صحيح والتصرف ينفذ في الظاهر إذا لم يشترط فيه العاقدين ما لو ظهر لأبطل ، أما مالك فيبطل ذلك بالقرائن والتصرف إذا فشا وظهر ذلك في الناس.

فليس سد الذرائع خاصاً بمالك رحمه الله بل قال بها هو أكثر من غيره. فأصل سدها مجمع عليه. فالذي أجمعت عليه الأمة ما كان أداؤه للمفسدة قطعاً أو ظناً راحجاً وذلك بحسب مجاري العادات بين الناس. والذي أجمعت الأمة على عدم سده هو ما كان أداء الذريعة فيه إلى النتيجة الممنوعة نادراً.

 

ثالثاً: المعيار الموضوعي لسد الذرائع وفتحها:

 

ليس المقصود بالظن والعلم فيما تقدم ظن أو علم المتذرع بالفعل المباح إلى المفسدة ، وليس المقصود القطع والندرة والغلبة والكثرة في نظر المتذرع بالفعل المباح إلى المفسدة، بل إن المقصود ما يعده الشخص العادي علماً أو ظناً والغلبة والكثرة والندرة في الواقع ونفس الأمر فإذا ثبت أن حافر البئر لا يعلم ولا يظن أن هذا العمل يؤدي إلى وقوع أحد فيه، وكان هذا العمل في نظر الشخص العادي مؤدياً إلى ذلك، فإن هذا العمل يعد غير مأذون فيه، ويسأل الحافر عن جميع النتائج المترتبة على فعله من ضمان الأنفس والأموال، أما العلم الشخصي فأمره إلى الله الذي يعلم السرائر ويحاسب على المقاصد. فالمعيار في الذرائع معيار موضوعي لا شخصي ينظر فيه إلى الواقع ومآل الفعل وفقاً للعادات الجارية ولا دخل فيه لنية الفاعل وقصده وعلمه وظنه، لأنه تعاطى السبب الذي من شأنه أن يوصل إلى النتيجة.

والشافعي لم يخالف في أن القصد المحرم أو الباعث غير المشروع يبطل العقود والتصرفات ، ولا في منع التذرع بالعمل المباح إلى النتيجة المحرمة، ولكنه يشترط أن يظهر القصد المحرم أو الباعث غير المشروع في صلب العقد حتى تتحقق المفسدة عنده ، ولا تبطل العقود والتصرفات في نظره بالعلم أو الظن المفترض ، وإن ظهرت قرائن تدل عليه أو فشا في تصرفات الناس فهذا لا يصلح عنده لإبطال العقود والتصرفات وإن كان يصلح للمسئولية عنها في الآخرة ، وهذا ما يعبر عنه بالحكم ديانة والحكم قضاء ، فالبطلان قضاء لا يكون إلا في حالة ذكر القصد والباطل أو الباعث غير المشروع في صلب العقد ، أما إذا خلت الصيغة من ذلك فإن العقد يصح ويترتب عليه آثاره في الدنيا ، وغاية الأمر أن هذا العقد قد يبطل ديانة عند علام الغيوب.


رابعاً : أدلة اعتبار مقصد سد الذرائع وفتحها

 

أقام الشاطبي الأدلة على قصد الشارع لهذا الأصل ، وقرر أنه قد أخذ من استقراء نصوص الشريعة استقراء يفيد القطع، وأن الشارع يمنع من الفعل الجائز إذا كان ذريعة إلى مفسدة تساوي مصلحته أو تزيد، ثم قرر أن هذا المعنى المستقرأ من نصوص الشريعة يقوم مقام العموم المستفاد من الصيغة ، فيفسر به النص ، ويحكم به على أفعال المكلفين ، ويطبق على الوقائع غير المنصوص عليها ، دون حاجة إلى دليل خاص من قياس وغيره.

ومن النصوص التي تدل على قصد الشارع لهذا الأصل ما يلي:

 

1- قول النبي e حين أشير عليه بقتل من ظهر نفاقه: "أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" فموجب القتل موجود، وهو الكفر بعد الإيمان، والسعي في إفساد المسلمين كافة ، فكان قتله مشروعاً لما فيه من دفع مفسدة، ولكن لما كان هذا الفعل ذريعة إلى هذه التهمة، وهي أن محمداً يقتل أصحابه، منع لأنها مفسدة تزيد على مصلحة القتل بكثير.

 

2- قول النبي e لعائشة رضي الله عنها: "لولا أن قومك حديثوا عهد بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم" لأن رد البيت إلى قواعده التي أمر الله أن يبنى عليها وإن كان مصلحة إلا انه ذريعة إلى مفسدة أكبر من هذه المصلحة بكثير وهي ارتداد الداخلين في الإسلام.

 

3- حرم e الخلوة بالمرأة الأجنبية وأن تسافر مع غير ذي محرم، وعن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وقال إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم.

 

4- وفي جانب المعاملات نهى عن البيع والسلف، وعن هدية المدين وعن ميراث القاتل، إلى غير ذلك مما هو ذريعة، وفي القصد إلى الإضرار والمفسدة فيه كثرة وليس بغالب، والشريعة بنيت على الاحتياط والتحرز عما عسى أن يكون طريقاً إلى مفسدة.

 

5- وفي جانب الجنايات نهى النبي e أن تقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذلك ذريعة إلى لحاق المحدود بالكفار.

 

6- وفي جانب الاقتصاد نهى النبي e عن منع فضل الماء لئلا يكون ذريعة إلى منع الكلأ.

 

كل هذه النصوص الشرعية اجتمعت على معنى واحد، وأفادت فيه القطع، وهو أن الفعل إذا كان مأذوناً فيه لما يترتب عليه من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، ولكنه في نفس الوقت ذريعة إلى تفويت مصلحة أهم أو حدوث ضرر أكبر فإن الشارع يقصد إلى المنع من هذا الفعل تحصيلاً لأرجح المصلحتين، ودفعاً لأشد الضررين.

 

خامساً: تطبيقات سد الذريعة وفتحها

 

1- قبول الهدية فعل مأذون فيه، لما يترتب عليه من مصلحة التآلف والتحاب بين المسلمين، ولكن الحاكم والقاضي وكل من يلي وظيفة عامة يمنع من قبول الهدية، لأنه ذريعة إلى قضاء حاجة المهدي ولو لم يكن صاحب حق فيما يطلب الحكم أو القضاء له به.

 

2- شهادة العدو على عدوه هي في الأصل جائزة، لما يترتب عليها من الوصول إلى الحقوق وإثبات الدعاوى، ولكنها تمنع لئلا يتذرع العدو بهذه الشهادة للنيل من عدوه وإلحاق الضرر به بالباطل.

 

3- تقديم أحد الخصمين على الاخر في مجلس القضاء أمر لا مفسدة فيه لذاته، ولكنه لما كان ذريعة إلى كسر قلب الخصم الآخر، وضعفه عن إقامة حجته، واعتقاده أن محاولة إثبات صحة ما يدعيه لا فائدة لها، مادام القاضي يميل إلى خصمه ويقدمه عليه، لما كان ذلك ذريعة إلى هذه المفاسد منع منه.

 

4- ويدخل تحت ذلك منع القاضي من الحكم بعلمه وشراء الطعام لاحتكاره وبيع السلاح في الفتنة وللكفار والبغاة، وإجارة داره أو حانوته لمن يرتكب فيها معصية، وكذلك عصر العنب لمن يتخذه خمراً، كل هذه عقود الأصل فيها الإذن لما يترتب عليها من المصالح ولكن لما كانت ذريعة إلى المفسدة حرمت، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

 

5- ويدخل تحت ذلك أيضاً منع عمر بعض الصحابة من التزوج باليهوديات لأن ذلك ذريعة إلى التزوج بالمومسات، لأن غالب اليهود لا يرون حرجاً في اتخاذ الدعارة حرفة إذا كان في ذلك مصلحة لبني جلدتهم، ولئلا يتخذ ذريعة إلى الزواج من اليهوديات لجمالهن والعزوف عن الزواج بالمسلمات.

 

6- ويدخل تحت ذلك ما كتبه عمر إلى أمراء الأقاليم ينهاهم أن يكون غير المسلمين صيارفة في الأسواق وأن يقاموا منها، معللاً ذلك بأن الله أغنى المسلمين عنهم، وذلك منعاً لذريعة اعتقاد صحة التعامل بالربا.

 

7- ويمكن التمثيل لهذا النوع من الذرائع بمنع الدولة ذبح إناث الأنعام، وكذا بيع اللحوم في أيام خاصة، وذلك إذا كان ذبح الإناث يؤدي إلى قلة الانتاج، وكان اللحم في كل يوم يؤدي إلى عدم كفاية المعروض من اللحوم عن حاجة الاستهلاك وارتفاع الأسعار.


المقصد الثاني
المنع من التحيل على إبطال الأحكام الشرعية:

 

أولاً : تعريف التحيل على إبطال الأحكام الشرعية

 

التحيل هو تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل في الحيل هو خرم قواعد الشريعة في الواقع، كالواهب ماله عند رأس الحول فراراً من الزكاة، ويمكن التمثيل لذلك بالتورق المصرفي المنظم فإن شراء المتعامل سلعة من البنك بثمن مؤجل ثم بيعها بثمن حال أقل منه أمر مشروع في ذاته، و حصول المتعامل على نقد حال مقابل نقد مؤجل أكثر منه مقابل الأجل أمر محرم ، لأنه قرض جر نفعاً، فإذا جمع المتعامل مع البنك بينهما على هذا القصد صار مآل الشراء والبيع قرضاً جر نفعاً وهو مفسدة. والواقع أن المتعامل يعلن عن هذا القصد ويؤكد للبنك أنه يريد النقد العاجل مقابل الآجل مع زيادة مقابل الأجل ، فيكون ذلك أكبر في الحرمة وأقوى في البطلان من القصد الذي تدل عليه القرائن

 

وعلى هذا فالتحيل هو فعل سبب أو اتخاذ وسيلة صحيحة في الظاهر لقلب الأحكام الثابتة شرعاً وبيان ذلك أن الله أوجب أشياء وحرم أخرى إما مطلقة من غير قيد ولا ترتيب على سبب ، كإيجاب الصلاة والحج والصوم وحرمة الزنا والربا والقتل وأكل مال الغير، أو كان ذلك الإيجاب أو تلك الحرمة مرتبة على سبب ومتوقفة على شرط. وذلك كإيجاب الزكاة والكفارات والشفعة للشريك، فإذا قدم المكلف فعلاً مشروعاً في الظاهر قاصداً من ذلك الفعل التوسل به إلى إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه ، أو في إباحة ذلك المحرم عليه، بحيث يصير ذلك الواجب غير واجب في الظاهر والمحرم حلالاً في الظاهر ، فإن هذا التوسل يعتبر تحيلاً وحيلة ، فالشارع حرم الربا فإذا توسل المحتال إلى تحليل هذا المحرم في الظاهر ، وذلك بتقديم عمل ظاهر الجواز ، كأن يكون قصده بيع عشرة نقداً بعشرين إلى أجل، فجعل العشرة ثمناً لسلعة، ثم باعها من البائع الأول بعشرين إلى أجل فإن هذا العمل يسمىحيلة وتحيلاً، لأنه قدم عملاً ظاهر الجواز هو عقد البيع بقصد التوسل به إلى إبطال حكم شرعي ، وهو إظهار الحرام في صورة الحلال ، وإذا توافر النصاب في حق شخص معين فأراد أن يتهرب من وجوب الزكاة أو ينقصها فوهب المال أو جمع بين متفرقة ،أو فرق بين مجتمعه بهذا القصد فإنه يعد متحيلاً بإسقاط الواجب أو إنقاصه وهو إبطال لحكم شرعي، وهدم لمقصد قطعي وتفويت لمصلحة معتبرة.

 

وعلى الجملة فإن التحيل يتحقق في حالة ما إذا كان المحتال يهدف إلى غاية محرمة، ويرمي إلى مقصد يناقض قصد الشارع من إبطال حق أو إسقاط واجب، أو تحليل محرم، أو تحريم حلال، ولكنه لم يتخذ الوسائل التي وضعت مؤدية في العادة لهذا المحرم ، ولكن توسل إلى قصده المحرم وغايته غير المشروعة ، بفعل مشروع في الأصل لتحقيق مصلحة خاصة لم تكن هي قصد المتحيل ، وإنما كان قصده ما يناقض قصد الشارع.

 

ثانياً : أدلة منع التحيل على إبطال الأحكام الشرعية

 

لقد أسس الشاطبي بطلان التحيل علي جملة من الأصول الكلية والقواعد القطعية ثم قام بعمل استقراء تام من نصوص الشريعة يفيد أن التحيل بالفعل المشروع في الظاهر إلى إبطال الأحكام الشرعية باطل شرعا  . وهذه الأسس هي:

 

1- مخالفة قصد المتحيل لقصد الشارع : أسس الشاطبي بطلان التحيل على أن المحتال قصد ما ينافي قصد الشارع فبطل عمله . ذلك أن قصد المكلف في العمل يجب أن يكون موافقا لقصد الشارع في التشريع . وأن من ابتغي في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة . وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل . وقد أقام الأدلة على أن مخالفة قصد الشارع مبطلة للعمل . ( الموافقات 2/231)

 

2- مآل الفعل المتحيل به مفسدة: أقام الشاطبي الأدلة القاطعة على أن النظر في مالات الأفعال معتبر مقصود للشارع . ومضمون هذا الأصل أن المجتهد لا يحكم على فعل بالإذن أو المنع إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل . وإعمال هذا الأصل يؤدي إلى أن الفعل المشروع لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدر أ يمنع منه . إذا أدي استجلاب تلك المصلحة ودرء تلك المفسدة إلي فوات مصلحة أهم أو حدوث مفسدة أكبر . وبالمثل فإن الفعل غير المشروع لمفسدة تنشأ عنه أو لمصلحة تندفع به يشرع إذا أدي استدفاع المفسدة أو جلب المصلحة إلى مفسدة تساوي أو تزيد . وهذا الأصل ينطبق على التحيل .

 

3- أصل عدم جواز التحيل لإسقاط حكم السبب لفعل شرط أو تركه . إذا كان إعمال السبب يتوقف على فعل شرط أو تركه : فإن قام المكلف بفعل ما يحقق ذلك الشرط أو يفوته تحصيلا لمصلحة شرعية . فإن فعل الشرط يترتب عليه أثره . وأما إذا فعل المكلف هذا الشرط أو تركه من حيث كونه شرطا دون قصد إلى تحصيل مصلحة شرعية . وإنما قصد الإسقاط حكم الاقتضاء في السبب ألا يترتب عليه أثره فهذا عمل غير مشروع. وسعي باطل . فإذا توافر النصاب كان سببا لوجوب الزكاة . ولكن يتوقف هذا الوجوب على بقاء النصاب حتي يحول الحول ، فإذا ما أنفق المكلف النصاب قبل الحول للحاجة إلى إنفاقه أو أبقاه للحاجة إلي إبقانه فإن الأحكام التي تترتب على الاسباب تنبني على وجود الشرط أو فقده. أما إذا أنفقه من حيث إنه شرط لوجوب الزكاة . قاصدا عدم ترتب آثار السبب عليه فإن هذا العمل غير صحيح.  

 

ولقد أقام الشاطبي الأدلة التي تفيد القطع في جملتها بأن فعل ما يحقق الشرط ِأو يعدمه بقصد إبطال حكم السبب فعل غير صحيح وسعي باطل . ثم قال : فإن هذا العمل يصير ما انعقد سببا لحكم ، جلبا لمصلحة أو دفعا لمفسدة ، عبثا لا حكمة له ولا منفعة فيه . وهذا مناقض لما ثبت في قاعدة المصالح وأنها معتبرة في الأحكلم . وأيضا فإنه مضاد لقصد الشارع من جهة أن السبب لما انعقد سببا وحصل في الوجود صار مقتضيا شرعا لمسببه.ولكنه توقف على حصول الشرط وهو تكميل للسبب فصار هذا الفاعل أو التارك بقصد دفع حكم السبب قاصدا لمضادة الشارع في وضعه سببا . وقد تبين أن مضادة قصد الشارع باطلة . فهذا العمل باطل . ( الموافقات 2/278)

 

4- انعدام الإرادة في العقد المتحيل به : إن ركن العقد هو الرضا ،  ولما كان الرضا أمرا باطنا ، لا يطلع عليه . جعل الشارع مظنة الرضا وهو الصيغة قائمة مقام الرضا ، علي أنه إذا ثبت أن العاقد الذي أتي بالصيغة قد قصد بها غير ما وضعت له . فإن الرضا بالعقد يكون منعدما : إذا الصيغة لا تنعقد سببا لترتب آثار العقد عليه إلا إذا قصدها العاقد غير مريد بها معني يناقض موجبها ومعناها.

 

فعاقد الهبة بقصد التهرب من الزكاة لم يتوافر بالنسبة له الرضا بالعقد الذي أبرمه ، ذلك أنه قصد بالصيغة ما يناقض المعني الذي وضعت له . فلفظ الهبة إنما وضع لإرادة تمليك الواهب للموهوب له على سبيل الإرفاق والإحسان . والواهب للنصاب لم يقصد باللفظ معناه الموضوع له شرعا. وإنما قصد به الهروب من دفع الزكاة . ولم يضع الشرع لفظ الهبة للهروب من دفع الزكاة.

 

5- بطلان التحيل علي أساس الشرط المنافي : اتفق الفقهاء على أن العاقدين إذا شرطا ما ينافي مقتضي العقد . أو ما لا يحل شرعا فإن الشرط حرام والعقد يبطل . وقد وقف الشافعية والحنفية عند هذا الحد . ولكن المالكية والحنابلة ساروا خطوة أبعد . فقالوا إن المتعاقدين إذا تواطاً على هذا الشرط واتفقا علي ما لو أظهراه في العقد لبطل . فإن العقد يحكم ببطلانه إذا أظهر ذلك القصد واتضحت تلك النية بطريق من طرق الإثبات الشرعية . في حين أن الفريق الأول وهم الشافعية والحنفية لم يجوز ا إبطال العقد قضاء حتى إذا ثبتت النية غير المشروعة . وظهر الاتفاق على الشرط المنافي للعقد ما لم يظهر ذلك في العقد وتضمه صيغة وذلك اعتمادا على الظاهر . وكل ذلك اجتهاد على أساس المقاصد الشرعية .

 

6- دليل المنع من التحيل بالاستقراء: هناك نصوص شرعية يقطع مجموعها بالمنع من التحيل في الشريعة . ونحن نورد بعض هذه النصوص جملة: إذ لا يسعنا أن نأتي علي جميعها. ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتابنا. نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي ص 284 .

 

1-  ما جاء في القرآن الكريم من آيات خاصة بالمنافقين والمرائين . فقد ذم الله هذين الفريقين وتوعدهم بالعقوبة وشنع عليهم . ويتمثل النفاق والرياء في أنهم أتوا أقوالا أو أعمالا للشارع منها قصد معين وهم يقصدون منها ما يناقض هذا القصد. فالمنافق ينطق بكلمة الشهادة لا يقصد بها إلا الخضوع في الظاهر لا في الباطن ، لله عز وجل . وإنما يقصد بها صيانة ماله وحقن دمه . والمنافق يأتي بالعبادة لا يقصد بها التوجه إلى الله الواحد المعبود . ولا نيل الثواب في الآخرة . وإنما قصده النيل من أوساخ الخلق أو من تعظيمهم ، أو من غير ذلك من حظوظ الدنيا.

 

2-   ما جاء في القرآن الكريم خاصا بأصحاب الجنة الذين أقسموا أن يصرموا جنتهم بليل حتى يمنعوا الفقير حقه ، وكان شرعهم يجعل للفقراء حقا إذا حضروا الجذاذ . وقد عاقبهم الله في الدنيا بإهلاك المال وعقوبة الآخر ة أشد وأنكي ، والتحيل ومخالفة قصد الشارع في عملهم ظاهر: وإنما انحصر قصدهم في حرمان الفقراء حقوقهم .

 

3-     ومن ذلك ما جاء في القرآن الكريم في شأن أصحاب السبت الذين حرم عليهم الصيد في يوم السبت فحفروا حياضا تصلها قنوات بالبحر حتى تدخلها الحيتان يوم السبت ثم يحبسونها ويصيدونها في بقية أيام الأسبوع. 

 

4-  ما جاء في القرآن الكريم من النهي عن إمساك المرأة برجعتها قصدا إلى الإضرار بها ، فقد كان الزوج يطلق المرأة ويتركها حتى تشارف انقضاء العدة ثم يرتجعها ثم يطلقها حتي تشارف العدة ثم  يرتجعها وهكذا . ولا قصد له سوي الإضرار بها.

 

5-     ما جاء في القران الكريم من اشتراط أن تكون الوصية بغير قصد الإضرار بالورثة.

 

6-  وقد جاءت نصوص السنة مؤكدة لذلك ، فقد نهت عن جمع المتفرق وتفريق المجتمع خشية الصدقة ، وما جاء في السنة من تحذير المسلمين من فعل اليهود الذين استحلوا محارم الله بأدنى الحيل ، فقد حرم الله عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها.

 

7-  وما جاء في السنة من لعن الراشي والمرتشي ، وحرمة بيع العينة وهدية المديان وغلول الأمراء ، والبيع والسلف ، ومخالفة قصد الشارع في هذه واضحة  والتحيل ظاهر.

الاستحسان

أولاً: تعريف الاستحسان

تقديم المصلحة على عموم النصوص واضطرار القياس ، (الاستحسان)

عرف المالكية الاستحسان بأنه استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي ، فهو تقديم الاستدلال المرسل على القياس ( الاعتصام 2/139 ) ويري الشاطبي ان الاستحسان المالكي معناه يرجع إلى تقديم الاستدلال المرسل علي القياس ، ويعرفه ابن رشد بأنه ما يكون طرحا لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه ، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعني يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع . الموافقات 1/ 40 )

وخلاصة هذه التعريفات هي : أن الاستحسان لا يرجع إلى دليل العقل وحده ، ويؤكد ذلك ما قاله ابن العربي من أن ترك الدليل إنما يكون لدليل معارض أقوى، هذا الدليل قد يكون الإجماع أو العرف أو المصلحة المرسلة . أو قاعدة رفع الحرج والمشقة . وقول الشاطبي إن الاستحسان أخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي ، ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس ، فهذا صريح في أن الاستحسان هو استدلال بالمصلحة المرسلة التي شهدت النصوص الشرعية لجنسها ، وذلك في مقابلة القياس بمعني القاعدة العامة أو الأصل ، لا بمعني القياس الجزئي ، فإذا كان القياس بمعني القاعدة أو الأصل المنع من الغرر في المعاملات جملة ، فإن المصلحة المرسلة تقضي بأن الغرر اليسير في البيع لا يؤثر . وذلك لأن في إبطال البيع مع الغرر  كثيره وقليله سداً لباب البيع  جملة ، وهو ضروري ، وفي المنع منه مشقة شديدة ، والشريعة شاهدة بمنع الحرج والمشقة من جهة ،ومن جهة أخري فإن أصل البيع ضروري أو حاجي ، ومنع الغرر مكمل لهذا الضروري أو الحاجي، وقد شهدت نصوص الشريعة بأن المصلحة التكميلية إذا عادت علي الأصل بالبطلان أهملت ، فهذا يقضي بترك القياس أو العموم لما يؤدي إليه من الحرج في بعض مقتضياته .

وبالجملة فإن القول بالمنع من الغرر جملة يؤدي إلى عدم تحصيل المصلحة المقصودة من هذا النص نفسه ، إذ منع الغرر جملة يسد باب البيع وهو المصلحة الأصلية ، وإذا فاتت المصلحة الأصلية فاتت المصلحة المكملة لها قطعا: لأنها مع المصلحة الأصلية كالصفة مع الموصوف .

 

ثانياً : أنواع الاستحسان

 بعض المالكية كابن العربي يجعل للاستحسان معني واسعا بحيث يدخل تحته العمل بأي دليل يعارض عموم النص أو اطراد القياس ، ولذلك يقسمه إلى استحسان بالعرف وبالإجماع ،و بأصل مصلحة مرسلة وبقاعدة نفي الحرج والمشقة .

1- أما ترك العموم للعرف فقد مثل له برد الإيمان إلى العرف ، فلو حلف لا يدخل بيتا فإنه لا يحنث بدخول المسجد ، وإن كان قياس اللفظ لغة الحنث ، لأن المسجد يسمي بيتا. فمالك يستحسن تخصيص العموم المستفاد من اللغة بالعرف والعادة في الاستعمال  ، فقال بعدم الحنث بدخول المسجد ، لأنه لا يسمي بيتا في عرف التخاطب . وهذا يطبق في جميع العقود والتصرفات فالمرجع فيها هو عرف الاستعمال لا دلالة اللغة.

2- وأما ترك الدليل للمصلحة فقد مثل له بتضمين الأجير المشترك ، فإن الأصل في الأجير المشترك أنه أمين والأمين لا يضمن إلا إذا ثبت عليه التعدي ، إلا أن مالكا استحسن ترك هذا الأصل لما فسدت الذمم وغلب على الأجراء التعدي والخيانة ’ وكان هذا الغالب هو الذي جعل مالكا يضع الأجير في مركز المدعى الذي لا تقبل دعواه الهلاك دون بينة، مع أن الأصل عند ماكان الدين مسيطرا على النفوس ، أن الأجير مدعى عليه ، لأن الظاهر كان يشهد له ، وكان يقبل قوله في التلف دون بينة ، وبذلك يكون مالك بتضمينه الأجير المشترك قد استثني هذه الصورة من القاعدة العامة أو الأصل بالمصلحة.

3- وأما ترك الدليل للإجماع فقد مثلوا له بإيجاب القيمة كاملة على من أحدث بالمال تلفاً جزئياً يمنع من استعمال هذا المال فيما قصد منه ، مثل قطع ذنب بغلة القاضي ، فإن هذا الحكم يعد استثناء من القاعدة العامة التي تقضي بأن يغرم المعتدي قيمة ما ينقص باعتدائه من قيمة العين المعتدي عليها . ووجه الاستحسان الذي كان سنده الإجماع أن بغلة القاضي تتخذ عادة للركوب لا لغرض أخر، فقطع الذنب يفوت مصلحتها كلها بالنظر إلى هذا الوجه من وجوه الاستعمال الخاص ، فهي كالعدم بالنسبة للقاضي ، فكأنه فوتها عليه ، ولما كان التعويض هو جبر الضرر الذي أصاب القاضي من قطع ذنب بغلته ، وهو ما يكفي لشراء دابة أخري ، ضمن القاطع قيمة الدابة كلها.

4- وأما ترك الدليل لقاعدة رفع الحرج والمشقة فقد مثل له بترك مقتضي الدليل في التافه اليسير ، وذلك رفعا للمشقة وإيثار ا للتوسعة على الخلق ، كإجازة المالكية دخول الحمام من غير تقدير أجر، ولا تقدير مدة اللبث ولا تقدير الماء المستعمل . والأصل في كل هذا هو المنع ، ولكنهم قالوا: إن هذه الأشياء إن لم تكن مقدرة بالعرف فإنها تسقط بالضرورة ، وهناك قاعدة فقهية ، وهي أن نفي الغرر جملة في العقود لا يقدر  عليه ، وهو يضيق أبواب المعاملات ، وهو إنما يطلب تكميلا رفعاً لما عسي أن يقع من النزاع ، فهو إذن من المكملات ، والمكملات إذا أدي اعتبارها إلى إبطال أصل المصالح سقطت جملة ، تحصيلا للمهم ، فوجب أن يسامح في بعض أنواع الغرر التي لا ينفك عنها البيع غالبا: إذ لو طلب من المكلف الانفكاك عنها لشق عليه ذلك.

وقد أمعن مالك في هذا الباب وبالغ فيه ، فجوز أن يستأجر الأجير بطعامه وإن كان غير مقدر ، لأن الغرر فيه يسير يتسامح في مثله ، ولا يؤدي إلي النزاع غالبا ، وفرق بين تطرق يسير الغرر إلي الأجل فأجازه ، وبين تطرقه للثمن فمنعه ، فقال بجواز شراء السلعة إلى الحصاد ، ولو باع بما يقارب الدرهم لا يصح ، لأن الأثمان لا يتسامح فيها ، ولا يترك تقديرها إلى العرف في الغالب ، بخلاف الأجل فإن الدائن قد يتسامح في الأجل لأيام ، ولا يسامح في الثمن .

ففي هذه الفروع نري أن معنا فرعا كان يمكن إرجاعه إلى القواعد الكلية التي اقتضتها الأدلة في الظاهر ، وكان يمكن أن يحكم فيه بمثل ما حكم به في نظائره مما يدخل تحت هذه القواعد ، ولكن لما كان إرجاعه إلى هذه العموميات وإدخاله تحت القواعد والحكم عليه بمقتضاها  يفوت مصلحة شهدت لها النصوص في الجملة ، أو يخالف قاعدة رفع الحرج والمشقة . وهو مقصود للشارع ، أو على خلاف إجماع أو عرف ، عدل به عن إدخاله تحت عموم الدليل ، وأعطي حكما يحقق قصد الشارع في تحقيق المصلحة ورفع الحرج . أو يتفق مع العرف والإجماع .

وبعض المالكية يقصر الاستحسان على نوع واحد ، وهو ترك مقتضي الدليل للمصلحة أو تقديم الاستدلال المرسل على القياس بمعني القاعدة ، وذلك كما فعل الشاطبي نفسه وما حكاه عن بعض المالكية من أن الاستحسان هو استعمال مصلحة جزئية في مقابل القياس الكلي ، وبذلك يخرج الاستحسان بالإجماع والعرف وقاعدة رفع الحرج . ولكن قاعدة رفع الحرج ولامشقة راجعة ِإلى مصلحة مرسلة شهدت لها النصوص الشرعية في الجملة . كما أن العرف يمكن إرجاعه إلى المصلحة من حيث إن عدم اعتبار عرف الناس وعاداتهم في المعاملات يؤدي إلى حرج ومشقة شديدة، وأما الإجماع في المثال المذكور فظاهر أن سنده المصلحة أيضاً.

وأما تفسير القرافي للاستحسان بأنه طرح قياسي يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه ، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضوع ، فإنه يحتمل أن يقصد بذلك المعنى الذي طرح القياس لأجله المصلحة المرسلة خاصة ، كما يحتمل أن يكون العرف أو الإجماع أو دفع الحرج والمشقة كذلك. فإذا كان القياس يقضي بمنع الغرر جملة، فإن إجراء هذا القياس إلى نهايته يؤدي إلى القول بالمنع من بيع كثير مما جاز بيعه وشراؤه، كبيع الجوز واللوز في قشرهما، وكذلك بيع المغيبات في الأرض كلها بل يمنع بيع كل ما فيه شيء مغيب كالديار المغيبة، وما أشبه ذلك مما لا يحصى ولم يأت فيه نص بالجواز، ومثل هذا لا يصح فيه القول بالمنع أصلاً، لأنه يؤدي إلى التضييق والحرج والمشقة الشديدة، فهنا يقال: إن القول بالمنع من الغرر جملة يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، ومن ثم نحكم بأن القياس لا يطرد بالنسبة للغرر اليسير الذي يتسامح فيه الناس غالباً ولا يؤدي إلى النزاع، والمعنى الذي خرج لأجله هذا القياس والذي يختص بهذا الموضع هو رفع الحرج والمشقة والتوسعة على الخلق بترك مقتضى الدليل في اليسير، وهو مقصود الشارع، فالمجتهد يجد أمامه عموم نص أو قياس، ويجد أن العموم إذا استمر والقياس إذا اضطرد فإن هذا يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه في بعض المواضع، ومعنى الغلو والمبالغة هو إلحاق الضرر والعنت والمشقة بالناس، وهي تنافي قصد الشارع. وعند ذلك يطرح المجتهد هذا القياس فلا يجريه في هذا الموضع، دفعاً لهذا الحرج ومنعاً لهذه المشقة، وهو إعمال لقاعدة الحاجيات في الضروريات، ولذلك جاء عن مالك إن المفرق في القياس يكاد يفارق السنة (الاعتصام 2/138) أي القياس الجزئي، حيث يدخل الفرع تحت أصل شرعي ومقصود شرعي شرعاً يتحقق فيه مناطه، فالمقاصد قطعية تقدم على القياس الظني.

 

ثالثاً : الأدلة على حجية الاستحسان

لقد عرض الشاطبي الأدلة الشرعية التي تفيد في مجموعها القطع باعتبار الشارع لأصل الاستحسان، وأنه مقصود للشارع، فقال: "و له في الشرع أمثلة كثيرة ، كالقرض مثلاً فإنه ربا في الأصل ، لأنه الدرهم بالدرهم إلى أجل ، ولكنه أبيح لما فيه من الرفق والتوسعة على المحتاجين ، بحيث لو بقي على أصل المنع لكان في ذلك ضيق على المكلفين ، ومثله بيع العرية بخرصها تمراً، فإنه بيع الرطب باليابس ، لكنه أبيح لما فيه من الرفق ودفع الحرج بالنسبة إلى المعري والمعتري ، ولو امتنع مطلقاً لكان وسيلة لمنع الإعراء. كما أن ربا النسيئة لو امتنع في القرض لامتنع أصل الرفق من هذا الوجه، ومثله الجمع بين المغرب والعشاء للمشقة، وجمع المسافر، وقصر الصلاة، وسائر الرخص التي على هذا السبيل، فإن حقيقتها ترجع إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص حيث كان الدليل العام يقتضي منع ذلك، لأنا لو بقينا مع أصل الدليل العام لأدى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة، فكان الواجب رعي هذا المآل إلى أقصاه، ومثله الاطلاع على العورات للتداوي، والقراض والمساقاة والسلم، وإن كان الدليل العام يقتضي المنع" ، ثم قال: " هذا نمط من الأدلة على صحة القول بهذه القاعدة وعليها بنى مالك وأصحابه".

 

رابعاً : علاقة الاستحسان بالنص

1.   الاستحسان يرجع إلى النصوص الشرعية من ناحيتين:

الأولى: أن قاعدة الاستحسان أخذت من عدة أدلة بطريق الاستقراء المفيد للقطع، كما تقدم، فكان مقصوداً للشارع، فالعمل بها عمل بهذه النصوص وليس قولاً بالرأي ولا تشريعاً بالتشهي، والعام الاستقرائي كالعام صيغة كما تقدم.

والثاني: أن المجتهد في كل استحسان يرجع إلى دليل شرعي، إما الإجماع أو العرف أو اعتبار المصالح في الأحكام كما سبق.

2.   معنى تخصيص النص وترك القياس بالمصلحة في عبارات المالكية:

يقرر فقهاء المالكية أن العموم إذا استمر والقياس إذا اطرد، فإن مالكاً يستحسن أن يخص بالمصلحة، وأن الاستحسان ترك مقتضى الدليل للمصلحة، والمصلحة التي يقصدها المالكية هي المصلحة الملائمة لجنس تصرفات الشرع ، والمتفقه مع مقاصده ، وأنها أصل كلي أخذ من عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع، وبذلك يكون التخصيص للعموم بجملة النصوص الشاهدة لجنس المصلحة بالاعتبار والأدلة التي أخذت في استقراء الأصل الكلي القطعي، وليست هي المصلحة المجردة التي يراها العقل.

وقد رد الشاطبي على من زعموا أن الاستحسان هو ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه بطبعه، وذكر أن ذلك لم يقع التعبد به لا بضرورة ولا بنظر، ولا بدليل من الشرع قاطع ولا مظنون، فلا يجوز إسناده لحكم الله، لأنه ابتداء تشريع من جهة العقل.

 

3.   التوفيق بين قول المالكية بإلغاء المصلحة التي تخالف النص وقولهم إن الاستحسان ترك لمقتضى الدليل بالمصلحة:

لقد رمى بعض الكتاب المحدثين المالكية بالتناقض لأنهم يصرحون بأن المصلحة المصادمة للنص مصلحة ملغاة، ثم يصرحون في باب الاستحسان بأنه ترك مقتضى الدليل للمصلحة، ويصرحون كذلك بأن العموم إذا استمر فإن مالكاً يستحسن تخصيصه بالمصلحة، فكأن المالكية يعتبرون المصلحة في مقابلة العموم في باب الاستحسان، في حين أنهم ألغوا المصلحة المناقضة للنص في باب المصلحة، والواقع أنه لا تناقض في كلام المالكية لما يأتي:

المصلحة التي تقدم على القياس والعموم هي المصلحة الملائمة لجنس تصرفات الشرع، ومعنى الملاءمة أنها لا تنافي أصلاً من أصوله، ولا تناقض دليلاً من أدلته، وهذا يدل على أنهم يقصدون بالعموم والقياس الذي يخص بالمصلحة في باب الاستحسان العموم والقياس بمعنى تحقيق المناط، لا بمعنى الدليل أو النص الشرعي. ففي تضمين الأجير المشترك، وهو مثال تخصيص العموم بالمصلحة، لا نجد نصاً يشمل بعمومه عدم التضمين، إذا أن مناط الضمان هو التعدي لقوله تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" وهذا النص يقرر حكماً موضوعياً لا كلام فيه، وإنما الكلام في إثبات هذا العدوان، وهنا نجد نصاً آخر هو قوله e: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وقد كان تطبيق مناط هذا الدليل يقضي بعدم الضمان على الأجير المشترك إذا ادعى الهلاك، لأن الظاهر كان يشهد له في زمن كان للدين فيه سلطان قوي على النفوس، فهو مدعى عليه، ولكنا تركنا هذا العموم محافظة على الأموال وقلنا إنه مدع، بعد أن غلب على الصناع التعدي والخيانة والتقصير، إذ الظاهر يشهد لرب السلعة في هذه الحالة فكان مدعى عليه والأجير مدع، فالكلام إذن في دليل تحقيق المناط وليس في نص شرعي قدم العمل بالمصلحة عليه.

وفي هذا يقول الشاطبي: (الاعتصام 2/161): "اعلم أن كل مسألة تقتضي إلى نظرين: نظر في دليل الحكم ونظر في مناطه، فأما النظر في دليل الحكم فلا يمكن أن يكون إلا من الكتاب والسنة، أو ما يرجع إليهما من إجماع أو قياس أو غيرهما، وأما النظر في مناط الحكم، فإن المناط لا يلزم أن يكون ثابتاً بدليل شرعي فقط، بل يثبت بدليل شرعي أو بغير دليل".

ويقال مثل ذلك في ترك الدليل في التافه اليسير لرفع الحرج، فإننا لا نقصد بالدليل النص الذي أفاد الحكم الشرعي، فالحديث ورد بالنهي عن الغرر مطلقاً، فاحتاج مالك إلى استنباط مناط هذا الحديث، ثم تحقيق هذا المناط في الوقائع التي ليس فيها نص حكم للشارع فقال (الموافقات 1/89): "ليس المراد من الحديث نفي كل ما يطلق عليه غرر لغة لأنه قد ثبت عن الشارع جواز بيع الجوز واللوز والدور المغيبة الجدران، وفي كل هذا ضرب من الغرر، وإنما المقصود من الغرر في الحديث؛ الغرر الذي يؤدي إلى التنازع ولا يتسامح فيه غالباً، وبذلك أجاز الغرر اليسير الذي لا يؤدي إلى التنازع ويتسامح غالباً، وللأصوليين قاعدة مضمونها أن المعنى المناسب إذا كان جلياً سابقاً للفهم عند ذكر النص صح تحكيمه في النص بالإخراج منه والزيادة عليه".

وبالمثل فإن إيجاب الغرم على من قطع ذنب بغلة القاضي ليس عملاً بالإجماع أو المصلحة المخالفة للنص الشرعي؛ إذ النص الشرعي كما سبق هو قوله تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" وهو يقضي بأن على المعتدي جزاء اعتدائه، وهذا يفيد أن على المعتدي أن يعوض المعتدى عليه عن الضرر الذي أصابه في ماله نتيجة اعتدائه، فإذا فاتت العين بالكلية فلمالكها طلب كامل القيمة اتفاقاً، أما إذا أدى الاعتداء إلى نقص يسير فيها فليس له طلب القيمة كلها، بل ما يقابل النقص، ثم اختلفوا فيما إذا كان الاعتداء مفوتاً لمنافع العين المقصودة، فمالك يلحق حالة ما إذا ذهب جل منفعة العين، لقطع ذنب بغلة القاضي، بما إذا ذهبت العين بالكلية، لأنه يرى أن مناط الضمان هو الضرر الذي أصاب المالك شخصياً وذلك بحسب الاستعمال المعدة له العين المعتدى عليها، وهذا استثناء من القاعدة عنده، وهو أن الشخص لا يلزم إلا بقيمة التالف. فهذا لا يرجع إلى ترك نص شرعي.

 

والخلاصة أن النص قد دل على قاعدة مضمونها أن المعتدي يلزم بضمان ما أتلفه، وعند تطبيق هذه القاعدة على حالة ما إذا أدى الاعتداء إلى ذهاب جل منفعة العين كقطع ذنب الدابة التي يركبها القاضي مثلاً نرى الفقهاء يختلفون، فيرى المالكية أنه يضمن الجميع، ويقول الشافعي وأحمد ليس له إلا ما نقص، ويقول أبو حنيفة في الثوب والعبد كقول المالكية في الأكثر، فإذا ذهب النصف أو الأقل باعتبار المنفعة عامة فليس له إلا ما نقص.

وهذا الخلاف لا يجع إلى الحكم الشرعي الذي دلت عليه النصوص، وإنما إلى تطبيق مناط هذا الحكم، ففي قطع ذنب بغلة القاضي، يرى المالكية أن الجاني ملزم بتعويض القاضي عن الدابة كلها، لأن قيمة الدابة كلها قد فاتت، لأن الغرض منها الركوب وقد فات هذا الغرض، ويرى غيره أن الدابة لم تفت كلها، لأنه لم يكن الانتفاع بها بحسب الغرض العام لا بحسب الاستعمال الخاص.

فالكل متفق على أن الجاني يضمن قيمة ما فات على صاحب العين ثم يختلفون في الفائت في هذه الحالة، فمالك يحكم الاستعمال الخاص، وغيره يحكم الاستعمال العام، فبالنظر إلى القاعدة العامة التي توجب الضمان على المعتدي في حدود النقص فقط سمى المالكية الاستثناء الذي يوجب الضمان لجميع القيمة في هذه المسألة استحساناً.

 

التطبيق الرابع: أصل بقاء الحالة على ما وقعت عليه:

الأصل أن الفعل المخالف للشرع، والذي يعد اعتداء على مصلحة شرعية معتبرة يمنع منه الفاعل متى أمكن ذلك المنع قبل وصول المخالف إلى غايته، حتى لا تفوت المصلحة بالكلية أو لا تتحقق المفسدة كاملة، والأصل كذلك أنه إذا تم الفعل المخالف، فإنه يقع باطلاً لا يترتب عليه أي أثر من الآثار التي تترتب على الفعل الموافق للشرع، إلا أنه إذا كان المنع من هذا الفعل المخالف يسبب للفاعل ضرراً أشد ويفوت عليه مصلحة أهم من المصلحة التي قصد بالمنع من الفعل المخالف المحافظة عليها فإن المجتهد يفتي بعدم المنع من الفعل، وحديث البائل في المسجد تنبيه على هذا المعنى، فإن النبي e أمر بتركه حتى يتم بوله، لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه ولحدث من ذلك داء في بدنه، فترجح تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما يدخل عليه من الضرر ، وبأنه ينجس موضعين، وإذا ترك فالذي ينجسه موضع واحد.

وكذلك فإن الفقيه يرتب على الفعل الذي وقع مخالفاً بعض الآثار، إذا كان في عدم ترتيب هذه الآثار فوات مصالح أهم أو حدوث أضرار ومفاسد أكبر، وقد وقع التنبيه على ذلك في حديث ترك تأسيس البيت على قواعد إبراهيم، فإن الرسول e امتنع عن هدمه وبنائه على قواعد إبراهيم، جاعلاً جميع الأحكام مترتبة على أن هذا هو البيت مع أنه مؤسس على غير قواعده، لأن في هدمه، أو الحكم بعدم جواز التوجه إليه ضرراً أشد ومفسدة أكبر.

وكذلك قوله e: "أيما امرأة نكحت بغير وليها فنكاحها باطل باطل باطل" ، ثم قوله e: "فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من بضعها" وهذا تصحيح للمنهي عنه من وجه، ولذلك يقع فيه الميراث ويثبت النسب وتحرم به المصاهرة.

وفي تقرير هذا الأصل يقول الشاطبي: "ومن واقع منهياً عنه فقد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام زائد على ما ينبغي بحكم التبعية، لا بحكم الأصالة، أو مؤد إلى أمر أشد عليه من مقتضى النهي، فيترك وما فعل من ذلك، أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل، نظراً لأن ذلك الواقع واقع المكلف فيه دليلاً على الجملة، وإن كان مرجوحاً فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه، لأن ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهي، فيرجع الأمر إلى أن النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع ، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع لما اقترن به من القرائن المرجحة، وهذا كله نظراً إلى ما يئول إليه ترتب الحكم بالنقض والإبطال من إفضائه إلى مفسدة توازي مفسدة النهي أو تزيد. (الموافقات 4/205).

 

ومن تطبيقات هذه القاعدة:

1-  النكاح الفاسد بسبب يرجع إلى الصداق تقع فيه الفرقة إذا عثر عليه قبل الدخول، ولا تقع الفرقة بعد الدخول، مراعاة لما يقترن بالدخول من الأمور التي ترجح جانب التصحيح. وهناك حالات بطلان عقد الزواج يفرق فيها بعد الدخول وقبل إنجاب الأولاد ، فإن تم الإنجاب فلا تفريق، ولهذا تطبيقات في فقه مالك المبني على أصل المقاصد.

2-  يصح عند مالك العقد الباطل لمصلحة الغير إذا أسقط ذلك الغير حقه مع أن الأصل أن الإنسان غير مسلط على التصرف في ملك الغير دون إذن صاحب الحق، لأن إذنه يعني أن له مصلحة في العقد، فالقول بالبطلان مع إذن صاحب الحق تفويت لمصلحة.

3-  تنفيذ تصرفات البغاة وأئمة الجور، مع أن الأصل في تصرفاتهم البطلان لعدم الولاية، قطعاً أو ظناً. وهذا حكم يرتب الآثار على التصرف بعد وقوعه، وإن وجب الحكم بالبطلان ذلك ابتداء وذلك لما في عدم إمضاء هذه التصرفات من المفاسد الراجحة.

4-  نفوذ قضاء من تولى القضاء من غير الإمام الشرعي إذا حكم بمقتضى الشرع، وفي هذا يقول العز بن عبد السلام: (القواعد الكبرى 1/73) "ولو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر انفاذ ذلك كله، جلباً للمصالح العامة، ودفعاً للمفاسد الشاملة"، فهنا نجد الفقيه يحكم بنفاذ القضاء بعد وقوعه، مع حكمه ببطلان تولية الكفار القضاء لمسلم ابتداءاً".

5-  في كل هذه الأفعال نجد أن العمل مخالف وكان الأصل ألا تترتب عليه آثاره ، ولكن لما كان في عدم ترتب هذه الآثار ضرر أشد مفسدة أعظم قبل بترتب بعض الآثار نظراً إلى الواقع، ولذا يقول العز بن عبد السلام: (القواعد الكبرى 1/91) " والذي أراه في ذلك أننا نصحح تصرفهم-الولاة الفسقة- الموافق للحق مع عدم ولايتهم لضرورة الرعية، كما نصحح تصرفات إمام البغاة مع عدم إمامته، لأن ما ثبت للضرورة يقدر بقدرها، والضرورة في خصوص تصرفاته، فلا نحكم بصحة الولاية فيما عدا ذلك، بخلاف الإمام العادل فإن ولايته قائمة في كل ما هو مفوض إلى الأئمة". ويمكن أن نطلق على هذا فقه الواقع المستنبط وفق مقاصد الشريعة.

التطبيق الخامس: تقييد الشخص في استعمال حقه:

وخلاصة هذا المقصد أن المجتهد ينظر إلى مآل استعمال الشخص لحقه الذي قرره له الشارع، فإذا تبين أن الشخص لم يستعمل حقه إلا للإضرار بغيره، وذلك كما إذا كان يستطيع أن يستعمل حقه بطريقة لا تضر أحداً، ولكنه اختار هذه الطريقة بقصد الإضرار بغيره فإن المجتهد يحكم بالمنع من هذا الفعل عملاً بقاعدة أو أصل اعتبار المآل. أما إذا لم ينحصر استعمال الحق في قصد الإضرار بالغير كأن الشخص قاصداً نفعه من الفعل وصحب هذا القصد الإضرار بالغير فإن على الفقيه أن يجري موازنة بين الحقين، وذلك على أساس قوة المصالح التي تستعمل هذه الحقوق لحمايتها، فيقدم مصلحة الجماعة في دفع الأضرار العامة على مصلحة الشخص في استعمال حقه، ويقدم الحق الذي يستعمل محافظة على النفس على الحق الذي يستعمل محافظة على المال، والمصلحة الحاجية على التحسينية، وهكذا كما تقدم في قاعدة الذرائع.

التطبيق السادس: الإقدام على المصالح الضرورية أو الحاجية وإن اعترض طريقها بعض المنكرات:

ويمكن التمثيل لذلك بتعاطي البيع والشراء والتعامل مع الناس والإقدام على الزواج مع تعرض المسلم في كل هذه المعاملات لبعض المنكرات، ووقوعه في الشبهات، وذلك لما في ترك هذه المصالح الضرورية والحاجية من الفساد والضرر الذي يربو كثيراً على مصلحة التحرز من المنكرات واتقاء الشبهات، وليعمل المطلق جهده في تحري وجه الكسب الحلال، أما أن يترك البيع والشراء والزواج والمعاملات حذراً من الوقوع في بعض المناكر التي عمت في الأسواق، وبعداً عن بعض الشبهات في طرق الكسب، فذلك لا يجوز، لأنه ترك لمصلحة أصلية تشوفاً لمصلحة كمالية، والمكمل إذا عاد على أصله بالبطلان لا يلتفت إليه، وفي ذلك يقول الشاطبي: (الموافقات 2/348) " إن الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية والتكميلية إذا اكتنفتها من خارج أمور لا ترضي شرعاً، فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج، كالنكاح الذي يلزمه طلب قوت العيال مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات، وكثيراً ما يلجئ إلى الدخول في الاكتساب لهم بما لا يجوز، ولكنه غير مانع لما يئول إليه التحرز من المفسدة المريبة على توقع مفسدة التعرض، ولو اعتبر مثل هذا في النكاح في مثل زماننا لأدى إلى إبطال أصله، وذلك غير صحيح، وكذلك طلب العلم إذا كان في طريقه مناكر يسمعها طالب العلم وإقامة الوظائف الشرعية، إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضي، فلا يخرج هذا العارض تلك الأمور عن أصولها، لأنها أصول الدين وقواعد المصالح، وهو المفهوم من مقاصد الشرع. وهذا هو فقه الواقع المؤسس على نظرية المقاصد الشرعية.

التطبيق السابع: أصل تحقيق المناط الخاص:

ومعنى هذا الأصل أن الشارع حكم على أفعال المكلفين مطلقة ومقيدة، وعلى المجتهد إذا عرضت عليه واقعة أن يطبق الحكم الشرعي الوارد فيها عن الشارع مع ملاحظة القيود والملابسات الخاصة بهذه الواقعة، بحيث لا يحكم حكماً واحداً في جميع الظروف والأحوال على هذه الواقعة، وقد مثل الشاطبي لذلك بالزواج، فإن الشارع قد حكم بأنه مطلوب في الجملة، فإذا سئل المجتهد عن حكم الزواج قال: إنه مطلوب طلب الندب، ولكن إذا ابتغاه شخص معين فإنه ينظر إلى ظروفه الخاصة، فإذا تبين له أن هذا الشخص يتحقق من الوقوع في الزنا إذا لم يتزوج أفتاه بأن الزواج واجب عليه، وإذا تبين له أنه لا يخشى الوقوع في الزنا وهو غير قادر على نفقات الزواج أفتاه بالمنع منه، وهكذا أصل الحكم واحد، وهو أن الزواج مطلوب طلب الندب، ولكن يختلف تحقيق مناطه الخاص في الأفراد بحسب الظروف والملابسات التي تحيط بكل مكلف على حدة، وفي بيان هذه القاعدة يقول الشاطبي: (الموافقات 4/198) "وعلى الجملة فتحقيق المناط نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، فهو أي المجتهد يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف فكأنه يخص عموم التكاليف والمكلفين بهذا التحقيق".

تطبيقات على المقاصد التابعة

 

المقاصد التابعة أصول شرعية أخذت من عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها ظناً راجحاً قريباً من القطع يكفي مثله في التكليف بمقتضاه ، ونطاق تطبيق هذه المقاصد الجزئية قاصر على بعض المجالات التي يتحقق فيها مناطها ، فليس لها صفة القطعية والكلية التي تتمتع بها المقاصد الأصلية ، وإن كانت المقاصد التابعة تفسر على أساسها بعض النصوص الشرعية ويحكم بها على تصرفات المكلفين في حدود المجال الذي تعمل فيه هذه المقاصد، ويستدل بها على حكم بعض الوقائع والنوازل التي يتحقق فيها مناطها . وهذه المقاصد في الواقع قريبة من القواعد الفقهية وإن كانت القواعد الفقهية تؤخذ من استقراء الأحكام الشرعية وليست الأدلة الشرعية، أما المقاصد التابعة فإنه يستدل عليها بعدة نصوص شرعية تفيد نوعاً من العموم والكلية محدود بما ينطبق عليه المقصد التابع بطريق غلبة الظن ، ولذا كان تفسيرها للنصوص وحكمها على تصرفات المكلفين محدود ، وتطبيقها على ما يدخل تحتها ويتحقق فيه مناطها من الفروع والنوازل محل اجتهاد وخلاف بين المجتهدين ، وقد اعتمدت في دراسة المقاصد التابعة وتطبيقاتها الفقهية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل أساساً ، وإن شاركه غيره من بقية المذاهب في كثير منها ، وذلك لما أولاه ابن تيمية مجدد المذهب الحنبلي وتلميذه ابن القيم، من عناية فائقة بفقه المقاصد والمصالح الشرعية، واستنباطه لكثير من المسائل بناء عليها مما يمكن وصفه بفقه الواقع.

 

أولاً : التصرف في حق الغير لمصلحته:

إذا دعت الحاجة إلى التصرف في مال الغير أو حقه، وتعذر استئذانه جاز هذا التصرف إذا كان لمصلحة الغير وهذا المقصود الشرعي لم يشهد له نص معين، ولكنه ملائم لتصرفات الشرع، ومأخوذ معناه من أدلته. وعلى هذا فهو صحيح يبنى عليه ويرجع إليه في تفسير النصوص والحكم على تصرفات المكلفين، ويجري في قوة الاستدلال به مجرى العام المستفاد من الصيغة، فهو يطبق على كل واقعة يتحقق فيها مناطه، دون حاجة إلى دليل خاص من نص أو قياس.

 ومن النصوص التي أخذ منها هذا الأصل، حديث عروة بن الجعد البارقي، حيث أعطاه النبي e ديناراً يشتري به شاة ، فاشترى شاتين بدينار ، فباع إحداهما بدينار ، وجاء بالدينار والشاة الأخرى ، فباع وأقبض وقبض بغير إذن النبي e لتعذر حصوله على هذا الإذن، وظهور الحاجة إلى هذا التصرف لما فيه من المصلحة الراجحة، وقد أقر النبي e تصرفاته هذه ، فكان ذلك الحديث دليلاً على أن كل من تصرف في مال غيره لمصلحة رب المال، وعدم القدرة على استئذانه فتصرفه ماض صحيح ، ولا يعد متعدياً بهذا التصرف.

ومن المصالح الجزئية التي تدخل تحت هذا الأصل ، ويتحقق فيها مناطه ، ويعد الاستدلال به على حكمها استدلالاً بمقصود شرعي ، ما يأتي:

1. لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظاً لماليتها عليه ، كان ذلك تصرفاً جائزاً مشروعاً، ولا يعد متعدياً بالذبح ، لأن ذلك أولى من تركها تموت ، فإن قيل إن إطلاق النصوص وعموم الأدلة يمنع من ذلك ، لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه ، قيل إن التصرف في ملك الغير دون إذنه  إنما حرمه الله لما فيه من الإضرار به ، وترك التصرف هنا هو الإضرار ، فهذا تفسير للنص في ضوء مقاصد الشريعة وتخصيص له بها .

2. لو رأى السيل يمر بدار جاره فبادر ونقب حائطه، وأخرج متاعه فحفظه عليه وحول السيل إلى مكان آخر وتكبد في ذلك نفقه، جاز ذلك، ولم يضمن ثقب الحائط ولزمته النفقة.

3.   إذا قصد العدو مال جاره فصالحه ببعضه دفعاً عن بقيته جاز له، ولم يضمن ما دفعه إليه .

4.   إذا شبت النار في دار جاره فهدم جانباً منها على النار لئلا تسري إلى بقيتها لم يضمن.

5.  ففي كل هذه الفروع نجد أن المصلحة لم يشهد لها نص معين ولا دليل خاص ، وإنما تدخل تحت مقصد شرعي اعتبره الشارع في الجملة بغير نص معين.

وهذا الأصل هو الذي يعبر عنه رجال القانون بالفضالة، والتي عرفتها المادة 188 من القانون المدني المصري بقولها: الفضالة هي أن يتولى شخص، عن قصد، القيام بشأن عاجل لحساب شخص آخر، دون أن يكون ملزماً بذلك، ثم بينت المادة 195 أثر قيام الشخص بهذا العمل بقولها: "يعتبر الفضولي نائباً عن رب العمل، متى كان قد بذل في إدارته عناية الشخص العادي، ولو لم تتحقق النتيجة المرجوة، وفي هذه الحالة يكون رب العمل ملزماً بأن ينفذ التعهدات التي عقدها الفضولي لحسابه، وأن يعوضه عن التعهدات التي التزم بها، وأن يرد له النفقات الضرورية النافعة التي سوغتها الظروف ، ولا يستحق الفضولي أجراً على عمله إلا أن يكون من أعمال مهنته".

ثانياً:جبر الشخص على فعل ما ينفع الغير ولا يضره

كل فعل لا ضرر فيه على فاعله، وفي المنع منه ضرر بآخر، أجبر عليه الفاعل إذا امتنع منه وهذا مقصود شرعي لم يشهد له بعينه نص خاص ولا دليل معين ، ولكنه ملائم لتصرفات الشرع، ومأخوذ معناه من مجموع أدلته، وعلى هذا فهو صحيح تفسر النصوص على أساسه ومحكم به على فعل المكلف، ويرجع إليه في حكم النوازل والوقائع التي لم يرد فيها بعينها نص حكم من الشارع ، وكل مصلحة جزئية تدخل تحته تكون ملائمة لشهادة ذلك الأصل لها، فهي نوع من المصالح، وهذا الأصل جنس لها، وهو جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين، وذلك بإيراد الفروع على وفقه، والالتفات إليه في التشريع.

ومن الفروع التي أوردها الشارع على وفق هذا القصد، واعتبرت شاهدة له بالاعتبار ما يلي :

1. حكم الشارع بالشفعة للشريك، فإنه لما كان البيع للشريك لا ضرر فيه على المالك، وفي الامتناع عنه إضرار بالشريك أجبر عليه المالك. وفي هذا يقول ابن القيم: "فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي، ويزول عنه ضرر الشركة، ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكان هذا من أعظم العدل، وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد" (أعلام الموقعين 2/120). 
ويقول: "إذا باع نصيبه كان شريكه أحق به من الأجنبي، إذ في ذلك إزالة ضرره، مع عدم تضرر صاحبه، فإنه يصل إلى حقه من الثمن، ويصل هذا إلى استبداده بالبيع فيزول الضرر عنهما جميعاً" . ويقول: "إنما كان الأصل عدم انتزاع ملك الإنسان منه إلا برضاه، لما فيه من الظلم له والإضرار به، فأما ما لا يتضمن ظلماً ولا إضراراً، بل مصلحة له بإعطائه الثمن، فلشريكه دفع ضرر الشركة عنه. فليس الأصل عدمه، بل هو مقتضى أصول الشريعة، فإن أصول الشريعة توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة وإن لم يرض صاحب المال".

2. ومن الفروع التي أوردها الشارع على وفق هذا المقصد أيضاً، واعتبرت شاهدة له بالاعتبار نهى النبي e الرجل من أن يمنع جاره من وضع خشبة على جداره، فإن وضع الخشبة هنا ليس فيه ضرر على صاحب الجدار، وفي المنع منه ضرر على الجار، فأجبر الجار عليه.

3. ويدخل تحت هذا الأصل أيضاً إجبار مالك الأرض على إمرار الماء فيها لجاره، مادام ذلك لا يضره والمنع منه يضر بالجار، وبذلك أفتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فالفتوى بإمرار الماء في أرض الجار، فتوى على أساس مقصود الشارع الذي لم يشهد له نص معين ولم يدل عليه بذاته دليل خاص ، ولكنه ملائم لتصرفات الشارع، وداخل تحت جنس اعتبرته النصوص في الجملة.

 

ثالثاً : جبر المالك على المعاوضة رفعا للضرر

هذا مقصد شرعي لم يدل عليه بذاته نص خاص ، ولكنه علم من عدة نصوص وجملة أدلة شرعية تفيد في مجموعها ظناً راجحاً يجعل منه حجة في تفسير النصوص والحكم على تصرفات المكلف والاستدلال به على كل ما لا نص فيه بعينه من الوقائع وتطبيقا  لهذا المقصد أفتى الحنابلة، وتابعهم غيرهم في ذلك بأنه إذا تهدم الحائط المشترك ، فالمذهب إجبار الممتنع من الشريكين على البناء مع الآخر. و أنه إذا انهدم السقف الذي بين سفل أحدهما و علو الآخر فذكر الأصحاب في الإجبار روايتين ، و المنصوص هاهنا أنه إن انكسر خشبه فيه فبناؤه بينهما ، لأن المنفعة لهما جميعا، وظاهره الإجبار ، و أن القناة المشتركة إذا انهدمت فقد نص أحمد على الإجبار على العمارة ، و أن ما يقبل القسمة من الأعيان إذا طلب أحد الشريكين قسمته أجبر الآخر عليها ، و على التزام كلفها ومؤنها لتكميل نفع الشريك ، فأما ما لا يقبل القسمة ، فإنه يجبر أحدهما على بيعه إذا طلب الآخر بيعه ، نص أحمد على ذلك ، و كذا نقل حنبل عن أحمد أنه قال: " كل قسمة منها ضرر لا أرى أن يقسم؛ مثل  أرض أو دار في قسمتها ضرر ، و يقال لصاحبها إما أن تشتري ، وإما أن تترك إذا كان هذا ضررا.

في كل هذه الفروع نجد أن المالك يجبر على المعاوضة ، و ذلك دفعا لضرر الشريك، والشارع يقصد رفع الضرر ، فالشريك الذي يتضرر من انهدام القناة أو الجدار ، و يتعذر عليه الانتفاع بملكه، يستطيع أن يجبر الشريك على أن يعاوض ، و معني هذا أن الشريك يدفع أجرة الإصلاحات اللازمة، أو أجرة إعادة بناء الحائط أو حفر القناة، فهو إذن مجبر على الالتزام بأن يتعاقد مع صانع على أن يصلح الجدار أو يعيد بناء البئر ، و إذا لم يفعل فللشريك الآخر أن يجري المعاوضة ويمنعه من استعمال حقه حتى يدفع نصيبه من النفقات ، و كذلك يجبر المالك على بيع ملكه الذي لا يمكن قسمته دون ضرر عليه ، دفعا للضرر عن شريكه ، فإن امتنع أجبره الحاكم .

دليل هذا المقصد:

النوازل السابقة غير منصوص على حكمها و المصلحة فيها غير مشهود لعينها بالاعتبار، ولكنها مصلحة ملائمة لجنس تصرفات الشرع ، و ذلك لأنها داخلة تحت جنس اعتبره الشارع في الجملة ، فهي راجعة إلى مقصد أو أصل كلي ، أخذ معناه من أدلة الشرع ، واستقرئ من مجموع نصوصه ، ذلك الأصل هو أن الإجبار على المعاوضات لإزالة الضرر مقصود شرعا . فقد أجبر الشارع المالك على البيع للجار أو للشريك الطالب للشفعة ، و هو إجبار على المعاوضة لإزالة الضرر ، و طلب من صاحب النخلة التي كانت في ملك آخر أن يبيعها منه أو يهبها إياه ، فلما امتنع قال له النبي e أنت مضار ، و أجاز لصاحب الأرض أن يقلع النخلة.

فهذه النصوص شاهدة لأصل كلي مقصود للشارع ، أو عام استقرائي ، مفاده أن الإجبار على المعاوضة جائز لدفع ظلم أو منع ضرر ، أو بعبارة أخرى جائز للحاجة أو الضرورة ، و إن كان الأصل أن ملك الشخص لا ينتقل عنه إلا برضاه ولكن المقصد الشرعي قد فسر النصوص الدالة على ذلك الأصل.


و من الفتاوى التي ترجع إلى هذا الأصل الشرعي ما يلي:

بذل المنافع بأجرة المثل

نسب لأتباع أحمد رحمه الله ، أنه يجوز إجبار المالك على أن يسكن في ملكه من لا مأوى له ، إذا كان فيه فراغ يتسع له . قال ابن القيم : " فإذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان لا يجدون سواه ، أو النزول في خان مملوك ... وجب على صاحبه بذله بلا نزاع ، لكن هل له أن يأخذ عليه أجرا ؟ فيه قولان للعلماء ، و هما وجهان لأصحاب أحمد ، و من جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل." ( الطرق الحكمية ص 239 )

و قد قرر ابن القيم أن هذه الفتوى سندها قصد الشارع أو المصلحة الملائمة لجنس تصرفات الشرع، و بين الأصل الكلي الذي تدخل هذه المصلحة الجزئية تحته ، ثم ذكر الشاهد بالاعتبار لهذا الأصل الكلي فقال :

"و قد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه و سلم منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك ، فقال : من أعتق شركا له في عبد ، و كان له من المال ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل لا وكس و لا شطط ، فأعطى شركاؤه حصصهم ، و عتق عليه العبد ... و صار هذا الحديث أصلا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة ، كما في الشفعة." ( الطرق الحكمية ص 238 )

تكليف أصحاب المهن والحرف بأجر المثل

و من الفتاوى التي ترجع إلى هذا المقصود الشرعي، ما ذكره ابن القيم من أن الناس إذا احتاجوا إلى صناعة طائفة كالفلاحة و النساجة و البناء و غير ذلك ، فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم ، يقول ابن القيم : " فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك."( الطرق الحكمية ص 226) ويقول: " فالمقصود أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات كالفلاحين و غيرهم ، أجبروا على ذلك بأجرة المثل ، و هذا من التسعير الواجب ، فهذا التسعير في الأعمال." (الطرق الحكمية ص 232)

ثم يبين ابن القيم وجه رجوع هذه المصلحة إلى مقصود شرعي مأخوذ من نصوص الشريعة فيقول: "و في السنن أن رجلا  كانت له  شجرة  في أرض   غيره ، و كان صاحب الأرض  يتضرر بدخول  صاحب الشجرة ، فشكا ذلك إلى النبي e ، فأمره أن يقبل بدلها أو يتبرع له بها ، فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض أن يقلعها ، و قال لصاحب الشجرة إنما أنت مضار ... و صاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يقلعها لما في ذلك من مصلحة صاحب الأرض بخلاصه من تأذيه بدخول صاحب الشجرة ، و مصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة ، و إن كان عليه في ذلك ضرر يسير ، فضرر صاحب الأرض ببقائها في بستانه  أعظم ، فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما. فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة ، وإن أباه من أباه، والمقصود أن هذا  دليل على وجوب البيع لحاجة المشتري ، وأين حاجة هذا في حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره، والحكم في المعاوضة على المنافع إذا احتاج الناس إليها كمنافع الدور والطحن والخبز وغير ذلك حكم المعاوضة على الأعيان . (الطرق الحكمية 243).

فإجبار المالك أن يسكن في ملكه من تدعو الحاجة إلى سكناه، مع أخذ الأجرة العادلة دون استغلال حاجة المحتاج، وإجبار أرباب المهن الذين يحتاج الناس إليهم، مع تحديد أجرة عادلة، مقصود للشارع ومصلحة ملائمة لتصرفات الشرع، وراجعة إلى أصل شرعي لم يشهد له نص معين، ولكنه مأخوذ باستقراء نصوص الشريعة ، وتتبع أحكامها. فجواز إخراج الشيء من ملك صاحبه للمصلحة العامة الراجحة، وكذلك القول بإلزام صاحب الصنعة على بذل عمله لمن يحتاج إليه بأجرة عادلة ، ويجمعهما الإجبار على المعاوضة لإزالة الضرر ، أو لتحصيل المصلحة الراجحة مقصود للشارع، وهو أصل شرعي لم يشهد له نص معين ، ولكنه ملائم لتصرفات الشرع ، ومأخوذ معناه من أدلته، وعلى ذلك فهو صحيح يبنى عليه ويرجح إليه، ويجري في قوة الاحتجاج به، والتفريع على وفقه مجري العموم المستفاد من الصيغة، وبذلك يطبق على كل واقعة غير منصوص على حكمها، إذا تحقق فيها مناط هذا المقصود الشرعي أو الأصل الكلي ، أو كانت فرداً من أفراد هذا العام الاستقرائي، دون حاجة إلى نص خاص يدل على حكمها لفظاً، أو يؤخذ من معقوله بطريق القياس الذي يفترض أن يساوي فيه الفرع الأصل في عين الحكم والعلة.


جواز التفسير

ومن المصالح الجزئية الراجعة إلى هذه المصلحة الكلية أو المقاصد الشرعية جواز التسعير إذا تعدى التجار ثمن المثل واستغلوا حاجة الناس إلى ما بأيديهم من السلع ، فإنهم يجبرون على المعاوضة للمصلحة الراجحة ، أو لرفع الضرر العام، وأما إذا كان التجار يبيعون بأسعار عادلة أملتها ظروف العرض والطلب ، ولم يكن نتيجة تدخل منهم بقصد الاستغلال والحصول على الربح المحرم ، فإنه ليست هناك حاجة إلى التسعير ، لأن التسعير في هذه الحالة لا يرفع ظلماً عن طائفة المستهلكين ، وإنما يوقع الظلم على التجار ، والشارع لا يريد ظلم طائفة على حساب طائفة أخرى، وبذلك لا يتحقق فيه مناط مقصود الشارع أو المصلحة الكلية، لأن مضمون هذا المقصود أو هذه المصلحة هو أن الإجبار على المعاوضة يجوز للمصلحة الراجحة، أو لدفع الظلم، أو لمنع الضرر الأكبر، وكل هذا لا يتحقق إذا كان التجار يبيعون بالأسعار العادلة دون تعد أو جشع .

يقول ابن القيم : (الطرق الحكمية ص 223) وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب.

فأما القسم الأول : فمثل ما روى أنس قال : غلا السعر على عهد النبي e، فقالوا يا رسول الله لو سعرت لها، فقال : إن الله هو القابض الرازق الباسط المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال. رواه أبوداود والترمذي وصححه. فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء المعروض، وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. وأما الثاني، فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، والتسعير هنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به. (الطرق الحكمية ص 224)

ولقد تكلم ابن القيم بعد ذلك عن بعض أحكام التسعير، وذكر مواضع الخلاف والاتفاق بين الأئمة فيه، ثم خرج من ذلك بأن الخلاف بين الفقهاء إنما هو في غير حالة الضرورة. والحاجة العامة منزلة منلة الضرورة. إذ أن الكل متفق على جوازه في تلك الحالة الأخيرة.

صور المنافسة غير المشروعة

وقد ذكر ابن القيم صورتين للتسعير الذي وقع الخلاف فيه، أولهما : إذا أراد بعض التجار أن يبيع بسعر أقل مما يبيع به عامة أهل السوق، وهذه الصورة تدخل تحت ما يقال المنافسة غير المشروعة، والضرر فيها ليس واقعاً على عامة الناس مباشرة، وإنما على التجار، فرد أو عدد محصور منهم، والغالب أن هذا الفعل يقصد به القضاء على المنافس حتى يترك الاتجار في السلعة، ثم يتحكم في السوق بعد ذلك كما يشاء، فالإرخاص وإن كان ظاهراً في مصلحة جمهور المشترين، إلا أنه مظنة وذريعة إلى مفسدة أكبر. وهنا يوازن الفقيه بين مصلحة عاجلة، في إرخاص السلعة، وضرر آجل أشد كثيراً من المصلحة الواقعة، وعندئذ يقدم رفع الضرر الكبير المتوقع.

وقد قال ابن القيم أن مالكاً رضي الله عنه ممن يرى منع البائع من البيع بأقل من سعر الجمهور، واعتبره من باب المنافسة غير المشروعة التي يربو ضررها المتوقع على مصلحتها العاجلة، وقد احتج مالك رحمه الله بما رواه في موطئه. أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيباً له بالسوق، فقال له عمر، إما أن تزيد في السعر، وأما أن ترفع من سوقنا. قال مالك : لو أن رجلاً أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس رأيت أن يقال له : إما لحقت بسعر الناس وإما رفعت. (الطرق الحكمية ص223).

وثانية الصورتين اللتين وقع الخلاف فيهما : أن يحد الإمام لأهل السوق سعراً لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب ، وهذا قد منع منه الجمهور حتى مالك رضي الله عنه، لكن أشهب من شيوخ المالكية ينسب إلى مالك في صاحب السوق يسعر على الجزارين لحم الضأن بكذا، ولحم الإبل بكذا وإلا خرجوا من السوق. قال إن سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم، فلا بأس به، ولكن لا يأمرهم أن يقوموا من السوق، ثم رجح ابن القيم رأي الجمهور في المنع من التسعير في هذه الحالة.

وأخيراً، يبين ابن القيم موضع الوفاق في مسألة التسعير فقال: (الطرق الحكمية ص237)" قال شيخنا : فهذا الذي تنازعوا فيه ، وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه ، فهنا يؤمرون بالواجب، ويعاقبون على تركه ، وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع ، ومن احتج على منع التسعير مطلقاً بقول النبي e : إن الله هو المسعر القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال". قيل هذه قضية معينة ، وليست لفظاً عاما، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه، ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه ، كما جرت به العادة، ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم". (الطرق الحكمية ص 238).

طريقة التفسير

ولقد نقل ابن القيم عن ابن حبيب من المالكية طريقة التسعير، فقال : وأما صفة ذلك عند من جوزه، فقال ابن حبيب : ينبغي  للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهاراً على صدقهم، فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون، فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا به، ولا يجبر على التسعير، ولكن عن رضى. قال أبو الوليد الباجي : ووجه هذا أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس، , وإذا سعر عليهم من غير رضى بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى إفساد الأسعار وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس". (الطرق الحكمية 237).

ففي هذا النص نجد الفقه الإسلامي ممثلا في مذهب مالك، يسبق إلى الكلام على التسعيرة الودية، ولجان التسعير المتخصصة، ومشكلة إفساد الأسعار، والسوق السوداء، وأسباب ذلك وعلاجه.

صور التفسير

يفرق الفقه الإسلامي بين صور ثلاث من التسعير : الصورة الأولى تدخل كما قلنا تحت مبدأ المنافسة غير المشروعة، وذلك إذا باع التاجر بسعر أقل مما عليه جمهور التجار، والصورة الثانية، وهي تحديد سعر لا يبيع العامة بأقل منه، أي سياسة عامة للأسعار مقدما، دون أن تكون هناك ضرورة أملت هذا النظام العام مقدماً. ويرى ابن القيم أن المالكية يرون ذلك مصلحة أيضاً مع القيود التي سبق أن ذكرها ابن حبيب، من اللجان المتخصصة، إلى الموازنة بين العرض والطلب حتى يكون التسعير محققاً ربحا مجزيا للتاجر، فلا يتلاعب بالأسعار، ويخفي السلع وتكون السوق السوداء التي ضررها أشد من ضر ترك التسعير. والصورة الثالثة، القرارات الفردية في حالات الضرورة، وبالنسبة لوقائع خاصة، وذلك إذا امتنع أحد من بيع ما يجب عليه بيعه للمصلحة، وهذا لا محل للخلاف فيه، وهو أن الشخص يؤمر بالبيع بالسعر العدل وتفرض عقوبة للمخالف.

تطبيقات المنافسة غير المشروعة

ومن تطبيقات هذا المقصد أو الأصل منع المنافسة غير المشروعة ، فقد أفتى الحنابلة أيضاً بالمنع من كل صور المنافسة غير المشروعة، والتي تؤدي إلى التحكم في أقوات الناس، وتمنع من المنافسة الحرة في التجارة. ومن ذلك:

1.     شرط منع المنافسة في عقد الإيجار

يقول ابن القيم : (الطرق الحكمية ص224)" ومن أقبح الظلم إيجار الحانوت على الطريق أو في القرية بأجرة معينة، على أن لا يبيع أحد غيره. فهذا ظلم حرام على المؤجر والمستأجر، وهذا نوع من أخذ  أموال الناس قهراً، وأكلها بالباطل، وفاعله قد تحجر واسعاً، فيخاف عليه أن يحجر الله عليه رحمته، كما حجر على الناس فضله ورزقه".

2.     حق البيع الحصري

ومن ذلك أن يلزم الناس ألا يبيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا أناس معروفون ، فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب، فهذا من البغي في الأرض والفساد والظلم، وهؤلاء يجب التسعير عليهم، وألا يبيعوا إلا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء".

3.     احتكار الخدمات

ومن هنا منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحاب القاسمين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركا والناس يحتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجرة، قلت : وكذلك ينبغي لوالي الحسبة أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين من الاشتراك لما في ذلك من إعلاء الأجرة عليهم، وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم كالدلالين وغيرهم والمقصود أنه إذا منع القاسمون نحوهم من الشركة لما فيه من التواطؤ على إعلاء الأجرة فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا يبيعوا إلا بثمن مقدر أولى وأحرى.

4.     احتكار المنتجين والمستوردين

إذا كانت الطائفة التي تشتري نوعاً من السلع أو تبيعها قد تواطأوا على أن يهضموا ما يشترونه، بحيث يشترونه بدون ثمن المثل، ويبيعونه بأكثر من ثمن المثل، ويقتسموا ما يشتركون فيه من الزيادة كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان ولا ريب أن هذا أعظم عدواناً من تلقي السلع وبيع الحاضر للبادي.

فهذه صور ثلاث تقتضي المصلحة المنع منها، الصورة الأولى، اشترط عدم المنافسة في عقد الإيجار أو البيع، فذلك شرط باطل وفعل محرم، ويعاقب من يلجأ إلى هذه الطريقة من تقييد حرية التجارة والمنافسة الشريفة.

والصورة الثانية : الاتفاق بين طائفة معينة على احتكار خدمة من الخدمات، وتقاضي أجر معين في مقابل الخدمة التي يؤديها كل فرد من هذه الطائفة، وذلك على حساب من يحتاجون إلى خدمات هذه الطائفة، فلو أن أطباء العيون اتفقوا فيما بينهم على أن يتقاضى الطبيب عشرين ديناراً نظير الكشف على مريضه، فإن هذا الاتفاق باطل، ومعصية فيها عقوبة تعزيزية. وكذلك الحال في كل طائفة يحتاج الناس إلى خدماتها.

والصورة الثالثة : اتفاق منتجي سلعة معينة، أو من يتعاملون فيها بالبيع والشراء، على البيع أو الشراء بثمن معين، إضرارا بمن يتعاملون معهم، وهذا فعل غير مشروع، لما فيه من الإضرار بالعامة، فيجب أن يمنع منه ولي الأمر، وأن يفرض العقوبة جزاء لكل من يحاول أن يلجأ إليه لاستغلال حاجة المسلمين، بل أن بعض الفقهاء كأبي حنيفة يمنع الذريعة إلى هذا التواطؤ، ويقيم مظنة الاتفاق مقام الاتفاق، وذلك بالمنع من الشركة بين أفراد الطائفة الواحدة، وذلك لأن هذا الاشتراك وإن لم يكن قاطعاً في الدلالة على التواطؤ، إلا أنه غالباً ما يقصد به ذلك.

وهذه هي صور المنافسة غير المشروعة والاحتكار الممنوع الذي نصت القوانين الحديثة على منعها، والعقوبة عليها، وبذلك يكون الفقه الإسلامي قد وضع أساس نظام تجاري واقتصادي يضارع أحدث النظم التي لجأت إلى تجريم مثل هذه الأفعال.

رابعاً: التعسف في استعمال الحقوق

بذكر ابن رجب الحنبلي يذكر عدة فتاوى في الفقه الحنبلي استنبطت من مقاصد الشريعة، وكان مبناها مصالح ملائمة لجنس تصرفات الشرع، وإن لم يوجد نص يشهد لعين كل فتوى منها بالاعتبار، والجنس أو المقصد الذي ترجع إليه هذه الفتاوى هو ما ثبت في الشرع، ودلت عليه تصرفاته، من أن الشخص مقيد في استعمال حقه بعدم الإضرار بالغير، فإذا ترتب على استعمال حقه الجائز له بمقتضى الشرع، إلحاق ضرر بالغير، فإنه يمنع من استعمال حقه أو على الأقل يلزم بتعويض الغير عما أصابه من ضرر نتيجة استعماله لحقه، وذلك أن كل من له حق مقرر بمقتضى الشرع، فإنه يقيد في استعماله برعاية مصالح الغير، فعليه أن يستعمل هذا الحق بالطريقة، وفي الظروف التي لا يلحق الغير منها ضرر، وإليك ما يقوله ابن رجب الحنبلي في تقرير هذا المقصود الشرعي أو الأصل الكلي الذي تدخل هذه الفتاوى تحته. يقول: (القواعد لابن رجب ص111) "التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضرراً على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد، لم يجز، ولم ينفذ، إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه فيجوز على ذلك الوجه".

فأنت تراه يطبق أصل منع الشخص من إساءة استعمال حقه على حق أحد المتعاقدين في فسخ العقد الجائز، ويرى أنه وإن كان للعاقد الحق في أن يفسخ العقد، إلا أنه ليس له أن يفسخه متى شاء، وكيف شاء، ولو ترتب على هذا الفسخ فوات مصلحة للعاقد الآخر، أو لشخص ثالث يؤدي الفسخ إلى الإضرار بمصالحه، وذلك لأن استقراء نصوص الشريعة يفيد أن الشارع يقصد المنع من الجائز إذا كان يؤدي إلى الحرام، والإضرار بالمسلم حرام، ويجب التنبيه إلى أن صاحب الحق كان يمكنه أن يستعمله بطريقة لا تضر العاقد الآخر، ولكنه اختار الطريقة التي تضر غيره، فكأنه قصد الإضرار، أو على الأقل قصر في اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع الإضرار بالغير.

وهذه المصلحة الكلية، أو المقصد الشرعي، مأخوذ من نصوص الشريعة، وقد عهد من الشارع الالتفات إليه، والتفريع عليه، فكان على الفقيه أن يسلك ملك الشارع وأن يفرع على هذا الأصل كل ما يجد من الوقائع التي لا يمكن معرفة حكمها من النص لفظاً، أو من معقوله قياساً، وهو إذ يفعل فإنما يحقق مقصداً شرعياً لم يعرف من نص واحد، ولم يؤخذ من أصل معين، وإنما عرف من مجموع نصوص، وجملة أجلة.

وفي بيان أن هذا الأصل ملائم لتصرفات الشارع. يقول ابن رجب: (القواعد لابن رجب ص112)

هذا أي منع التعسف في استعمال الحق، هو الأليق بمذهبنا، وإنه لا يحل لأحد المتعاقدين في الشركة والمضاربات الفسخ مع كتم شريكه، لأنه ذريعة إلى غاية الإضرار، وهو تعطيل المال عن الفوائد والأرباح، ولذلك لا يملك عندنا فسخها ورأس المال قد صار عروضاً، وحاصله هو أنه لا يجوز للمضارب الفسخ حتى ينض رأس المال أو يحوله إلى نقود، ويعلم به ربه، لئلا يتضرر بتعطيل ماله عن الربح، كما ذكر أنه في الفضولي أن المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال إلى الربح، ولا يسقط به حق العامل، وهو حسن جار على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسد الذرائع.

ولقد طبق ابن رجب هذه المصلحة الكلية أو المقصود الشرعي على بعض العقود التي يجوز لأحد العاقدين أن يفسخها، مقرراً أن الفسخ لا ينفذ في حق العاقد الآخر، أو الأجنبي الذي يتأثر بالفسخ، ومن هذه العقود الوكالة في بيع الرهن، ففي وجه لا يجوز عزل الوكيل لأن فيه تغريراً للمرتهن، فإذا عزله لم ينعزل، وعقد الجعالة إذا فسخه انفسخ واستحق العامل أجرة المثل، وطبق ذلك على فسخ عقد المساقاة، والمزارعة، والمضاربة، والشركة، والوكالة، بل وقد طبق ذلك على حق الرد المقرر لمصلحة الموصى له.

ففي كل نازلة من هذه النوازل يكون سند الفتوى هو المقصد الشرعي أو المصلحة المرسلة، ولكنها كما قلنا، مصلحة ملائمة لجنس تصرفات الشرع فإذا لم يشهد النص لعينها، فقد شهد لها مقصد شرعي وأصل كلي، والأصل الكلي إذا صار قطعياً قد يساوي الأصل المعين، وقد يربى عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه، كما قرر ذلك فقهاء المالكية، وعلى رأسهم الشاطبي رضي الله عنه.

خامساً : بذل الأعيان والمنافع دون عوض:

من مقاصد الشريعة أن كل ما تدعو الحاجة إلى الانتفاع به ، من الأعيان و لا ضرر في بذله لتيسره ، و كثرة وجوده ، أو من المنافع المحتاج إليها يجب بذله مجانا بغير عوض وهذا المقصد الشرعي شهدت له النصوص في الجملة فجاز الاحتجاج به والتفريع على أساسه وإعطاء الأحكام بناء عليه، فهو إذا جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين وكل واقعة جزئية لا نص فيها بعينها، وتحقق فيها مناط هذا المقصد، حكم فيها بحكم هذا المقصد، و كانت المصلحة فيها مصلحة ملائمة لهذا المقصد.

1. أما شواهد هذا المقصد الشرعي أو الأصل الكلي أو المصلحة الملائمة الكلية، فهي ما ثبت في صحيح مسلم من النهي عن بيع الهر. و ما روي عنه e من النهي عن منع الجار جاره من وضع الخشبة على جداره، و ما روي من النهي عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ.

2. ومن الفروع التي أخذ فيها الحنابلة بهذا المقصد على ما يقوله ابن رجب : " إعارة الحلي، فظاهر كلام أحمد و جماعة من الأصحاب وجوبه، واختار بعضهم وجوب بذل الماعون، و إعارة الفحل للضراب .. و ضيافة المجتازين، فإن المذهب وجوبها". ( القواعد لابن رجب 288 )

فالحكم في هذه الوقائع وغيرها كثير كان على أساس تحقيق مقاصد الشارع ، وكان لمصلحة لم يشهد لها نص معين، و لكنها داخلة تحت جنس اعتبره الشارع في الجملة.

 

سادساً : المعاملة بنقيض المقصود

إذا قصد المكلف بالسبب الممنوع ما يتبعه من المصلحة عوقب بنقيض قصده : و قد أفتى الأئمة بالفتاوى الآتية بناء على هذا المقصد الشرعي :

1.   الفارّ من الزكاة قبل تمام الحول بتنقيص النصاب، أو إخراجه عن ملكه، تجب عليه الزكاة.

2.   المطلق في مرضه لا يقطع طلاقه حق الزوجة من إرثها منه ، إلا أن تنتفي التهم بسؤال الزوجة و نحوه.

3.   قتل الموصى له الموصى بعد الوصية يبطل الوصية ، عند بعض الفقهاء.

4.   السكران بشرب الخمر عمدا يجعل كالصاحي في أقواله و أفعاله فيما عليه من حقوق.

5.   تخليل الخمر لا يفيد حله ، و لا طهارته على المذهب الصحيح عند الحنابلة.

6.   الغال في الغنيمة يحرم أسهمه منها على إحدى الروايتين عند الحنابلة.

7.   من تزوج  امرأة في عدتها حرمت عليه على التأبيد، على رواية عند الحنابلة.

8.   من اصطاد صيدا قبل أن يحل من إحرامه لم يحل له ، و إن تحلل ، حتى يرسله ويطلقه.

9.   إذا قتل الغريم غريمه فإنه لا يحل دينه عليه بخلاف ما لو مات ، وهو وجه مخرج عند الحنابلة.

 

هذه فتاوى كان سند الفتوى فيها المصلحة المقصودة للشارع ، ذلك أن المصلحة في هذه الفروع لم يشهد لها نص معين حتى يمكن القياس عليه. و لكن شهدت لجنسها نصوص الشريعة في الجملة، فهذه الفروع  و إن لم يعتبرها النص المعين ، فقد شهد لها أصل كلي يعبر عنه ابن رجب بقوله: "من أتى بسبب يفيد الملك أو الحل أو يسقط الواجب على وجه محرم ، و كان مما تدعو النفوس إليه ألغى ذلك السبب ، و صار وجوده كالعدم، و يترتب عليه أحكامه ". (القواعد لابن رجب
ص229) وليس هناك نص يشهد لعين هذه المصلحة ، و إنما أخذت هذه المصلحة الكلية أو المقصد الشرعي من مصادر الشريعة و مواردها. وأهم النصوص التي تشهد لهذا المقصد المصلحة هو منع الشارع القاتل من الميراث، فإن القتل سبب يفيد الملك للقاتل بالميراث، وهو مما تدعو إليه النفوس، وقد كان قتل الوارث مورثه فعلا محرما، فلم يترتب على هذا السبب أثره، و بعبارة أخرى، فإن الموت و إن كان سببا للميراث، فإنه لما وقع هذا السبب على وجه محرم، كان كالعدم و لم يترتب عليه أثره. و بذلك يكون الشارع قد اعتبر هذا المقصد بإيراده هذا الفرع على وفقه ، فمنع القاتل الميراث دليل على اعتبار الشارع أن السبب تبطل سببيته إذا أتى المكلف به على وجه محرم.

 


سابعاً: أثر السبب الباعث على التصرف :

اعتبار الأسباب في عقود التمليكات، كاعتبارها في الإيمان مقصود للشارع. و معني هذا المقصد أو هذه المصلحة الكلية أن السبب الباعث على العقد الذي يفيد الملك يعتبر في الحكم على صحة العقد وبطلانه، و تحديد نطاقه، فالسبب الذي دعا المتعاقد إلى العقد، والذي يظهر من ظروف العقد والقرائن المحتفة به هو المحكم ، كما هو الحال بالنسبة إلى الأيمان و غيرها من الأعمال و التصرفات.

و هذا مقصد شرعي لم يشهد له نص معين ، و لكن أخذ معناه من مجموع أدلة الشريعة، بحيث أعطت هذه الأدلة معنى القطع فيه. و لقد أفتى الحنابلة وغيرهم في بعض النوازل التي عريت عن النص الشرعي الذي يدل على حكم الواقع بلفظ، أو بمعناه عن طريق القياس، بناء على أن الحكم في هذه النوازل يحقق مقصداً شرعياً ومصلحة لم يشهد لها نص معين، و لكنها داخلة تحت هذا المعنى الذي اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين.

يقول ابن رجب : " و يخرج على هذا (المقصد) مسائل متعددة : منها مسائل العينة، و منها هدية المقترض قبل الأداء ، فإنه لا يجوز قبولها ممن لم يجر له منه عادة ، ومنها هدية المشركين لأمير الجيش ، فإنه لا يختص بها على المذهب بل هي غنيمة أو فيء على اختلاف الأصحاب، ومنها هدايا العمال. قال أحمد في هدايا التي تهدى للأمير فيعطى منها الرجل: "قال هذا هو الغلول، ومنع الأصحاب من قبول القاضي هدية من لم تجر له العادة بهديته له قبل ولايته، ومنها هبة المرأة زوجها صداقها إذا سألها ذلك، فإن سببها طلب استدامة النكاح، فإن طلقها فلها الرجوع فيما نص عليه أحمد، ومنها الهدية لمن يشفع له بشفاعة عند السلطان و نحوه فلا يجوز، لأنها كالأجرة، والشفاعة من المصالح العامة، فلا يجوز أخذ الأجرة عليها."

فسند الفتوى في كل هذه الفروع هو مقصد شرعي أو مصلحة مرسلة ، أي مصلحة لم يشهد النص لعينها حتى تكون ثابتة بطريق القياس، وإنما هي مصلحة ملائمة لجنس تصرفات الشارع، وراجعة إلى أصل اعتبره الشارع في الجملة. ذلك المقصود هو أن التصرف يفسر، وتجري أحكامه بناء على السبب الباعث الذي دفع العاقد إلى التعاقد، فإذا كان الباعث حراما كقصد الربا، فإن إعمال هذا الباعث يقضي ببطلان بيع العينة والتورق المصرفي المنظم و هدية المقترض، و إذا كان السبب الباعث للمشركين على إهداء الأمير أنه أمير الجيش ، و ليس شخصا عاديا ، كان ما أخذه جزءا من الغنائم ، و إذا كان الباعث الدافع لصاحب الحاجة إلى أن يهدي القاضي أو العامل هو قضاء حاجته أو الحكم لصالحه ، فإن هذا السبب الدافع يقضي بحرمة هذه الهدية ، وهكذا فهنا نحكم الباعث  الدافع إلى الفعل دائما، و لا ننظر فقط إلى الظاهر، والمهم أن هذا السبب لا بد أن يظهر، إما من القرائن المحيطة كالهدية للدائن ممن لم تجر له عادة بالإهداء، و كالإهداء لأمير الجيش، أو يثبت بغير ذلك من الأدلة.

و في بيان قيمة السبب الباعث أو القصد في العقود يقول ابن القيم : " القصد روح العقد ومصححه ومبطله، فاعتبار المقصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ، فإن الألفاظ مقصودة لغيرها، ومقاصد العقود هي التي تراد لأجلها." ( إعلام الموقعين 3 / 106 )

و يقول : " و قاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها ، أن المقاصد و الاعتقادات معتبرة في التصرفات ، كما هي معتبرة في التقربات و العبادات ، فالقصد و النية و الاعتقاد يجعل الشيء حلالا أو حراما ، و صحيحا أو فاسدا ، و طاعة أو معصية ، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة ، صحيحة أو فاسدة ، و دلائل هذه القاعدة تفوق الحصر." ( إعلام الموقعين 3 / 108 )

و إنما كان هذا الأصل مقصوداً للشارع لأن الشارع أورد الفروع على وفقه ، و التفت إليه في التفريع و تشريع الأحكام : فقد ورد النهي عن بيع العينة ، و عن هدية الديان ، و ذلك التفاتا إلى السبب الباعث ، فكان الالتفات إليه في جميع الأبواب كذلك ، و هذا هو شأن المقاصد الشرعية والمصالح الكلية ، فإنه لما أقام الشارع الخلوة بالأجنبية مقام الزنا في الحرمة ، و مقام الوطء في إيجاب نصف الصداق ، و أقام الإيلاج مقام الإنزال في أحكام كثيرة ، و جعل حافر البئر في محل العدوان كالمردي فيها ، حكمنا بإقامة المظنة مقام المظنون أصلا كليا و قاعدة مطردة ، و حكمنا بإقامة مظنة القذف و هو الشرب مقام القذف ، فأعطيناه حكم القذف و هو الجلد ثمانين للشرب.

و لما رأينا الشارع في تصرفاته يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، في المنع من تلقي الركبان ، و من بيع الحاضر للبادي ، و في الحدود والقصاص، و وجوب الجهاد ، و غير ذلك مما فيه تفويت مصلحة خاصة لحفظ مصلحة عامة، قلنا بذلك أصلاً كلياً أو مقصداً شرعياً، و قاعدة مطردة ، فضمنا الصناع ، و إن أمكن عدم خيانة البعض تقديما لمصلحة عامة لأرباب السلع، وأجزنا إتلاف ما حصلت به الجريمة من  الأموال ، تحصيلا للمصلحة العامة أيضا.

ولما وجدنا الشارع يقدم المصلحة الأصلية على المصلحة المكملة عند التعارض قدمنا مصلحة إقامة الإمام على مصلحة توافر الاجتهاد فيه إذا خلا الزمان عن مجتهد ، و هكذا فالمقصد الشرعي أو فالمصلحة العامة تعني أصلا كليا اعتبره الشارع ، بأن أورد الفروع على وفقه ، و شهدت له نصوصه في الجملة.

ثامناً : أثر الإفلاس الفعلي

الأصل أن الإفلاس يترتب عليه حكمه إذا حكم به القاضي بناء على زيادة ديون المفلس على حقوقه وثبت الحكم، غير أن بعض الحنابلة أفتى بأن التصرفات المالية كالوقف والصدقة والهبة، إذا تصرف بها الشخص وعليه دين ولم يكن قد حجر عليه، وإنما تقدم الغرماء مطالبين بديونهم، فإن هذه التصرفات لا تنفذ في حق الدائنين، ما دامت قد وقعت بعد المطالبة، أي بعد رفع دعوى الحجر وقبل صدور الحكم به.

وهذه الفتوى لا سند لها من نص معين يدل عليها بلفظه، ولا يشهد لوجه المصلحة فيها نص معين، يمكن قياسها عليه، و لكنها مصلحة راجعة إلى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير نص معين. ودليل هذا الاعتبار ما نص عليه أحمد رحمه الله تعالى في رواية حنبل، فيمن تبرع بماله بوقف أو صدقة وأبواه محتاجان أن لهما رده، واحتج بالحديث المروي في ذلك، كما أنه نص على أن من أوصى لأجانب وله أقارب محتاجون، فإن الوصية ترد عليهم، فتخرج من ذلك أن من تبرع و عليه نفقة واجبة لوارث أو دين ليس له وفاء أن يرد ... و نقل ابن منصور عن أحمد فيمن تصدق عند موته بماله كله ، قال : " هذا مردود، لو كان في حياته لم أجوز له إذا كان له ولد." (القواعد لابن رجب ص14)

فعدم نفاذ التبرع الصادر من المدين بعد رفع الدعوى بطلب الحجر، وقبل صدور الحكم بالتفليس مقصود أو مصلحة لم يشهد لها نص معين ، حتى يمكن القياس عليه ، و لكنها مصلحة ملائمة لجنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين ، فالحديث الذي جعل التبرع مع حاجة الوالدين إلى المال المتبرع به مردودا و غير نافذ ، قد شهد بأن كل من وجب عليه حق لا يجوز له أن يتبرع بما يضر صاحب هذا الحق ، فالوالدان لهما على الولد حق النفقة ، فإذا تبرع الولد و هما في حاجة إلى ما تبرع به ، رد تبرعه و لم ينفذ في حقهما ؛ لأن فيه إضرارا بهما. فكذلك الحال بالنسبة لكل حق ، فإن الدين أصبح واجب الأداء بعد مطالبة الغرماء ، فالتبرع بعد ذلك إضرار بالدائن ، و تقديم للنفل على الواجب فلا ينفذ في حق الدائنين.

فأحمد رحمه الله أخذ النص في التبرع مع حاجة الوالدين و عمم الحكم و العلة فيه ، فجعله شاملا لكل تبرع يضر بشخص له على المتبرع حق واجب.

وقد التزم الشافعي ذلك المنهج في الاستدلال فقرر في حديث منع فضل الماء ليمنع به الكلأ ، فإن الحديث و إن جاء في واقعة خاصة هي منع الماء، فإن الشافعي قد عممه، فقال: "والنهي عن منع الماء ليمنع به الكلأ الذي هو من رحمة الله عام يحتمل معنيين : أحدهما أن ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل، وكذلك ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله". قال الشافعي: "فإن كان هذا هكذا ففي هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحلال و الحرام تشبه معاني الحلال والحرام". (الأم 3 / 272)

فإن نص الحديث إنما ورد في المنع من الماء ليمنع به الكلأ ، فعمم الشافعي حكم هذا الحديث ، و جعل كل ذريعة إلى محرم حراما ، فمنع الكلأ حرام لأنه منع لفضل الله الذي جعله للناس عامة ، و المنع من فضل الماء ذريعة إلى منع هذا الحلال ، أو حصول هذا الحرام ، فمنع منه ، ثم قلنا بأن كل ذريعة إلى الحلال أو الحرام ، فهي في معني الحلال أو الحرام ، و كذلك فعل أحمد في الحديث الذي رواه في التبرع مع حاجة الوالدين ، عممه في كل من تبرع و عليه واجب ، فإن تبرعه لا ينفذ في حق صاحب الحق إذا كان يتضرر به ، و بعد ذلك طبق هذا الأصل على كل نازلة جديدة يراد معرفة حكمها.

وأوضح أن هذه الواقعة لا تشارك الواقعة التي حكم النص فيها في عين العلة ، و ليس المراد أن ينقل إليها عين الحكم الذي في الواقعة المنصوصة ، وإنما هما يدخلان تحت مقصد شرعي واحد، ويشتركان في جنس المصلحة ، و جنس الحكم ، فالمصلحة في الواقعة الجديدة ، والواقعة المنصوص عليها ، متغايرتان ، و لكنهما من جنس واحد ، والحكم في الواقعة الجديدة والواقعة المنصوصة متغايرتان ، و لكن يجمعهما جنس واحد ، ففي الواقعة المنصوصة ، لم ينفذ التصرف في حق الوالدين، و في الواقعة الجديدة لم ينفذ في حق الدائنين ، والمصلحة هي حماية حق الوالدين في الأولى، وحق الدائنين في الثانية.

تاسعاً : أداء الواجب عن الغير

من أدى واجبا عن غيره دون إذنه فله الرجوع بما أنفق إذا اعذر ذلك الإذن وهذا مقصد شرعي أخذ معناه من عدة نصوص وجملة أدلة، وقد تصرف الشارع على وفقه وفرع الأحكام بناء عليه فكان محكما في كل نازلة أو واقعة جديدة ليس لها فيها بعينها نص حكم للشارع.

ومن المصالح الجزئية التي تدخل تحت هذا المقصود أو المصلحة الكلية ما يأتي :

1. إذا قضى عنه ديناً واجبا بغير إذنه فله الرجوع  وهو المذهب، ومنها لو  اشترى أسيراً مسلماً حرًّا من أهل دار الحرب ثم أطلقه أو أخرجه إلى دار الإسلام فله الرجوع عليه بما اشتراه به سواء أذن له أم لم يأذن، لأن الأسير عليه افتداء نفسه ليتخلص من الأسر، فإذا فداه غيره فقد أدى عنه واجباً ورجع به عليه. ومنها نفقة الزوجات والأقارب والبهائم إذا امتنع من يجب عليه النفقة فأنفق عليهم غيره، ومنها نفقة اللقطة حيواناً كان أو غيره مما يحتاج في حفظه إلى مؤنة وإصلاح، ومنها إنفاق أحد الشريكين على المال المشترك مع غيبة الآخر أو امتناعه، ومنها لو قضى أحد الورثة الدين عن الميت فإنه يرجع على بقية الورثة كل بقدر نصيبه. وهكذا نجد أن الحنابلة اعتبروا هذا الأصل الكلي، وحكموا في كل ما تحقق فيه مناطه من الفروع غير المنصوص عليها حكماً يحقق هذه المصلحة، ويلبي تلك الحاجة.

ومن تصرفات الشارع على وفق هذا الأصل أنه إذا إذن للمرتهن بأن يركب ويحلب في مقابل النفقة، فكان الحديــث "الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً ………  وفي هذا يقول ابن القيم بعد ذكر هذا  الحديث : إعلام الموقعين 3/392).

"إنه إذا أنفق على الرهن صارت النفقة دينا على الراهن، لأنه واجب أداه عنه، ويتعسّر عليه الإشهاد على ذلك كل وقت واستئذان الحاكم. فأجاز له الشارع استيفاء دينه من ظهر الرهن ودره، وهذه مصلحة محضة لهما".

وبذلك يكون الفقه الإسلامي في الحنبلي قد نوصل إلى نظرية الإثراء دون سبب التي طهرت في الفقه الغربي واضحة المعالم في أواخر القرن التاسع عشر عندما قررته محكمة النقض الفرنسية ( وذلك في حكميها الصادرين في 15 يونية سنة 1892 ، 6 مارس 1915 ) ، وأصبح قانوناً بعد ذلك.

ومضمون نظرية الإثراء دون سبب كما قررته المادتان 179 ، 180 في القانون المدني المصري أن " كل شخص ، ولو غير مميز ، يثري دون سبب مشروع على حساب شخص آخر ، يلتزم في حدود ما أثرى به ، بتعويض هذا الشخص عما لحقه من خسارة".

والمقصود بالإثراء كل منفعة مادية أو أدبية تقوم بالمال يحصل عليها المثري ، سواء أكان ذلك في صورة مال يكسبه أم في صورة خسارة يتجنبها ، فوفاء الدين إثراء لأنه أنقص ممن الجانب السلبي لذمة المدين ، وإنقاذ الأسير من الأسر فائدة معنوية رجعت إليه .

ويجب أن يكون هناك افتقار من جانب الشخص الذي يطالب بالتعويض ، وذلك بأن يكون قد دفع مالاً أو أدى خدمة كانت هي السبب في إثراء أو نفع الطرف الآخر ، فأما إذا لم يخسر شيئاً ، فلا يرجع بشيء ؛ فالنظريتان إذن متحدتان في الجملة ، وإن كانت هناك بعض اختلافات في تحقيق مناط هذه النظرية في الفقه الإسلامي عنها في الفقه الوضعي .

عاشراً : النيابة الشرعية في أداء الواجب

أخذ الحنابلة من حديث صاحب النخلة التي امتنع من بيعها أو هبتها لصاحب الأرض الذي تضرر من دخوله أرضه ، وإذن النبي e لصاحب الأرض بقلع الشجرة , وقوله له إنما أنت مضار ، أن كل من وجب عليه بذل شيء فامتنع منه فإن إذنه يسقط أو يجبره الحاكم على هذا الإذن ، وبذلك صار هذا أصلاً كلياً ومصلحة شرعية شهد لها الشارع بالاعتبار . وإذا كان الأمر كذلك فإن كل مصلحة جزئية تعتبر فرداً من أفراد هذه المصلحة الكلية يحكم عليها بها ، وتفرع الأحكام على أساسها.

ومن ذلك :

وضع الخشب على جدار جاره ، إذا لم يضر به ، وقد نص أحمد على عدم اعتبار إذنه في ذلك , ومنها حج الزوجة الفرض ، ونص أحمد على أنها لا تحتاج إلا بإذنه ، وأنه ليس له منعها ، فعلى هذا يجبر على الإذن لها ، ومنها أخذ فاضل الكلأ والماء من أرضه ، هل يقف جواز الدخول إلى الأرض على إذنه أم يجوز بدون إذنه ، وإذا استأذن فلم يأذن سقط إذنه . ومنها بذل الضيافة الواجبة إذا امتنع منها جاز الأخذ من ماله ، ولا يعتبر إذنه . ومنها إذا طلب منه القسمة التي تلزمه الإجابة إليها ، يجبر على ذلك . ومنها إذا امتنع من الإنفاق على بهائمه فإنه يجبر على الإنفاق أو البيع . ومنها الموصى بعتقه إذا امتنع الوارث عن عتقه عتقه الحاكم . ومنها إذا أتاه الغريم بدينه الذي يجب عليه قبضه فأبى أن يقبضه ، قال في يقبضه الحاكم ، وتبرأ ذمة الغريم , (أنظر القواعد لابن رجب ص 32)

فهذه فروع ونوازل لا يؤخذ حكمها من النص لفظاً ، ولا من معقول نص بطريق القياس ، ولكن هذا الحكم موافق لقصد الشارع وقد أملته مصلحة ملائمة لجنس تصرف الشارع. وهي داخلة تحت جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين.

 

( تطبيقات منهج الاستدلال بمقاصد الشريعة )

في المجال الاقتصادي

 

تعود هذه التطبيقات إلى حفظ المال باعتباره أحد المقاصد الشرعية الكلية، وحفظ المال قد يكون من جهة الوجود، وقد يكون من جهة العدم. وهذه التطبيقات تعد مقاصد فرعية أو جزئية ترجع إلى المقصد الكلي وهو حفظ المال، ويدخل تحتها في نفس الوقت وقائع وجزئيات لا تنحصر. وسوف أكتفي بذكر نماذج لهذه المقاصد التابعة مع بيان منهج استنباطها وطريقة الاستدلال بها على ما لا نص فيه بعينه من الوقائع والنوازل ، وهي أيضاً أصول كلية أخذ معناها من عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع، وقد يطلق عليها العموم الاستقرائي، أو المصالح الملائمة لجنس تصرفات الشرع، بمعنى أن الشارع اعتبرها في تشريعه ورتب الأحكام على وفقها.

أولاً : قصد الشارع من وجوب العمل والإنتاج :

من مقاصد الشريعة وجوب العمل والإنتاج، وهذا الوجوب لم يؤخذ من نص واحد، ولا من دليل معين، بل أخذ معناه من عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع، فقد أمر الله سبحانه عباده بالمشي في مناكب الأرض، وجعله سبباً للأكل من الرزق. فقال سبحانه : " فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه". وأمرهم سبحانه بالانتشار في الأرض لابتغاء الفضل. فقال سبحانه : " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ".  وفي الحديث " ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده. وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده". وفي الحديث " لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". وفي الحديث " إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سري". وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. وفي الحديث : "ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه إنسان أو بهيمة أو طير إلا كان له به صدقة".

فهذه الأدلة وغيرها كثير تدل بمجموعها على وجوب العمل وكسب الرزق، وأنه طاعة وعبادة، والقعود عن الكسب معصية، فقد قال e : " ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه إنسان أو بهيمة أو طير إلا كان له به صدقة".

وفوق ذلك فإن العمل والكسب ضروري لحفظ المال من جانب الوجود : إذ بدون العمل لا يكون هناك مال، وحفظ المال من جانب الوجود مقصود للشارع كحفظه من جانب العدم.

ومما يحقق قصد الشارع في وجوب العمل أنه جعل للعامل ثمرة جهده وناتج عمله بحيث يكون حرمانه من ذلك بغير حق مخالفاً لقصد الشارع.

وحق الملكية يدخل تحت هذا القصد، فقد منح الشارع المالك حق الاختصاص الحاجز لملكه، بمعنى أن للمالك دون غيره أن يستمتع بملكه بالتصرف والانتفاع والاستغلال، طالما كانت أسباب الملك مشروعة وكان استخدام المالك لحقه موافقاً لمقاصد الشريعة، وأدى الحقوق الواجبة عليه في ملكه، وقد منع الشارع حرمان المالك من ملكه بسرقة أو غصب أو إتلاف أو غير ذلك.

والحماية المقررة لحق الملكية تشمل ملك عناصر الملك الثلاثة، ملك العين وملك اليد ، أي الحيازة وملك المنفعة. فلا يجوز حرمان المالك من عين ملكه، ولا من حيازته وإدارته بنفسه، ولا من الانتفاع به. فهذه كلها مناقضة لقصد الشارع في حماية الملك الناتج عن العمل، أو غيره من أسباب الملك المشروعة، ولذلك عدت التصرفات التالية مناقضة لهذا المقصد إذا تمت خارج الحدود التي قررتها الشريعة.

1.   التأميم:

التأميم هو قيام الدولة بنزع ملكية المشروعات الخاصة ونقلها إلى ملكية الدولة أو المجتمع، مع تعويض صاحب المشروع أو عدم تعويضه، وهو يناقض قصد الشارع في أصل حماية الملكية الخاصة، فلا يجوز إلا في الحالات التي تدخل تحت مقصود شرعي آخر، أي مصلحة شرعية راجحة وفقاً لنظرية الترجيح بين المصالح الشرعية. ويمكن إجراء الاستدلال بمقصد الشارع في حفظ المال على منع التأميم، بأن يقال أن حفظ المال وما يترتب عليه من حق العامل في ناتج عمله، وهو الملك مقصد شرعي قطعي، وعام استقرائي فيجري في الاحتجاج به مجرى العموم اللفظي، غير أن العموم اللفظي يفيد الظن عند بعض الأصوليين، أما العموم الاستقرائي فإنه يفيد القطع عند