Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
بحث ضوابط العلاقة بين المسلمين وغيرهم في زمن الحرب
 

بحـث

ضوابط العلاقة بين  المسلمين وغيرهم في زمن الحرب

مقدم إلى

مؤتمر

"العلاقات الدولية بين الإسلام والحضارة المعاصرة"

الذي تعقده رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة

في الفترة 1-3/12/ 1423 هـ

إعداد د. حسين حامد حسان

ضوابط العلاقة بين المسلمين وغيرهم في زمن الحرب

 أقسم هذا البحث إلى فصلين ومقدمة وخاتمة.

أما الفصل الأول فأحدد فيه أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم بصفة عامة، في مبحث أول، ثم أعرض ضوابط هذه العلاقة في زمن الحرب في مبحث ثان.

وأما الفصل الثاني فأعرض فيه القواعد والأحكام التي وضعتها الشريعة لبدء وسير وإنهاء الحرب في حدود هذا الضابط.

 

مقدمة: دعوة الإسلام إلى السلام:

عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة دعا الناس جميعاً إلى الإسلام فآمن به من آمن وكفر من كفر، وهذا حق طبيعي من حقوق الإنسان. وحرية العقيدة وممارسة شعائر الدين ليست عدواناً موجهاً إلى أحد، وليس من شأنه في ذاته الإضرار بمصالح المجتمع المشروعة، وليس فيه عدوان على حريات وحقوق وكرامة الآخرين.

وقد كانت العلاقة في المجتمع عند بدء الدعوة علاقة أمن وسلام وتواصل واستمرت العلاقات الاجتماعية بل والأسرية، والاقتصادية بين المسلمين وغيرهم على هذا الأساس، ولم يبدأ المسلمون حرباً ضد من رفضوا الدعوة, بل إن الرافضين للدعوة أنفسهم هم الذين وقفوا في وجه هذه الدعوة والمؤمنين بها موقف العداء من أول يوم ولقد حدثتنا كتب السيرة عن الظلم والبطش والطرد والتعذيب  الذي مارسه المشركون ضد المؤمنين بالدعوة. فقد اعتبروا الإيمان بالله عملاً عدائياً يهدد المجتمع، ولقد حكى القرآن الكريم عن مشركي مكة أنهم كانوا: إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون، وأنهم كادوا يسطون على الذين يتلون عليهم آيات الله، وكانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون.

ولقد كان الإسلام حريصاً دائماً على السلام والأمن مع أعدائه المخالفين له، بل إن تحية الإسلام هي السلام، يقول سبحانه وتعالى: "ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيراً" (النساء 93).

وقد روى البخاري عن ابن عباس قال: "مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يسوق غنماً فسلم عليهم فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا, فعمدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية: "ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً.." تمنعهم من قتل من يلقي السلام، وهو دليل الدخول في الدين، قبل التثبت, لأن التثبت فريضة، وهذا يدل على حرص الإسلام على السلام وحفظ النفوس وحقن الدماء.

ولقد دعت المسيحية أتباعها إلى السلام وأمرتهم بالتسامح والعفو عن المعتدين ، فجاء على لسان السيد المسيح: "وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بالشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر" وكان يقول: "أعد سيفك إلى مكانه، لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون" (انجيل متى. مشار إليه في روح الدين الإسلامي 331، انظر السلام والحرب ص 124 ) غير أن أتباع المسيحية هم الذين كانوا ولا يزالون دعاة حرب لا سلام، والحروب الصليبية وحروب الاستعمار، أكبر شاهد وأقوى دليل على أن أتباع المسيح خرجوا على تعاليمه.

وينسب اليهود إلى كتابهم المقدس الزبور: "إذا أدخلك ربك في أرض لتملكها وقد أباد أمماً كثيرة من قبلك، فقاتلهم حتى تفنيهم عن آخرهم، ولا تعطهم عهداً، ولا تأخذك عليهم شفقة أبداً" (روح الدين الإسلامي ص 331 مشار إليه في السلام والحرب 124) وهذا نموذج صارخ لحرب الإبادة بمعناها الكامل التي ينفذها اليهود، لا فرق عندهم بين من يحمل السلاح ومن يسالم، ولا بين الرجل والمرأة والصغير والكبير والقوي والعاجز، والقاتل والأسير. وواضح أن هذا الفعل دون إنذار أو إعلان للحرب ودون قبول عهد أو صلح، بل لا يقبل من الأعداء اعتناق اليهودية، ولا يعصمهم من القتل والفناء الإيمان، ولا يسمح لهم بالرحيل أو الجلاء عن بلادهم.

أما الإسلام فقد أعلن من أول يوم مبدأه الإنساني العادل في قوله تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" وفي قوله: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" وفي قوله في المعاهدين: "فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم" وبقوله عن الأعداء المحاربين: "فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين" وفي قوله: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله".

ولقد أمر بالوفاء بالعهود فقال: "إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين" وقال: "إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين" وقال: "والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق" وقال سبحانه: "وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين".

ولقد كان نبي الإسلام وأصحابه من بعده يأمرون قواد الجيش والسرايا بألا يوجهوا الأعمال الحربية لغير المحاربين كالشيوخ والصبيان والنساء والرهبان، وألا يقطعوا شجراً ولا يهدموا بناء, وألا يذبحوا شاة وألا يعقروا بعيراً. فهم دعاة إصلاح لا افساد حتى في زمن الحرب مع أولئك الذين ارتكبوا معهم أشنع جرائم الظلم والبغي والتعذيب والنفي، وصدق الله العظيم القائل: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

الفصل الأول

أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم

 أحدد في هذا الفصل أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم بصفة عامة، ثم أبين أثر نشوب الحرب في هذه العلاقة، ومدى تأثر هذا الأساس بهذه الحرب، وحدود هذا التأثر.

 المبحث الأول

أساس العلاقة بصفة عامة

 

يرى بعض المفسرين وشراح الحديث والفقهاء قديماً وحديثاً، أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي الحرب, وبرأي هؤلاء أخذ بعض من كتبوا في العلاقات الدولية في الإسلام حديثاً.

ومضمون هذا الرأي أن الجهاد فريضة محكمة ماضية إلى يوم القيامة، وأن على المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وذلك حسب إمكانات الدولة الإسلامية، لأنه لا تكليف إلا بمقدور، وحسب مصالحها العليا، كما يراها أولو الأمر فيها. ويترتب على ذلك أن الدولة الإسلامية لا تحتاج في قرار الحرب إلى مبررات شرعية، فوق ما تقتضيه مصلحتها، وفي حدود قدراتها وإمكانياتها. لأن ما جاء على الأصل لا يحتاج إلى دليل يجيزه أو مبرر يقتضيه، ومن جهة أخرى فإننا حسب هذا الرأي، لا نحتاج إلى دراسة هذه العلاقة في زمن الحرب، وإن كنا نحتاج دائماً إلى الضوابط والحدود والقيود التي وضعتها الشريعة الإسلامية للحرب في حالة وقوعها.

وقد استدل هذا الفريق بأدلة من القرآن الكريم (الآية 5 من سورة التوبة، الآية 19 من سورة البقرة، الآية 4 من سورة محمد، الآية 28 من سورة براءة) والسنة القولية والعملية (راجع البخاري 9: 19)

 

وترى قلة من المفسرين وشراح الحديث والفقهاء القدامى والمحدثين، وبرأيهم أخذ جمهور من كتبوا في العلاقات الدولية في الإسلام، مع المقارنة بقواعد القانون الدولي الحديث, أن أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم، بصفة عامة، هي السلم، وأن الحرب استثناء على هذا الأصل يحتاج إلى دليل. وهذا يعني أن القتال لا يباح إلا في حالات محددة على سبيل الحصر، وأنه لا يجوز الخروج على هذه الحالات، لأن الاستثناء لا يتوسع فيه وما جاء على خلاف الأصل لا يقاس عليه، ومن جهة ثانية فإن كل حالة من هذه الحالات تشكل مناط إباحة الحرب، فيجب مراعاة تحقق هذا المناط بالتأكد من وجود حالة من الحالات التي تعلن فيها الدولة الحرب على الأعداء.

 

وقد استدل هذا الفريق بأدلة من الكتاب والسنة القولية والعملية، ومن هذه الأدلة:

1- قولـه تعالى: "وقاتلو في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (الآية 190 من سورة البقرة) فهذه الآية تأمر بقتال الذين يقاتلون، وتؤكد أن هذا القتال يجب أن يكون في سبيل الله ووفق منهجه، وليس لهدف أو غرض آخر من أغراض الدنيا. وأن قتل من لا يقاتل عدوان لا يحبه الله سبحانه.

2- قولـه تعالى: "ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة" (الآية 13 من سورة التوبة) فقد قررت هذه الآية المبدأ الذي يقوم عليه الجهاد الإسلامي، وهو رد العدوان، وقد بدأ كفار مكة به، حيث مارسوا كل وسائل القهر والتنكيل والتعذيب والطرد، بل والقتل لكل من اعتنق الإسلام ومارس شعائره، مع أن هذه العقيدة وتلك الممارسة لا تشكل خطراً يهدد أمن أو سلامة المجتمع المشرك ،وليس عدواناً على أرواح وأموال أفراد هذا المجتمع. وقد حكى الله عن كفار مكة أنهم "يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا وأنهم كانوا إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون" فأي نظام اجتماعي هذا الذي يشمئز فيه الأقوياء من الضعفاء ؟  وكيف تكون تلاوة الآيات سبباً في السطو والإرهاب ولاعتداء على الأنفس والحريات.

3- قولـه تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز" (الحج 38، 41)

فهذه الآيات تؤكد أن المسلمين في حالة دفاع عن النفس، لرفع الظلم ورد العدوان، وأن هذا الإذن مصحوب بوعد الله لهم بالنصر، لأنه سبحانه ناصر للمظلومين، وممكن لهم في الأرض ومهلك للظالمين. وقد أشارت الآيات كذلك إلى أن الحرب ضرورة لحفظ حرية التدين وصيانة أماكن العبادة، ضد أولئك الذين لا يرعون حرمة لأماكن العبادة ولا لحرية التدين.

 

4- قولـه تعالى: "ولولا دفع الله الناس بعضهم لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل عظيم" (الحج 251) فهذه الآية تؤكد أن الحرب ضرورة لدفع الظلم ورد العدوان، حتى لا تفسد الأرض وتهدر حقوق الإنسان.

5- قوله تعالى: "ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين" (البقرة 191) فواضح من هذه الآيات أن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم، وأن قتال المسلمين للمشركين عند المسجد الحرام كان رداً على عدوانهم بقتالهم للمسلمين فيه، معاملة لهم بالمثل، وجزاء على ظلمهم، وأن الجهاد إنما يكون لدفع الفتنة وكفالة حرية العقيدة، وهي من أهم حقوق الإنسان. وانتهاء الأعداء في الآية قد يكون بإسلامهم، وقد يكون بعقد صلح معهم.

6- قوله تعالى (التوبة 4): "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين". فهذه الآية توجب الوفاء بالعهود إلى نهاية مدتها مع الكفار الذين التزموا بهذه العهود فلم ينقضوها، واعتبرت الآية هذا الوفاء بالعهد من تقوى الله وعلامة على الخوف من عقابه. ولو كان الأصل في العلاقة هو الحرب، لما وجب الوفاء بالعهد بل جاز نقضه رجوعاً إلى الأصل, وهو حالة الحرب. وقد استمرت الحرب بين المسلمين وكفار قريش حتى عقد صلح الحديبية بينهم في السنة السادسة من الهجرة، فتوقف القتال وعاد السلم والأمن، لأنه الأصل والحرب عارضة مؤقتة تنتهي بانتهاء أسبابها ومبرراتها.

7- قوله تعالى: (التوبة 7 ) : "إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين" ففي الآية دليل واضح على أن الدولة الإسلامية ملتزمة بالاستقامة على العهد الذي عقدته مع عدوها، طالما أن هذا العدو قد استقام عليه، وهذا يقطع بأن الأصل في العلاقة هو السلم, وأن الحرب استثناء على هذا الأصل، فإن انتهت بصلح وجب الوفاء به وعاد الأمن، لأنه الأصل في العلاقة.

8- قولـه تعالى: (الأنفال 61) : "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم" فالآية تدل على وجوب الجنوح إلى السلم وترك الحرب إذا جنح الكفار لذلك، ولو بقوا على كفرهم، لأن الآية لم تشترط في وجوب الجنوح إلى السلم ترك الكفر، بل الاستعداد للسلم فقط.

9- قولـه تعالى (النساء 90) "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله عليهم سبيلاً" والسلم الصلح والسلام، والآية ظاهرة في أن لا سبيل ولا سلطان ولا مبرر للمسلمين في شن حرب على الكفار إذا اعتزلوا المسلمين ووقفوا على الحياد، ولم يقاتلوهم، وعرضوا السلام معهم.

 

أدلة المذهب الأول:

استدل أصحاب المذهب الأول بعموم وإطلاق بعض الآيات والأحاديث التي تأمر بقتال الكافرين حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وتنهى عن موالاة الكافرين ، وقد جاءت هذه الآيات والأحاديث عامة مطلقة في جميع الحالات، غير مقيدة بسبب معين أو علة خاصة، كرد العدوان أو دفع الأذى، ورأوا أن بعض هذه الآيات نسخت الآيات التي تحدد أهداف القتال وغاياته وأسبابه.

ومن هذه الآيات:

1- قولـه تعالى: (التوبة 6): "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتو الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم"

2-    قوله تعـالى: (التوبة 30) "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"

3-    قوله تعالى: (البقرة 216) "كتب عليكم القتال وهو كره لكم".

 

وقد قال أصحاب هذا المذهب إن هذه الآيات قد جاءت عامة مطلقة لم تذكر سبباً ولا مبرراً للقتال سوى الشرك والكفر، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر، وعدم تحريم ما حرم الله ورسوله، وأنهم لا يدينون دين الحق، مما يدل على وجوب قتال الكافرين حتى يسلموا أو يعطوا الجزية إن كانوا من أهل الكتاب وإلا فلا بديل للإسلام إلا القتل. وأن ما يعقد معهم من عهود لا يمنع المسلمين من قتالهم إذا كان لهم بهم قوة، وكانت مصلحة المسلمين في قتالهم. وقد أضافوا إلى ذلك القول بأن على المسلمين أن يمكنوا لعقيدة التوحيد ومنهج الإسلام في الأرض، إن لم يكن بالحجة والدليل والبرهان والحكمة والموعظة الحسنة، فبالقوة والرهبة, وذلك لشرف الغاية ونبل المقصد، إذ في انتشار هذا الدين والتمكين لشريعته صلاح البلاد وخير العباد. وهذا يتضمن القول بجواز الإكراه في الدين ونشر الإسلام بقوة السيف.

 

رأينا في الموضوع:

ذكرنا أدلة أصحاب المذهب الثاني القائلين بأن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي السلم والأمان، وأن الحرب حالة استثنائية اقتضتها ضرورة دفع الظلم ورد العدوان، وهي أدلة كثيرة من القرآن والسنة. وحاصل هذه الأدلة هو أن استقراء نصوص الكتاب والسنة القولية والعملية يكاد يفيد القطع في أن الجهاد شرع لحكم ومصالح وأسباب ومبررات نصت عليها هذه الآيات وتلك الأحاديث، فدل ذلك على أن الأصل في العلاقة هو السلم، وإلا لما كانت هناك حاجة إلى اقتران آيات وأحاديث الجهاد والقتال بأسباب وعلل يجمعها مقاومة الظلم والبغي ورد العدوان الواقع أو المتوقع، والذي دلت عليه حقائق تاريخ المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، حتى أخرجوه وأصحابه منها، تاركين الديار والأموال، ثم لاحقوه بعد الهجرة وخططوا لقتاله والمهاجرين معه، والذين آووهم من الأنصار.

وذلك على النحو التالي:

جاءت آيات من سورة الحج (38-41) "إن الله يدافع -إلى قوله- ولله عاقبة الأمور" لتأكيد أن علة الإذن للمسلمين بالقتال بعد أمرهم بالصبر والصفح والإعراض عن المشركين، "بأنهم ظلموا" ومن حق المظلوم أن يدفع الظلم ويقاوم العدوان، ولا يكون ذلك إلا بالقتال، وبلغة علماء الأصول إن مناط الإذن بالقتال وعلته هو الظلم الواقع عليهم من الكفار، وأن رد الظلم ودفع العدوان ضرورة لحفظ النظام العالمي وحماية السلم والأمن وصيانة المقدسات وضمان حقوق الإنسان.

 والذي أراه مع كثيرين غيري ممن كتبوا في هذا الموضوع أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي السلم, وأن الحرب أمر طارئ وضرورة اقتضاها دفع الظلم و رد العدوان، وذلك باستقراء الآيات والأحاديث الواردة في الجهاد، استقراءً يكاد يفيد القطع بأن قتال المسلمين لأعدائهم، لم يكن لحملهم على قبول الإسلام والالتزام بمنهجه، بل كان رداً لعدوان واقع أو متوقع عليهم، وأن الآيات التي تأذن في القتال أو تأمر به أو تحث عليه تقرن هذا الإذن أو الأمر بما يدل على أن قتال المسلمين لغيرهم كان لعلل ومبررات يجمعها دفع الظلم ورد العدوان ومنع الفتنة في الدين.

وأما الآيات والأحاديث التي أمرت بالجهاد على سبيل العموم والإطلاق، وهي قليلة, فإنها تحمل على الآيات التي جاءت مقيدة بأسباب ومبررات لهذا القتال، وتخص بتلك الآيات، من باب حمل المطلق على المقيد والعام على الخاص جمعاً بين الأدلة. وقد رأى القائلون بأن أصل العلاقة هي الحرب أن الأدلة التي استدلوا بها قد نسخت أدلة المخالفين، والذي أراه مع كثير من الباحثين أن هذه الأدلة لم تنسخ لعدم ثبوت أدلة النسخ من جهة، ولأن بعض هذه الأدلة لا تقبل النسخ من جهة أخرى.

 

أراء الفقهاء في مناط القتال:

وقد قرر جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والحنابلة (فتح القدير 4: 291، المدونة 3: 6، رسالة القتال لابن تيمية 116) أن مناط القتال هو الحرابة والمقاتلة والاعتداء وليس الكفر، فلا يقتل شخص لمجرد كفره إنما يقتل لاعتدائه وحربه للمسلمين، وقد رتبوا على ذلك عدم قتل من لا يقاتل من النساء والشيوخ والأطفال وغيرهم، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر... حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" فقد دلت الآية على أن غاية القتال هي قبول أهل الكتاب عقد المواطنة الدائمة مع المسلمين، وذلك بمعاهدة تسمى اصطلاحاً "بعقد الذمة" الذي يمنح أهل الذمة بصفتهم مواطنين في الدولة الإسلامية ما للمسلمين ويفرض عليهم ما عليهم. ولو كانت علة القتال هي الكفر، لوجب قتالهم حتى يسلموا، ولما قبلت منهم الجزية وأقروا على دينهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (رسالة القتال 125) "وكانت سيرته صلى الله عليه وسلم أن كل من هادنه من الكفار لم يقاتله، أي سواء كان من مشركي العرب أم من غيرهم، وهذه كتب السير والحديث والتفسير والفقه والمغازي تنطق بهذا ، وهذا متواتر من سننه، فهو لم يبدأ أحداً من الكفار بقتال، ولو كان الله أمره أن يقتل كل كافر لكان يبتدئهم بالقتل والقتال".

ويقول الدكتور وهبة الزحيلي (آثار الحرب في الإسلام 288) نقلاً عن الرسالة الخالدة للأستاذ عزام:  " فهذا يؤكد أن القتال في الإسلام كان لحماية الدعوة وليس للعدوان، بإنذار أي طرف نازع المسلمين بإحدى خصال ثلاث: هي الإسلام أو العهد أو القتال، وإنما كان شائعاً في الفتوحات الأولى بعد استنفاد الوسائل السلمية.

إذن فنحن نرى أن هذه الحالات الثلاث (الإسلام أو الجزية أو القتل) ليست واردة على سبيل الحصر، وليست من قواعد النظام العام أو القواعد الآمرة، بدليل أن مشروعية الجزية كانت على سبيل المعاملة بالمثل ومراعاة العرف. وقد عقد الرسول وحلفاؤه من بعده معاهدات لم يلتزموا فيها بإحدى الحالات الثلاث، مثل صلح الحديبية والمعاهدة التي عقدها الرسول في المدينة بين الأوس والخزرج واليهود. وقد أجمع المسلمون على أن لولي الأمر عقد ما يرى من المعاهدات التي يجد فيها تحقيق المصلحة، مما يبين أن الهدف الأساسي للإسلام هو الوصول إلى حالة سلم واستقرار يمكن للدعوة الإسلامية ويمنح دعاتها حرية نشرها والدعوة إليها. وحينئذ فيمكن الدخول في معاهدات مع الأعداء المحاربين دون اشتراط دفع جزية إذا اقتضت مصلحة المسلمين ذلك".

ويرى الشافعي أن علة القتال هي الكفر، ورتب على ذلك جواز قتل غير المقاتلين واستدل على ذلك بعموم وإطلاق بعض الآيات والأحاديث كقوله تعالى: "اقتلوا المشركين" وقد رد الجمهور على الشافعي بأدلة كثيرة تفيد في رأيي القطع على عدم صحة اجتهاده في هذه القضية، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، وكان يمكن أن يحكم فيهم بغير القتل ولو كان فعل لكان حكمه صحيحاً باعتبار أن حكم المحكم لازم.

وهناك نصوص قطعية لا تقبل التأويل يرد بها على الشافعي مثل قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة 19). يقول ابن تيمية رحمه الله: "فإباحة القتال من المسلمين مبنية على إباحة القتال من غيرهم" وقال تلميذه ابن القيم: " وفرض القتال على المسلمين لمن قاتلهم، دون من لم يقاتلهم".

فهذا الموقف الدفاعي هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومنهجه الذي سار عليه الخلفاء من بعده، وما روى لنا التاريخ أن واحداً من أصحابه أوالأئمة من بعده استباح دم أحد من الكفار في غير قتال مشروع. وقد رد الجمهور على دعوى نسخ آية: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا" وأمثالها من الآيات التي تؤكد أن القتال إنما هو لدفع الظلم ورد العدوان ومنع الفتنة في الدين، ونصرة المضطهدين من المسلمين، رد الجمهور على ذلك بأنه لا دليل على النسخ ولا على التخصيص، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن دعوى النسخ تحتاج لدليل، وليس في القرآن ما يناقض هذه الآية، بل فيه ما يوافقها، فأين النسخ" (رسالة القتال 118).

ومن جهة أخرى فإن الأحكام التي قررتها هذه الآيات أحكام لا تقبل النسخ. فالنهي عن الاعتداء لا يقبل النسخ لأنه ظلم، والظلم محرم في جميع الشرائع والديانات وقد قال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد إن هذه الآية محكمة. وروي عن أبي طلحة في قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم"، "لا تقتلوا النساء والصبيان ولا الشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم، فمن فعل ذلك فقد اعتدى" قال أبو جعفر النحاس وهذا أصح من السنة والنظر (الناسخ والمنسوخ في القرآن للنحاس 27، وتفسير القرطبي 2:326 مشار إليه في آثار الحرب في الإسلام للدكتور وهبة الزحيلي 94).

لو كانت هذه الآية وأمثالها من آيات منع الاعتداء منسوخة، لكان الإكراه على الدين جائزاً، والإكراه على الدين ممنوع باتفاق لورود نص قرآني محكم في منع الإكراه وهو قوله تعالى: "لا إكراه في الدين" ولأن الثابت بطريق القطع أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر بعض المشركين فقتل بعضهم ومن على بعضهم وأخذ الفداء من البعض الآخر، ولو كان القتال من أجل الكفر وان الكفر هو مناط إباحة القتال لما من النبي صلى الله عليه وسلم على أحد ولا أخذ الفداء من أحد، ولأعمل السيف في كل أسير، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول في الأسرى: "فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها" (محمد 4).

 

 

 

المبحث الثاني

ضوابط العلاقة في زمن الحرب

 

انتهينا في المبحث السابق إلى أن أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي السلم وليست الحرب، وأن الحرب إنما تشرع لأسباب ومبررات بينتها الشريعة، وإذا ما أعلنت الحرب بعد توافر هذه الأسباب والمبررات فإنها تدور في حدودها، فإذا زالت هذه الأسباب والمبررات لم تبق الحرب مشروعة، لأن الحكم يدور مع سببه وعلته وجوداً وعدماً.

ولقد تحدثت آيات القرآن الكريم والسنة النبوية عن هذه الأسباب والمبررات وجملتها ما يلي:

 

أولاً: دفع الظلم:

من أسباب جواز القتال دفع الظلم الواقع أو المتوقع على المسلمين وقد جاء ذلك في آيات سورة الحج (38-41) في قوله تعالى: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا—إلى قوله – ولله عاقبة الأمور". فقد قررت هذه الآيات ما يلي:

1-    أن المسلمين الذين أذن لهم في القتال كانوا قد بدئوا بالقتال على أيدي أعدائهم.

2- أن الإذن لهم بالقتال كان لعلة الظلم الواقع عليهم من المشركين، "بأنهم ظلموا" ومن صور هذا الظلم إخراجهم من ديارهم دون ذنب جنوه إلا أن يقولوا ربنا الله، أي أنهم مارسوا حقهم في حرية العقيدة وممارسة شعائر الدين، وهو حق فطري كفلته جميع الدساتير الوضعية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، ذلك أن مصادرة حرية العقيدة وممارسة الشعائر إهدار للمواثيق الدولية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان.

3- أن الجهاد ضرورة لحفظ موازين القوى وحماية القيم والحفاظ على أماكن العبادة، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت أماكن العبادة، وفي ذلك إهدار لأهم حق من حقوق الإنسان. وهو حقه في ممارسة شعائر الدين في الأماكن المخصصة لأداء هذه الشعائر.

4- وهذا يقطع بأن الإذن في القتال للمسلمين إنما كان لعلة رفع الظلم وصد العدوان، وحماية حقوق الإنسان وتمكين المؤمنين من ممارسة شعائر الدين الذي آمنوا به وارتضوه لأنفسهم.

 

 

 

ثانياً: منع الفتنة في الدين ومقابلة العدوان بمثله:

من أسباب شرع القتال منع الفتنة في الدين، ومقابلة العدوان بمثله, وقد جاء ذلك في سورة البقرة في الآيات (190-194) وهي قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم –إلى قوله- مع المتقين) فهذه الآيات تقطع بما يلي:

1-    أن قتال المسلمين محصور فيمن يقاتلوهم، وأن قتال غير المقاتلين عدوان لا يحبه الله.

2- أن للمسلمين حقاً في إخراج الكافرين من حيث أخرجوا المسلمين، وفي قتالهم عند المسجد الحرام، إذا قاتلوهم فيه، وأن هذا جزاء عادل للكافرين ومعاملة لهم بالمثل، والبادئ أظلم كما يقول المثل.

3- أن فتنة المؤمنين عن دينهم، وإكراههم على تركه، وتعذيبهم واضطهادهم من أجله يبرر قتال الكافرين، وأن غاية قتالهم هي انتهاء الفتنة في الدين، وكفالة حرية العقيدة، وأمن المؤمنين على أنفسهم، بل إن الفتنة في الدين أشد عند الله من القتل، لأنها مصادرة لحق يعدل حق الحياة، وهو حرية التدين.

4-    أن القتال ينتهي بانتهاء أسبابه، "فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين".

5- أن الحرمات قصاص، فمن اعتدى على حرمة من الحرمات اقتص منه بمثل هذا الاعتداء، ومن لم يعتد لا يجوز العدوان عليه، وأن رد العدوان إنما يكون بالمثل.

ومن هنا يظهر أن الحرب ضرورة واستثناء من علاقة السلم، وأن سببها دائماً هو رد ظلم أو عدوان أو فتنة في الدين، وأن العدو إذا ارتدع وانتهى عن ظلمه وعدوانه، وترك للناس حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر ، فإنه لا يجوز قتاله ولا قتله بل إنه يترك ينعم بالأمن والسلام.

 

ثالثاً:الدفاع عن المستضعفين:

من أسباب الحرب ومبررات القتال الدفاع عن المظلومين والمضطهدين من المسلمين الذين يعيشون في بلاد لا تخضع لسلطان الدولة الإسلامية، يقول تعالى: (النساء 75) "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً".

 

رابعاً: منع الاضطهاد الديني:

مما يبرر الحرب في الشريعة الإسلامية وجود اضطهاد ديني، ومصادرة لحرية العقيدة وممارسة الشعائر، قال تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" (البقرة 193) ، وهذا إذا كان المسلمون يعيشون في بلاد لا تخضع لسلطان الدولة الإسلامية.

 

ويحسن أن نفصل القول في هذه المبررات والأسباب في الحالات التالية:

 

الحالة الأولى: إعلاء كلمة الله:

ليست غاية القتال هي إكراه الناس على الدخول في الدين، ولا التوسع الإقليمي والاستيلاء على ثروات الغير، وجمع الغنائم، ولا النفوذ والسلطان، بل غاية القتال هي أن تكون كلمة الله، أي شريعته ومنهجه وما ارتضاه برحمته لخلقه، هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، والإسلام دعوة عالمية جاءت رحمة للعالمين وهداية للناس أجمعين، فإذا عز دين الله وتمكن الدعاة من نشر دعوته وتبليغ رسالته وأصبح أمر التدين لله حسب شرعه ومنهجه، فإنه لا يوجد مبرر للقتال. إذ الحكم لا يوجد بدون علته، فإذا انتشر الإسلام وتمكن المسلمون من تبليغ دعوته لم يبق أمامهم سبب لشن الحرب على الناس.

قال تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين " (البقرة 193) وقال سبحانه " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير" (الأنفال 39). والمراد: قاتلوهم حتى لا يفتن مؤمن عن دينه ويعذب ويضطهد من أجل عقيدته. فجهاد المسلمين ليس للملك، بل في سبيل الله، قال تعالى:" وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم" (البقرة 244)، فالقتال المشروع هو ما كان في سبيل الله حتى لا توجد فتنة ويكون الدين كله لله، وعلى ذلك يكون القتال مشروعاً لتحقيق هذا الهدف النبيل والغاية الشريفة. ويؤكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم  مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله" (البخاري 9: 19) .

ولقد جاء على لسان ربعي بن عامر والمغيرة بن شعبة وحذيفة بن محصن عندما استدعاهم قائد جيش فارس يسألهم عن سبب مجيئهم للقتال: " لقد ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عباده إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل السماء، فأرسل رسوله إلى خلقه, فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نقضي إلى الجنة أو الظفر" . فليست غاية الجهاد وهدفه هي احتلال أرض الغير أو بسط النفوذ أو سلب الخيرات بل الغاية والهدف هداية الناس وقبولهم العيش الكريم والإقامة الدائمة في دار الإسلام، بإيمان يجمعون به بين الأخوة في الدين والمواطنة أو أمان يمنحهم بر الإسلام وعدله حتى وإن بقوا على كفرهم، فإن خرج القتال عن هذه الغاية وجاوز ذلك الهدف لم يكن مشروعاً، فلا يكون في سبيل الله، ولا لدفع الفتنة في الدين، ولا التمكين لدين الله، وهذا يضيق مجالات الحروب ويحصر حالاتها.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لأعرابي يسأله : "الرجل يقاتل للغنيمة والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (سنن النسائي 6: 15 ) .

ولقد جرت عبارة العلماء على أن الجهاد ليس مقصوداً لذاته بل المقصود هو هداية الناس، ومتى تمت الهداية بغير جهاد كان ذلك أولى، ولقد ذكر الطبري في مقاله رسل القادسية "فوالله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم" (الطبري تاريخ الأمم 2: 406) فالحرب ضرورة تقدر بقدرها ولا يلجأ إليها إلا عند توافر مبرراتها، وذلك يكون بعد عرض الدعوة على الناس وإعطائهم حق الخيار في قبولها أو الخضوع لسلطان الدولة الإسلامية، بعهد الذمة ودفع ضريبة الجزية مقابل تمتعهم بحق المواطنة الكامل. لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم, وذلك مقابل فرض الزكاة على بقية المواطنين المسلمين لأنها ركن من أركان الإسلام فيكون فرضها عليهم إكراهاً لهم على الدين، كما ذكرنا.

ومما يؤكد ما ذكرنا من هدف القتال وغايته قول علي بن أبي طالب للرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة خيبر: "أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا" فقال عليه الصلاة والسلام: " ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير من أن يكون لك حمر النعم" (ابن القيم الجوزية زاد المعاد 2: 134، البخاري 4: 73)

 

الحالة الثانية: دفع العدوان

لقد بالغ الكفار في العدوان على النبي وأصحابه، وتعددت أشكال العدوان وصوره، منذ أول يوم دعا فيه إلى الإسلام، فقد أخرجوه من مكة، كما أخرجوا بعض أصحابه من قبله إلى الحبشة ، وظاهروا على إخراجه، قال تعالى: "ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول، وهم بدءوكم أول مرة" (التوبة 13) . فهنا عدة جرائم عدوان: نكث الأيمان ونقض العهود، ورسم الخطط وتبييت المكائد لطرد الرسول من وطنه، والبدء بالعدوان دون أن يقع من المسلمين ما يوجبه. ولذلك قال سبحانه وتعالى: "وأخرجوهم من حيث أخرجوكم" معاملة لهم بالمثل.

ومن هذا  يتضح أنه لم يقع من الرسول والمسلمين عدوان على الكفار، بل استعملوا حقهم في حرية العقيدة وممارسة شعائر الدين وتلاوة آيات الله. وقد حكى الله عن الكافرين أن قلوبهم كانت تشمئز إذا ذكر المسلمون الله وحده، بل ويكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا، مع أن تلاوة الآيات ليست عملاً عدائياً موجهاً ضد أحد، فالآيات ليست قنابل ولا أسلحة دمار شامل حتى يستحق من يتلوها أنواعاً من السطو والإرهاب وصنوفاً من القتل والتعذيب.

وقد مارس الكفار حروباً ضد المسلمين وكانوا البادئين بها، في وقت كان المسلمون مأمورين فيه بالإعراض عن المشركين والصبر على إيذائهم، فكان الإذن لهم بالقتال لمواجهة هذا العدوان وحماية للنفوس والأموال والديار، قال تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة 19)، وقال سبحانه: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلوكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين" وواضح أن هذا اعتداء مباشر على المسلمين، ويؤكد ذلك قوله تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين" (البقرة 194) وهذا يشمل جميع أنواع العدوان المباشر.

وقد وضع الكفار خططاً لفتنة الداخلين في الإسلام عن دينهم لحملهم بالقوة على تركه والرجوع عنه إلى دينهم، واستخدموا في ذلك كل صنوف الأذى والإرهاب النفسي والتعذيب البدني، وفتنة المؤمن عن دينه يشكل جريمة اعتداء على أهم حق من حقوق الإنسان، وهو حرية العقيدة وممارسة شعائر الدين، وهو حق كفلته الدساتير الوضعية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، ويؤكد هذا قوله تعالى: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" (البقرة 217) أما ما كانوا يبيتونه للمسلمين من مكائد ويحيكونه لهم من فتن ودسائس فقد حكى القرآن عنه في آيات عدة، منها قوله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" و قولـه تعالى: "قد بدت العداوة من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر" وقال تعالى: "ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون" ، ولذلك أمر الله بقتال الكافرين حماية لحرية العقيدة, فقال سبحانه: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله", أي أمر الدين يكون لله لا للبشر، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وليس معنى أن يكون الدين كله لله إكراه الخلق جميعاً على الدخول في الدين، أو إبادتهم إذا لم يقبلوه، فهذا قد قطع القرآن الكريم بمنعه والتنفير منه بقوله: "لا إكراه في الدين" وقوله سبحانه "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"، وقولـه سبحانه: "لست عليهم بمسيطر" ففتنة المؤمن عن دينه وإخراجه منه بقوة السيف أشد من القتل، فهذا اعتداء على الحق في اختيار العقيدة وذاك اعتداء على الحق في الحياة ولا حياة بدون عقيدة.

 

والخلاصة: أن علة جواز القتال ومناطه هو العدوان الواقع أو المتوقع على المسلمين، فإذا لم يكن هناك عدوان لم يكن القتال مبرراً لهذا السبب، حتى توجد أسباب أو مناطات أخرى.

فإذا أباح غير المسلمين قتال المسلمين شرع الجهاد في حق المسلمين دفاعاً عن أنفسهم، وهذا حق فطري كفله القانون الدولي وأقرت به جميع الشرائع. وكما قال الكمال بن الهمام أن هدف الحرب هو إخلاء العالم من الفساد، ولا فساد أشد من تهديد الأمن والسلام وسلب الشعوب حرياتها والاعتداء على الأنفس والأموال والمقدسات والأوطان. ولذا قال سبحانه وتعالى: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" وقال سبحانه: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً" (الحج 40) تلك هي الفتنة في الدين التي قد تجر العالم كله إلى الفناء.

 

السبب الثالث: حماية الدعوة والدعاة:

تبليغ الدعوة فرض كفاية على المسلمين، وكفالة حرية الدعاة حق كفلته الدساتير الوضعية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، وهو يدخل تحت حرية العقيدة والفكر وممارسة شعائر الدين، وعلى الدول والحكومات أن تمكن الدعاة من أداء هذه الرسالة وتوجيه تلك الدعوة بالطرق السلمية حتى وإن كانت هذه الدول لا تدين بالإسلام, فحرية العقيدة والفكر تتعدى الحدود وتتجاوز الأوطان، ولا يعد هذا تدخلاً في شئون الدولة الداخلية، لأن الأمر لا يعدو البلاغ للناس, فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

فإذا وقفت هذه الدول في وجه الدعوة وصادرت حرية الاعتقاد جاز للدولة الإسلامية أن تسلك جميع الطرق والوسائل السلمية مع هذه الدول لتمكينها من تبليغ الدعوة وحماية الدعاة، أما إذا فشلت المساعي السلمية وصودر حق تبليغ الدعوة وسدت المنافذ أمام الدعاة، ومورست ضدهم وسائل القهر والتعذيب والتنكيل فإن للدولة الإسلامية حق في مقابلة هذا الموقف العدائي بموقف عدائي مماثل قد يصل في النهاية إلى إعلان الحرب، وقد رأينا دولاً عظمى في العصر الحاضر تحتكر لنفسها حق إعلان عدم رضاها, بل وسخطها على الدول التي تنكر حقوق الإنسان على رعاياها، بل وتعلن عليها حرباً اقتصادية وتحجب عنها المعونات، وهذه أنواع من الحرب في العصر الحديث. وعلى ذلك فإن إقرار الشريعة لحق الدولة الإسلامية في الوقوف في وجه من يمنعون تبليغ الدعوة، ويصادرون حرية العقيدة لشعوبهم، وحقها في اتخاذ مواقف عدائية معهم قد تصل إلى إعلان الحرب (إذا اقتضت مصلحة الدولة الإسلامية وظروفها الاقتصادية والعسكرية ذلك) لا يخالف قواعد القانون الدولي ولا الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان.

ولقد تكررت بعثات النبي صلى الله عليه وسلم ورسله إلى رؤساء الدول المجاورة يحملون كتبه التي تدعو إلى الدين الجديد، وتطلب من هؤلاء الدخول فيه ودعوة شعوبهم إليه، أو على الأقل عدم وقوفهم في وجه الداخلين فيه أو المدافعين عنه، وقد اختلفت إجابات هؤلاء على كتب النبي صلى الله عليه وسلم وتصرفهم مع رسله، فمنهم من مزق الكتاب وأرسل في طلب رأس النبي، ومنهم من اكتفى بتمزيق الكتاب ورد الرسول، ومنهم من قتل مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم (الطبري تاريخ الأمم والملوك 2: 133، وانظر نظرية الحرب في الإسلام للدكتور ضو مفتاح غمق 115).

ولقد قرر الرسول وأصحابه من بعده دخول الحرب مع من صادر حرية العقيدة، ووقف في وجه الدعاة، ومارس معهم وسائل الإرهاب والتعذيب. عملاً بقوله تعالى: "فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم" (التوبة 12).

والخلاصة: أن الشريعة الإسلامية تقرر أن الوقوف في وجه الدعوة، ومصادرة حرية العقيدة، وإرهاب واضطهاد الدعاة ومنعهم من القيام بواجب تبليغ الدعوة سبب لإعلان الحرب وحالة من حالات مشروعية القتال، إذا لم تجد جميع الوسائل السلمية لاقناع من يمارس الإرهاب ضد الدعوة والدعاة بالإقلاع عن ذلك وتمكين هؤلاء الدعاة من تبليغ دعوتهم بالحجة والبرهان والحكمة والموعظة الحسنة دون تدخل في الشئون الداخلية للدولة التي يبلغون الدعوة فيها، ذلك أن واجب تبليغ الدعوة من الأصول الكلية القطعية في الشريعة، وهي بعرف القانون من النظام العام الذي لا يسع الدولة المسلمة أو المكلف تركه إذا تعين له .

وقد كفلت المادة الثامنة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حرية التدين بقولها "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين" والدول كلها مطالبة بحماية هذا الحق وتمكين الدعاة من ممارسته، وعلى هذه الدول ألا تحول بين شعوبها وبين الدعاة ووسائل إعلامهم.

 

الحالة الرابعة: نصرة المستضعفين:

لقد أقرت الشريعة حق -بل واجب- الدولة الإسلامية في نصرة المسلمين الذين يعيشون في بلاد لا تخضع لسلطان الدولة الإسلامية ورفع الظلم عنهم، وحماية حقوقهم وحرياتهم, وأهم هذه الحقوق هو حق حرية العقيدة وممارسة شعائر الإسلام. وإذا لم تتمكن الدولة الإسلامية من أداء هذا الواجب بالطرق السلمية والوسائل الحضارية فإن لها أن تلجأ إلى الحرب باعتبار الحرب ضرورة لا مفر منها في مثل هذه الحالات.

ويدل لذلك قوله تعالى: "والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى تهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، والله بما تعملون بصير" (الأنفال 72). فالشريعة أوجبت على المسلمين نصرة إخوانهم في الدين إذا تعرضوا لفتنة أو أذى أو اضطهاد من قبل الدولة التي يعيشون فيها حتى إذا لم يهاجروا إلى دار الإسلام، وذلك بعد استنفاد جميع الوسائل السلمية مع الدولة التي تضطهدهم. والنصرة تكون في كل حالة بحسبها، فقد تكون بالطرق الدبلوماسية وقد تكون بالدعم المالي وقد تكون بالرجال والسلاح، وقد تكون في حالة الضرورة بالقتال.

وقد قال سبحانه وتعالى تأكيداً لواجب المسلمين تجاه المستضعفين من إخوانهم في بلاد لا تخضع لسلطان الدولة الإسلامية: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا" (النساء 75)، فهذه الآية توجب النصرة لكل مسلم يعيش خارج دار الإسلام إذا كان يتعرض لاضطهاد أو بغي أو عدوان. فكل من حارب المسلمين وصادر حريتهم في العقيدة وممارسة شعائر الدين وجب التصدي له بكل السبل السلمية والدبلوماسية فإذا لم تجد هذه كلها لم يبق إلا القتال باعتباره حالة ضرورة. وقد استثنت الشريعة حالة واحدة لا تجب فيها النصرة على المسلمين، وهي حالة إقامة المسلم المضطهد في دولة تربطها بالمسلمين عهود ومواثيق أمن وعدم اعتداء، ففي هذه الحالة لا يلزم الدولة الإسلامية سوى اتخاذ وسائل الاقناع مع تلك الدولة دون شن الحرب والقتال تقديماً للوفاء بالعهود على حماية المسلم.

 

الحالة الرابعة: رفع الظلم عن الشعوب المقهورة:

الشريعة الإسلامية تشرع القتال لنصرة المظلومين والمستضعفين ولو كانوا غير مسلمين، مادامت تربطهم بالمسلمين معاهدات واتفاقات أمن ودفاع مشترك. فقد شارك النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول قبل البعثة، وقال: ولو دعيت إليه في الإسلام لقبلت، وهذا الحلف كان لنصرة المظلوم واسترداد الحقوق، والأخذ على يد الظالم, وبصرف النظر عن عقيدة المظلوم والظالم.

وقد دخلت خزاعة في حلف الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان العهد الذي بينه وبين قريش يقضي بأن من أراد أن يدخل في حلف محمد دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش دخل فيه، فلما شنت الحرب بين بنو بكر حلفاء قريش، وخزاعة حلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام، وعاونت قريش حلفاءها، عاون الرسول صلى الله عليه وسلم خزاعة، ولم تكن كلها مسلمة، وقد أدت هذه الحرب إلى فتح مكة (سيرة ابن هشام 390-411).

ومما يستأنس به في ذلك قولـه تعالى: "ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً" فقد جاء في تفسير الطبري: "ومالكم لا تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين الذين يدعون الله بأن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها فهم ليس لهم قوة، فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم لهؤلاء دينهم (جامع البيان 5: 169).

 

غاية القتال ونهاية الحرب:

لا خلاف في أن غاية القتال هي دفع الظلم ورد العدوان وحماية حرية التدين ونصرة الضعفاء والمظلومين ولكن متى يتوقف القتال ويكف المسلمون عن قتال الكفار الذين وجدت مبررات قتالهم لدفع ظلمهم وصد عدوانهم، ومنعهم من فتنة المؤمنين في دينهم ؟

لقد جاءت الآيات الكريمة والسنة النبوية بأن القتال ينتهي بأحد الأمور التالية:

1-  الدخول في الإسلام عن طواعية واختيار، إذ الأدلة قاطعة على أنه "لا إكراه في الدين"، وأن قتال الكفار ليس بسبب كفرهم، وإلا لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان، وهم جميعاً كفار، ولما قبل الجزية من أهل الكتاب ومنحهم حق الإقامة الدائمة في دار الإسلام.

2-  أن يقبلوا حق المواطنة الدائمة التي تعرضها عليهم الدولة الإسلامية، بعقد دائم يسمى عقد الذمة، على أن يدفعوا ضريبة تسمى "الجزية" تعبيراً عن خضوعهم لسلطان الدولة التي يعيشون فيها وينعمون ببرها وعدلها، ولهم ما لبقية المواطنين المسلمين من حقوق وعليهم ما عليهم من واجبات لا تخالف عقيدتهم وتكفل لهم الدولة الإسلامية حماية النفس والعرض والمال.

ومن جهة أخرى فإن أهل الذمة ينعمون بجميع مرافق الدولة التي ينعم بها المسلمون كالدفاع الخارجي، والأمن الداخلي ، ولما كان المسلم يدفع زكاة مساهمة منه في هذه النفقات وهي ركن من أركان الإسلام ولما كان تكليف أهل الذمة بها دون رضاهم ينافي حرية العقيدة التي كفلها لهم الإسلام فقد قبلت منهم الدولة الإسلامية الجزية بديلاً عن الزكاة.

وقبول المواطنة بعقد الذمة يمنح لجميع الكفار، سواء كانوا من أهل الكتاب أم من غيرهم من المشركين، حتى عبدة الأوثان من مشركي العرب على الرأي الذي أرجحه, وقد قال به أبو يوسف ومالك والأوزاعي وجماعة من أهل العلم المحدثين الذين كتبوا في العلاقات الدولية في الإسلام (حاشية الدسوقي 2: 201، مواهب الجليل للحطاب 3: 381، الخراج لأبي يوسف 138، نيل الأوطار 7: 233، انظر رسالة آثار الحرب في الإسلام للدكتور وهبة الزحيلي ص 84 وما بعدها) وقد رد هؤلاء على أدلة الجمهور المانعين لأخذ الجزية من المشركين عموماً، أو من مشركي العرب بصفة خاصة بحجج قوية وافقتهم عليها.

 وقد رجح الدكتور وهبة الزحيلي القول بجواز أخذ الجزية من غير المسلمين عموماً، ورد على أدلة المخالفين كذلك، ونقل كلاماً جيداً لابن القيم في زاد المعاد لتأكيد هذا الرأي، وذكر أن الإسلام قد بلغ غايته بالنسبة لمشركي العرب وأن غيرهم اليوم يمكن تنظيم العلاقة معهم على أساس المعاهدات باعتبارها أصلاً من أصول الشريعة.

يقول ابن تيمية: (رسالة القتال 125) "كانت سيرته صلى الله عليه وسلم أن كل من هادنه من الكفار لم يقاتله (سواء كان من مشركي العرب أو من غيرهم) وهذه كتب السيرة والحديث والتفسير والفقه والمغازي تنطق بهذا، وهذا متواتر من سنته، فهو لم يبدأ أحداً من الكفار بقتال، ولو كان الله أمره أن يقتل كل كافر لكان يبتدأهم بالقتل والقتال"

وإذا كان حكم المشركين هو حكم جميع الكفار فإن للدولة الإسلامية أن تعرض على الدولة المعتدية إحدى ثلاث: الإسلام أو العهد أو القتال. وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معاهدات لم يلتزموا فيهابتخيير أعدائهم بين الإسلام أو الجزية أو القتل، وذلك مثل صلح الحديبية، ومعاهدة المدينة بين الأوس والخزرج واليهود، وقد أجمع المسلمون على أن لولي الأمر أن يعقد من المعاهدات ما يراه محققاً لمصلحة الأمة، وذلك يقطع بأن هدف الإسلام هو تحقيق الأمن والسلام وتمكين الدعوة الإسلامية من الانتشار دون عوائق. ومثل هذه المعاهدات لا يشترط فيها أن تكون على شروط عقد الجزية، بل حسب ما تتفق عليه الدولتان المتحاربتان.

3-  الصلح الذي يحقق مصلحة الدولة الإسلامية، وهذا الصلح يوقع مع الكفار من أهل الكتاب مع غيرهم, كما يرى بعض الفقهاء القدامى والمحدثين (وهبة الزحيلي في آثار الحرب في الإسلام 111-113) ووقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين" وقد دلت بعض آيات القرآن الكريم على أن الانتهاء قد يكون بإسلام العدو المحارب، كما جاء في سورة التوبة من قولـه تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين" وقد يكون الإنتهاء صلحاً كما وردت به أحاديث كثيرة تفيد القطع في مجموعها، فقد انتهت حالة الحرب بين الرسول وكفار قريش في السنة السادسة من الهجرة بصلح الحديبية, وهم عرب مشركون يعيشون في مكة. وقد تعددت الآيات التي توجب الوفاء بالعهود والمواثيق التي يعقدها المسلمون مع العدو المحارب، دون تحديد المحاربين بأنهم من أهل الكتاب، وذلك مثل قوله تعالى: "إلا الذين عاهدتم من المشركين، ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين" -التوبة 4-.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

تطبيق ضوابط العلاقة بين المسلمين وغيرهم في زمن الحرب

 

بينا في الفصل الأول أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي السلم، وأن الحرب استثناء من هذا الأصل اقتضته الضرورة، وحيث إن الضرورة تقدر بقدرها، فإن الحرب تشرع في حالات محددة، ولأسباب ومبررات خاصة بينتها الشريعة الإسلامية، وقد ذكرنا ضوابط العلاقة بين المسلمين وغيرهم في زمن الحرب، ونخصص الفصل الثاني لتطبيق هذه الضوابط وبيان الأحكام والقواعد التي تترتب عليها.

 

أولاً: أن الأمر بالقتال يجب أن يصدر من ولي الأمر بعد التشاور مع أهل الحل والعقد, وذلك بعد التحقق من وجود حالة من الحالات التي يشرع فيها القتال أو التي يتحقق فيها مناط حالة الضرورة التي تبرره.

 

ثانياً: إعلان الحرب قبل بدء الأعمال الحربية:

1- يقرر القانون الدولي أن على الدولة التي تريد الحرب أن تعلن الحرب قبل بدء الأعمال العسكرية، وذلك توقياً للغدر والخيانة والأخذ على غرة. والشريعة قررت ذلك.

قال تعالى: "وإما تخافن من قوم خيانة فنبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين" (سورة الأنفال 58). فقد عدت الشريعة البدء بالأعمال الحربية قبل إعلان الحرب, ومباغتة الذين يربطهم بالمسلمين عهد وأخذهم على غرة، (وقد كان بينهم وبينه عهد)، غدراً وخيانة لا يحبها الله، ويعاقب عليها في الآخرة، وهكذا نجد أن قواعد القانون الدولي الإسلامي تكاليف شرعية تحميها العقيدة ويحرسها الإيمان ويصونها الخوف من عقاب الله. فمصلحة المسلمين لا تبرر الغدر والخيانة، والخوف من استعداد العدو لا يصلح مبرراً يعفي (العهدمن نبذ العهد أويبرر الخيانة.

ويقول سبحانه وتعالى: "إلا الذين عاهدتم من المشركين، ثم لم ينقصوكم شيئاً، ولم يظاهروا عليكم أحداً، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم (التوبة4). فهذه الآية توجب الوفاء بالعهد إلى مدته، طالما بقي العدو محافظاً على عهده دون نقض, بطريق مباشر أو غير مباشر، قبل مظاهرة الأعداء على المسلمين.

وبذلك حمى الإسلام من تربطهم بالمسلمين بعض العهود والمواثيق من الغدر والخيانة حتى نهاية هذه العهود والمواثيق، وهذا من أهم ضوابط علاقة المسلمين بأعدائهم في زمن الحرب، فالحرب لا يجوز إعلانها على دولة ترتبط بمعاهدة مع المسلمين، طالما كانت هذه الدولة موفية بعهدها ولم ترتكب ما يوجب نقضه، وحتى في حالة اطلاع المسلمين على أسباب مقبولة وأدلة كافية لنقض المعاهدة، فإن على المسلمين إعلان أو إخبار أعدائهم بوجهة نظرهم, وهو النبذ لسبب يوجبه، والمعاهدة تكون بعد حرب، فمعنى نقض المعاهدة هو الرجوع إلى حالة الحرب.

2- يعد القانون الدولي المحاربين هم قوات الجيش النظامي وقوات الاحتياط، أما المدنيين المعادين فليسوا محاربين ولا يجوز التعرض لهم ولا توجه الأعمال الحربية إليهم. والشريعة الإسلامية قررت ذلك منذ أربع عشر قرنا,ً فالأعمال الحربية لا توجه لغير المحاربين فلا يجوز قتل الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة والرهبان وغيرهم ممن لا يقدر على القتال ولا يشارك فيه.

ويقرر القانون الدولي عدم الإجهاز على الجرحى، وتعذيب العدو والتمثيل به وقتله غيلة ويحرم استعمال الأسلحة التي تزيد في تعذيب العدو، وحرم تسميم الآبار والمياه والأنهار والأطعمة، وحرم التمثيل بجثث القتلى.

والشريعة الإسلامية حرمت ذلك كله وخصوصاً التعذيب العام كالإغراق والإحراق والهدم ومنعت من قتل العدو صبراً، وحرمت التمثيل به.

والقانون الدولي قرر معاملة الأسرى معاملة حسنة ونهى عن إيذائهم، فلا يجوز قتلهم ولا جرحهم أو إساءة معاملتهم وصبرهم، والشريعة الإسلامية ضرت أروع الأمثلة في ذلك.

 

 

 

 

 

وإليك تفصيل هذه القواعد:

 

أولاً: وصية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في معاملة الأعداء المحاربين:

1-  كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي الجيش إذا خرج للجهاد فيقول: "انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً ، ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأة ، ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين"

 

وهذه الوصية أن الجهاد لا يكون لهدف من أهداف الدنيا، وهو مما اعتاده  الغزاة والفاتحون قبل الإسلام, بل وبعده إلى اليوم، فهذا تشريع ومنهج جديد لا شك يختلف مما كان عليه العالم قبيل مجيئه، وهذا أول إعلان عالمي لحماية البشرية كلها، وهو أن الحرب لا توجه لغير المحاربين وإن كانت ضرورية لدفع العدوان والظلم ورد البغي وحماية حقوق الإنسان، والدفاع عن المظلومين ونصرة المضطهدين والمعذبين في الأرض، من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة في الدفاع عن أنفسهم ولا يهتدون سبيلاً للخروج من الظلم والقهر.

 

ويؤخذ من ذلك:

1- أنه يجوز قتال الكافرين، الذين يعتدون على حرية العقيدة والفكر واختيار المنهج, بقوة السلاح، في حين أن المنطق يقتضي أن يكون ذلك, إذا أرادوا بالحجة والدليل والمنطق والبرهان والحكمة والموعظة الحسنة، والمشركون والكفار عموماً كانوا يضيقون ذرعاً حتى بتلاوة المؤمنين للقرآن, كما قال تعالى: "يكادون يسطون باللذين يتلون عليهم آياتنا" مع أن التلاوة ليست أعمالاً عدوانية ولا إهانة موجهة لأحد تستوجب السطو والإرهاب. ولقد قال سبحانه وتعالى عنهم: "وإذ ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون" وقد ترجموا هذا الاشمئزاز إلى سخرية واستهزاء وظلم واضطهاد. وتصور قوماً يعيشون في مجتمع يقابل الأقوياء فيه الضعفاء بسخرية واشمئزاز، ويسومونهم سوء العذاب، بسبب عقيدتهم، كما قال تعالى: "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد"، وكما قال تعالى: "الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله"،  كيف تكون العلاقات بين المسلمين وهؤلاء؟ وهل هذا نظام اجتماعي وسياسي ينبغي الحفاظ عليه، أم تغييره لصالح البشرية وحماية الحقوق المشروعة الفطرية للإنسان. ولماذا السطو والإرهاب والترويع وسفك الدماء ومصادرة الحريات للذين يتلون آيات الله وهو حق طبيعي ينبغي للمجتمع بكل فصائله أن يصونه ويحميه ويحافظ عليه، لا أن يفتك بالممارسين له.

2- أن مناط قتال الكفار ليس هو كفرهم, بل عدوانهم وحربهم للمسلمين ولذلك منع قتل من لا يقدرون على القتال من الكفار، كالصبيان والصغار والنساء والشيوخ والعجزة, لعدم تحقق مناط إباحة القتال فيهم أو الحرب لهم، لأن المناط ليس هو الكفر، ولا حمل الكافر على الدخول في الإسلام أو ممارسة شعائره, وذلك باستقراء الأدلة من الكتاب والسنة وواقع الدول الإسلامية التي تكاد تفيد القطع بأن الجهاد وإن كان لإعلاء كلمة الله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، إلا أنه ليس لحمل المخالفين له على الدخول فيه بالإكراه وقوة السلاح، وليس لاحتلال أرض الغير واستغلال ثرواتهم (فإن الزكاة تجمع من أغنيائهم وترد على فقرائهم) وليس لجمع الغنائم، ولا لبسط النفوذ والسلطان. فقد عرض على نبي الإسلام أن ينصب ملكاً فأبى، وعرض عليه أن تجمع له الأموال حتى يكون أغنى العرب مالاً فرفض, وقال مقالته المشهورة: " والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

3- أنه لا يجوز قتل غير المحارب: كالصبي والصغير والمجنون، والشيخ الفاني الذي لا يشارك برأي في الحرب ولا يعين عليها بخبراته وتجاربه، والمرأة المسالمة التي لا تشارك في الحرب مشاركة فعالة، ولا تقوم بأنشطة فاعلة أو مؤثرة كالتجسس وقيادة المركبات الحربية ،  ودليل عدم جواز قتل النساء من أهل الحرب، والشيوخ والصبيان والمجانين وأمثالهم، قولـه تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا"،. وهؤلاء لا يقاتلون ولا يعينون على القتال، فكان قتلهم عدواناً، وليس ذلك إحساناً، بل إفساداً، إذ ليس هناك فساد أعظم من قتل نفس بغير حق. والأحاديث في ذلك كثيرة.

ولقد استعظم رسول الله قتل امرأة بقوله: (ما كان لهذه لتقاتل، أدرك خالداً وقل له لا تقتلن ذرية ولا عسيفاً)، والذرية هم الأطفال الصغار، والعسيف هو الأجير الذي يستأجره العدو لقتال المسلمين، قال صاحب السير الكبير (3: 182) : "ولأن الكفر وإن كان من أعظم الجنايات فهو بين العبد وربه جل وعلا، وجزاء هذه الجناية يؤخر إلى دار الجزاء، فأما ما عمل في الدنيا فهو مشروع لمنفعة تعود على العباد، وذلك دفع فتنة القتال في قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم" وينعدم ذلك في حق من لا يقاتل، فإن قاتل واحد من هؤلاء فلا بأس بقتله، لأنهم باشروا السبب الذي به وجب قتالهم ، وهو قتالهم لنا.

ومن هذه الأحاديث: "ما رواه نافع أن عبد الله بن عمر أخبره أن امرأة وجدت مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر رسول الله قتل النساء والصبيان" (السنن الكبرى 9/17)

 

ولقد نفذ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم ومن بعدهم هذه الوصية في حروبهم مع أعدائهم، رداً لعدوان هؤلاء الأعداء، وفتنتهم للمسلمين في دينهم ووقوفهم في وجه الدعوة الإسلامية، بإيذاء المعتنقين لها لصدهم عنها، مما يشكل اعتداءاً صارخاً على حرية العقيدة، وهي من أقدس حقوق الإنسان الفطرية التي منحها له خالق الإنسان، وحمتها جميع الدساتير الوضعية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان ومواثيق هيئة الأمم المتحدة.

وإليك بعض الوثائق التاريخية التي حكتها لنا كتب السيرة والمغازي:

 

2- وصية أبي بكر الصديق:

روى صاحب السير الكبير (3/182 ) أن أبا بكر الصديق قال ليزيد بن أبي سفيان قائده على جيش بعثه إلى الشام: "إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له،.... وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن".

وفي رواية أخرى يقول أبو بكر لقواده يزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة : "ولا تغرقن نخلاً، ولا تحرقنها، ولا تعقروا بهيمة ولا شجرة تثمر، ولا تهدموا بيعة، ولا تقتلوا الولدان ولا الشيوخ ولا النساء، وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له".

وظاهر من هذه الوصية أن أساس العلاقة بين المسلمين وأعدائهم في زمن الحرب، تتمثل في دفع العدوان الذي أجيز أو أبيح استثناءاً كحالة ضرورة، على خلاف الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم وهي الأمن والسلام والتعاون على حماية حقوق الإنسان ومنع العدوان، وتحريم أسلحة الدمار الشامل للأنفس والأموال، كالإغراق والإحراق زالهدم والتخريب وإتلاف الثروات. ولذلك امتنعت الأفعال التالية، لأن ضرورة الحرب لا تقتضيها، وليست مما يتحقق فيها مناط إباحة الحرب أو بلغة القانون ليست من أسباب الإباحة أو موانع المسئولية:

1-  توجيه الأعمال الحربية إلى غير المحاربين، أي غير القادرين أو المؤهلين للحرب، أو بلغة القانون الدولي للمدنيين، وذلك كالنساء والصبيان وكبار السن والعجزة والمجانين، كما تقدم.

2-  توجيه الأعمال الحربية إلى رجال الدين الذين زعموا أنهم قد فرغوا أنفسهم لطاعة الله، ذلك أن هؤلاء لا يحاربون وإن حضروا في أرض المعركة ولم يشاركوا فيها، وذلك كرجال الدين الذين يعملون في فرقة التوجيه المعنوي في القوات المحاربة. وهذا هو الظاهر، وإلا فغير هؤلاء من أفراد الشعب المدنيين الذين لا يحاربون لا توجه الأعمال الحربية إليهم. وهؤلاء يختلفون عن المستشارين العسكريين الذين يوجهون المعارك ويرسمون خططها ويضعون استراتيجيتها، ولو كانوا لا يمارسون القتال بأنفسهم.

3-  إتلاف الممتلكات دون ضرورة حربية ، وذلك مثل قطع الأشجار المثمرة، وتخريب العامر من المدن وهدم المنشآت العمرانية ورمي الأهداف المدنية التي لا يستخدمها العدو في أغراض قتالية، ذلك أن الجهاد ليس هدفه الانتقام والإفساد، بل دفع العدوان وحماية حقوق الإنسان الأساسية وأهمها وفي مقدمتها حقه في التدين وحرية ممارسة شعائر العقيدة التي يختارها بمحض إرادته، ونصرة المظلومين والدفاع عن المضطهدين ولو كانوا من غير المسلمين، وفقاً لمبادئ حلف الفضول الذي شارك فيه الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وأبدى استعداده للمشاركة فيه بعد البعثة، وكان هدف هذا الحلف هو نصرة المظلومين ودفع الظلم ورد الحقوق إلى أصحابها.

4-  إتلاف الثروة الزراعية، وذلك مثل قطع الأشجار والزروع والنخيل وتحريقها وإتلافها بأسلحة الدمار الشامل التي تهلك الحرث والنسل، وهي فساد بنص القرآن الكريم: "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد"

5-  إتلاف الثروة الحيوانية، وذلك مثل عقر الإبل وذبح الأغنام والأبقار إلا لمأكلة بأن يحتاج الجيش إلى أكلها. ومثل الثروة الحيوانية الثروة الداجنة ، بل وغيرها من الحيوانات التي لا يؤكل لحمها وتعد ثروة حيوانية، فقد روي عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقها سأله الله عن قتله، قيل يارسول الله وما حقها؟ قال أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فترمى بها". وروي عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله من مثل بالحيوان" (السنن الكبرى 9/86 ).

والمقصود هو منع جميع أوجه التدمير والتخريب والإتلاف التي لا تبررها ضرورة الحرب ، ذلك أن ضوابط العلاقة بين المسلمين وغيرهم في زمن الحرب هي الدفع، أي دفع العدوان الواقع أو المتوقع أو الذي على وشك الوقوع، حسب مجاري العادات وسوابق سلوك العدو مع المسلمين.

6-  هدم وإتلاف أماكن العبادة، ومثلها المنشآت الأثرية أو التاريخية، وأماكن العلاج ومؤسسات التعليم، ودور العجزة والمسنين وجميع المنشآت المدنية التي لا يستخدمها العدو في التعبئة العسكرية، وكذلك ما لا يستخدم في المعركة من الطرق ووسائل النقل ومحطات المياه والغاز والكهرباء وغيرها، إذ الأصل حرمة هذه الممتلكات. كغيرها من أموال غير المسلمين بحكم البراءة الأصلية، أي الحماية التي أسبغها الله على الأنفس والأموال والأعراض ، غير أن ضرورة الحرب لصد العدوان ودفع الظلم قد اقتضت إتلاف مالا يتأتى الدفع إلا به، من قتل الأنفس وإتلاف الأموال، فبقي ما عداه على حكم المنع والتحريم، لأن الضرورة تقدر بقدرها، وذلك لقوله تعالى: "وقاتلو في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" ولا يكون القتال في سبيل الله خالصاً إلا إذا كان وفق منهجه وحسب أحكامه وفي حدود هدفه، وفي ضوء ضوابط الإباحة الطارئة على التحريم الأصلي.

7-    التعرض للفلاحين:

فقد جاء في وصية عمر بن الخطاب رضي اله عنه لجنوده: "اتقوا الله في الفلاحين، فلا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب" (السنن الكبرى 9/77 ) ، والفلاحون طبقة من طبقات الشعب التي لم تعد للحرب، ولا تشارك فيه عادة، بل هم طبقة تشغل نفسها بالانتاج الزراعي، وقد يتوهم أنهم يقتلون حتى يتوقف الانتاج وتشل الحياة الاقتصادية وتحدث المجاعات، وتكون الإبادة بالجوع، غير أن هذا لا تقبله الشريعة بحال، لأن ضرورة الحرب لا تقتضي حرب التجويع وإتلاف البنية الأساسية للعدو، ومثل الفلاحين في ذلك طبقات الشعب المنتجة والعاملون في كافة مجالات الأنشطة الاقتصادية كالتجار والصناع الذين لا شأن لهم بالحرب، وليس لهم حضور في ميدان القتال.

 

ثانياً: معاملة الأسرى:

لقد سبقت الشريعة الإسلامية كافة الدساتير الوضعية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، في معاملة الأسرى ورعايتهم وحمايتهم وعدم امتهان كرامتهم، ذلك أن تكريم الله للإنسان جاء بوصفه إنساناً بصرف النظر عن دينه وعقيدته، ولونه ووطنه، وفي حالات الحرب والسلم، وقد نهى الإسلام عن المثلة وتجويع الأسرى وغير ذلك مما يتعلق بحماية حقوق الإنسان وإليك بعض ذلك:

1-  صبر الأعداء: تمنع الشريعة الإسلامية من اتخاذ أسرى العدو هدفاً لتدريب جنود المسلمين على الرمي، وهو ما يسمى بالصبر، فلقد روي : "أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وهو أمير على جيش في أرض الروم، أمر بصبر أربعة أعلاج من أسرى الروم، فرموا بالنبل حتى قتلوا، فلما سمع ذلك أبو أيوب قام فزعاً حتى جاء عبد الرحمن بن خالد فقال: أصبرتهم ؟ لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن صبر الدابة، وما أحب أن يكون لي كذا وكذا وإني صبرت دجاجة، فدعا عبد الرحمن بن خالد بغلمان له أربعة فأعتقهم مكانهم (السنن الكبرى 9 : 71)، فظاهر أن فعل القائد لا تقتضيه ضرورة ولا تدعو إليه شدة حاجة، وهو تعذيب لأسير عاجز عن القتال لا ضرر يتوقع منه.

2-  إحراق العدو بالنار: تمنع الشريعة الإسلامية من إحراق العدو بالنار وإن كان مستحقاً للقتل، لأن في الإحراق تعذيباً فوق حاجة الدفاع، فهو انتقام، والحرب بقصد الانتقام ليست جهاداً في سبيل الله، بل في سبيل شفاء الغيظ بوسائل غير مشروعة.

فقد روي عن أبي هريرة قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث وقال: إن وجدتم فلاناً وفلاناً، لرجلين من قريش فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج، إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما" (السنن الكبرى 9/ 71 ، صحيح البخاري 7، 75 ).

 

ثالثاً: العلاقات الاقتصادية والتجارية مع العدو في زمن الحرب:

إغاثة العدو في زمن المجاعة:

لا تمنع الشريعة الإسلامية من إغاثة الأعداء ومد يد العون إليهم في المحن والشدائد والنكبات والمجاعات المهلكة، إذا لم يكن في هذه الإغاثة ضرر ظاهر على المسلمين، يقول محمد بن الحسن: "الأولى للمسلم أن يحترز عن اكتساب سبب القوة لهم، إلا أنه لا بأس بذلك في الطعام والثياب ونحو ذلك"، كما روي أن ثمامة بن أثال الحنفي أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقطع الميرة، أي الطعام عن أهل مكة، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يأذن له في حمل الطعام إليهم فأذن له في ذلك. وأهل مكة يومئذ كانوا حرباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفنا أنه لا بأس بذلك. وهذا لأن المسلمين يحتاجون إلى بعض ما في ديارهم من الأدوية والأمتعة، فإذا منعناهم ما في ديارنا فهم يمنعون ما في ديارهم (شرح الكبير 3: 177).

 

رابعاً: ضرورة القتال:

ذكرنا أن الشريعة الإسلامية تقضي أن الأعمال الحربية لا توجه لغير المحاربين، وأن وسائل التمثيل والتحريق بجنود العدو لا تجوز في الظروف العادية للحرب، وأن الحرب الاقتصادية بإتلاف الممتلكات، والثروة الحيوانية غير جائزة، غير أن هذا الحكم كبقية الأحكام الشرعية مما يخضع لقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" فهذه محظورات في الظروف العادية للحرب، أما في الظروف غير العادية فإن هذه الأعمال قد تباح ويقصر المنع على حالة الاختيار، وعلى ذلك قرر فقهاء المسلمين جواز بعض هذه التصرفات إذا اقتضتها ضرورة الحرب والقتال بحيث يتعذر على المسلمين تحقيق النصر ونجنب الهزيمة بدون اللجوء إلى تلك الأفعال والتصرفات المحظورة (راجع بدائع الصنائع 7: 100، المحلى 7: 297، مغني المحتاج 4: 223، المغني 8: 450 مشار إليها في كتاب السلام والحرب للدكتور محمود الطنطاوي).