Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
بحث صكوك الاستثمار الإسلامي المقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي الدولي الدورة التاسعة عشر
 

صكوك الاستـثمار الإسلامي

 بحث مقدم من

 د. حسين حامد حسان

 رئيس هيئات الفتوى والرقابة الشرعية

 لبنك دبي الإسلامي و سوق دبي المالي

 مجمع الفقه الإسلامي الدولي

الدورة التاسعة عشر – الشارقة ، الإمارات العربية المتحدة

 

الفصل الأول

تعريف الصكوك الاستثمارية وخصائصها

 

أولاً: تعريف الصكوك الاستثمارية:

الصكوك الاستثمارية سندات تمثل حصصاً متساوية في ملكية مال، تصدرها الجهة البائعة لهذا المال لاستيفاء ثمنه من حصيلتها، أو تصدرها الجهة الراغبة في استثمار هذه الحصيلة، بصيغ استثمار شرعية، أو يصدرها وسيط مالي ينوب عنهما، ويكون إصدارها لآجال محددة متفاوتة حسب طبيعة العقود التي تصدر على أساسها، وتكون قابلة للتداول والتحول إلى نقود عند الحاجة.

وتحدد نشرة الإصدار وصيغة الصك طبيعة العقد الذي ينظم العلاقة بين مصدر الصكوك، أو الوسيط المالي الذي يصدرها نيابة عنه، والمكتتبين فيها، من حيث مجال استثمار حصيلة الصكوك، ومدة هذا الاستثمار، وعوائده المتوقعة، وطريقة توزيعها، وحقوق وواجبات مصدر الصكوك ومالكيها والمعاونين في الاصدار، وآجال الصكوك، وإمكانية تداولها وإطفائها أي تحويلها إلى نقود.

 

ثانياً: خصائص الصكوك الاستثمارية:

 

الخصيصة الأولى: الصك الاستثماري سند لاثبات الحق، يصدر باسم مالكه أو لحامله، بفئات متساوية.

 

الخصيصة الثانية: الصك الاستثماري يمثل حصة شائعة في ملكية أصول مالية أعيانا أو منافع ولا يمثل ديناً بفائدة لحامله في ذمة مصدره.

 

الخصيصة الثالثة: الصكوك الاستثمارية تصدر عن جهة مالكة لأصول مالية ترغب في بيعها واستيفاء ثمنها من حصيلة الصكوك، وتمثل هذه الصكوك حصة شائعة في هذه الأصول بعد شرائها، أو يصدر عن الجهة الراغبة في استثمار حصيلة هذه الصكوك.

وقد تصدر الصكوك الاستثمارية مؤسسة مالية، كبنك إسلامي، بصفتها منظمة للاصدار، نيابة عن مصدر الصك ومنشئه، وقد تكون هذه المؤسسة مع ذلك مديرة للاصدار والاستثمار، وأمينة عليه، ومسوقة له، ومتعهدة بتغطية ما لم يكتتب فيه منه. وقد تكتفي هذه المؤسسة ببعض هذه الوظائف وتعين مؤسسات أخرى لتولي البعض الآخر، مع تحديد أجرة للقيام بكل وظيفة من هذه الوظائف، وتتكفل نشرة إصدار الصكوك بتفصيل ذلك. وتختلف طبيعة الصكوك الاستثمارية وتتنوع باختلاف طبيعة العقد الشرعي الذي تصدر الصكوك على أساسه، وذلك على النحو التالي:

 

أولاً: الصكوك الصادرة على أساس عقد بيع الأصول المؤجرة أو الموعود باستئجارها:

1- مصدر الصك قد يكون بائعاً لعين موعود باستئجارها، والمكتتبون فيه مشترون لهذه العين، بقصد تأجيرها، وتوزيع الأجرة على حملة الصكوك، وحصيلة الصكوك هي الثمن. وقد يكون البنك الإسلامي هو المصدر إذا كان يملك هذه العين، وقد يتولى تنظيم الإصدار نيابة عن المصدر، وتنص نشرة الإصدار على قيام البنك بإدارة الصكوك أو غير ذلك من الوظائف السابقة مقابل أجر تحدده النشرة.

2- مصدر الصك قد يكون بائعاً لعين مؤجرة فعلا، والمكتتبون في الصكوك مشترون لهذه العين. بقصد الحصول على أجرتها، وتوزيع هذه الأجرة عليهم، وحصيلة إصدار الصكوك هي الثمن. وقد يكون البنك هو المصدر إذا كان يملك هذه العين، وقد يكون وكيلاً ينظم عملية الاصدار ويتولى إدارة الاستثمار أو أية مهام أخرى مقابل أجر أو عمولة، كأمين الاستثمار والمروج للصكوك ومتعهد التغطية ووكيل الدفع على النحو الذي تبينه نشرة إصدار الصكوك.

 

ثانياً: الصكوك الصادرة على أساس عقد الإجارة:

1- مصدر الصك قد يكون بائعاً لمنفعة عين ملكها تبعاً لملكية العين، أو بعقد إجارة، والمكتتبون في الصكوك مشترون لهذه المنفعة باستئجار العين، بقصد إعادة تأجيرها على غير مؤجرها أو على مؤجرها بشروط معينة، بأجرة أعلى، وتوزيع هذه الأجرة على حملة الصكوك، وحصيلة الصكوك هي أجرة العين. وقد يكون البنك هو مصدر هذه الصكوك إذا كان هو مالك المنفعة، وقد يتولى الإصدار وإدارته مقابل أجر أو عمولة على النحو السابق.

2- مصدر الصك قد يكون بائعاً لمنفعة موصوفة في الذمة تستوفى من عين يلتزم المؤجر بتملكها وتسليمها للمستأجر في المستقبل، والمكتتبون في الصكوك مشترون لهذه المنفعة بعقد إجارة في الذمة، بقصد إعادة تأجير العين التي تستوفى منها هذه المنفعة، بعد قبضها، أو قبل قبضها بإجارة موازية في الذمة، بأجرة أعلى توزع على حملة الصكوك، ويتولى البنك تنظيم الإصدار، وإدارته نيابة عن مالكي الصكوك، مقابل أجر، وقد يتولى مع ذلك وظائف أخرى على النحو المتقدم، وقد يكون البنك هو مصدر هذه الصكوك لنفسه فيتولى الإصدار وإدارته بصفته أصيلاً لا وكيلاً.

 

ثالثاً: الصكوك الصادرة على أساس عقد السلم:

مصدر الصك قد يكون بائعاً لبضاعة السلم، وهي بضاعة موصوفة في الذمة يلتزم البائع بتسليمها لمشتريها في أجل محدد، في مقابل ثمن حال يدفع عند التعاقد أو بعده بثلاثة أيام على الأكثر، والمكتتبون في الصكوك مشترون لها بقصد الحصول على الربح الناتج عن إعادة بيعها بعد قبضها، أو عن بيع بضاعة بذات المواصفات بسلم مواز، تسلم بعد قبض بضاعة السلم، وحصيلة الصكوك هي ثمن بضاعة السلم. ودور البنك في ذلك هو دور منظم ووكيل الإصدار، ومدير الاستثمار، مقابل أجر أو عمولة، وقد يتولى مع ذلك بعض الوظائف الأخرى حسب ما تنص عليه نشرة الإصدار.

 

رابعاً: الصكوك الصادرة على أساس عقد الاستصناع:

1- مصدر الصك قد يكون مشترياً لعين مصنعة، وهي عين موصوفة في الذمة يلتزم بائعها بتصنيعها بمواد من عنده وتسليمها لمشتريها في أجل معلوم في مقابل ثمن يدفع عند التعاقد أو بعده في أجل محدد، والمكتتبون في الصكوك هم البائعون لهذه العين، بقصد تحقيق ربح، يتمثل في الفرق بين تكلفة تصنيع العين وثمن الاستصناع، وحصيلة الصكوك هي تكلفة تصنيع العين أو ثمن الاستصناع الموازي لها. ويتولى البنك الإسلامي تنظيم عملية الإصدار، ويكون مديراً للاستثمار، وقد يتولى مع ذلك وظائف أخرى حسب ما تحدده نشرة الإصدار.

2- قد يوقع البنك عقد استصناع‎، بصفته صانعاً، ثم يصدر صكوك استصناع مواز لاستخدام حصيلتها في تصنيع العين، فيكون البنك في هذه الصكوك مستصنعاً وحملة الصكوك صانع، يستحقون الفرق بين تكلفة تصنيع العين وبين ثمن العين المصنعة الذي حدده البنك المستصنع في نشرة الإصدار.

 

خامساً: الصكوك الصادرة على أساس عقد بيع المرابحة:

مصدر الصك قد يكون واعداً بشراء بضاعة مرابحة، ومشتر لها، بعد تملك البائع لهذه البضاعة وقبضه لها القبض الناقل للضمان، والمكتتبون في الصكوك هم البائعون لهذه البضاعة، بقصد الحصول على ربح، هو الفرق بين ثمن شراء بضاعة المرابحة نقداً وبيعها بالأجل، وحصيلة الصكوك هي تكلفة شراء البضاعة. ويتولى البنك تنظيم عملية الإصدار وإدارة العملية الاستثمارية مقابل أجر معين، وقد يتولى مع ذلك وظائف أخرى على النحو الذي تشرحه نشرة إصدار صكوك المرابحة، كما تقدم.

 

سادسا: الصكوك الصادرة على أساس عقد المضاربة:

مصدر الصك قد يكون مضارباً، والمكتتبون في الصكوك هم أرباب مال يقصدون استثمار أموالهم والحصول على حصة من الربح، وحصيلة الصكوك هي رأس مال المضاربة. والبنك هنا قد يكون مضارباً يستثمر بنفسه حصيلة صكوك المضاربة في مشروع معين أو نشاط خاص يمسك له حساباً مستقلاً، أو في جميع أنشطته، مع أصحاب الودائع المطلقة وحدهم، أو مع حقوق المساهمين كذلك. وتتضمن نشرة الإصدار جميع شروط عقد المضاربة، من حيث بيان موضوع النشاط والربح المتوقع وطريقة توزيع هذا الربح وغير ذلك، وقد يقوم البنك بالإصدار بصفته منظم إصدار ومدير له؛ وذلك لحساب المؤسسة المضاربة أي المستثمرة لحصيلة الصكوك.

 

سابعاً: الصكوك الصادرة على أساس عقود المشاركات:

1- مصدر الصك قد يكون شريكاً، والمكتتبون في الصكوك شركاء معه يقصدون استثمار أموالهم والحصول على الربح، وحصيلة الصكوك هي حصص الداخلين في المشاركة. ويستخدم البنك هذه الحصيلة في تطوير مشروع قائم لديه أو لانشاء مشروع جديد؛ بصفته شريكاً يطلب من غيره الدخول معه في مشاركة، وتحدد نشرة الإصدار صفة البنك في هذه الحالة باعتباره شريكاً مديراً للمشاركة بأجر محدد، وقد يقتصر دور البنك على تنظيم عملية الإصدار نيابة عن مستخدم حصيلته، وإدارته نيابة عن حملة الصكوك.

2- وهناك أنواع عديدة للمشاركات ولكل نوع مجموعة من الصور، يمكن أن يصدر لكل صورة منها صك مستقل، فهناك مشاركات مستمرة أي يحتفظ فيها كل شريك بحصة إلى نهاية مدتها، ومشاركات متناقصة أو منتهية بالتمليك.

 

ثامناً: الصكوك الصادرة على أساس عقد الوكالة في الاستثمار:

مصدر الصك قد يكون وكيل استثمار، والمكتتبون في الصكوك موكلون، يقصدون استثمار أموالهم والحصول على الربح، وحصيلة الاكتتاب هي المال المستثمر بطريق الوكالة. ودور البنك هنا كدور المضارب غير أن أجره يكون مبلغاً مقطوعاً محدداً أو نسبة من رأس المال المستثمر، وليس نسبة من الربح، كالمضارب، وقد يقتصر دور البنك على تنظيم عملية الإصدار نيابة عن المصدر، وقد يتولى مع ذلك وظيفة مدير الإصدار أو الاستثمار أو متعهد التغطية أو التسويق والترويج، حسب ما تحدده نشرة الإصدار.

 

تاسعاً: الصكوك الصادرة على أساس عقد المزارعة:

1- مصدر الصك قد يكون مالكاً لمساحة من الأرض الصالحة للزراعة يرغب في الحصول على تمويل لزراعتها، والمكتتبون في الصكوك مزارعون لهذه الأرض بأموالهم بقصد الحصول على حصة من المحصول أو الناتج، وحصيلة الاكتتاب هي تكاليف زراعة الأرض، ويتولى البنك تنظيم إصدار صكوك المزارعة ويكون هو مديراً للإصدار، وقد يتولى بعض الوظائف الأخرى على النحو السابق.

 

2- وقد يكون مصدر الصك مزارعاً، فرداً أو شركة زراعية متخصصة في المشروعات الزراعية، ولديها رأس مال كاف لتحقيق هذا الغرض، وترغب في الحصول على مساحات من الأرض الزراعية، فتصدر هذه الشركة صكوك مزارعة باعتبارها مزارعاً، ويكون المكتتبون في هذه الصكوك ملاكاً للأرض بأموالهم، وذلك بقصد اقتسام المحصول بينهم وبين الشركة الزراعية بصفتها مزارعاً، حسبما تحدده نشرة الإصدار، وتمثل حصيلة الصكوك تكلفة شراء الأرض أو إحيائها وتخصيصها من الدولة، ويتولى البنك تنظيم عملية الإصدار وإدارته، وقد يتولى مع ذلك وظائف أخرى حسبما تقرره نشرة إصدار صكوك المزارعة.

 

عاشراً: الصكوك الصادرة على أساس عقد المساقاة:

مصدر الصك قد يكون مالكاً لمساحات واسعة من أشجار الفاكهة ويرغب في تمويل رعاية هذه الأشجار من السقي والتهذيب والتسميد ومعالجة الآفات الزراعية، والمكتتبون في الصكوك مساقون يتولون رعاية بساتين الشجر بأموالهم واقتسام محصول الفاكهة حسب الاتفاق الذي تمثله نشرة الإصدار، بينهم وبين مالك الشجر، على أساس عقد المساقاة الشرعية. ودور البنك في ذلك هو تنظيم عملية الإصدار نيابة عن مصدر الصكوك، ثم إدارته، وقد يتولى مع ذلك مهام أخرى حسبما تقرره نشرة الإصدار.

 

حادي عشر: الصكوك الصادرة على أساس عقد المغارسة:

مصدر الصك قد يكون مالكاً لمساحات واسعة من الأرض الصالحة للزراعة كالدولة، ويرغب في تشجير هذه المساحات بأشجار الفاكهة أو غيرها وينقصه التمويل اللازم لذلك، فيعمد إلى إصدار صكوك المغارسة لاستخدام حصيلتها في تمويل تسوية الأرض وتجهيزها ومد شبكات الري والصرف فيها، ثم غرسها بالشتلات اللازمة، فيكون المكتتبون في الصكوك مغارسين بأموالهم، ويستحقون حصة تحددها نشرة الإصدار من الأرض المغروسة بالأشجار بعد بلوغها سن الإثمار وبدو هذا الإثمار، وحصيلة الصكوك تمثل العمل الذي يقوم به المغارس أو البستاني، وتكون عوائد هذه الصكوك هي ثمن الحصة من الأرض المغروسة بأشجار الفاكهة أو حصيلة بيعها.

 

ويقوم البنك بتنظيم عملية الإصدار بصفته وكيلاً عن المصدر مالك الأرض الموات، وقد يتولى مع ذلك إدارة الإصدار أو مهام أخرى حسب ما تحدده نشرة الإصدار.

 

وقد رأينا في جميع الحالات السابقة أن البنك قد يصدر هذه الصكوك أو بعضها لنفسه، بأن يكون هو بائع الأصل المؤجر الذي تمثل الصكوك حصصاً شائعة فيه، وتكون حصيلة بيعها هي الثمن، أو مستثمراً لحصيلة الإصدار بصفته مضارباً أو شريكاً أو وكيل استثمار. وقد يكون البنك وسيطاً مالياً، يتولى تنظيم عملية الإصدار نفسه أو بواسطة تأسيس شركة ذات غرض خاص لذلك مقابل عمولة محددة، وقد يتولى مع ذلك إدارة الاستثمار مقابل أجر مقطوع أو حصة من ربح العملية أو المشروع أو النشاط، حسب ما تنص عليه نشرة إصدار الصك. وقد يقوم البنك مع ذلك بأدوار أخرى كدور متعهد تغطية ما لم يكتتب فيه من الصكوك، ووكيل الدفع ومروج الصكوك، وتبين نشرة الإصدار الصفة الشرعية للمصدر، ومدير الإصدار، وأمين الاستثمار، ومتعهد التغطية، ومتعهد الدفع، ومتعهد الشراء والمسعرين، وحدود سلطات هؤلاء وواجباتهم وأجورهم، سواء كانت حصة من ربح العملية أو المشروع أو النشاط، أو كانت مبلغاً مقطوعاً، أو نسبة من رأس المال المستثمر، أو من الأجرة المحصلة في صكوك إجارة الأعيان المؤجرة.

 

الخصيصة الرابعة: استثمار حصيلة الصكوك بصيغة شرعية:

أولا: استثمار حصيلة الصكوك على أساس عقود التجارة:

قد تستثمر حصيلة الصكوك على أساس عقد من عقود التجارة ووفقاً لشروط هذا العقد وأحكامه، وهذه العقود هي: البيع المؤجل، وبيع المرابحة، وبيع السلم، وبيع الاستصناع، وقد تقدمت.

 وتمثل نشرة إصدار الصكوك إيجاباً من مصدر الصك لأحد هذه العقود، ويمثل الاكتتاب في الصكوك قبولاً لهذا العقد وما يترتب عليه من آثار بين عاقديه، وهما المصدر والمكتتب. ومن ثم فإن نشرة إصدار الصك يجب أن تحدد العقد الذي يصدر الصك على أساسه، وتبين شروط وأحكام هذا العقد حتى يكون الاكتتاب في الصك قبولاً شرعياً لهذا العقد وترتب آثاره عليه.

 

 وإليك عرضاً لهذه العقود وما يصدر من صكوك على أساسها:

1- الصكوك الصادرة لتمويل صفقة واحدة أو عملية مفردة لبيع مؤجل أو بيع مرابحة أو سلم أو استصناع. وتحدد نشرة الإصدار شروط هذا العقد وأحكامه الشرعية، وبتمام عملية الاكتتاب في الصكوك ودفع قيمتها ينعقد العقد وتترتب عليه آثاره الشرعية.

2- الصكوك الصادرة لتمويل عدة صفقات على أساس عقد واحد من هذه العقود، . وتحدد نشرة الإصدار نوع العقد وشروطه وأحكامه، ويكون الاكتتاب في الصكوك ودفع قيمتها قبولاً لهذه العقود وما يترتب عليها من آثار.

3- الصكوك الصادرة لتمويل أنشطة متعددة وعمليات متتابعة بخليط من هذه العقود. وتحدد نشرة الإصدار هذه الأنشطة، ونوع العقود المستخدمة فيها.

 

ثانياً: استثمار حصيلة الصكوك على أساس عقود التأجير:

1- الصكوك الصادرة لتمويل شراء عين معينة وعد بائعها أو غيره باستئجارها وذلك بقصد تأجيرها، إجارة تشغيلية أو تمويلية منتهية بالتمليك، وتوزيع أجرتها على حملة الصكوك، وتحدد نشرة الإصدار شروط عقد البيع وأحكامه الأساسية.

2- الصكوك الصادرة لتمويل شراء عين معينة مؤجرة فعلاً، لبائعها أو لغيره، وذلك بقصد الحصول على الأجرة وتوزيعها على حملة الصكوك، وتحدد نشرة الإصدار شروط كل من عقدي البيع والإجارة وأحكامهما الأساسية، مثل معرفة الثمن وطريقة دفعه، ونوع الإجارة، ومقدار الأجرة، وطريقة دفعها، ومدة الإجارة، وغير ذلك من أحكام عقدي البيع والإجارة.

3- الصكوك الصادرة لتمويل شراء منفعة عين معينة بطريق الإجارة، بقصد إعادة تأجير العين بأجرة أعلى، لغير مؤجرها، أو لمؤجرها بشروط معينة وتوزيع الأجرة على حملة الصكوك. وتحدد نشرة الإصدار نوع وشروط الإجارة، كمدة الإجارة ومقدار الأجرة وطريقة دفعها وضماناتها.

4- الصكوك الصادرة لتمويل شراء منفعة عين موصوفة في الذمة بقصد إعادة تأجيرها بعد قبضها، أو تأجير عين بنفس مواصفاتها، قبل قبضها، بإجارة موازية، بأجرة أعلى، وتوزيع الأجرة على حملة الصكوك. وتحدد نشرة الإصدار شروط عقد الإجارة في الذمة وأحكامها الأساسية، من حيث نوع الإجارة ومدتها ومقدار الأجرة وغير ذلك من أحكام عقد إجارة الذمة.

 

ثالثاً: استثمار حصيلة الصكوك على أساس عقود المشاركات:

1-    الصكوك الصادرة لتمويل حصص المشاركة المستمرة في مشروع معين، قائم فعلاً، أو يقام بحصيلتها، بقصد الاشتراك في الربح.

2- الصكوك الصادرة لتمويل حصص المشاركة المتناقصة في مشروع معين بقصد الاشتراك في الربح، وتمليك المشروع لأحد الشركاء، على دفعات خلال مدة المشاركة.

3- الصكوك الصادرة لتمويل حصص المشاركة المنتهية بالتمليك في مشروع معين، بقصد الاشتراك في الربح، وتمليك أحد الشركاء للمشروع لأحد الشركاء، في نهاية المشاركة.

4- الصكوك الصادرة لتمويل حصص مشاركة في شركة قائمة، بقصد المشاركة في الربح ، دون الإدارة، ويتخارج مالكوها من المشاركة بالتدريج وفق جدول زمني محدد.

وفي جميع عقود المشاركات يجب أن تتضمن نشرة الإصدار شروط عقد المشاركة وأحكامه الأساسية، باعتبار النشرة إيجاباً والاكتتاب فيها قبولاً لعقد المشاركة وللأحكام التي يرتبها الشرع عليه، كما يجب أن تتضمن النشرة طريقة إدارة المشاركة، وتعيين مدير الإصدار، بنكاً أو مؤسسة مالية متخصصة.

 

رابعاً: استثمار حصيلة الصكوك على أساس عقد الوكالة في الاستثمار بأجر محدد:

قد تصدر الصكوك لاستثمار حصيلتها بواسطة وكيل مقابل أجر محدد أو نسبة من المال المستثمر، وتحدد نشرة الإصدار جميع شروط وأحكام عقد الوكالة الأساسية وسلطات الوكيل وواجباته، وأجر الوكالة، كما يجب أن تحدد النشرة صفة مصدر النشرة، من حيث كونه يصدرها بالأصالة عن نفسه، باعتباره هو الوكيل المستثمر لحصيلتها، أو أنه يصدرها نيابة عمن يقوم بهذا الاستثمار؟

 

خامساً: استثمار حصيلة الصكوك على أساس عقد المضاربة مقابل حصة معلومة من الربح:

1- الصكوك الصادرة لتمويل مشروع معين أو نشاط خاص على أساس عقد المضاربة المقيدة مع تحديد مدة المشروع أو النشاط والعائد المتوقع وطريقة توزيعه بين المضارب وحملة صكوك المضاربة.

2- الصكوك الصادرة لتمويل  الأنشطة التي يفوضها حملة الصكوك للمضارب على أساس عقد المضاربة المطلقة، مع تحديد مدة المضاربة.

ويجب أن تتضمن نشرة إصدار الصك جميع شروط وأحكام عقد المضاربة الأساسية، كطريقة توزيع الربح المتوقع، وحدود سلطات المضارب، ونوع المضاربة، من حيث الاطلاق والتقييد، ومدتها، والصفة الشرعية لمصدر صكوك المضاربة؛ هل يصدرها باعتباره مضارباً، أو يصدرها نيابة عن مضارب آخر يستثمر حصيلتها. وكذلك جميع شروط الإصدار الأخرى، كتعيين مدير الإصدار وأمين الاستثمار وغيرهما من المشاركين في الإصدار كمتعهد التغطية والمسوق ووكيل الدفع والمثمن للصكوك.

 

الخصيصة الخامسة: قابلية الصكوك الاستثمارية للتداول:

1- تداول الصكوك الاستثمارية يعني التصرف فيها بكل طرق التصرف الشرعية، كالبيع والرهن والهبة، سواء كان التصرف مع مصدر الصكوك بإطفاء الصك أو استرداده، أو مع غيره. وهذا التصرف يخضع لإرادة طرفي التصرف وقانون العرض والطلب.

2- الأصل أن الصكوك الاستثمارية قابلة للتداول بعد قفل باب الاكتتاب وتوجيه حصيلتها إلى الغرض الذي صدرت من أجله أو خصصت له، كدفع حصيلة صكوك الإجارة والأعيان المؤجرة، لبائع الأصل المؤجر أو مؤجره، توجيه هذه الحصيلة إلى الاستثمار في المشروع المعين أو النشاط الخاص في صكوك المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار، وحتى تاريخ تصفية العملية أو المشروع أو النشاط.

3- تداول الصكوك التي مازالت حصيلتها نقوداً، قبل البدء في المشروع، أو التي تحولت فيها الأصول بعد التصفية إلى نقود يخضع لضوابط عقد الصرف، وأما إذا كان ناتج التصفية ديوناً فقط فإنه يراعى في تداول الصكوك في هذه الحالة أحكام التصرف في الديون، ويتولى البنك الإسلامي بصفته مدير الإصدار إعلام مالكي الصكوك بوضع المشروع في مراحله المختلفة، بطرق الإعلام المناسبة، حتى يتم تداول الصكوك على أساس ما تمثله في كل مرحلة من هذه المراحل.

 

الخصيصة السادسة: إصدار الصكوك الاستثمارية يرتب علاقات شرعية متعددة بين المشاركين في عملية الإصدار:

1- استثمار حصيلة الصكوك استثمار جماعي تنشأ عنه شركة ملك واقعية بين حملة الصكوك، باعتبارهم مالكين، على الشيوع، للمشروع الاستثماري الذي تموله حصيلة صكوكهم، وتترتب على هذه الشركة أحكامها الشرعية.

2- علاقة حملة الصكوك بمصدرها تتحدد على أساس العقد الشرعي الذي تصدر الصكوك على أساسه، فقد تكون علاقة مشترٍ لعين مؤجرة ببائعها، أو مستأجر لهذه العين بمؤجرها، أو بائع لبضاعة مرابحة أو استصناعاً بالمشتري، أو مشتر لبضاعة سلم ببائعها، أو رب مال بمضارب، أو موكل بوكيل استثمار، أو شريك بشريكه.

3- علاقة البنك الإسلامي، باعتباره مؤسسة مالية وسيطة، بمصدر الصكوك الاستثمارية، والمكتتبين فيها تتحدد على أساس عقد الوكالة، وطبيعة المهام التي تسندها إليه نشرة الإصدار، فقد يكون البنك الإسلامي وكيلاً في تنظيم عملية الإصدار، نيابة عن مصدري الصكوك، وقد يجمع مع ذلك إدارة العملية أو المشروع أو النشاط الاستثماري محل الصك بصفته مدير الإصدار.

4- والبنك الإسلامي، إذا كانت مدير إصدار فإنه يمثل حملة الصكوك ويرعى مصالحهم ويحمي حقوقهم وينفذ عقودهم في مواجهة مصدري الصكوك أو المستثمر لحصيلتها، وذلك حسب القوانين واللوائح المنظمة لإصدار وتداول الصكوك، وقد يتولى البنك مع ذلك دور أمين الاستثمار أو متعهد التغطية أو مروج الصكوك أو وكيل الدفع، وذلك حتى في حالات قيامه بدور منظم الإصدار.

 

الخصيصة السابعة: صدور الصكوك يكون لآجال متفاوتة وقد تطلق الصكوك عن الأجل:

تصدر الصكوك الاستثمارية لآجال متفاوتة، وقد تصدر دون تحديد أجل في بعض الحالات، وذلك حسب طبيعة عقود الاستثمار التي تصدر الصكوك على أساسها، فصكوك الإجارة والأعيان المؤجرة، إجارة منتهية بالتمليك مثلاً تكون محددة بمدة الإجارة، وصكوك البيع المؤجل وبيع المرابحة والاستصناع والسلم تكون محددة بمدة تصفية العملية التي تحددها نشرة الإصدار، وصكوك المشاركات والمضاربات والوكالات في الاستثمار تكون في الغالب محددة بآجال قصيرة أو متوسطة أو طويلة، وقد تكون مطلقة عن المدة في حالات نادرة. ولا يخفى ما لذلك من آثار على إصدار وتسويق وتداول الصكوك وتحويلها إلى نقود باستردادها وإطفائها.

 

الخصيصة الثامنة: حملة الصكوك يتحملون الغرم ويشاركون في الغنم:

حق حملة الصكوك الذي تمثله صكوكهم، في جميع الحالات، حق عيني ينصب على الأصول المالية التي تمثل هذه الصكوك حصصاً شائعة فيها، وليس حقاً شخصياً يتعلق بذمة مصدر الصك أو المستخدم لحصيلته، بصفته مديناً لمالك الصك، كالشأن في سندات الديون بفائدة، ويترتب على ذلك:

1- أن حملة الصكوك يشاركون في غنم، أي عائد، الأصل المالي أو المشروع أو النشاط الذي تموله حصيلة صكوكهم، ويتحملون الغرم، أي مخاطر استثمار هذا الأصل أو المشروع أو النشاط التي لا يد للمستثمر فيها ولا قدرة له على توقعها أو تلافي آثارها، بأن لم يكن قد تعدى أو قصر أو خالف شروط عقد الاستثمار الذي تمثله نشرة الإصدار.

2- أنه لا يجوز أن يضمن مصدر الصك لمالكه قيمة الصك الاسمية، ولا قدراً معيناً من الربح، في غير حالات التعدي او التقصير أو مخالفة شروط نشرة الإصدار ونتائج دراسة الجدوى المرفقة بها، ويجوز أن يتبرع بالضمان  طرف ثالث.

3- أن مصدر الصك مسؤول عن نتائج دراسة الجدوى الواردة في نشرة الإصدار ما لم يكن تخلف هذه النتائج بسبب طارئ بعد الإصدار لا يد له فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي آثاره.

4- يجوز أن يقدم مصدر الصك لمالكه بعض الضمانات العينية أو الشخصية لضمان مسؤوليته في حالات تعديه أو تقصيره أو مخالفته لشروط عقد الإصدار أو نتائج دراسة الجدوى المرفقة بها.

 

الخصيصة التاسعة: طرق انتقال ملكية الصكوك:

1-    تنتقل ملكية الصكوك الصادرة باسم مالكها بالقيد في سجل خاص.

2-    تنتقل ملكية الصكوك لحاملها بالمناولة.

3- ويمسك مصدر الصكوك أو مدير الإصدار أو أمين الاستثمار سجلات خاصة تدون فيها أسماء مالكي الصكوك وعناوينهم وجنسياتهم ومقدار ما يملكون من صكوك وغير ذلك من المعلومات التي تحددها نشرة الإصدار.

 

الخصيصة العاشرة: حق حملة الصكوك في الإدارة:

1-    حق حملة الصكوك في الإدارة يختلف باختلاف الصيغة التي تستثمر بها حصيلتها والعقد الشرعي الذي يصدر الصك على أساسه والصفة الشرعية لحامل الصك الاستثماري، من حيث كونه بائعاً أو مشترياً أو مؤجراً أو مضارباً أو شريكاً أو وكيل استثمار.

2-    يقوم البنك بصفته مدير إصدار واستثمار بإدارة العمليات التي تمول بحصيلة الصكوك، في الحالات التي يثبت فيها حق حملة الصكوك شرعاً في الإدارة، وذلك نيابة عنهم، كما في صكوك الإجارة والأعيان المؤجرة، وبيع المرابحة والبيع المؤجل والاستصناع والسلم، أما في الحالات التي يكون فيها حق الإدارة شرعاً لمستثمر حصيلة الصكوك في مشروع معين أو نشاط خاص كالمضارب، فإن هذا المستثمر هو الذي يتولى إدارة المشروع، ويقتصر دور البنك في هذه الحالة على اعتباره مدير إصدار أو أمين استثمار لمراقبة المستثمر وحماية حقوق مالكي الصكوك في مواجهته. أما الحالات التي يخضع فيها حق الإدارة للاتفاق، كالمشاركات والوكالات في الاستثمار فتحدد نشرة الإصدار طريقة الإدارة وصاحب الحق فيها، ويكون البنك في هذه الحالات كذلك مدير إصدار أو أمين استثمار لتمثيل حملة الصكوك أمام الوكيل أو الشريك.

 

وإليك تفصيل ما تقدم:

1)  في العقود التي تمنح حملة الصكوك، باعتبارهم مالكين لأصل أو لمنفعة أصل، حق التصرف في هذا الأصل أو منفعته وإدارته واتخاذ القرار الاستثماري بشأنه، فإن البنك، بصفته مديراً للاصدار، هو الذي يتولى هذه المهمة، وله أن يعهد بها إلى جهة متخصصة، بصفتها مدير استثمار، ويقوم البنك بصفته مدير الإصدار بتوقيع العقود، وصيانة الأصول المؤجرة، والتأمين عليها، وتحصيل الأجرة وتوزيعها على حملة الصكوك، فيكون حق إدارة هذه الأصول لحملة الصكوك، ويقوم البنك أو الجهة التي يعينها بهذه الإدارة نيابة عنهم، مقابل أجر محدد.

2)  وفي حالة تمويل حصيلة الصكوك للثمن في عقد السلم، فإن البنك بصفته مديراً للإصدار، يتولى هو، أو الجهة التي يعينها كمدير استثمار، توقيع عقد السلم، وتسليم الثمن من حصيلة الصكوك للبائع، ثم قبض بضاعة السلم عند حلول الأجل، وبيعها وتوزيع ثمنها على حملة الصكوك، بعد خصم أجرة الوكالة المتفق عليها.

3)  إذا كانت حصيلة الصكوك قد وجهت لدفع تكاليف تصنيع عين في عقد استصناع يمثل فيه حملة الصكوك الصانع، فإن البنك، بصفته منظماً لعملية الإصدار ومديراً للاصدار، هو الذي يتولى تنفيذ هذا العقد، نيابة عنهم، باعتبارهم هم الصانع، وللبنك، في هذه الحالة، أن يعين معه مديراً للاستثمار يقوم بتنفيذ العقد، ولكل من مدير الإصدار ومدير الاستثمار أن يقوم بتوقيع عقد استصناع مواز مع صانع آخر، بثمن أقل من الثمن الذي باع به العين المصنعة، وله أن يتولى التصنيع بنفسه، ثم يقوم بتسليم العين المصنعة للمستصنع بعد تمام الصنع، ويحصل منه على الثمن ثم يقوم بتوزيعه على حملة الصكوك، حسب شروط عقد الاستصناع الواردة في نشرة الإصدار، وفي الصك الذي يمثل حصة في ثمن بيع العين المصنعة.

4)  إذا كانت حصيلة الصكوك قد اعتبرت رأسمال مضاربة، فإن مصدر الصكوك هو المضارب، والمكتتبون فيها هم أرباب المال، ولا حق لحملة الصكوك بهذه الصفة في إدارة المشروع، لأن الإدارة حق خالص للمضارب، وإذا لم يكن البنك هو المضارب فإنه، يتولى تنظيم عملية إصدار صكوك المضاربة نيابة عن المضارب، ويقوم بوظيفة مدير الإصدار، كما يمكن أن يقوم بوظيفة أمين الاستثمار الذي يتولى مراقبة المضارب ويدافع عن مصالح حملة الصكوك في مواجهته، ويشرف على تنفيذ عقد المضاربة، وذلك مقابل أجر تحدده نشرة الإصدار، وقد يقوم مع ذلك بوظائف أخرى كمتعهد لتغطية الإصدار، ومروج لبيع الصكوك، ووكيل للدفع، ومتعهد للشراء.

5)  إذا كانت حصيلة الصكوك حصة مشاركة في مشروع قائم يملكه مصدر الصك، أو ينوي إقامته بحصيلة هذه الصكوك في المستقبل، فإن نشرة الإصدار تحدد طريقة الإدارة، والأصل أن الإدارة حق لكل شريك، غير أنه يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار تعيين أحد الشركاء لتولي الإدارة، ويكون البنك في هذه الحالة مدير إصدار أو أمين استثمار، وقد يتولى مع ذلك بعض المهام الأخرى حسب ما تنص عليه النشرة.

6)  إذا كانت حصيلة الصكوك تمول مشروعاً خاصاً يعرضه مصدر الصكوك بصفته وكيل استثمار، فإن نشرة الإصدار يجب أن تبين حدود سلطات الوكيل وصلاحياته بدقة، حيث إن الوكيل يضمن إذا تعدى حدود الوكالة. والقاعدة أن الموكل يملك التدخل في الإدارة، وله حق اعتماد بعض قرارات الوكيل، غير أن ذلك كله يجب أن تنص عليه نشرة الإصدار التي تمثل إيجاباً من جانب الوكيل المصدر، تنعقد به الوكالة بالاكتتاب في الصكوك ودفع قيمتها للوكيل. ويقوم البنك في هذه الحالة بتنظيم عملية الإصدار نيابة عن مصدر الصكوك مقابل أجرة محددة، كما أنه يجوز أن تتضمن النشرة تعيينه مدير إصدار أو أمين استثمار ومتعهداً لتغطية ما لم يكتتب فيه من الصكوك، ووكيلاً للدفع ومروجاً للإصدار، أو بعض هذه الوظائف حسب ما تنص عليه نشرة الإصدار التي تعد عرضاً لهذا كله يترتب على قبوله من المكتتبين انعقاد الوكالة وتحديد الأجر مقابل هذه المهام.

7)  وحامل صك المضاربة، مثل حامل سند الدين الذي تصدره شركة مساهمة، ليس له حق في إدارة المشروع الذي صدر الصك لتمويله في جميع الأحوال. أما حامل صك المشاركة فإنه يشبه المساهم في أن لكل منهما حقاً في الإدارة، غير أن حامل السهم يمارس حقه في الإدارة عن طريق التصويت في الجمعية العمومية للمساهمين، فله، في حدود القانون الذي ينظم هذه الشركات، حق اختيار أعضاء مجلس الإدارة، ومراقبة أعمالهم ومحاسبتهم وعزلهم إذا وجدت أسباب تقتضي العزل، أما الشريك في المشاركة فإن له أن يمارس حقه في الإدارة بنفسه، وله أن يوكل شريكه أو غيره في هذا الحق.

 ويتفق حامل صك المشاركة مع المساهم في الشركة المساهمة في أنه لا يجوز النص في عقد الشركة أو المشاركة على حرمانه من حقه في الإدارة. ويقوم البنك في صكوك المشاركة بتنظيم عملية الإصدار مقابل أجرة معلومة، كما يجوز أن تنص نشرة الإصدار كذلك على تعيينه مدير إصدار أو أمين استثمار ومتعهداً للتغطية ووكيلاً في الدفع أو تقصره على بعض هذه المهام، وتكل البعض الآخر لمؤسسات مالية أخرى يقوم مدير الإصدار بتعيينها تحت إشراف جهة الرقابة.

 

 

 

الفصل الثاني

إصدار الصكوك الاستثمارية

 

المقصود بإصدار الصكوك الاستثمارية:

إصدار الصكوك يعني طرحها للاكتتاب فيها، وذلك بتوجيه مصدر الصك، الراغب في استثمار حصيلته بصيغة من صيغ الاستثمار الشرعية، أو وكيله، إيحاباً إلى الجمهور أو إلى مكتتبين بأعيانهم، يعرض عليهم فيه الدخول معه في عقد من عقود الاستثمار الشرعية. ويكون قبولهم لهذا الإيجاب بالاكتتاب في الصكوك المصدرة ودفع قيمتها. ويتم بهذا القبول عقد الإصدار.

 

مصدر الصك:

مصدر الصك هو من يستخدم حصيلته بصيغة شرعية؛ كثمن لبيع عين مؤجرة، أو أجرة في إجارة، أو تكلفة لشراء بضاعة المرابحة أو تصنيع العين المبيعة استصناعاً، أو ثمناً لبضاعة السلم، أو رأس مال مضاربة، أو حصة في مشاركة، ومصدر الصك قد يكون شركة أو فرداً أو حكومة أو مؤسسة مالية، وقد ينوب عن المصدر في تنظيم عملية الإصدار مؤسسة مالية وسيطة كالبنك الإسلامي مقابل أجر أو عمولة تحددها نشرة الإصدار.

 

عقد الإصدار:

عقد الإصدار هو العقد الشرعي الذي تصدر الصكوك الاستثمارية على أساسه، ذلك أن كل إصدار يجب أن يستند على عقد من عقود الاستثمار الشرعية وأن تترتب عليه أحكام وآثار هذا العقد. وهذه العقود قد تكون بيعاً أو إجارة أو مرابحة أو سلماً أو استصناعاً أو مضاربة أو مشاركة أو وكالة في الاستثمار كما تقدم. ويتم عقد إصدار الصكوك بإيجاب وقبول بعقد من العقود الشرعية، ويوجه الإيجاب عن طريق إعلان نشرة تسمى نشرة الإصدار تتضمن جميع أركان وشروط العقد الشرعي الذي تصدر الصكوك على أساسه. ويسبق إعلان هذه النشرة إعداد دراسة جدوى للعملية أو المشروع أو النشاط المراد تمويله بحصيلة الصكوك المصدرة. وتعد نتائج هذه الدراسة جزءاً من نشرة الإصدار، ومصدر الصك مسؤول عن نتائج هذه الدراسة ما لم يثبت أن تخلف هذه النتائج كان بسبب ظروف طرأت بعد تقديم الدراسة، لايد له فيها ولا قدرة له على توقعها أو تلافي آثارها. أما القبول فإنه يتمثل في الاكتتاب في الصكوك المصدرة ودفع ثمنها، ويعد المكتتب قابلاً للدخول في العقد الذي تحدده نشرة الإصدار، بنفس الشروط الواردة فيها وتترب في حقه جميع آثار هذا العقد.

 

ويرى فريق من الباحثين، وبرأيهم أخذ مجمع الفقه الإسلامي، أن الإيجاب يتمثل في الاكتتاب في الصكوك، وأن القبول يتمثل في موافقة الجهة المصدرة أو المنشئة للصكوك على تخصيص الصكوك للمكتتبين، أما نشرة الإصدار فهي مجرد تعريف بشروط وأحكام العقد الذي يصدر الاكتتاب في الصكوك على أساسه.

 

شروط الإصدار:

شروط الإصدار هي الشروط التي يجب أن تتضمنها نشرة إصدار الصكوك حتى تستوفي شروط الإيجاب الشرعي الذي ينشأ عن قبوله العقد الشرعي الذي تصدر الصكوك على أساسه، والذي تترتب آثاره في حق عاقديه، المصدر والمكتتب، ويعد المكتتب في الصكوك، بناء على نشرة الإصدار، قابلاً لهذا العقد بجميع الشروط والأحكام التي تتضمنها هذه النشرة، ويدخل في ذلك موافقة المكتتب على تعيين مدير الإصدار وأمين الاستثمار، ومتعهد التغطية وغيرهم من المشاركين والمعاونين في الإصدار الذين تحددهم النشرة واختصاصاتهم وحدود سلطاتهم والأجور والعمولات التي تدفع لهم.

 

وإليك عرض شروط إصدار الصكوك الاستثمارية الصادرة على أساس العقود الشرعية:

 

1-   الصكوك الصادرة على أساس عقد بيع عين مؤجرة موجودة عند الإصدار:

قد يكون الايجاب الذي تتضمنه نشرة الإصدار دعوة من المصدر، بصفته بائعاً موجهة إلى جمهور المكتتبين بصفتهم مشترين، إلى الدخول معه في عقد بيع عين موجودة في ملكه عند الإصدار، مؤجرة أو موعود باستئجارها من البائع أو من غيره، على أن تكون حصيلة الاكتتاب ثمناً لهذه العين، فإذا تم قبول هذا الإيجاب بالاكتتاب في الصكوك ودفع قيمتها انعقد البيع بين الموجب، مصدر الصكوك، والمكتتبين فيها، وترتبت عليه آثاره، فتنتقل ملكية الثمن المتمثل في حصيلة الصكوك إلى مصدر الصكوك، وملكية العين المبيعة إلى حملة الصكوك، كل بنسبة ما اكتتب فيه من صكوك، ويستحقون غنم هذه العين، ومنه الأجرة ويتحملون غرمها. وتسمى الصكوك الصادرة لشراء عين مؤجرة أو موعود باستئجارها صكوك الأعيان المؤجرة أو الموعود باستئجارها.

ويمثل الصك في هذه الحالة حصة شائعة في ملكية العين المؤجرة، لذا فإن هذه الصكوك يجوز تداولها منذ لحظة إصدارها وحتى نهاية مدتها، كما أنه يجوز استردادها من مصدرها كما سنفصله بعد ذلك. والشريعة الإسلامية لا تمنع من بيع العين المؤجرة ونفاذ عقود الإيجار في حق المشتري واستحقاقه لأجرتها، والبائع للعين هنا واحد والمشترون لها عدد كبير، وهو جائز باتفاق. وصدور الاكتتاب من كل واحد منهم يعد قبولاً ينعقد به عقد الإصدار، أي إيجاب البيع وقبوله، في حدود ما اكتتب فيه.

وبيع العين في هذه الحالة يتم مباشرة بين مالك العين البائع لها، وهو مصدر الصك، بنفسه أو بواسطة البنك الذي يتولى عملية الإصدار نيابة عنه، وبين المشترين لهذه العين المكتتبين في صكوكها.

 

ويجب أن تتضمن نشرة الإصدار جميع شروط عقد البيع والإجارة وأحكامهما الأساسية، بالإضافة إلى شروط الإصدار الأخرى، والصفة الشرعية للمشاركين فيه، كمدير الإصدار، ومدير الاستثمار وأمينه ومتعهد التغطية ووكيل الدفع وغيرهم.

2-   الصكوك الصادرة على أساس عقد إجارة أصل موجود عند عقد الإصدار:

قد يكون الإيجاب الذي تتضمنه نشرة الإصدار دعوة من مصدر هذه الصكوك، بصفته مؤجراً، موجهة إلى جمهور المكتتبين في الصكوك، بصفتهم مستأجرين، يدعوهم فيها لاستئجار هذا الأصل مدة معينة بأجرة معلومة، وذلك بقصد إعادة تأجير هذا الأصل لغير مؤجره أو لمؤجره بشروط معينة، فإذا تم قبول هذا الإيجاب، بالاكتتاب في الصكوك ودفع قيمتها انعقدت الإجارة بين مصدر الصك بصفته مؤجراً للأصل الذي يملكه، وبين المكتتبين بصفتهم مستأجرين له.

ويترتب على هذه الإجارة أثارها الشرعية؛ فتنتقل ملكية الأجرة المتمثلة في حصيلة الصكوك، من المستأجر إلى المؤجر، وتننقل ملكية المنفعة من المؤجر إلى المستأجرين، وهم حملة الصكوك، الذين يستحقون غنم هذه المنفعة؛ بإعادة تأجير الأصل للواعد باستئجاره أو لغيره، واستحقاق الفرق بين الأجرتين، وتحمل الغرم، كما في حالة عدم تأجير الأصل للمدة وبالأجرة التي تحقق ربحاً لحملة الصكوك.

وتسمى الصكوك الصادرة لشراء منفعة أصل موجود عند التعاقد بصكوك الاجارة تمييزاً لها عن صكوك الأصول المؤجرة التي يملك فيها حملة الصكوك الأصل المؤجر ومنافعه، في حين أن صكوك الاجارة يملك فيها حملة الصكوك منفعة الأصل فقط، وذلك بقصد إعادة بيع هذه المنفعة بثمن أعلى، يتمثل في الأجرة، والحصول على الفرق.

والصكوك التي تصدر لدفع أجرة الأصل تمثل حصة شائعة في ملكية منفعة الأصل المستأجر، ولذا فإنه يجوز تداولها واستردادها منذ لحظة إصدارها وحتى نهايتها، لأن المنافع أموال عند جمهور الفقهاء، والشريعة لا تمنع من أن يكون المؤجر للأصل واحداً والمستأجرون له كثيرون، واكتتاب كل منهم في الصكوك يعد قبولاً لشراء المنفعة في حدود حصته.

ويجب أن تتضمن نشرة إصدار هذه الصكوك جميع شروط عقد الإيجار، بالإضافة إلى شروط الإصدار الأخرى، وحقوق وواجبات المشاركين فيه بصفتهم منظمي الإصدار أو مديري الإصدار، أو مديري الاستثمار أو متعهدي دفع أو تغطية.

 

3-       الصكوك الصادرة على أساس عقد إجارة أصل موصوف في الذمة:

قد يكون الإيجاب الذي تتضمنه نشرة إصدار الصكوك دعوة موجهة من مصدر الصكوك، بصفته مؤجراً لأصل موصوف في الذمة، أي بائعاً لمنفعة هذا الأصل، إلى جمهور المكتتبين أو إلى مكتتبين بأعيانهم، بصفتهم مستأجرين لهذا الأصل، لمدة معلومة بأجرة محددة، وذلك بقصد إعادة تأجيره بعد قبضه من مؤجره، أو تأجير أصل بنفس مواصفاته قبل ذلك، بإجارة موازية. فإذا تم قبول هذا الإيجاب ودفع المكتتبون قيمة الصكوك الصادرة لتمويل الأجرة انعقدت الاجارة بين مصدر الصك، بصفته مؤجراً لأصل موصوف في الذمة، والمكتتبين في الصكوك، بصفتهم مستأجرين لهذا الأصل أو مشترين لمنفعته، وترتبت على هذه الاجارة آثارها الشرعية، فيستحق المؤجر الأجرة المتفق عليها، وهي المتمثلة في حصيلة الصكوك، ويستحق المستأجر، وهم مالكو الصكوك، منفعة الأصل الموصوف في الذمة، وذلك من تاريخ توقيع العقد، ويلتزم المؤجر بتسليم المستأجر الأصل الذي تستوفى منه المنفعة في تاريخ نفاذ الاجارة، وتحسب الأجرة ابتداء من هذا التاريخ، وإن جاز تقديم دفعها قبل ذلك بالاتفاق.

ولما كانت صكوك الإجارة في الذمة تمثل منافع أصول يلتزم المؤجر بتسليمها في المستقبل فإنه يجوز تداول هذه الصكوك، قياساً على جواز تداول صكوك السلم لأنها سلم في المنافع وليست ديناً نقدياً، وذلك على رأي المالكية وبعض الفقهاء.

وقد أجاز بعض الفقهاء لمالك المنفعة، وهي دين في ذمة المؤجر، أن يبيع منفعة بنفس مواصفات هذه المنفعة، قبل قبض العين التي تستوفى منها المنفعة التي ملكها، وذلك بإبرام عقد إجارة موازية، بأجرة أعلى من الأجرة التي دفعها للمؤجر في الذمة، وله أن يوفي بالتزامه بتسليم العين التي اشترى منفعتها في الذمة أو غيرها، للمستأجر منه في الذمة. والشريعة لا تمنع من أن يكون المؤجر لعين واحداً والمستأجرون منه كثيرون. ولا بد من ان تتضمن نشرة الإصدار شروط عقد الإجارة في الذمة كما تقدم.

 

 

4-       الصكوك الصادرة على أساس عقد بيع الخدمات

قد يكون موضوع الإيجاب الذي تتضمنه نشرة إصدار الصكوك والقبول الصادر في شكل اكتتاب في هذه الصكوك ودفع قيمتها هو بيع خدمات الإنسان، فيكون الموجب في هذه الحالة مؤجراً لهذه الخدمات أو وكيلاً عن المؤجر، والمكتتب القابل للإيجاب مستأجراً لهذه الخدمات، ويكون القصد من هذا العقد هو قيام البنك الإسلامي، بصفته مدير إصدار، بإعادة تأجير هذه الخدمات بأجرة أعلى وتحقيق ربح، ثم توزيع الأجرة بين مالكي الصكوك.

ويترتب على هذا العقد آثاره الشرعية، والشريعة الإسلامية لا تمنع من أن يكون المؤجر لخدماته واحداً والمستأجرون لهذه الخدمات عدد كبير، كما أن الشريعة لا تمنع من بيع، أي إعادة تأجير، خدمات الإنسان التي ملكها المؤجر بعقد عمل أو إجارة خدمات، ولا تفرق الشريعة بين الإجارة الواردة على الأعيان والإجارة الواردة على عمل الإنسان في هذا الخصوص. ويجب أن تتوافر في صكوك بيع الخدمات جميع شروط عقد الإجارة الواردة على عمل الإنسان، وتترتب على هذه الإجارة جميع أحكام عقد إجارة الخدمات.

ولما كانت صكوك الخدمات تمثل منافع أو خدمات في ذمة المؤجر، ولا تمثل ديوناً نقدية، فإنه يجوز تداول هذه الصكوك، على اعتبار أن المنافع أموال يجوز التصرف فيها قبل قبض المحل الذي تستوفى منه، لأن المنافع في جميع الأحوال لا تستوفى بقبض المحل الذي تستوفى منه دفعة واحدة عند القبض، بل بمرور الزمن.

 

5-       الصكوك الصادرة على أساس عقد بيع بضاعة سلماً:

إذا كان المقصود من إصدار الصكوك هو توظيف حصيلة بيعها في تمويل شراء بضاعة السلم، كالقطن أو القمح أو الأرز أو الشاي أو السكر بكميات كبيرة أو منتجات صناعية، كالمصانع والآلات والمعدات، بحيث يمثل الصك حصة في هذه البضاعة، وهي دين سلعي في ذمة المسلم إليه، أي البائع، فإن هذه الصكوك تسمى صكوك السلم.

وموضوع الإصدار في هذه الحالة هو عقد صفقة سلم، كمليون قنطار من القطن أو أربعة ملايين طن من القمح أو مليون وحدة من معدة أو آلة مثلاً، بحيث تكون حصيلة الصكوك التي تصدر لتمويل هذه الصفقة ثمناً يدفع للمسلم إليه عند التعاقد، على أن تقبض بضاعة السلم في أجل محدد أو على دفعات في آجال محددة، وذلك بقصد إعادة بيعها بربح. فيكون مصدر الصك بائعا لبضاعة السلم، والمكتتبون فيه مشترون لها، فإذا تم قبول هذا الإيجاب بالاكتتاب في الصكوك ودفع قيمتها انعقد السلم بين مصدر الورقة، بصفته بائعاً لبضاعة السلم، والمكتتبين فيها، بصفتهم مشترين لها، بطريق مباشر، وتترتب على هذا العقد آثاره الشرعية، من تملك البائع سلما للثمن الذي يقبضه من حصيلة الصكوك، عند التعاقد بعد اكتمال عملية الاكتتاب، والتزام البائع سلماً بتسليم بضاعة السلم في الموعد المتفق عليه.

ويمثل الصك الصادر لتمويل صفقة سلم محددة، كأربعة ملايين طن من القمح أو البترول الخام، حصة في بضاعة السلم، وهي دين سلعي في ذمة بائعه الذي يلتزم بتسليمه لمشتريه، من إنتاجه أو من إنتاج غيره. وقد أجاز المالكية وبعض الفقهاء التصرف في دين السلم قبل قبضه بسعر السوق دون زيادة، نظراً لطبيعته الخاصة باعتباره ديناً سلعياً يختلف عن الدين النقدي الذي يخضع لضوابط التصرف في الديون. وبناء على هذا الرأي فإنه يجوز تداول صكوك السلم بعد قفل باب الاكتتاب وتسليم حصيلته للبائع سلماً، وتوقيع عقد السلم معه وحتى تاريخ تصفية العملية وتوزيع حصيلة بيع بضاعة السلم بعد قبضها على حملة صكوك السلم.

ويتولى البنك الإسلامي، بصفته وكيلاً عن المصدر، تنظيم إصدار صكوك السلم، مقابل عمولة، ويقوم بصفته مديراً للإصدار بتنفيذ العقد، فيعقد السلم الموازي لبيع بضاعة بنفس مواصفات البضاعة المشتراة سلماً، ويقبض ثمنها عند التعاقد، ويبيع بضاعة السلم بعد قبضها، أو يسلمها للمشتري في السلم الموازي، ويقسم الحصيلة على حملة الصكوك.

ويجب أن تتضمن نشرة إصدار صكوك السلم جميع شروط عقد السلم، وأن تترتب على هذا العقد جميع أحكامه من حقوق والتزامات بالنسبة لعاقديه، البائع سلماً ومالكي الصكوك المشترين لبضاعة السلم.

 

6-       الصكوك الصادرة على أساس عقد بيع أصل مصنع :

إذا كان المقصود من إصدار الصكوك هو توظيف حصيلة هذه الصكوك في تمويل تصنيع أصل، كطائرة أو باخرة أو محطة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه أو مصنع لتكرير البترول، أو مشروع معين كمدينة صناعية، أو مطار أو شق نفق أو تعبيد طريق أو إنشاء منطقة حرة، أو دفع ثمن الاستصناع الموازي لهذا الأصل أو ذلك المشروع، ثم تسليمه للمستصنع، فإن هذه الصكوك تسمى صكوك الاستصناع.

وتتضمن نشرة الإصدار في هذه الحالة، أي الإيجاب، عرضاً من مصدر الصك حكومة أو شركة أو مؤسسة فردية بصفته مستصنعاً، أو من وكيله، كالبنك الإسلامي، موجها إلى جمهور المكتتبين أو إلى فئة محددة منهم، كبعض المؤسسات المالية، يعرض عليهم فيه شراء أصل مصنع منهم، كسفينة أو طائرة أو محطة غاز أو كهرباء أو تشييد طريق أو معبر أو مطار، بحيث تستخدم حصيلة بيع الصكوك في تصنيع هذا الأصل، بشراء المواد اللازمة لذلك ودفع أجور المهندسين والعمال وغير ذلك من تكاليف الصناعة، فإذا تم قبول هذا العرض بالاكتتاب في الصكوك ودفع قيمتها انعقد الاستصناع بين مصدر الصك بصفته مستصنعاً، أو البنك الذي ينظم عملية الاصدار نيابة عنه، وبين المكتتبين في الصكوك بصفتهم صانعين.

وتتضمن نشرة الإصدار تعيين البنك الإسلامي مديراً للاصدار ليتولى إدارة هذه العملية، فيقوم البنك، أو مدير الاستثمار الذي يعيينه البنك، بتلقي حصيلة الاكتتاب واستخدام هذه الحصيلة في تصنيع الأصل مباشرة، أو عن طريق عقد استصناع مواز مع صانع آخر يقوم بتصنيع أصل بنفس المواصفات، بثمن أقل من الثمن الذي باع به مصدر الصك الأصل المصنع، ثم يقوم البنك بصفته مدير الإصدار بعد تسلم العين المصنعة من مقاول الباطن، بتسليمها للمستصنع، أي المشتري واستيفاء ثمن الاستصناع منه في المواعيد المتفق عليها، ثم يتولى توزيعه على حملة صكوك الاستصناع.

والشريعة الإسلامية لا تمنع من أن يكون المستصنع واحداً والصانع عدد كبير يساهمون جميعاً في صنع الأصل بأموالهم، أو تمويل صنعه عن طريق استصناع مواز، ثم يحصلون على ربح هو الفرق بين تكلفة تصنيع الأصل أو المشروع والثمن الذي بيع به للمستصنع.

وهذا الصك يمثل، بعد قفل باب الاكتتاب وبدء تصنيع الأصل، حصة شائعة في موجودات تتمثل في مواد التصنيع في مراحل التصنيع المختلفة، ثم في العين المصنعة نفسها بعد صنعها وقبل تسليمها للمستصنع، ثم يمثل حصة في ثمن العين المصنعة بعد تسليمها لمشتريها بثمن مؤجل، فيخضع تداوله في هذه الحالة الأخيرة لضوابط التصرف في الديون.

والإيجاب الذي تمثله نشرة الإصدار يتضمن، بالإضافة إلى شروط عقد الاستصناع وأحكامه الجوهرية، تعيين البنك الإسلامي مديراً للإصدار وتفويضه بتعيين مدير لاستثمار حصيلة صكوك الاستصناع في تصنيع العين المبيعة استصناعاً نيابة عن المكتتبين الملتزمين بتصنيع هذه العين، ويكون قبول المكتتبين لنشرة الإصدار قبولاً منهم لتعيين البنك مديراً للاصدار لينوب عنهم في تنفيذ العقود التي يصدر الصك على أساسها، ثم يقوم البنك بتصفية العملية وتوزيع ثمن الأصل المصنع عليهم.

ويجب أن تتضمن نشرة إصدار صكوك الاستصناع جميع شروط عقد الاستصناع، وأهم أحكامه وما يترتب عليه من حقوق والتزامات في حق عاقديه، الصانع، وهم حملة الصكوك، والمستصنع، وهو مصدر الصك.

 

7-الصكوك الصادرة على أساس عقد البيع مرابحة :

قد يكون المقصود من إصدار الصكوك هو تمويل عقد بيع بضاعة مرابحة، لمعدات وأجهزة ومصانع وآلات، أو كمية من القطن أو القمح أو الشاي أو المعادن أو منتجات البترول، يقوم البنك الإسلامي بتوقيعه مع المشتري مرابحة، حكومة أو شركة أو مؤسسة فردية، بصفته مدير إصدار، نيابة عن حملة الصكوك، ويستخدم البنك حصيلة الصكوك في تملك بضاعة المرابحة وقبضها قبل بيعها مرابحة، وهذه الصكوك تسمى صكوك المرابحة، وتكون عادة في السلع الاستراتيجية كالقطن والقمح والبترول والسكر بكميات كبيرة، كما يكون في السفن والطائرات والمصانع ومحطات توليد الطاقة مما لا يرغب البنك في تمويله من موارده العادية.

وتتضمن نشرة إصدار هذه الصكوك، أي الإيجاب الذي تتضمنه، وعداً ملزماً من مصدرها، أو من البنك الإسلامي الذي ينوب عنه، بشراء بضاعة بمواصفات معينة، بثمن محدد، أو بما قامت به البضاعة على المشتري، مع ربح معلوم، مبلغا مقطوعا أو نسبة محددة من تكاليف البضاعة، يدفع في مواعيد محددة، وذلك بعد تملك مدير الإصدار بصفته نائباً عن المكتتبين، لهذه البضاعة وقبضها، فإذا تم الاكتتاب ودفع المكتتبون قيمة الصكوك التي تمول عملية الشراء وما يتبعه من تكاليف التأمين والشحن والتفريغ وغيرها، فلالبنك الإسلامي بصفته وكيل إصدار أن يقوم نيابة عن المكتتبين، اعتماداً على هذا الوعد الملزم، باستخدام حصيلة الاكتتاب في تملك البضاعة الموعود بشرائها وقبضها القبض الناقل للضمان، ثم يقوم بصفته وكيلاً عن مالكي صكوك المرابحة، بتوقيع عقد المرابحة للواعد بالشراء، نيابة عن حملة الصكوك، ثم يتولى بعد ذلك تسليم البضاعة وتحصيل الثمن وتوزيعه على حملة صكوك بيع المرابحة للآمر بالشراء. وللبنك أن يعيين مدير استثمار ويحدد له أجراً للقيام بهذه العمليات حسبما تقرره نشرة الإصدار.

وهذه الصكوك تصدر عادة لآجال متوسطة وقصيرة، وهي المدة اللازمة لشراء بضاعة المرابحة من حصيلة الاكتتاب في صكوك المرابحة، وتوقيع عقد البيع بالمرابحة مع المتعامل الواعد بشرائها، ثم المدة اللازمة لتحصيل الثمن وتوزيعه على حملة الصكوك.

وبضاعة المرابحة تكون في ملك وحيازة مدير الإصدار بصفته وكيلاً عن حملة الصكوك من تاريخ شرائها وقبضها من بائعها الأول وحتى تاريخ تسليمها لمشتريها مرابحة، فيمثل الصك في هذه المرحلة حصة في هذه البضاعة، ثم يمثل حصة في ثمنها، وهو دين في ذمة المشتري مرابحة بعد قبض المشتري للبضاعة وحتى تاريخ سداده للثمن وتصفية المعاملة وتوزيع عوائدها على حملة الصكوك الممولة لها، على أنه يجوز توزيع أقساط المرابحة على مالكي الصكوك عند قبض كل قسط منها، ويكون ربح حملة الصكوك هو الفرق بين ثمن شراء بضاعة المرابحة ودفع مصروفاتها  نقداً وثمن بيعها للمشتري مرابحة على أقساط مؤجلة، ولذا فإن تداول هذه الصكوك بعد فترة تسليم البضاعة لمشتريها وحتى دفع الثمن يخضع لضوابط التصرف في الديون.

وهذه الصكوك قابلة للتداول في الجملة بعد قفل باب الاكتتاب واستخدام حصيلة الصكوك في شراء العين الموعود بشرائها وقبضها وحتى لحظة تسليمها لمشتريها مرابحة، حيث تخضع الصكوك بعد التسليم لضوابط التصرف في الديون. ويجب أن تتضمن نشرة الإصدار جميع شروط عقد المرابحة وأن تراعى أحكام بيع المرابحة في مراحل تنفيذ العقد، وفي تداول الصكوك التي تمثل حصة في بضاعة المرابحة ثم في ثمنها بعد توقيع عقد المرابحة وتسليم البضاعة.

 

الصفة الشرعية لمصدر صكوك عقود الاستثمار التجارية والمكتتبين فيها:

في جميع الصكوك التي تمول حصيلتها عقداً من عقود الاستثمار التجارية السابقة، كالبيع بالأجل، وبيع المرابحة، وبيع السلم، وبيع الاستصناع، يكون مصدر الصك طرفا في هذا العقد ؛ بائعا أو مشتريا، ويمثل المكتتبون في هذه الصكوك الطرف الآخر، بائعا أو مشترياً حسب الأحوال، ونشرة الإصدار تمثل، كما ذكرنا، الايجاب في هذه العقود، وتتضمن جميع الشروط الشرعية للعقد الذي تصدر الصكوك على أساسه، وهذا الإيجاب قد يوجه إلى جمهور المكتتبين، وقد يوجه إلى طائفة خاصة محدودة منهم، كالبنوك والمؤسسات المالية. وعملية الاكتتاب، أي شراء الصكوك ودفع قيمتها، تمثل قبول العقد موضوع هذا الإيجاب.

 

دور البنك الإسلامي في إصدار صكوك عقود الاستثمار التجارية:

يقوم البنك الإسلامي بتنظيم عملية إصدار هذه الصكوك نيابة عن مصدرها مقابل أجر أو عمولة أو ينشئ لذلك شركة ذات غرض خاص. ويمكن أن تنص نشرة الإصدار على تعيين البنك مدير إصدار ومدير استثمار لحصيلة الإصدار في نفس الوقت، وللبنك بهذه الصفة أن يتلقى حصيلة الصكوك وأن يستخدمها في تنفيذ العقود وأداء التزامات مصدر أو منشئ الصك التي تترتب على العقد المعين محل الإصدار، ثم تحصيل الثمن، أو تسليم المبيع، نيابة عن مصدر الصك، إلا إذا كان مصدر الصك بنكاً أو مؤسسة مالية فإنه يقوم بهذه العملية بنفسه.

كما يقوم البنك، بصفته مدير إصدار بتمثيل المكتتبين في الصكوك، بصفتهم بائعين أو مشترين في عقود الاستثمار التجارية، وذلك في علاقتهم مع مصدر الورقة، بصفته طرفاً في هذه العقود بائعاً أو مشترياً، فيوقع البنك بصفته مدير إصدار، بنفسه أو بواسطة مدير استثمار يعيينه ويحدد أجره، هذه العقود، مع مصدر الصك، ويسلم المبيع أو الثمن أو يقبض الثمن المؤجل في مواعيد استحقاقه، ويوزعه على مالكي الصكوك. وتتضمن نشرة الإصدار تعيين البنك الإسلامي مدير إصدار وأمين استثمار لتنفيذ هذه العقود وتصفية استحقاقات حملة الصكوك، وتحدد هذه النشرة سلطات البنك وأجره على أعمال الوكالة، ويعد الاكتتاب في الصكوك قبولاً لهذا التعيين.

وحيث إن هذه العمليات المفردة عقود تجارة مباشرة فإنها تتم بين الموجب والقابل، أي بين مصدر الورقة أو منشئ الإيجاب، والمكتتب فيها، بمعنى أنها ترتب آثارها، من حقوق والتزامات بين طرفيها بطريق مباشر، ودور البنك الإسلامي فيها، إذا لم يكن هو المصدر لهذه الصكوك لحساب نفسه، هو تنظيم عملية الإصدار، ثم إدارة الإصدار بنفسه أو بواسطة مدير استثمار يعيينه هو ويحدد أجره، بصفته وكيلاً، ولا يتلقى البنك في هذه العقود حصيلة الصكوك لاستثمارها بنفسه بصفته مضارباً، بل هو وكيل خاص يفوض في تصرفات معينة تحددها نشرة الإصدار تتعلق باتمام عقود البيع التي تمولها حصيلة بيع الصكوك الخاصة بها، وتنفيذ الالتزامات والحقوق المرتبة عليها بين طرفيها، مقابل أجر تحدده نشرة الإصدار، وقد تكلفه نشرة الإصدار بأعمال أخرى يقوم بها بصفته وكيلاً بأجر تحدده النشرة، وذلك مثل أمين الاستثمار، ومتعهد تغطية ما لم يكتتب فيه من الصكوك، ووكيل دفع، ومتعهد شراء وغير ذلك المهام كالتسويق والترويج.

 

 

8- الصكوك الصادرة على أساس عقد المضاربة:

إذا كان المقصود من إصدار الصكوك هو توفير رأس مال مضاربة لاستثماره في مشروع خاص أو نشاط معين، فإن هذه الصكوك تسمى صكوك المضاربة المقيدة، وإذا كان النشاط الذي تستثمر فيه حصيلة الصكوك عاماً، فتسمى الصكوك صكوك المضاربة المطلقة، ويقوم البنك الإسلامي بإصدار صكوك المضاربة بنوعيها إذا كان هو المستثمر لحصيلتها بنفسه، أما إذا كان يصدرها لصالح من يقوم باستثمار هذه الحصيلة، فإنه يعد منظماً للإصدار ومديراً له.

وتتضمن نشرة الإصدار، أي الإيجاب، عرض مصدر الصك استثمار حصيلة الصكوك في مشروع معين أو نشاط خاص أو فيما يراه المضارب من أنشطة مختلفة بصفته مضاربا، فإذا تم قبول هذا العرض بالاكتتاب في الصكوك ودفع قيمتها انعقدت مضاربة بين مصدر الصك والمكتتبين فيه، وترتبت عليها آثارها الشرعية، حسب ما ورد في نشرة الإصدار، وتكون حصيلة بيع هذه الصكوك هي رأسمال المضاربة.

ويجب أن تحدد نشرة لإصدار، باعتبارها إيجاباً، مجال المضاربة الذي تستثمر فيه حصيلة الصكوك، وهذا المجال قد يكون مشروعاً  معينا صناعيا أو زراعيا أو تعدينياً أو استخراجياً، أو بناء طريق أو جسر أو مطار. وقد يكون هذا المجال نشاطا خاصا، كتجارة القطن أو القمح أو الأرز، أو السيارات أو المعدات والآلات أو المواد الغذائية، وفي هذه الحالات تكون المضاربة مقيدة بالمشروع المعين أو النشاط الخاص.

وقد تفوض نشرة الإصدار المضارب، مصدر الصك، في استثمار حصيلة الإصدار في كافة مجالات الاستثمار التي يراها، والمضاربة في هذه الحالة تكون مطلقة غير مقيدة بعملية محددة أو بمشروع معين أو بنشاط خاص، بل يترك أمر استثمار حصيلة الصكوك لتقدير المضارب ورأيه.

ويمكن أن يقوم البنك الإسلامي بصفته مضارباً بإصدار صكوك مضاربة يفوض في استثمار حصيلتها في جميع مجالات الاستثمار التي يراها حسب تقديره، فيكون لحصيلة هذه الصكوك حكم الودائع المطلقة وتستثمر مع بقية الودائع الاستثمارية في وعاء مشترك، وبذلك يتوفر لحملة هذه الصكوك ميزة تداول ودائعهم، بدلاً من الإيداع بإيصال لا يقبل التداول، وقد خطى هذه الخطوة بعض البنوك الإسلامية.

وتتضمن نشرة إصدار هذه الصكوك حق البنك في استثمار حصيلة الصكوك في الوعاء الاستثماري المشترك، وحدها، أو مع حقوق المساهمين وأصحاب الودائع الاستثمارية المطلقة، وتحدد النشرة كذلك حصة البنك من الأرباح، وغير ذلك من شروط عقد المضاربة. وقد تشترط نشرة الإصدار إطفاء هذه الصكوك في مواعيد دورية، بحيث يكون الباقي منها هو المشارك في الاستثمار للفترات القادمة. والشريعة الإسلامية تجيز أن يكون المضارب واحداً، وأرباب المال عدد كثير، كما هو الحال بالنسبة للبنك مع مودعيه، ويمثل الصك في هذه الحالة حصة شائعة في صافي أصول الوعاء الاستثماري المشترك للبنك، الذي تستثمر فيه الودائع المطلقة وحدها أو مع حقوق المساهمين، وهذه الأصول تتكون من النقود والأعيان والمنافع والديون فيجوز تداولها بعد قفل باب الاكتتاب وبدء توظيف حصيلة الصكوك وحتى تاريخ إعلان التصفية على هذا الأساس.

 

9- الصكوك الصادرة على أساس عقد الوكالة في الاستثمار:

وقد تتضمن نشرة إصدار الصك عرضا من مصدر الصك للجمهور أو فئة خاصة من الناس، كالبنوك والمؤسسات المالية، لاستثمار حصيلة الصكوك بصفته وكيلاً بأجرة محددة، في عملية استثمارية محددة أو في مشروع معين أو نشاط خاص أو مجموع الأنشطة التي يختارها الوكيل حسب المصلحة، فإذا قبل من وجه إليهم هذا الإيجاب هذا العرض واكتتبوا في الصكوك الصادرة لتمويل هذه العملية أو ذلك المشروع أو النشاط انعقدت وكالة في الاستثمار بين مصدر الصك، بصفته وكيل استثمار، والمكتتبين فيه، بصفتهم موكلين، وترتبت على هذه الوكالة آثارها الشرعية حسب شروط الوكالة وأحكامها الشرعية التي تحددها نشرة الإصدار ودراسة الجدوى المعتمدة عليها، وأهم هذه الأحكام هو تحديد أجر الوكيل بمبلغ مقطوع أو نسبة من المال المستثمر، وتحديد مجال عمله وحدود سلطاته، ويعد الاكتتاب في هذه الصكوك قبولاً للأجر الذي يعرضه الوكيل.

والشريعة الإسلامية تجيز أن يكون الوكيل في الاستثمار واحداً، والموكلون فيه عدد كبير، ويمثل الصك في هذه الحالة حصة شائعة في صافي أصول العملية أو المشروع أو النشاط، الذي يفتح له الوكيل حساباً مستقلاً عن حساباته الأخرى.

 

10- الصكوك الصادرة على أساس عقود المشاركات:

وقد تتضمن نشرة الإصدار باعتبارها إيجابا موجهاً إلى الجمهور أو لفئة محصورة من الناس رغبه مصدر الصك في استخدام حصيلة الصكوك كحصة مشاركة في مشروع قائم  يملكه، أو في إقامة مشروع جديد، مشاركة بينه وبين جماعة المكتتبين في الصكوك المصدرة لهذا الغرض، فإذا تم الاكتتاب في هذه الصكوك انعقدت مشاركة بين مصدر الصك وبين المكتتبين فيه وترتب على هذه المشاركة جميع آثار عقد المشاركة، حسب شروط نشرة الإصدار التي قبلها المكتتبون. والغالب في صكوك المشاركة أن تتضمن نشرة الإصدار قيام مصدر الصك بصفته شريكا بإدارة المشاركة، وطريقة توزيع الأرباح بين مصدر الصك وحملة الصكوك. ويقوم البنك الإسلامي بتنظيم إصدار هذه الصكوك كما يجوز أن يكون البنك مدير إصدار لإدارة العملية الاستثمارية وتنفيذ الالتزامات المترتبة عليها، وذلك مقابل الأجور التي تحددها نشرة إصدار صكوك المشاركة.

 

11- الصكوك الصادرة على أساس عقد المزارعة:

قد تتضمن نشرة الإصدار، أي الإيجاب، عرضاً من مصدر الصك، الذي يملك مساحة واسعة من الأرض الزراعية، موجها إلى الجمهور أو إلى الشركات الزراعية يدعوهم فيه إلى الدخول معه في عقد مزارعة، لاستثمار حصيلة الصكوك المصدرة في تمويل زراعة هذه الأرض، وذلك بشراء الآلات والمعدات والبذور ودفع أجور العمال الزراعيين، فإذا تم قبول هذا الإيجاب بالاكتتاب في الصكوك الصادرة لتمويل الزراعة، ودفع قيمتها انعقدت مزارعة بين مصدر أو منشئ الصك، بصفته مالك الأرض الزراعية وبين جماعة المكتتبين في هذه الصكوك بصفتهم مزارعين بأموالهم، وترتبت عليها آثار عقد المزارعة من وجوب قسمة الناتج حسب الاتفاق الذي تمثله نشرة الإصدار.

وقد يكون مصدر الصك أو منشئه شركة زراعية تقدم مدخلات الزراعة من البذور والشتلات الزراعية والعمالة المدربة، وتطلب من المكتتبين شراء ما تصدره من صكوك لتمويل شراء مساحات كبيرة من الأرض أو استصلاحها وتخصيصها، فإذا تم قبول هذا الإيجاب واكتتب الناس في هذه الصكوك انعقدت مزارعة بين مصدر الصك، بصفته مزارعاً بماله وبين جماعة المكتتبين فيه، بصفتهم ملاك الأرض التي اشتريت بأموالهم، وترتبت عليها جميع أحكام عقد المزارعة من توزيع الناتج من الزرع بين مالك الأرض والمزارع. ويقوم البنك الإسلامي بتنظيم إصدار هذه الصكوك، نيابة عن مصدرها، كما يجوز أن يكون مدير إصدار يتولى إدارة هذه العملية من بدايتها إلى نهايتها في مقابل أجرة تحددها نشرة الإصدار.

وهذه المعاملة تختلف عن حالة الصكوك التي تصدر لتمويل مشروع زراعي معين، فإن مصدر الصك في هذه الحالة يعد مضاربا أو وكيل استثمار، وهو يستخدم حصيلة الصكوك في هذه الحالة في تمويل المشروع الزراعي المعين من شراء الأرض وزراعتها والصرف على مدخلات الزراعة من آلات وبذور وسماد ودفع أجور العمال الزراعيين، فهذا عقد مضاربة في مشروع معين توزع فيه أرباح النشاط حسب اتفاق العاقدين، ويمكن أن يطلق على الصك في هذه الحالة صك المضاربة الزراعية، أي المضاربة التي مجالها الزراعة.

 

12- الصكوك الصادرة على أساس عقود المساقاة:

المساقاة هي عقد بين مالك شجر مثمر، وبين المساقي، أي البستاني، على أن يدفع مالك الشجر شجره إلى المساقي ليقوم على رعايته وسقيه وتهذيبه وتسميده، ومعالجة الآفات التي قد تظهر به وغير ذلك مما يلزم للثمر حتى يبدو صلاحه، وذلك على نفقة المساقي في مقابل اقتسام محصول الشجر من الثمار حسب الاتفاق.

وقد يكون لدى الحكومة أو إحدى مؤسساتها أو بعض الشركات مساحة واسعة مزروعة بأشجار الفاكهة وترغب في تمويل أعمال الرعاية والسقي والتهذيب وخدمة أشجار هذه الحدائق في مقابل حصة من محصولها بدلاً من الاستئجار على ذلك، فتطلب من البنك الإسلامي أن يتولى تنظيم إصدار صكوك مساقاة نيابة عنها حتى تستخدم حصيلتها في تمويل عمليات انتاج محاصيل الفاكهة، ويقوم البنك بإعلان نشرة إصدار صكوك المساقاة التي تمثل إيجاباً من جانب مالك الأشجار تتحدد فيها جميع عناصر وشروط وأحكام عقد المساقاة، وذلك لاستخدام حصيلة بيعها في تمويل هذا النشاط، وتنص النشرة على تعيين البنك مديراً للإصدار بأجرة محددة.

فإذا تم الاكتتاب في هذه الصكوك انعقدت مساقاة شرعية بين مصدر الصك وبين المكتتبين فيه وترتبت عليها آثارها الشرعية من حقوق وواجبات بين مصدر الصك مالك الشجر، والمكتتبين فيه ويمثلون المساقي، ويقوم البنك الإسلامي بإدارة هذه العملية من بدايتها إلى نهايتها، بصفته مدير إصدار كما تقدم، وله أن يتعاقد مع شركات زراعية أو أفراد للقيام بالأعمال اللازمة لرعاية الشجر مقابل أجور تدفع لهم من حصيلة الاكتتاب. ويجب أن تتضمن نشرة الإصدار طريقة توزيع الناتج من الثمار بين حملة الصكوك ومصدرها.

وتمثل صكوك المساقاة بعد قفل باب الاكتتاب وتخصيص حصيلتها للصرف على المحصول، حصة شائعة في المحصول، ذلك أن لحملة الصكوك حق في الحصة المتفق عليها منه، ولذا فإن هذه الصكوك يمكن تداولها بعد قفل باب الاكتتاب وبدء الصرف على الشجر وحتى تصفية هذه العملية بنضج الثمر وقسمته، أو بيعه وقسمة ثمنه.

 

 

 

13- الصكوك الصادرة على أساس عقود المغارسة:

صكوك المغارسة سندات تصدر لتمويل تجهيز الأرض الزراعية واستنباط مصادر المياه لها، كحفر الآبار ومد شبكات الري والصرف، ثم زراعة شتلات الفاكهة ودفع أجور المهندسين والعمال الزراعيين، وفواتير المياه والكهرباء، ويشارك حملة الصكوك ملاك الأرض في ملكية البساتين أرضاً وشجراً، حسب ما تقرره نشرة الإصدار، ثم تباع وتوزع حصيلة بيعها على حملة الصكوك، ويتولى البنك الإسلامي بصفته مدير الإصدار أو مدير الاستثمار الذي يعينه مدير الإصدار، نيابة عن مصدر صكوك المغارسة، القيام بعملية الغراس من حصيلة الصكوك. ويمكن أن يكلف البنك مؤسسة متخصصة في ذلك العمل بأجر يحدده البنك، ويمثل صك المغارسة بعد قفل باب الاكتتاب وبداية الصرف على الغرس حصة في النقود والأرض والغرسات.

ويمكن تداول صكوك المزارعة والمساقاة والمغارسة بعد قفل باب الاكتتاب وتخصيص الحصيلة للصرف على المشروع إذ تختلط هذه النقود بعد بدء النشاط مع الزرع والشجر والشتلات والأرض وتصير شيئاً واحداً، لأن الشركة تقتضي الاختلاط إعمالاً للقصد والنية.

ويجب أن تتضمن نشرة الإصدار شروط عقد المزارعة أو المساقاة أو المغارسة، وذلك بتعيين الأرض مكاناً ومساحة، ونوع الزراعة أو الغرس، ومدة المزارعة أو المغارسة، وهل هو محصول واحد، أو مدة محددة، ونسبة قسمة المحصول أو الناتج من الزرع أو الفاكهة أو مساحة الأرض المغروسة، وتسليم الأرض، وألا تتضمن النشرة شرطاً يؤدي إلى قطع الشركة في المحصول أو الناتج، وعدم ضمان عائد محدد لأي من المزارع أو المساقي أو المغارس، أو حملة الصكوك.

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

تداول الصكوك الاستثمارية

 

تداول الصكوك الاستثمارية يعني التصرف فيها لغير مصدرها بالبيع والرهن والهبة وغيرها من التصرفات الشرعية، وتطلق عبارة الإطفاء أو الاسترداد على التصرف في الصك مع مصدره، وهذا التصرف قد يكون بيعاً وقد يكون إقالة أو فسخاً جزئياً.

ولما كان الصك الاستثماري يمثل حصة شائعة في أصول مالية عينية، فإن التصرف فيه يخضع لضوابط وشروط وأحكام التصرف في الأصول المالية، والأصل أن الصكوك الاستثمارية الشرعية يجوز تداولها واستردادها بسعر السوق الذي يتراضى عليه طرفا التصرف.

وقد تفرض الشريعة الإسلامية بعض القيود على التصرف في بعض الصكوك نظراً لطبيعة الأصول المالية التي تمثلها هذه الصكوك، غير أن هذه القيود لا تخرج الصك عن أصل جواز التداول في الجملة. ولما كان تداول الصكوك تصرفاً فيها بالبيع أو الرهن أو الهبة أو غيرها، فإنه يشترط في التداول ما يشترط في هذه التصرفات من شروط، ويترتب عليه ما يترتب على هذه التصرفات من آثار، يستوي في ذلك التصرف في الصكوك مع مصدرها بإطفائها أو استرداد قيمتها أو التخارج بها، والتصرف مع غيره في السوق الأولية أو الثانوية.

 

وإليك عرضاً موجزاً لحكم تداول واسترداد الصكوك بأنواعها المختلفة:

أولاً: يجوز تداول الصكوك التي تمثل حصة شائعة في ملكية الأصول المؤجرة أو في ملكية منافع الأصول، بعد قفل باب الاكتتاب وقيام البنك، بصفته مدير إصدار، بتوقيع عقود البيع والإجارة مع البائع والمؤجر ودفع الثمن والأجرة من حصيلة الصكوك ويشمل ذلك :

1-    صكوك ملكية الأعيان المؤجرة أو الموعود باستئجارها

2- صكوك ملكية منافع الأعيان الحاضرة قبل إعادة تأجيرها، فإن أجرت كان الصك ممثلاً للأجرة، وهي دين في ذمة المستأجر، فيخضع التداول لأحكام وضوابط التصرف في الديون.

3-    صكوك ملكية منافع الأعيان الموصوفة في الذمة قبل بيع هذه المنافع على النحو السابق.

 ذلك أن هذه الصكوك تمثل حصة شائعة في أصل أو في منافع أصل، والأصول المالية ومنافعها أموال يجوز التصرف فيها بالبيع والرهن والهبة والتولية، فإن بيعت المنافع بإعادة تأجير الأصل المؤجر وأصبح الصك يمثل الأجرة، وهي دين على المستأجر، كان تداوله والتصرف فيه خاضعاً لضوابط التصرف في الديون.

 

ثانياً: يجوز تداول صكوك عقود التجارة بنفس قيود التصرف في البضاعة التي تمثل الصكوك حصة شائعة فيها، وقت التداول، وهي قيود تمليها طبيعة النشاط ونوع العقد ومراحل تنفيذه، وذلك على النحو التالي:

1- يجوز تداول صكوك تمويل عقود السلم: بعد قفل باب الاكتتاب وتخصيص الصكوك وتوقيع عقد السلم مع البائع وتسليمه الثمن من حصيلة بيع الصكوك وحتى بيع بضاعة السلم بعد قبضها، أو تسليمها للمشتري بعقد سلم مواز وإعلان تصفية العملية، وذلك بشروط معينة على رأي الإمام مالك وبعض الفقهاء، على أساس أن دين السلم دين سلعي وليس ديناً نقدياً كبقية الديون، و جمهور الفقهاء لا يجيزون تداول هذه الصكوك قبل قبض بضاعة السلم.

2- يجوز تداول صكوك الاستصناع التي يصدرها المستصنع أو الصانع في الاستصناع الموازي لتمويل تصنيع الأصل المبيع استصناعاً بعد قفل باب الاكتتاب وتخصيص الصكوك والبدء في عملية التصنيع، وخلال مراحله وحتى تسليم الأصل أو المشروع المصنع إلى المستصنع، على أساس أن هذه الصكوك تمثل موجودات أثناء فترة تصنيع الأصل، وتمثل الأصل المصنع بعد تصنيعه وقبل تسليمه للمستصنع، أما بعد تسليم الأصل أو المشروع المصنع إلى المستصنع في مقابل ثمن مؤجل أو يدفع على أقساط فإن تداول هذه الصكوك يخضع لضوابط التصرف في الديون، ويجوز تداول صكوك السلم دون قيود إذا كانت الصكوك تمثل حصة شائعة في موجودات مشروع معين أو نشاط خاص يقوم بعمليات استصناع متتابعة.

3- يجوز تداول صكوك بيع المرابحة والبيع المؤجل بعد قفل باب الاكتتاب وشراء البضاعة وحتى تاريخ تسليمها للمشتري مقابل ثمن مؤجل أو يدفع على أقساط، ويخضع لقيود التصرف في الديون بعد تسليم البضاعة للمشتري وحتى قبض الثمن وتصفية العملية.

ثالثاً: تداول صكوك المضاربة:

1- يجوز تداول صكوك المضاربة بعد قفل باب الاكتتاب وتخصيص الصكوك وبدء استثمار حصيلة الصكوك وحتى تاريخ التصفية، ولا يمنع من جواز التداول ما قد يحدث خلال عمليات الاستثمار من وجود ديون أو نقود مع الأعيان والمنافع تقتضيها طبيعة الاستثمار، وإن زادت النقود والديون عن الأعيان والمنافع.

رابعاً: تداول صكوك المشاركات:

1- يجوز تداول صكوك المشاركة بعد قفل باب الاكتتاب وتخصيص الصكوك وبدء استثمار رأس مال المشاركة وحتى نهاية أجل الصكوك تاريخ بدء هذه التصفية، طالما اشتملت موجوداتها على أعيان ومنافع مع الديون والنقود، وإن قلت المنافع والأعيان.

2- يسري ذلك الحكم على جميع صور المشاركات الدائمة أو المنتهية بالتمليك تدريجياً أو في نهاية مدة المشاركة.

 

خامساً: حكم تداول صكوك الوكالات في الاستثمار:

يجوز تداول صكوك الوكالة في الاستثمار بعد قفل باب الاكتتاب وتخصيص الصكوك وبدء استثمار رأس المال وحتى نهاية أجل الصكوك وهو تاريخ التصفية، طالما اشتملت موجودات المشاركة على أعيان ومنافع مع الديون والنقود وإن قلت الأعيان المنافع.

تعريف مصدر الصك

مصدر الصك هو من يستخدم حصيلته بوجه من وجوه الاستخدامات الشرعية ، أو يقوم باستثمار هذه الحصيلة لحساب مالكي الصكوك وعلى مسؤوليتهم، بحيث يكون الغرم عليهم والغنم لهم، إلا ما شرطوه منه له مقابل قيامه بالاستثمار.

وقد يكون مصدر الصك بائعاً لعين مؤجرة أو منفعة عين بطريق الإجارة أو مشترياً لبضاعة مرابحة وعد بشرائها بعد تملك حملة الصكوك وقبضهم لها، ويقصد بالإصدار تحصيل ثمن العين التي يبيعها، أو أجرة العين التي يؤجرها أي يبيع منافعها.

 

وقد يكون المصدر للصك مشترياً لبضاعة سلماً أو لعين استصناعاً، ويصدر الصك لاستخدام حصيلته في صناعة العين أو شرائها باستصناع مواز، أو دفع ثمن السلم.

وقد يكون المصدر مضارباً أو شريكاً أو كيل استثمار يقصد بإصدار الصك جعل حصيلته رأس مالاً مضارباً أو حصة في مشاركة أو محلاً للوكالة في الاستثمار.

 

صكوك الأعيان المؤجرة:

مصدر الصك قد يكون بائعاً لعين مؤجرة موجودة في ملكه عند الإصدار ويقصد بإصدار الصك الحصول على ثمن البيع من حصيلة الصكوك ويرتبط مصدر الصك بالمكتتبين فيه،في هذه الحالة، بعقد بيع، يكون فيه المصدر هو البائع، وحملة الصكوك هم المشترون كل بنسبة ما يملكه من صكوك.

ولا بد من توافر شروط عقد البيع الشرعية.

 

صكوك الإجارة:

مصدر الصك قد يكون بائعاً لمنفعة عين معينة موجودة عند الإصدار، ملكها بعقد إجارة لاستخدام حصيلة الصكوك ثمناً لهذه المنفعة، ليقوم حملة الصكوك بإعادة تأجيرها، ويربط مصدر الصكوك، في هذه الحالة، بالمكتتبين فيها عقد إجارة، يكون المصدر فيها هو المؤجر للعين التي استأجرها، وحملة الصكوك هم المستأجرون لهذه العين كل بقدر ما يملكه من صكوك، ويستحقون الفرق بين الأجرة التي يدفعونها والأجرة التي تؤجر بها العين من الباطن، وقد تكون هذه موعود بها من مستأجر معين. ويجب أن تتوافر في هذا العقد شروط عقد الإجارة، وتترتب على هذا العقد جميع أحكامه.

والصك هنا يمثل حصة شائعة في منفعة عين معينة مدة محددة، ويستحق مالكو الصكوك غنم هذه الإجارة الذي يتمثل في فرق الأجرة، ويتحملون غرمها، أي خسائرها.

 

صكوك السلم:

قد يكون مصدر الصك بائعاً لبضاعة موصوفة في ذمته سلماً، ويطلب من المكتتبين شراء هذه البضاعة ودفع ثمنها عند التعاقد من حصيلة الصكوك.

ويربط مصدر الصك في هذه الحالة بالمكتتبين فيه عقد بيع سلم، فيكون المصدر بائعاً والمكتتبون مشترين سلماً، ويجب أن تتوافر في هذا العقد جميع شروط عقد السلم، وتترتب عليه جميع آثاره، فيملك حملة الصكوك حصيلة الاكتتاب بنسبة ما اكتتب به كل منهم فيها، ثم يملكون بضاعة السلم، وهو دين أو التزام في ذمة مصدر الصك، ثم يملكون ثمن هذه البضاعة بعد قبضها وبيعها، ديناً أو نقداً. ويكون حكم تداول الصك تبعاً لذلك، كما سيأتي.

وعقد السلم الذي ينشأ بين مصدر الصك والمكتتبين فيه يرتب آثاراً وحقوقاً والتزامات على طرفيه بطريق مباشر.

ويظهر في هذه الحالة أن حملة الصكوك يحتاجون إلى تعيين وكيل عنهم يتولى تنفيذ عقد السلم من حيث دفع الثمن، وقبض بضاعة السلم، وبيعها وتوزيع حصيلة البيع على حملة الصكوك، كل بنسبة ما يملكه فيها، وهذا الوكيل يتقاضى أجراً محدداً مقابل قيامه بهذا العمل. وهذا الوكيل يقوم بتنفيذ عقد السلم ممثلاً للمكتتبين، لأن هذا العقد يتم وينعقد بين مصدر الصك والمكتتبين فيه بطريق مباشر، منذ لحظة إصدار الصك بعد التقاء الإيجاب الذي يتمثل في نشرة الإصدار، والقبول الذي يتمثل في الاكتتاب  في الصكوك ودفع الثمن.

هذا ويرى بعض الباحثين أن نشرة الإصدار لا تمثل إيجاباً، بل مجرد إعلان يتضمن بعض البيانات والمعلومات، حتى يتمكن الجمهور من توجيه إيجاب إلى مصدر الصكوك، ويصدر القبول من مصدر الصك بتخصيص الصكوك وإصدارها للمكتتبين فيها. (انظر في مجمع الفقه الإسلامي)

 

صكوك الاستصناع:

مصدر هذه الصكوك يرغب في شراء عين مصنعة بمواصفات معينة تسلم له في موعد محدد، مقابل ثمن معلوم يدفع دفعة واحدة أو على أقساط. ويعرض على الجمهور، المكتتبين بيع هذه العين؛ بشراء الصكوك لتوجيه حصيلتها إلى تمويل عملية تصنيع العين أو شرائها بعقد استصناع مواز وتسليمها لمصدر الصك.

ويربط مصدر صك الاستصناع بالمكتتبين فيه عقد استصناع، يكون مصدر الصك فيه هو المستصنع وحملة الصكوك صانع. ويترتب على هذا العقد جميع آثاره الشرعية، فحملة الصكوك يملكون حصيلتها وهي نقد، ثم يملكون مكونات العين المصنعة والمواد المستخدمة في التصنيع أثناء عملية التصنيع، ثم يملكون العين المصنعة بعد تصنيعها وقبل تسليمها للمستصنع، ثم يملكون ثمن الاستصناع الذي يدفع دفعة واحدة أو على دفعات، وهو دين في ذمة المستصنع، ويكون حكم التداول تبعاً لصفة محل الحق المالي الذي يمثله صك الاستصناع.

وحملة الصكوك عادة يعينون وكيلاً عنهم يقوم بتنفيذ العقد وتنظيم عملية التصنيع أو توقيع عقود الاستصناع الموازي، وقبض العين المصنعة من مقاول الباطن، وتسليمها للمستصنع في الموعد المحدد، ثم قبض أقساط الاستصناع وتوزيعها على حملة الصكوك.

وواضح أن عقد الاستصناع الأول قد تم بين مصدر الصك بصفته مستصنعاً وبين المكتتبين فيه، بصفتهم صانعين، كل بقدر ما يملكه من صكوك. ودور الوكيل بعد ذلك هو تنفيذ هذا العقد وإدارة العملية حتى نهاية تحصيل ثمن الاستصناع وتوزيعه على مالكي الصكوك كل بقدر حصته في تمويل عملية الاستصناع.

ويجب التنبيه هنا على أن الكلام عن عملية استصناع واحدة وإن تعدد محل الاستصناع؛ بأن شمل عدة أعيان مصنعة، كعشر طائرات أو مدينة سكنية، أو تشييد مطار مثلاً، طالما أن الإصدار واحد، والمستصنع فيه واحد، وحصيلة الصكوك استخدمت لتمويل هذا العقد. ففي هذه الحالة ينشأ العقد بين مصدر الصك والمكتتبين فيه مباشرة، ويجب أن تتوافر في العقد شروط عقد الاستصناع، ويتقيد تداول صكوك الاستصناع في هذه الحالة بقيود التصرف في النقود فقط، أو في الديون فقط، أو في الأعيان فقط، حسب المراحل التي يمر بها تنفيذ هذا العقد، لأن عملية الاستصناع الواحدة تمر بهذه المراحل فيكون حكم التصرف في الصك تبعاً لذلك.

أما إذا تضمن نشاط مصدر الصك إبرام عدد من عقود الاستصناع، كأن كان شركة مقاولات، فإن صك الاستصناع في هذه الحالة يمثل خليطاً من الأعيان والنقود والديون، ويخضع التصرف في الصك في هذه الحالة لشروط وأحكام التصرف في المجموع المالي المكون من الأعيان والديون والنقود، وتكون العبرة بالغالب على رأي جمهور الباحثين كما سنرى. ذلك أنه في الوقت الذي يتم فيه توقيع عقد استصناع يمول من حصيلة بيع صكوك الاستصناع، تكون هناك عين قد تم تصنيعها ولم تسلم للمستصنع، وعين أخرى صنعت وسلمت للمستصنع، ودفع ثمنها نقداً، أو كان مديناً بهذا الثمن.

وما قيل في صكوك الاستصناع يقال مثله في صكوك بيع السلم وبيع المرابحة والبيع المؤجل الثمن. فإذا صدر الصك لتمويل عمليات متعددة متتابعة من بيوع المرابحة أو السلم، فإن الحكم في تداول الصك يكون لمجموع موجودات حصيلة الصك، وليس لعملية واحدة بعقد واحد.

وبالمثل فإن حكم تداول صكوك الإجارة والأعيان المؤجرة يخضع لهذا المعيار، فإذا كانت حصيلة الاكتتاب في الصكوك مخصصة لتمويل عمليات شراء أصول مؤجرة، أو موعود بتأجيرها من مالكها أو من غيره، للحصول على الأجرة، أو شراء منافع الأصول بعقد إجارة لإعادة بيعها بإجارة من الباطن لغير مؤجرها، فإن تداول صكوك الإجارة والأعيان المؤجرة في هذه الحالة يخضع لأحكام تداول الصكوك التي تمثل مجموعاً مالياً من الأعيان والمنافع والديون والنقود، ذلك أن هناك تياراً مستمراً من شراء الأعيان المؤجرة إجارة عادية أو منتهية بالتمليك، وأجرة مستحقة، وهي دين في ذمة المستأجر، وأجرة قبضت نقداً، ومنافع دخلت في هذا المجموع بعقد إجارة جديد، ثم بيعت هذه المنافع مقابل أجرة تدفع على أقساط، وهكذا تكون العبرة بما تمثله هذه الصكوك عند لحظة تداولها.

 

صكوك المضاربة:

مصدر الصك قد يكون مضارباً، إذا استخدم حصيلة الصكوك في تمويل مشروع معين أو نشاط خاص، أو في جميع أوجه النشاط التي يراها محققة للمصلحة، ويربط مصدر الصك، في هذه الحالة، بالمكتتبين فيه عقد مضاربة مقيدة بمشروع معين أو نشاط خاص، أو عقد مضاربة مطلقة في جميع أوجه النشاط الاستثماري الذي يرى المضارب أنه يحقق المصلحة، حسب دراسة الجدوى التي تتضمن خلاصتها نشرة إصدار الصك، ويجب أن تتوافر في عقد المضاربة جميع الشروط الشرعية، كما أنه تترتب عليه جميع آثار عقد المضاربة الشرعية.

 

وأهم شروط عقد المضاربة التي يجب أن تتضمنها نشرة الإصدار هي ما يلي:

 

أولاً: التعريف بشخص المضارب:

1-    يجب التعريف بشخص المضارب، فرداً أو مؤسسة أو شركة أو حكومة أو هيئة تابعة لها، وتقديم بيانات كافية عنه، ذلك أن لشخص المضارب في عقد  المضاربة اعتباراً لدى حملة الصكوك، لأنه من عقود الأمانة، فقد يرضى رب المال بمضاربة شخص لما عرف عنه من السمعة والأمانة والخبرة الفنية، ولا يرضى بمضاربة شخص آخر، ويجب أن تتضمن نشرة الإصدار معلومات كافية عن المركز المالي للمضارب، وذلك بخلاف نشرة إصدار الصكوك القائمة على أساس عقد البيع والإجارة، لأن شخص البائع والمؤجر وإن كان محل اعتبار لدى المشتري والمستأجر إلا أن ذلك لا يرقى في الأهمية لدرجة اعتبار المضارب والوكيل والشريك والمودع لديه وغيرهم من الأمناء.

2-    وإذا كان مصدر الصك وكيلاً عن المضارب المستثمر لحصيلته، فإنه يجب التعريف بالمضارب الذي يقوم الوكيل نيابة عنه بإصدار الصكوك وتسليمه حصيلة بيعها لاستثمارها.

 

ثانياً: تحديد رأس مال المضاربة:

يجب أن تتضمن نشرة الإصدار تحديد رأس مال المضاربة المطلوب الاكتتاب فيه، وعدد الصكوك، والقيمة الاسمية لكل صك، وطريقة تخصيص الصكوك للمكتتبين، إذا زاد الاكتتاب عن رأس المال  المطلوب.

 

ثالثاً: بيان محل عقد المضاربة:

يجب أن تتضمن نشرة الإصدار بيان محل عقد المضاربة، أي نوع النشاط الذي يستثمر فيه رأس مال المضاربة الذي تمثله حصيلة بيع الصكوك، إذا كانت المضاربة مقيدة بمشروع معين أو نشاط خاص. ومثال المشروع المعين إقامة مصنع لانتاج الحديد والصلب أو الدواء، أو مشروع إسكان، أو محطة كهرباء، ومثال النشاط الخاص، الإتجار في القطن أو الأرز أو منتدجات البترول، أو الأنشطة الخدمية، كالسياحة والنقل.

وإنما كان تحديد المشروع المعين أو النشاط الخاص واجباً شرعاً، لأن المضارب ملتزم بشروط عقد المضاربة، وإلا كان ضامناً لرأس مال المضاربة، فوجب أن تحدد سلطات المضارب ومجال النشاط المأذون له فيه في نشرة الإصدار، إذ الأصل في العقود التي مبناها على الوكالة أن التصرف يجب أن يكون في حدود التفويض، باعتباره تصرفاً في حقوق الغير فيحتاج إلى الإذن.

ولا مانع شرعاً من أن تكون المضاربة مطلقة يعمل فيها المضارب برأيه في كافة المشاريع والأنشطة التجارية والصناعية والزراعية والتعدينية والاستخراجية والخدمية وغيرها إذا تضمنت نشرة الإصدار هذا التفويض.

وقد أصدر بيت التمويل الكويتي ثلاثة أنواع من الصكوك أسماها شهادات الودائع الاستثمارية، وهي تقوم على أساس عقد المضاربة المطلقة أو المقيدة، أو المخصصة لنشاط معين. وتختلف هذه الشهادات باختلاف نوع النشاط ومدة المضاربة، ولا يجوز لصاحب الشهادة سحب وديعته قبل مدتها، ويجوز التصرف في هذه الشهادات باثبات ذلك في سجل خاص يمسكه بيت التمويل الكويتي.

والإصدار القائم على المضاربة المقيدة في بيت التمويل الكويتي تخصص حصيلته للاستثمارات العقارية، وتوزع أرباح هذه الاستثمارات على حملة الشهادات سنوياً، بعد خصم مصروفات صيانة العقارات وأجرة الإدارة بنسبة 2.5% من الدخل السنوي، ويتم الاستثمار لمدة غير محددة، غير أن للمستثمر حامل الشهادة حق التصرف في الشهادة ببيعها للغير، بشرط إثبات ذلك في السجل الخاص بذلك لدى مصدر الشهادة.

وتقوم البنوك السودانية بإصدار شهادات الاستثمار القائمة على أساس المضاربة المطلقة كذلك، وتسمى شهادات ودائع الاستثمار، وهي مضاربة يأذن فيها حامل الشهادة لمصدرها باستثمار حصيلتها حسب ما يراه محققاً للمصلحة، وتوزع الأرباح بنسبة 70% لصاحب شهادة الوديعة الاستثمارية، ونسبة 30% للبنك مصدر الشهادة، وتمسك البنوك السودانية حساباً مستقلاً بإيراداته ومصروفاته وأرباحه لهذه الشهادات، منفصلاً عن بقية أنشطة البنك، حتى لا يتحمل مالكو هذه الشهادات مصروفات البنك الأخرى. ولا يجوز لمالكي هذه الشهادات التصرف فيها للغير إلا بموافقة البنك مصدر الورقة، كما لا يحق لهم المطالبة بقيمة الشهادة النقدية قبل أجلها.

رابعاً: توزيع الربح والخسارة:

من المعلوم في الشريعة الإسلامية أن الربح في المضاربة يوزع بين رب المال والمضارب حسب الاتفاق، وأنه لا يجوز أن يتضمن عقد المضاربة شرطاً يقطع الشركة في هذا الربح، وأن كلا من المضارب ورب المال يتحمل في الخسارة في حدود مخاطرته في المضاربة، ذلك أن رب المال يخاطر بماله والمضارب يخاطر بعمله وخبرته، فإذا لم يتحقق ربح أو حدثت خسارة، فإن كلا من رب المال والمضارب يتحمل من الخسارة في حدود حصته، وحيث إن حصة رب المال هي المال فيتحمل في حدود رأسماله دون أن يلتزم بدفع شئ للمضارب مقابل جهده وعمله، لأن الفرض أن المضارب يخاطر بهذا الجهد والعمل، ويتحمل المضارب من الغرم في حدود حصته التي قدمها، وهي عمله، دون أن يكون ملتزماً بأن يدفع لرب المال حصة من الخسارة، لأن مخاطرته كانت بعمله فقط، ولذا فإنه يجب أن تتضمن نشرة الإصدار التي تمثل الإيجاب وصك المضاربة تحديد نسبة توزيع الربح بين مالكي الصكوك والمضارب الذي يستثمر حصيلتها، أما خسارة رأس المال أو بعضه فيتحمله مالكو الصكوك، ويتحمل المضارب فوات عمله وضياع جهده الذي بذله طوال الفترة الاستثمارية.

 

خامساً: إعداد دراسة الجدوى:

يجب إعداد دراسة جدوى للمشروع المعين أو النشاط الخاص، في المضاربة المقيدة، وإعداد مركز مالي مع هذه الدراسة بالنسبة للمضارب إذا كان شركة تستثمر حصيلة صكوك المضاربة في توسيع نشاطها أو في الإحلال والتجديد بصفتها مضارباً مأذوناً له في خلط ماله بمال المضاربة، على أننا سنرى أن هذا التمويل يمكن أن يصاغ على أنه مشاركة لا مضاربة مأذوناً فيها بخلط مال المضارب بمال المضاربة.

ودراسة الجدوى تحدد نوع النشاط، ورأس المال المطلوب للقيام به، والدراسة السوقية، والأرباح المتوقعة، وغير ذلك من عناصر دراسة الجدوى التي يجب أن تتضمن نشرة الإصدار خلاصتها، ويمكن كذلك أن تدون هذه الخلاصة على ظهر الصك، على أن توضع الدراسة الكاملة تحت تصرف حملة الصكوك للاطلاع عليها قبل الاكتتاب وشراء الصكوك.

وهذه الدراسة يجب أن تعد على الأسس الفنية لدراسات الجدوى، وأن تعدها جهات متخصصة، ومصدر الصك مسئول أمام حاملي الصكوك عن صحة البيانات التي تضمنتها هذه الدراسة وعن نتائجها، والأرباح المتوقعة التي أظهرتها إلا إذا أثبت المضارب مصدر الصك أن تخلف هذه النتائج وعدم تحقق الأرباح المتوقعة كان بسبب لا يد له فيه ولا قدره له على توقعه أو تلافي آثاره، وأن هذا السبب وقع بعد تقديم الدراسة وإصدار الصكوك.

 

سادساً:ألا تتضمن نشرة الإصدار شروطاً تقضي بقطع الشركة في الربح، كأن يشترط للمضارب مصدر الصك أو حملة الصكوك مبلغاً مقطوعاً من الربح وهذا باتفاق الفقهاء.

وهناك رأي فقهي مستحدث يجيز للمضارب أن يأخذ مبلغاً محدداً، مقابل قيامه  ببعض الأعمال للمضاربة، بصفته أجيراً، ويستحق حصة شائعة في الربح على أساس بقية أعمال المضاربة بصفته مضارباً (رفيق المصري- معايير احتساب الأرباح- مؤتمر ص 13-14)

وهذا الرأي لا يسنده دليل شرعي معتبر، إذ أن مقتضى عقد المضاربة وحكمه الأساس هو قيام المضارب بجميع أعمال استثمار رأس المال في مقابل حصة من الأرباح يتم الاتفاق عليها، ويستطيع المضارب أن يعرض في نشرة الإصدار نسبة من الربح تغطي جميع مصروفاته وتحقق له العائد المطلوب.

وهناك خلاف بين الفقهاء حول التفرقة بين الأرباح الرأسمالية، وهي التي تسمى غلة عند المالكية، وهي الأرباح الناشئة عن زيادة قيمة الأصول وليس عن عمل المضارب، والأرباح الإيرادية، وهي تلك الناتجة عن عمل المضارب والنشاط الاستثماري الذي يقوم به. فبينما يتفق هؤلاء على أن الربح الإيرادي يدخل في الربح القابل للتوزيع بين المضارب ورب المال، حسب النسبة المتفق عليها، يرى بعضهم أن الربح الرأسمالي يستقل به رب المال، ويفرق بعضهم، كالشافعية فيقولون أنه حق لرب المال وحده إذا حدث بعد شراء المضارب للأصل، كالشجر إذا أثمر والحيوان إذا أنتج، لأن هذه الزيادة لم تنشأ عن عمل المضارب، أما إذا حدثت الزيادة بعد عقد المضاربة وقبل الشراء، كأن كان رأس المال شجراً مثمراً أو حيواناً حاملاً، فإن المضارب يشارك في هذه الزيادة، لأنها كانت مقصودة للمضارب عند توقيع عقد المضاربة.

والذي أراه عدم التفرقة بين الربح الرأسمالي والإيرادي في أن كلاً منهما يخضع للقسمة بين المضارب ورب المال حسب الاتفاق [ ابن حزم المحلى 7: 99، الكاساني بدائع الصنائع 6: 94، الشربيني مغني المحتاج 3: 413، الرملي نهاية المحتاج 5: 237 ]

 

سابعاً: أحكام عقد المضاربة:

جميع أحكام عقد المضاربة تترتب بين المضارب مستثمر حصيلة صكوك المضاربة، وبين حملة الصكوك، ويجب أن تتضمن نشرة الاصدار جميع شروط عقد المضاربة الشرعية، ويجب ألا تتضمن شرطاً ينافي مقتضى العقد، فإذا تركت نشرة الاصدار من أحكام المضاربة شيئاً فإن هذه الأحكام تطبق على هذه الصكوك تلقائياً، ويجب النص في نشرة الاصدار على أن هذه النشرة، تمثل شروط وأحكام عقد المضاربة الأساسية، وأنها تفسر ويحدد نطاق تطبيقها ومجال إعمالها ويكمل ما لم يرد فيها من شروط وأحكام في ضوء أحكام المضاربة الشرعية.

 

ثامناً: الحساب المستقل للمضاربة:

يجب على المضارب مستثمر حصيلة صكوك المضاربة بجميع أنواعها أن يمسك حساباً مستقلاً لإيرادات ومصروفات المضاربة التي تستثمر فيها حصيلة الصكوك، وهذا الحساب يجب أن يكون منفصلاً عن بقية حسابات عميليات المضارب إن كان له أنشطة استثمارية أخرى وذلك تنفيذاً لمبدأ الشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة للمضاربة، ودليل ذلك هو أن الربح يجب توزيعه بين حملة الصكوك والمضارب، ولا يتأتى معرفة الربح إلا إذا كانت هناك حسابات مستقلة تقيد فيها إيرادات ومصروفات المضاربة المباشرة، حتى يمكن التأكد من أن الموزع ربح حقيقي ناتج عن عمليات استثمارية في مجال المضاربة، فإن لم تكن هناك حسابات منتظمة مستقلة كان الموزع فائدة ربوية، وإن أطلق على العقد وعلى الصكوك أنها مضاربة شرعية.

 

تاسعاً: تداول صك المضاربة:

يخضع تداول صكوك المضاربة لشروط تداول الحصة الشائعة في مجموع مالي يتكون من الأعيان والمنافع والحقوق والديون والنقود، ما لم تكن المضاربة بصفقة واحدة، فإن التداول يخضع للتصرف في الحصة الشائعة من النقود قبل استثمار رأس المال وفي الأعيان بعد تحويل النقود إلى أعيان ثم في النقود أو الديون بعد بيع الأعيان وذلك حسب مراحل عملية المضاربة من وقت قبض المضارب لحصيلة بيع الصكوك، ثم شراء بضاعة المضاربة بها، ثم بيع هذه البضاعة بنقود أو ديون، وسوف نرى ذلك عند معالجة موضوع تداول الصكوك.

 

عاشراً: وجوب تمثيل صكوك المضاربة لحق ملكيته:

وصكوك المضاربة في جميع الأحوال يجب أن تمثل حق ملكية في موجودات المضاربة ولو في بعض مراحلها، كحالة تحويل رأس المال إلى أعيان ومنافع، حتى وإن مثل الصك في مرحلة سابقة أو لاحقة على ذلك ديوناً في ذمة الغير أو نقوداً فقط أو هما معاً، أو بعبارة أخرى لا بد أن يمثل صك المضاربة حقاً مالياً عينياً، أي يتعلق بالأعيان ومنافع الأعيان، ولو في مرحلة من مراحله، وعلى ذلك فإذا نصت نشرة الإصدار على أن الصك يمثل قيمته النقدية بحيث يستحق حامل الصك استرداد هذه القيمة في جميع الأحوال، كان ما يأخذه مالك الصك زيادة عن هذه القيمة النقدية فائدة ربوية، كالشأن في سندات المقارضة الأردنية، فحملة سندات المقارضة وفقاً للقانون الذي ينظمها يستحقون الغنم أي الربح، ولا يتعرضون للغرم، أي الخسارة، فهم يحصلون على المبالغ التي اكتتبوا بها في السندات في جميع الأحوال في مواعيد إطفائها، وقد تكفلت حكومة الأردن بضمان الوفاء بالقيمة الاسمية لهذه السندات بالكامل في الموعد المحدد في السند. وبذلك تكون مخالفة هذه السندات لأحكام الشريعة من نواح عدة، فهي لا تمثل حصة شائعة في مجموع مالي هو موجودات المشروع أو النشاط محل عقد المضاربة في أي حال، بل تمثل قيمتها النقدية الاسمية، وهي مضمونة على مصدرها في جميع الحالات، فهي إذن تدر زيادة على مبلغها، وهذه الزيادة تعد ربا، وإن سميت ربحاً، بل وإن جرى حساب الزيادة على أساس الأرباح الحقيقية للنشاط، ذلك أن الزيادة على رأس المال تعد ربا وإن دفعت من الربح المشروع الذي استثمر فيه رأس المال، طالما كان رأس المال مضموناً [ السالوس سندات المقارضة والاستثمار، ندوة المستحدثات الفقهية ص 6] . وقد نص قرار المجمع الفقهي الإسلامي رقم 5 د4/08/88 ، على أن "سندات المقارضة هي أداة استثمارية مسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصاً شائعة في رأسمال المضاربة، وما يتحول إليه، بنسبة ملكية كل منهم فيه"، ثم اشترط القرار في السندات المقبولة شرعاً " أن يمثل الصك ملكية شائعة في المشروع الذي أصدرت الصكوك لإنشائه، أو تمويله، وتستثمر هذه الملكية طيلة المشروع من بدايته إلى نهايته وترتب عليها جميع الحقوق والواجبات والتصرفات المقررة شرعاً للمالك في ملكه من بيع وهبة ورهن وإرث وغيرها، مع ملاحظة أن الصكوك تمثل رأسمال المضاربة".

كما نص هذا القرار في فقرته الرابعة على أنه "لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال، فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمناَ بطل شرط الضمان واستحق المضارب ربح مضاربة المثل" وحكومة الأردن ليست طرفاً ثالثاً يقدم الضمان لأن وزارة الأوقاف ليست لها شخصية وذمة مالية مستقلة عن الدولة.

 

حادي عشر: الشروط المنافية لعقد المضاربة:

لا يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار شروطاً تنافي مقتضى عقد المضاربة الشرعية، وذلك مثل الشروط التي تؤدي إلى احتمال قطع الشركة في الربح، فإن وقعت مثل هذه الشروط كانت المضاربة باطلة.

وقد نص قرار المجمع الفقهي الإسلامي المشار إليه على ذلك في فقرته السادسة.

 

ثاني عشر: ضمان المضارب:

ألا تتضمن نشرة الإصدار تقرير ضمان كرهن يقدمه المضارب مستثمر حصيلة صكوك المضاربة، لتمويل مشروع قائم أو إنشاء مشروع جديد، على أن يضمن هذا الرهن لحملة الصكوك الحصول على رأس مالهم في جميع الحالات.

أما إذا كان الرهن المقدم لضمان رأس مال المضاربة أو المشاركة في حالة تعدي المضارب أو الشريك أو خطئه في اتخاذ القرار الاستثماري أو مخالفته لشروط عقد المضاربة أو المشاركة التي تتضمنها نشرة الإصدار فإن شرط الرهن في هذه الحالة صحيحاً، ويقتصر الضمان فيه على تلك الحالات.

 

قابلية الصك للتداول

 

معنى التداول:

التداول يعني التصرف في الصك بالبيع والشراء وغيرهما من التصرفات الشرعية كالرهن والهبة والوصية، ولما كان الصك يمثل حصة شائعة في ملكية مال فإن التصرف فيه يعني التصرف في هذه الحصة، وليس في الصك نفسه؛ لأنه ليس حقاً مالياً في ذاته، بل هو دليل الحق وسنده، أو ذكر الحق الذي يقوم مقامه في القبض والحيازة كما يعبر عنه فقهاء المالكية.

 

قابلية الصك للتداول:

إذا كان الصك يمثل حصة شائعة في مال، فإن التصرف فيه يعني التصرف في هذه الحصة، والشريعة الإسلامية تجيز التصرف في الحصة الشائعة من مال معين أو في مجموع مالي بالبيع والرهن والهبة وغيرها طالما توافرت في هذا المال شروط محل التصرف المقصود، ولذا اتفق الفقهاء على بيع الحصة الشائعة، وأجازوا بيع أحد الشريكين حصته للآخر.

وعلى ذلك فإن الصكوك يجوز تداولها شرعاً بنفس شروط وقيود تداول المال الذي تمثل الصكوك حصة شائعة فيه، ويقوم قبض الصك وحيازته مقام قبض هذا المال، تخريجاً على رأي المالكية القائلين بأن قبض "ذكر الحق" وحيازته في الرهن يقوم مقام قبض العين المرهونة، ويتحقق به شرط القبض.

 

ولما كانت الصكوك تختلف باختلاف الأموال التي تمثل حصصاً شائعة فيها فسوف أعرض لشروط وأحكام تداول كل صك بحسب المال الذي يمثل الصك حصة شائعة فيه.

 

أولاً: الصكوك التي تمثل حصة شائعة في ملكية الأعيان ومنافع الأعيان:

قد يمثل الصك حصة شائعة في ملكية عين معينة بالذات موجودة عند عقد الإصدار، وقد يمثل حصة شائعة في ملكية عين موصوفة في الذمة، وقد يمثل حصة شائعة في منفعة عين معينة بالذات موجودة عند عقد الإصدار وقد يمثل حصة شائعة في منفعة عين موصوفة في الذمة.

والقاعدة الشرعية هي جواز تداول هذه الصكوك بنفس الشروط، ومع نفس القيود والضوابط التي قررتها الشريعة للتصرف في الأعيان ومنافع الأعيان. لذا فإنه يحسن أن نطبق هذه القاعدة على بعض هذه الصكوك.

 

1- تداول صكوك الأعيان المؤجرة:

يجوز تداول هذه الصكوك دون قيود من لحظة صدور الصك، لأنه يمثل حصة شائعة في أعيان مالية منذ لحظة صدوره، فمصدر السند بائع للعين والمكتتبون فيها مشترون لها، وتتضمن نشرة الإصدار الإيجاب الصادر من البائع بشروطه الشرعية، ويمثل الاكتتاب في الصكوك قبولاً لها، وتنتقل ملكية العين من البائع مصدر الصك إلى المكتتبين فيه بمجرد تمام عملية الاكتتاب، وتنتقل ملكية الثمن، وهو حصيلة الاكتتاب، من المكتتبين في الصكوك إلى مصدرها بتمام عقد الإصدار الذي يتكون من الإيجاب الذي تضمنته نشرة إصدار الصكوك والقبول الذي تمثل في قبول الاكتتاب في هذه الصكوك.

ويستوي في هذا الحكم أن يكون المصدر للصكوك هو مالك العين المؤجرة بنفسه او يقوم بإصدارها وكيل عنه، بنكاً أو مؤسسة مالية. لأن أحكام العقد تعود إلى الأصيل في جميع الحالات.

ولا خلاف في وجوب توافر جميع شروط التصرف في العين المؤجرة منذ تمام عقد الإصدار إلى وقت التداول من حيث كون هذه العين مالاً متقوماً، لم يتعلق بها حق لغير بائعها، ومعلومة للعاقدين، وموجودة في ملك البائع عند التعاقد، ومقدور على تسليمها حساً وشرعاً، ذلك أن التصرف إنما يكون في العين التي يمثلها الصك، لا الصك نفسه كما تقدم.

غير أن الصعوبة العملية تظهر في وسيلة التأكد من توافر هذه الشروط عند عقد الإصدار، أي عند إعلان نشرة الإصدار وتمام الاكتتاب، وهناك احتمالان لمواجهة هذه الصعوبة، هما:

أولهما: أن تتضمن نشرة الإصدار التي يصدرها مالك العين نصاً يؤكد على توافر هذه الشروط في العين المبيعة، وإقرار من مصدر الصك بتوافر هذه الشروط، غير أن هذا الإجراء وإن كان مقبولاً بالنسبة لشروط مالية العين ووجودها في ملك مصدر الصك وقدرته على تسليمها عند عقد الإصدار وعند التداول بحيث يبطل التصرف، أي عقد الإصدار والتداول عند عدم ذكر ذلك، إلا أن ذلك لا يكفي في شرط علم المشترين، وهم المكتتبون في الصكوك بحقيقة العين محل التصرف، عند الإصدار وعند التداول، لأن ذلك يتم بالرؤية أو بالوصف، ومع الوصف يوجد حق الخيار على تفصيل عند العلماء، فهل يعد هذا من باب البيع على الصفة ونعطي حملة الصكوك بعد الإصدار، والمشترون لها عند التداول حق الخيار؟ ويمارس هذا الحق وكيل نيابة عنهم.

وثانيهما: أن يقوم بذلك وكيل عن المكتتبين، فهو الذي يرى العين المعينة بالذات أو توصف له ويتحقق هو من هذا الوصف ويستخدم حق الخيار إذا لم توجد على الصفة، كما يؤكد الوكيل توافر بقية شروط العين المبيعة محل عقد الإصدار والتداول، ذلك أن تصرف الوكيل يعتبر تصرفاً للموكل سواء بسواء. ونحن نفضل ذلك الحل وخصوصاً أن الغالب أن يتولى إصدار صكوك الأعيان المؤجرة وكيل يقوم بتنظيم عملية الإصدار ويوقع عقد بيع العين محل عقد الإصدار وعقد إيجارها من بائعها أو من غيره، ويتولى تنفيذ هذه العقود ويقوم بصيانة العين والتأمين عليها أو تحصيل أجرتها وتوزيعها على حملة صكوك الأعيان المؤجرة.

 

2- تداول صكوك منافع الأعيان:

هذه الصكوك تصدر على أساس عقد الإجارة وعلى جواز بيع منافع الأعيان التي تملكها البائع بطريقة من طرق تملك منافع الأعيان، ومصدر الصك مؤجر للعين أو بائع للمنفعة، والمكتتبون في الصك مستأجرون للعين أو مشترون للمنفعة، وصك المنافع يمثل حصة شائعة في منفعة عين معينة بالذات وموجودة عند عقد الإصدار، وتمثل نشرة إصدار الصك بتأجير العين إيجاباً من مصدر الصك، ويمثل الاكتتاب في الصكوك قبولاً من جانب المكتتبين لاستئجارها. وحيث إن الشريعة تجيز لمالك المنفعة بعقد إجارة أن يملكها لغيره بإعادة تأجير العين لغير مؤجرها بأجرة مساوية أو أعلى أو أدنى من الأجرة التي دفعها في تلك المنفعة، فإن لحملة صكوك منافع الأعيان أن يعيدوا بيع المنافع بتأجير العين بأجرة أعلى من الأجرة التي دفعوها. وشراء منفعة العين يعني أن العين التي بيعت منفعتها بعقد إجارة ليست مؤجرة لأحد من قبل، وإلا كان العقد بيعاً لمنفعة لا يملكها البائع، وكان بيعاً لدين الأجرة في ذمة المستأجر الأول فتطبق عليه أحكام بيع الدين لغير المدين به، وهو قيد على إصدار صكوك منافع الأعيان وعلى تداولها، مما يعني وجوب شراء الصكوك في هذه الحالة بغير النقود مع قبض العوض عند عقد الإصدار.

وبالمثل إذا كانت الصكوك تمثل حصة شائعة في منفعة عند صدورها، ثم قام وكيل حملة الصكوك ببيع هذه المنفعة بإعادة تأجير العين التي تستوفى منها هذه المنفعة، فإن هذه الصكوك تمثل بعد ذلك حصة في الأجرة، ولا تمثل حصة في المنفعة، لأن هذه المنفعة قد بيعت مقابل أجرة، وأصبح حق حملة الصكوك منحصراً في هذه الأجرة، وهي دين في ذمة المستأجر من الباطن.

 

ويظهر مما تقدم أن صكوك منافع الأعيان تمر بمرحلتين: مرحلة يمثل فيها الصك منفعة، ومرحلة يمثل فيها ديناً في ذمة المستأجر، فهي تمثل حصة شائعة في منفعة عين عند إصدارها، ويجوز لحملة الصكوك بيع هذه المنفعة بإعادة تأجير العين التي تمثل الصكوك حصصاً شائعة في منافعها، فإذا ما فعلوا ذلك انتقل حقهم من المنفعة إلى الدين، وخصع تداول الصكوك لضوابط بيع الديون. أما إذا كان مصدر الصك قد أجر العين فعلاً قبل الإصدار فإنه لا يجوز له إصدار صكوك منافع الأعيان لبيع هذه المنافع للمكتتبين في الصكوك، لأن هذه المنافع قد خرجت من ملكه إلى ملك مستأجر آخر، فتصير هذه الصكوك ممثلة لدين الأجرة في ذمة المستأجر. وهذا بخلاف صكوك الأعيان المؤجرة، ذلك أن حملة الصكوك يملكون حصصاً شائعة في العين نفسها فيستحقون تبعاً لذلك منافع هذه العين والأجرة مقابل المنفعة، وتداول الصكوك يعني التصرف في حصص شائعة من العين المؤجرة لا من المنفعة ولا من دين الأجرة في ذمة المستأجر، فلا يكون هناك قيد شرعي على تداول هذه الصكوك.

 

طريقة التداول:

والأصل في تداول صكوك الأعيان المؤجرة ومنافع الأعيان، بالبيع والرهن وغيره بعد الإصدار أن يكون خاضعاً لقانون العرض والطلب، أي حسب اتفاق بائع الصك ومشتريه، ومحل عقد البيع هنا هو حصة شائعة من العين المؤجرة أو المنفعة وليس الصك كما أكدنا أكثر من مرة.

ويجوز شرعاً أن يصدر إيجاب من مصدر الصك أو من غيره موجه إلى الجممهور أو إلى فئة مخصوصة يعرض فيه شراء الصك بثمن معين، ويحدد لقبول إيجابه مدة يلتزم بالبقاء على الإيجاب خلالها، فإذا تلقى هذا الموجب من مالك الصك قبولاً ثم عقد البيع بالسعر المعروض، وقد استقر هذا الحكم وتم الاتفاق عليه بين فقهاء العصر في مؤتمراتهم وندواتهم ومجامعهم فلا حاجة للاستدلال عليه، ويجوز أن تتضمن نشرة إصدار صك الأعيان المؤجرة ومنفعة الأعيان وعداً من جانب المصدر بشراء ما يعرض من الصكوك للبيع بأسعار تبين النشرة طريقة تحديدها والجهة التي تقوم بالتحديد.

 

3- تداول صكوك منافع الأعيان الموصوفة بالذمة:

هذه الصكوك تصدر على أساس عقد الإجارة في الذمة وعلى جواز بيع المنفعة المملوكة بعقد إجارة. وإجارة الذمة تعني تأجير أعيان موصوفة في الذمة يلتزم المؤجر بتسليمها للمستأجر للانتفاع بها مدة معلومة، بأجرة محددة للانتفاع بها في المستقبل، ويقوم المؤجر بتملك هذه العين أو تملك منافعها بطريق من طرق التملك الشرعية، ويجوز للمؤجر في إجارة الذمة أن يصدر صكوك إجارة عين موصوفة في الذمة لتكون حصيلتها أجرة لهذه العين، ويكون مصدر صك إجارة العين الموصوفة في الذمة مؤجراً والمكتتبون في هذه الصكوك مستأجرين لها، إجارة موصوفة في الذمة، ويتم عقد الإجارة بين مصدر الورقة والمكتتبين فيها بطريق مباشر عند تمام عقد الإصدار. ويجوز لحملة الصكوك أو وكيلهم بصفتهم مستأجرين لعين موصوفة أو مشترين لمنفعة موصوفة في ذمة المؤجر أن يعيدوا تأجير هذه العين لمؤجرها أو لمستأجر آخر بأجرة أعلى من الجرة التي دفعت للمؤجر ولوقبل قبض العين التي تستوفى منها هذه المنفعة، وهو وجه عند الحنابلة وقول عند بعض الشافعية، وأما التأجير بعد قبض العين التي تستوزفى منها المنفعة فجائز عند جمهور الفقهاء.

 

جاء في المغني لابن قدامة 5:478 :

"ويجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي لأن قبض العين قام مقام قبض المنافع بدليل أنه يجوز له التصرف فيها فجاز العقد عليها، كبيع الثمر على الشجرة.

فأما إجارتها قبل قبضها فلا تجوز من غير المؤجر في أحد الوجهين، وهو قول أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي لأن المنافع مملوكة بعقد معاوضة فاعتبر في جواز العقد عليها القبض كالأعيان، والآخر يجوز، وهو قول بعض الشافعية لأن قبض العين لا ينتقل به الضمان إليه فلم يقف جواز التصرف عليه، فأما إجارتها قبل القبض من المؤجر، فإذا قلنا لا يجوز من غير المؤجر كان فيها هنا وجهان؛ أحدهما لا يجوز، لأنه عقد عليها فبل قبضها، والثاني يجوز، لأن القبض لا يتعذر عليه بخلاف الأجنبي، وأصلهما بيع الطعام قبل قبضه لا يصح من غير بائعه رواية واحدة، وهل يصح من بائعه، على روايتين، فأما إجارتها بعد قبضها من المؤجر فجائزة، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز، لأن ذلك يؤدي إلى تناقض الأحكام، لأن التسليم مستحق على الكراء، فإذا اكتراها صار مستحقاً له فيصير مستحقاً لما يستحق عليه، وهذا تناقض.

وأما على الرأي الذي يمنع تأجير العيتن المؤجرة في الذمة من مستأجرها قبل قبض العين فإن منفعة العين الموصوفة في الذمة دين في ذمة المؤجر، لأنها من باب السلم في المنافع، ولذا فإنه لا يجوز بيع هذه المنفعة قبل قبض العين التي تستوفى منها، فإذا سلمت العين جاز تأجيرها لغير مؤجرها أو لمؤجرها بقيود معينة، واستحق المؤجر الزيادة في الأجرة. وعلى ذلك فالصكوك الصادرة لدفع أجرة العين المؤجرة في الذمة تمثل بعد صدورها ديناً في ذمة المؤجر، حتى تقبض العين التي تستوفى منها المنفعة، ثم تصير ممثلة لمنفعة يجوز بيعها بتأجير العين، بأجرة أعلى من الأجرة الأولى، وبعد تأجير هذه العين تكون الصكوك ممثلة لدين في ذمة المستأجر، ويكون حكم تداول صك الإجارة في الذمة تبعاً لذلك.

وحيث إن محل هذه الصكوك يغلب عليها الدين على هذا الرأي فإن الأولى التخريج على مذهب المالكية في جواز التصرف في المسلم فيه قبل قبضه، إذا لم يكن طعاماً، ولا شك أن المنافع ليست كذلك، (راجع مذاهب الخليل الخطاب 4/516، ابن رشد بداية المجتهد 2/262-264).

 

ثانياً: صكوك السلم:

تصدر هذه الصكوك على أساس عقد السلم، وهو بيع عين موصوفة في ذمة البائع تسلم بعد أجل محدد، مقابل ثمن يدفعه المشتري سلماً عند التعاقد. ويجوز في هذا العقد أن يكون البائع واحداً والمشترون أكثر من واحد. ومصدر صك السلم هو البائع لبضاعة السلم والمكتتبون فيه هم المشترون لهذه البضاعة، وحصيلة هذه الصكوك هي ثمن السلم. ويتم عقد السلم بين البائع والمشتري بالتقاء الإيجاب الذي تمثله نشرة إصدار الصك والقبول الذي يمثله الاكتتاب فيها، وبذلك يتم عقد إصدار الصكوك.

وصك السلم يمثل حصة شائعة في حصيلة الإصدار، أي الثمن قبل دفعه للبائع، ثم يمثل حصة شائعة في بضاعة السلم، وهي دين في ذمة المسلم إليه، ثم تمثل حصة شائعة في هذه البضاعة بعد قبضها، ثم يمثل نقوداً أو ديوناً بعد بيع هذه البضاعة بنقد أو دين.

 

وتداول صك السلم يعني بيعه لغير مصدره بثمن معين حتى يحل المشتري للصك محل البائع في استيفاء بضاعة السلم، فهو بيع لدين السلم قبل قبضه من غير المدين به وقد منع ذلك جمهور الفقهاء وأجازه المالكية إذا لم يكن طعاماً، والذي أرجحه هو مذهب المالكية لما يحققه تداول هذه الصكوك من مصالح اقتصادية، فجواز التداول ييسر جمع المدخرات وتوجيهها للاستثمار مما يمهد لإقامة سوق أوراق مالية إسلامية.

 

أما التسييل، وهو حصول حامل الصك على قيمته نقداً من مصدر الصك أي البائع سلماً، فإنه لا يتصور إلا في حالة الإقالة، ويمكن أن تتضمن نشرة الإصدار استعداد الجهة المصدرة لصك السلم لإرجاع قيمته نقداً قبل موعده لمن يرغب في ذلك. أما تصفية صك السلم ،فتكون بعد قبض بضاعة السلم عند الأجل ثم بيعها وتوزيع حصيلة البيع على حملة صكوك السلم، كل حسب ما يملكه منها.

 

ثالثاً: صكوك الاستصناع:

تصدر صكوك الاستصناع على أساس عقد الاستصناع، وهو بيع عين مصنعة بمواصفات محددة يقوم الصانع بصناعتها بنفسه أو بواسطة صانع آخر في عقد استصناع مواز بمواصفات معينة بمواد من عند الصانع، في مقابل ثمن يدفعه المستصنع حالاً أو مؤجلاً إو على أقساط.

ومصدر صك الاستصناع هو المستصنع، أي المشتري للعين المصنعة، والمكتتبون في الصكوك هم الصانع، أي البائع للعين المصنعة، وحصيلة الصكوك تمثل تكلفة تصنيع العين أو ثمن الاستصناع الموازي الذي يعقده وكيل حملة صكوك الاستصناع مع مستصنع آخر، حتى يتمكن من تسليم العين المصنعة لمشتريها، ولا خلاف في جواز أن يكون المشتري للعين واحداً والبائعون لها عدد كثير.

وواضح أن صكوك الاستصناع تمثل حصة في حصيلة بيع الصكوك، وهي نقد قبل أن تصرف على تصنيع العين المبيعة أو تدفع ثمناً لاستصناع مواز، ثم تمثل الصكوك بعد ذلك حصة في ثمن العين المصنعة، وهو دين في ذمة المشتري، حتى يتم الوفاء به لوكيل حملة صكوك الاستصناع. لذا فإن تداول صكوك الاستصناع يخضع لشروط التصرف في النقود والديون في غالب حالاته، وإن كانت تمثل حصة شائعة في أعيان أثناء فترة التصنيع وبعد تمامه، حيث تشترى من حصيلة بيع الصكوك النقدية مواد التصنيع وهي أعيان ثم تصير هذه المواد عيناً مصنعة بعد الفراغ من الصنع فتكون الصكوك ممثلة لحصة شائعة في أعيان خلال فترة التصنيع وبعد تمامه وقبل تسليمه للمستصنع.

 

رابعاً: صكوك بيع المرابحة:

هذه الصكوك تصدر على أساس عقد بيع المرابحة للواعد بالشراء، وهو عقد بيع عين موعود بشرائها بعد تملك البائع وقبضه لها القبض الناقل للضمان، بما قامت به على البائع مع إضافة ربح موعود به، مبلغاً مقطوعاً أو نسبة معلومة من تكلفة العين.

ومصدر الصك هو المشتري مرابحة أو وكيله، والمكتتبون فيه هم البائعون مرابحة، وحصيلة الصكوك تمثل تكلفة تملك وقبض العين الموعود بشرائها، ويقوم وكيل حملة الصكوك بشراء هذه العين وقبضها وتوقيع عقد الشراء وعقد البيع مرابحة وتسليم البضاعة للمشتري مرابحة وقبض الثمن وتوزيعه على حملة الصكوك، وما يلزم لذلك من مطالبات.

فالعلاقة بين مصدر صك بيع المرابحة وبين حملة الصكوك هي علاقة مشتر واحد هو مصدر الصك أو وكيله وبائعين كثيرين، هم المكتتبون فيه، ويمثل المكتتبين البائعين لبضاعة المرابحة وسيط مالي أو وكيل عنهم لتنفيذ صفقة البيع مرابحة.

وصك بيع المرابحة يمثل حصة شائعة في حصيلة بيعه من النقود أثناء فترة الاكتتاب وحتى صرفه في ثمن شراء العين الموعود بشرائها ودفع تكاليف حيازتها وقبضها، ثم يمثل ديناً في ذمة المشتري مرابحة بعد توقيع عقد البيع مرابحة وتسليم هذه الباضاعة للمشتري وحتى تاريخ سداد الثمن.

وعلى ذلك فإن تداول صكوك البيع مرابحة تخضع لقواعد وشروط التصرف في النقود أثناء فترة الاكتتاب وبعدها حتى يتم شراء العين وقبضها وتسليمها للمشتري مرابحة، حيث يمثل الصك في هذه المرحلة حصة في بضاعة المرابحة، ثم يخضع لضوابط التصرف في الديون لغير من عليه الدين بعد بيع البضاعة وتسليمها للمشتري وحتى سداد المشتري لثمن بضاعة المرابحة.

ولذا كان الوضع الطبيعي لهذه الصكوك أن تصفى بعد تحصيل ثمن البيع مرابحة، وتوزيع هذه الحصيلة على حملة الصكوك، وإن كان توزيع الأقساط قبل ذلك ممكناً تحت حساب عملية بيع المرابحة.

وهذا الحكم يختص بصفقة بيع مرابحة واحدة تصدر لها صكوك خاصة بها، أما إذا كانت الصكوك قد صدرت لتمويل نشاط خاص يتمثل في عقد صفقات متتابعة لعقود بيع بالمرابحة، بحيث يتولاها وكيل حملة صكوك بيع المرابحة الراغبين في استثمار حصيلتها في مجال بيوع المرابحة، فإن تداول الصكوك التي تصدر لذلك يخضع لضوابط تداول الحصة الشائعة في مجموع مالي يتكون من الأعيان والمنافع والديون والنقود. ذلك أن وكيل الاستثمار يتلقى حصيلة الصكوك وهي من النقود ثم يقوم بشراء بضاعة المرابحة ويدفع لبائعها الثمن، ثم يدفع مصاريف الشحن والتأمين حتى تصل البضاعة إلى مخازنه، والبضاعة أعيان يملكها حملة الصكوك بعد قبضها من المورد، ثم يوقع الوكيل عقد البيع مرابحة ويسلم هذه الباضعة إلى المشتري مرابحة الذي يتخلف في ذمته دين لحملة الصكوك هو ثمن البضاعة، ثم يبدأ المشتري في دفع الأقساط، فيقوم الوكيل بتملك بضاعة أخرى لبيعها لمشتر آخر، ثم بيعها للواعد بشرائها، وهكذا تتتابع موجات من صفقات المرابحة يتوفر لدى وكيل حملة صكوك المرابحة أثناءها نقودً وديون وأعيان، ويكون وضع صكوك بيع المرابحة في النشاط المتتابع كوضع النشاط التجاري العادي في المنشآت التجارية التي لا يكون نشاطها الأساسي التعامل في الديون قصداً بل تأتي الديون تبعاً، ويكون لديها أعيان أخرى لازمة لإدارة النشاط كالمباني والسيارات وغيرها.

ويقال مثل ذلك في صكوك الاستصناع والسلم والإجارة بأنواعها المختلفة، فهناك فرق بين الصكوك التي تصدر لتمويل صفقة سلم أو استصناع أو إجارة واحدة وبين الصكوك التي تصدر لتمويل صفقات متتابعة في نشاط متكامل بصفة مستمرة فإن الصكوك التي تصدر لذلك لا تدخل تحت صكوك السلم أو الاستصناع أو بيع المرابحة، وإنما تدخل تحت الصكوك التي تستخدم حصيلتها لتمويل نشاط خاص، في مجال معين، هو مجال بيع المرابحة أو الاستصناع أو السلم أو شراء الأصول وإعادة تأجيرها. ففي مثل هذه الأنشطة تكون هناك سلسلة من العمليات، وتتوافر في جميع الحالات لدى المشروع نقودا وأعيان ومنافع وديون، ويكون تداول الصكوك الصادرة لتمويل هذا النشاط خاضعة لضوابط التصرف في مجموع مال يتكون منها، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا النشاط نشاط تجاري لا يقصد به التعامل في الديون. ومثل هذا النشاط لا شك يختلف عن الأنشطة التي تقوم بها مؤسسات متخصصة في التعامل في الديون أو صرف العملات وتتكون أرباحها من نتائج هذا النشاط وذلك يختلف عن نشاط تجاري متخصص في تملك الأعيان ومنافع الأعيان لإعادة تأجيرها، أو في عقود البيع والشراء مرابحة، أو في عقود التصنيع كالمصانع، أو في عقود السلم كالمشروعات الانتاجية التي تمول عملياتها بطريق بيع السلم، وسوف نعود لذلك بمزيد من البحث.

 

خامساً: صكوك المضاربة:

تقوم هذه الصكوك على أساس عقد المضاربة، وهو عقد بين من يقدم أموالاً ويسمى رب المال، لمن يقوم باستثمارها، ويسمى المضارب، لحساب مالكها وعلى مسؤوليته، بحيث يكون غرم هذا الاستثمار على المالك وغنمه له إلا ما شرطه منه للمستثمر.

ومصدر الصك هو المضارب الذي يستثمر حصيلته، والمكتتبون فيه هم أرباب المال، وحصيلة بيع الصكوك هي رأس مال المضاربة، والعلاقة التي تربط مصدر الصك بالمكتتبين فيه هي عقد المضاربة الشرعية، وتحدد نشرة إصدار الصك شروط وأحكام هذا العقد والحقوق والالتزامات المترتبة عليه، ويعد الاكتتاب في صكوك المضاربة قبولاً لعقد المضاربة بهذه الشروط والأحكام، وقد مر شئ من ذلك، ولا خلاف بين الفقهاء قديماً وحديثاً في جواز تعدد رب المال لمضارب واحد والعكس صحيح .

وصكوك المضاربة تمثل حصة شائعة في رأسمالها في فترة الاكتتاب وقبل بدء النشاط الاستثماري، ثم تمثل حصة شائعة في موجوداتها من الأعيان والمنافع والحقوق والديون والمنافع بعد بدء النشاط، وقد تكثر بعض هذه العناصر وقد تقل بالنسبة للبعض الآخر، في مراحل الاستثمار المختلفة. والمضاربة قد تكون في مشروع معين أو نشاط خاص، وقد تكون في مجموع الأنشطة والمشاريع والعمليات التي يراها المضارب نافعة ومحققة للربح، حسب نشرة إصدار صكوك المضاربة، وخلاصة دراسة الجدوى التي تتضمنها هذه النشرة، والتي على أساسها تم إصدار الصكوك، وبذلك تمثل صكوك المضاربة حصة شائعة في موجودات المشروع المعين أو النشاط الخاص، أو في مجموع الأنشطة والمشاريع التي تستخدم حصيلة الصكوك في تمويله حسب الأحوال.

وقد تعرض الباحثون لحكم تداول صكوك المضاربة خصوصاً، والصكوك التي تمثل حصة شائعة في مجموع مالي يتكون من الأعيان والمنافع والحقوق والديون والنقود عموماً. وقد عرض هذا الموضوع على عدد غير قليل من المؤتمرات والندوات وحلقات البحث ومجموعات العمل، كما تم تناوله في المجامع الفقهية وكتبت فيه بحوث قيمة.

وتتلخص آراء الباحثين في التصرف في الحصة الشائعة في المجموع المالي على النحو التالي:

يرى بعض الباحثين، وبرأيهم أخذ مجمع الفقه الإسلامي أنه يجوز تداول صكوك المضاربة، بالسعر المتراضى عليه إذا صار رأس المال موجودات مختلفة من الأعيان والمنافع والديون والنقود إذا كانت الأعيان والمنافع هي الغالب، أما إذا كانت حصيلة صكوك المضاربة مازالت نقوداً بعد الاكتتاب وقبل بدء النشاط فإن تداول الصكوك يخضع لضوابط التصرف في النقود، وإذا تحولت ديوناً فإن تداولها يخضع لضوابط التصرف في الديون لغير المدين بالدين. هذا وقد وعد مجمع الفقه الإسلامي بوضع لائحة تبين حكم تداول صكوك المضاربة بعد بدء النشاط وقبل التصفية إذا كانت الديون أو النقود أو هما معاً هي الغالب. (راجع القرار رقم 5 د 4/08/88 العدد الرابع الجزء الثالث).

دليل هذا الرأي:

وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة كثيرة تتمثل في قواعد شرعية قاسوا عليها حالة تداول الصكوك التي تمثل موجودات يغلب فيها الأعيان والمنافع على الديون والحقوق وذلك من باب قياس القواعد حيث إن هذه نازلة جديدة لم يكن للفقهاء بها عهد.

وأصحاب هذا الرأي اختلفوا في النقاط التالية:

1- تحديد المقصود بعبارة (الغالب) فرأى بعضهم أنه ما زاد عن النصف، ورأى البعض وجوب ألا يقل عن الثلثين، واستشهد كل منهم باطلاق عبارات الفقهاء في مواضع من كتب الفقه، ولذا فإن هذه المسألة لازالت محل اجتهاد على القول بأن الحكم في حالة اختلاط الأعيان والمنافع والديون والنقود في موجودات المضاربة وبعد بدء الاستثمار، هو جواز تداول الصك الذي يتفق عليه البائع والمشتري إذا كانت الأعيان والمنافع هي الغالب.

2- عدم بيان الحكم فيما إذا كانت الديون والنقود تشكل غالب موجودات المضاربة، فهل يخضع تداول الصكوك في هذه الحالة لأحكام الصرف أو لأحكام التعامل في الديون، أو هما معاً، وهو أمر يكاد يكون متعذراً، وهل يطبق في هذه الحالة أحكام الصرف إذا كانت النقود هي الغالبة على الديون، وأحكام الديون إذا كانت الديون هي الغالبة على النقود، أم تطبق أحكامهما معاً، أو يمتنع التداول؟ وقرار مجمع الفقه الإسلامي فصل في حالة ما إذا كان رأسمال المضاربة لازال نقوداً في فترة الاكتتاب وقبل بدء الاستثمار، فقرر أن تداول صكوك المضاربة يخضع لأحكام الصرف، كما فصل في حالة ما إذا صارت موجودات المضاربة ديوناً فقط فقرر أن تداول الصكوك يخضع لضوابط التصرف في الديون، ولم يفصل في حالة ما إذا صارت غالب الموجودات أثناء النشاط ديوناً ونقوداً مع الأعيان والمنافع في لحظة من لحظات حياة المشروع، أي ليس قبل بدء النشاط ولا بعد تصفية وإغلاق المشروع. وقد وعد المجمع الفقهي بإصدار لائحة بيان أحكام التداول الشرعية لصكوك المضاربة.

وبالقطع فإن مفهوم القرار أنه لا تطبق أحكام الديون فقط ولا أحكام النقود فقط علىا هذه الحالة، بل هناك أحكام أخرى سوف تبينها لائحة خاصة.

وروح القرار تقضي باعتبار الغالب في هذه الحالة في العلاقة بين الديون والنقود، وذلك بعد الحكم بأن الديون أو النقود أو هما معاً هو الغالب على الأعيان والمنافع، فيقال بتطبيق نفس القاعدة كما تقدم.

 

الرأي الثاني:

يرى أصحاب هذا الرأي وأنا منهم أن صكوك المضاربة تقبل التداول بالسعر الذي يتراضى عليه البائع والمشتري، عندما يبدأ النشاط الاستثماري ويتحول رأس مال المضاربة من النقود إلى موجودات تتكون من الأعيان والمنافعوالحقوق والديون والنقود، وإن كانت الديون والنقود هي الغالب. ولا يخضع التداول في هذه الحالة لأحكام الصرف وبيع الديون.

وأصحاب هذا الرأي يستندون إلى الأدلة التالية:

1- بعد بدء نشاط المضاربة وتحول رأس المال النقدي إلى أعيان ومنافع وديون ونقود، تصير تداول الصك بيعاً لحصة في مجموع مالي وليس في أي عنصر مستقل من عناصر هذا المجموع، وهذا المجموع لا يوصف بأنه دين أو نقد أو عين أو منفعة، وذلك بسبب الخلط الذي يجعل العناصر المخلوطة عنصراً واحداً، فالحكم إذن على المجموع لا على كل فرد من أفراده، غلب أو لم يغلب.

2- إن أحكام التصرف في النقود والديون شرعت للتصرف في النقود وحدها أو الديون وحدها، وليس باعتبار الدين أو النقد عنصراً في مجموع مالي منهما أو مع غيرهما من الأعيان والمنافع، فإعطاء الخليط المكون منهما وحدهما أو مع غيرهما من الأعيان والمنافع حكم عقد الصرف أو بيع الديون مخالف لهذه الأحكام ولا يستند إلى اجتهاد فقهي معتبر.

3- إن للمضاربة شخصية معنوية وذمة مالية مستقلة عن ذمة المضارب ورب المال وهي تملك وتثبت فيها الحقوق وتلتزم بالواجبات، وللمضارب ورب المال أن يشتريا من المضاربة وأن يبيعا لها، ومشتري الصك يشتري حصة من شركة المضاربة، لأن مفردات الأموال أو الموجودات التي تملكها المضاربة، لأن هذه مملوكة للمضاربة، ولا يقع عليها البيع أو الشراء وإنما يقع البيع والشراء على حصة شائعة في المضاربة، أي الشخصية المستقلة، ولذا قلنا إنه لا يلزم موافقة المضارب على بيع حامل صك المضاربة لغيره، لأنه لا يبيع مالاً من أموال المضاربة، إنما يبيع حصة في المشروع الذي يتميتع بالشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة.

فإذا تم الاكتتاب في الصكوك التي تمثل رأسمال المضاربة وسلمت حصيلتها للمضارب وبدأ نشاطه الاستثماري بتحويل النقود إلى أعيان ومنافع، ثم النقود والديون التي تترتب بالقطع على بيع الأعيان أي السلع والبضائع وبيع المنافع، ثم استخدام هذه النقود في شراء بضاعة أخرى، وشراء أعيان أو منافع أعيان أخرى وهكذا، والمضاربة، أي الوعاء الاستثماري ذو الشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة، هي التي تملك السلع والبضائع ومنافع الأعيان، وما يتخلف عنهما، أثناء دورات رأس المال ولاتجار به، من نقود لا تلبث أن تخرج لشراء بضائع وسلع، وديون لا تلبث أن تستوفى ثم يعاد استثمارها بشراء السلع والمنافع.

وحامل الصك أحد أرباب المال وصكه يمثل حصة في المضاربة لافي هذذه العناصر التي تملكها المضاربة، ولذلك فإنه إذا باع الصك لا يبيع عيناً ولا ديناً ولا منفعة ولا نقداً ولا يسلم شيئاً من هذا للمشتري، وهو لا يبيع نسبة من كل عنصر من عناصر الموجودات بنسبة صكه إلى نسبة الموجودات، بحيث تطبق عليه أحكام الشيوع، لأنه لا يملك في هذه الحالة هو ولا مشتري الصك أن يمارس حق المشتري لمال على الشيوع من طلب القسمة بنوعها، وطلب البيع عند تعذر الانتفاع (د. سامي حمود مجلة الاقتصاد الإسلامي مجمع الفقه الإسلامي عدد 4 ج3 ص 2060).

4- وقد استدل بعض القائلين بهذا الرأي بمسألة بيع صاع تمر ودرهم بدرهم أو لصاعين من التمر عند الحنفية، وذلك لما للخلطة والمصاحبة من أثر في الحكم، مع أن الخلطة هنا ليست في مشروع واحد، مملوك لذمة مالية مستقلة واحدة تنصهر فيها الأعيان والمنافع والديون والنقود فتصير شيئاً واحداً، وليس في هذه المسألة غالب ومغلوب ولا تابع ومتبوع. (الشيخ تقي عثماني العدد الرابع الجزء الثالث ص 2052 مجلة مجمع الفقه الإسلامي ).

5- كما استدل بعضهم الآخر بجواز تخارج أحد الورثة من التركة التي تشمل مع الأعيان والمنافع ديوناً ونقوداً، ولم يفرق الفقهاء بين حالة ما إذا كانت الأعيان والمنافع غالبة أم مغلوبة، مع أن التركة ليست شخصية معنوية لها ذمة مالية كالمضاربة، بل إن المضاربة أقوى في خلط المال واعتباره مالاً واحداً يقصد به الاستثمار في مشروع معين أو نشاط خاص(د. سامي حمود المرجع السابق ص 2060).

6- اعتبرت الشريعة الإسلامية أموال المدين، أي جميع عناصر ذمة المالية، من أعيان ومنافع وديون ونقود مرهونة، رهناً شرعياً في حالة الموت، ورهناً قضائياً في حالة العكس وذلك دون التقيد يشروط وأحكام رهن الديون والنقود، وذلك على أساس أن الفترة في الحكم على المكون من عناصر عدة تكون على الخليط نفسه دون نظر إلى كل عنصر من العناصر على انفراد. والرهن الشرعي والقضائي مثل الرهن الاتفاقي في جميع أحكامه وآثاره، وهو نوع من التصرف في حق عيني كحق الملكية. فإذا جاز التصرف في المجموع دون التقيد بشروط كل فرد من افراده، دل على أن الشارع يعطى المجموع حكماً يختلف عن حكم كل فرد من أفراده، والأصل في موجودات المضاربة باعتبارها مجموعاً مالياً مكوناً من عناصر مختلفة هو جواز التصرف والتداول ما لم يرد دليل يقضي بالمنع في هذه الحالة بعينها أي في حالة المجموع المالي الذي يشمل مع الأعيان والمنافع ديوناً ونقوداً وهذا الدليل غير قائم، بل إن ذلك هو محل الاجتهاد.

ومن هنا فإنه يجوز تداول الصكوك الاستثمارية التي تمثل حصصاً شائعة في مجموع مالي شريطة أن يكون هذا المجموع قد دخل مرحلة الاستثمار، ولم يكن مجال هذا الاستثمار هو صرف العملات ولا التعامل في الديون مثل مؤسسات التسليف والقرض والاقراض ومؤسسات الصرافة.

7- يرى جمهور الفقهاء أن رهن الديون رهناً اتفاقياً لا يجوز ابتداءاً، سواء كان المرتهن هو المدين نفسه أو كان شخصاً آخر غير المدين، ثم حكموا بثبوت هذا الرهن ورتبوا عليه جميع أحكامه، إذا لم يكن مقصوداً بل وقع تبعاً واقتضته طبيعة المعاملات. ولذلك قالوا: إذا أتلف شخص أعيان الرهن، ضمن قيمتها، وكانت هذه القيمة وهي دين في ذمة المتلف، رهناً مكان الأعيان، وهذا رهن للدين عند غير المدين. بل قالوا إذا أتلف المرتهن الرهن ضمن قيمته في ذمته وكانت هذه القيمة رهناً مكان المال المتلف، وهو رهن للدين عند المدين به ويتقدم الدائن المرتهن غيرع في الاستيفاء من هذا الدين عند قبضه، ويمنع على المدين بالدين المرهون أن يوفى بالدين لغير المرتهن للدين وإلا كان ضامناً، وليس للدائن أن يبرئ المدين من الدين المرهون حتى لا يبطل حق المرتهن لهذا الدين.

8- إن بائع الصك الذي يمثل حصة شائعة في موجودات المضاربة التي تشمل نقوداً غالبة، لا يمكن القول بانه أبرم عقد صرف، لأنه لا يتمكن من تسليم النقود في مجلس الصرف لمشتريها، بل إن مشتري الصك يحل محله في حقوقه في المضاربة، وليس كذلك عقد الصرف، ولا يتأتى القول شرعاً بأنه يمتنع عليه التصرف مطلقاً في ملكه، إذ أن ذلك المنع لا دليل عليه، وإذا قبل بأن التداول يعني أن حامل الصك يعقد صرفاً ينقل بمقتضاه حصة من النقود والأعيان والمنافع، كان هذا القول غير مستقيم لأنه فوق عدم قدرته على تسليم العوض عند الصرف، إلا أن هذا العوض يشمل مع النقود أعياناً ومنافع وهذه ليست محلاً لعقد الصرف. وعلى فرض جواز القول بالالتزام في تداول الصك في هذه الحالة بأحكام عقد الصرف، فكيف يكون التماثل وبين الموجودات أعيان ومنافع لم تعرف قيمتها، وقد تكون هذه القيمة أعلى من قيمة السهم أضعافاً ؟

9- وبالمثل يقال في الديون إذا كانت غالبة وحكمياً بوجوب التزام بائع الصك الذي يمثل ديوناً غالبة على أعيان ومنافع ونقود مغلوبة. فإذا بيع الصك فإن هذا السخص يملك الدين ويطالب به المدين، فمن هو المدين او المدينون، وهل يملك فعلاً مشتري صكاً في مضاربة أو مشاركة أو سهماً في شركة أن يطالب عشرات بل آلاف المدينين للمضاربة أو المشاركة أو الشركة بهذه الديون كل في حدود حصته، ثم إن الدين يباع بغير جنسه مع قبض العوض من المشتري، ولا يباع بنقد لأنه صرف مع تأخير أحد العوضين.

والواقع أن القول بأن تداول الصكوك التي تمثل حصصاً في موجودات تشمل نقوداً أو ديوناً غالبة على الأعيان والمنافع يشترط فيها ما يشترط في التصرف في الديون والنقود قول غير مستقيم عقلاً، وغير ممكن عملاً، ولا دليل عليه من جهة الشرع.

ذلك أنه ليس هناك تصرف بالمعنى الشرعي، لأن البائع للصك لا يبيع حصة من كل عنصر من عناصر الذمة المالية للمضاربة أو المشاركة، حتى يقال إنه يبيع ديناً أو نقداً، ذلك أن تصرفه لا يعني غلتزامه بتسليم المشتري الحصة الشائعة من هذه العناصر، لأنه لا يقصد ذلك من جهة، ولا يملكه من جهة أخرى، ولا يقدر عليه من جهة ثالثة، وهو نقيض المقصود من نظام المضاربات والمشاركات والأوراق المالية الصادرة بناء عليها، لأن المقصود من إصدار هذه الصكوك وتداولها هو جمع مدخرات للمشاركة في تمويل مشروع معين أو نشاط خاص، بحيث يملك حامل الصك حصة في صافي أصوله عند التصفية، ويحصل على أرباح أثناء حياة المشروع، ويتحمل مخاطره، ويستطيع عند الحاجة إلى النقود أن يحصل عليها من شخص يحل محله أو من مصدر الصك المستثمر لحصيلته في المشروع، ولذا كان الحديث عن قيود على التداول عند علبة النقود أو الديون يعدل القول بامتناع التداول وبالتالي لا يحتاج الناس لى صيغة المشروع الواحد، ذي الذمة الواحدة والشخصية المعنوية المستقلة.

 

والذي أراه هو أن الصكوك التي تمثل مجموعاً من الأعيان والمنافع والحقوق والديون والنقود يجوز تداولها، قلت الديون أو النقود أو هما معاً، أو كثرت طالما أن في الموجودات التي تمثل هذه الصكوك حصصاً شائعة فيها أعيان ومنافع. وذلك للأسباب السابقة التي أجملها فيما يلي:

 

1- أن التداول يكون للصك، وهو حصة في أصول المضاربة، وليس في مفردات هذه الأصول، لأن الأصول مملوكة للمضاربة أو المشاركة وليس لحملة الأسهم، بدليل أن حامل الصك لا يملك التصرف في أعيان المضاربة ولا المشاركة ولا ي حصته، لا بالبيع ولا بالرهن ولا بالانتفاع، ولا بغيرهما. بل أن يشتري من المضاربة بثمن يدفعه، شأنه في ذلك شأن الأجنبي عن المضاربة.

2- أن المضاربة المالكة لهذه الأصول التي تشمل ديوناً ونقوداً مع الأعيان والمنافع والحقوق إذا تصرفت في الأعيان أو المنافع أو الديون أو النقود، مفردة، وجب عليها اتباع أحكام التصرف فيما تتصرف فيه، فإذا أرادت الشركة أن تبيع عقاراً أو سيارة أو كمية من البضائع وجب اتباع أحكام التصرف في الأعيان، وإذا أجرت عقاراً مملوكاً لها وجب اتباع أحكام عقد الإجارة، وإذا باعت ديناً للمدين أو لغيره وجب اتباع أحكام بيع الديون، وإذا أبرمت عقد صرف وجب عليها اتباع أحكام الشريعة في عقد الصرف.

أما حامل الصك فإنه لا يتصرف في مفردات أصول المشروع الذي يمثل صكه حصة شائعة فيه، وإنما يتصرف في حصته الشائعة في المشروع، لا في حصة شائعة من أصل من أصولها بانفراده.

3- وعلى فرض أن التداول للصك يعني التصرف في مفردات المشروع، فإن حامل الصك لم يتصرف في كل أصل على حدة، بصفة منفردة، ولكنه يتصرف في حصة أو نسبة معلومة شائعة من جميع عناصر أصول المشروع، فهو يبيع ربع المشروع ـو عشرة مثلاً إذا كانت صكوكه المبيعة تمثل النصف أو الربع، وهذه الحصة أو النسبة تمثل نسبة في كل عين ومنفعة ودين ونقد، ومن المقرر، بناء على التخريج على التخارج من التركة، وهو بيع أحد الورثة حصته فيها بثمن معلوم يأخذه من الورثة أو من التركة، أن للمجموع حكماً يخالف حكم كل فرد من أفراده، فالديون والنقود إذا اجتمعت مع الأعيان والمنافع والحقوق المالية الأخرى، أخذ الجميع حكم الأعيان، ذلك أن الأصل هو حل العقود والتصرفات والحرمة تعرض لهذا الأصل، والقائلونباشتراط غلبة الأعيان والمنافع على الديون والنقود في جواز التصرف في الصكوك التي تمثل حصة شائعة في مجموع منها بسعر السوق، ومنعوه في غير ذلك لم يقدموا دليلاً واحداً على المنع غير القول بالأدلة الواردة في الديون والنقود، غير أن مناط هذه الأولة هو النقود وحدها، بصفة منفردة لا باعتبارها عنصراً من خليط لا تنفصل أجزاؤه ولا يتأتى التصرف في كل عنصر منها على حدة.

4- أن المقصود بالمضاربة أو المشاركة هو الاستثمار عن طريق جمع المدخرات من عدد كبير من المدخرين عن طريق أصدار صكوك استثمار وليس التعامل في نشاط إقراض النقود وتحصيل الديون فهذا النشاط تقوم به مؤسسات متخصصة، ولا صرف النقود وتبادل العملات، فلهذا النشاط شركات صرافة متخصصة، ولكن النشاط الأصلي المقصود في المضاربات والشركات وما تقوم به من مشروعات وأنشطة قد يلزم منه ويترتب عليه بالتبع لا بالآصالة تخلف ديون عند الغير أو توافر سيولة يقتضيها عمله. فالتعامل في الديون أو النقود ليس مقصوداً أصلياً في تبادل الصكوك ولكنه أمر اقتضته ضرورة العمل وممارسة النشاط الصناعي أو التجاري الذي تقوم به المضاربة أو المشاركة، والاستثمار المباشر قد تتخلف عنه نقود وديون، غير أن النقود التي توجد اليوم قد تصرف غداً ولا رغبة للمضاربة أو المشاركة في الاحتفاظ بها لابرام عقد صرف ديون اليوم قد تحصل غداً وليس من أغراض المضاربة التعامل في الديون وتحقيق ربح من هذا التعامل، بل البنوك الربوية ومؤسسات التسليف هي التي تهدف إلى ذلك، لأن وظيفتها الأساسية هي الإقتراض من المودعين وإقراض الودائع مع حقوق المساهمين بفائدة، أما المضاربات والمشاركات الشرعية فإنها تستثمر استثماراً مباشراً يتخلف عنه ديون بالضرورة أحياناً ونقوداً أحياناً أخرى.

5- أن المعاملة التي لا تجوز ابتد\اءاً وبالقصد قد تجوز في حالة الاستمرار دواماً بل دون قصد التابع مطلقاً، وقد تقدم التمثيل لذلك برهن الدين، فالدين عند الجمهور لا يجوز رهنه عند المدين ولا عند غيره، ابتداء، ولكن قد يحدث في رهن الأعيان أثناء نفاذ الرهن أن يتلف الراهن أو شخص آخر أصل العين المرهونة فيضمنها وتكون قيمتها، وهي دين في ذمة المتلف، رهن للدائن المرتهن، بمعنى أن يكون حق التقدم في استيفاء دينه منه على بقية الدائنين، ولا يجوز لمالك العين التالفة إبراء المتلف منه، لأن للدائن المرتهن حقاً فيه.

    وهنا لا يجوز التصرف في الديون  ولا النقود ابتداء إلا بشروط وبقيود تقتضيها طبيعة عمل المضارب وقد يتأخر المدين عن دفع الدين وقد يتأخر إعادة استثمار النقود غير أن هذا جاء بالتبع لا بالآصالة، في حالة الاستمرار دون حالة الابتداء.

 

والخلاصة أن تداول الصكوك التي تمثل حصة شائعة في مجموع مالي يقصد استثماره في مشروع خاص أو نشاط معين أو عدة أنشطة مختلفة والتي تمثل أصولاً تشتمل على ديون ونقود مما يخضع للاجتهاد، وليس فيه أدلة قطعية، وأن وجوه الاجتهاد تتعدد. غير أن الذي أراه محققاً للمصلحة وملبياً للحاجة ولا يخالف مقاصد الشريعة العامة ولا مبادئها الكلية هو جواز تداو الصكوك التي يقصد باستخدام حصيلة بيعها الاستثمار في مشاريع وأنشطة استثمارية، وذلك بعد بدء النشاط الاستثماري، وأنه إذا ظهر أثناء هذا النشاط نقوداً تحققت من بيع الأعيان والمنافع، فإنها لا تمنع جواز تداول الصكوك، لأن هذه النقود والديون ليس لها صفة الدوام، فقد تصرف النقود وقد تحصل الديون، ثم تتحول مرة أخرى إلى أعيان ومنافع الأعيان، وهكذا. وأن العربة في التداول بطبيعة النشاط الذي تمارسه الجهة المستخدمة لحصيلة الصكوك الاستثمارية، بحيث لا يكون نشاطاً خاصاً بالتعامل في النقود، كشركات الصرافة ولا في الديون كبنوك الاقراض وشركات التسليف.

 

سادساً: صكوك المشاركات:

 

يعتمد إصدار صكوك المشاركة على عقد الشركة بصورها المختلفة القديمة منها والحديثة التي أملتها الحاجة العملية. والمقصود بالشركة هنا هو شركات الأموال، التي يساهم فيها الشركاء بحصص مالية، فيملكون الشركة كل بقدر حصته في رأسمالها، ويقتسمون الربح حسب الاتفاق، ويتحملون الخسارة بقدر مساهماتهم، ويتمتع جميع الشركاء في الحق في الإدارة، إلا أن يتفقوا على تفويض الإدارة لأحدهم، أو لأجنبي عنهم، والشركة كالمضاربة والوكالة في الاستثمار من عقود الأمانة فالشريك لا يضمن مال الشركة وإن انفرد بالإدارة إلا في حالات التعدي أو التقصير أو مخالفة شروط عقد الشركة، ومقتضى عد الشركة هو الاشتراك بالربح حسب الاتفاق، ولذا فإن كل شرط يقطع الشركة في الربح يبطل عقد الشركة.

ويجوز أن تحدد للشركة مدة إذا كانت قد أنشئت لمشروع معين ينتهي في مدة محددة، وأن تكون مطلقة عن المدة حتى يتفق الشركاء على إنهائها.

وهناك مشاركة خاصة تنتهي بتمليك أحد الشركاء لحصة شريكه بوعد من جانب الشريك المملك أو الشريك المتملك وذلك عن طريق الوعد الملزم مع توقيع عقد بيع مستقل بثمن يحدد عند تنفيذ الوعد.

والشركة هي الأصل في الاستثمار الجماعي بحيث يقام المشروع بمدخرات عدد كبير من الناس، يدفع كل منهم مبلغاً محدداً ويصير شريكاً في الشركة بنسبة ما يدفعه إلى مجموع رأس المال.

ولذا فإنه يمكن إصدار صكوك مختلفة حسب أنواع المشاركات والمشاريع التي يقصد تنفيذها بحصيلة صكوك المشاركة، ومصدر الصك الذي يتخذ زمام المبادرة داعياً بقية شركائه إلى الدخول معه في الشركة، أو على أساس أن يكون هو مدير الشركة، والمكتتبون في صكوكها هم الشركاء فيها، أو يكون دوره هو دور المنظم للإصدار وتحدد نشرة الإصدار طريقة الإدارة وشخص المؤسسة المديرة للمشروع.

هذا وتجب ملاحظة أن جميع الصكوك الاستثمارية التي تصدر لاستخدام حصيلتها في مشروع معين أو نشاط خاص، أو مجموع أنشطة ومشروعات وعمليات يختارها القائم على الاستثمار شريكاً مدسراً أو مضارباً أو وكيل استثمار تنشئ شركة حكمية أو شركة واقع، بين المكتتبين في هذه الصكوك، بحكم أنهم يصيرون شركاء في هذه الحصيلة وفي المشروع الذي يقام بها أو النشاط الذي تستثمر فيه، بحيث يتحملون غرمه وخسارته، ويستحقون غنمه إلا ما شرطوه للقائم على استثمار حصيلة الصكوك، حسب شروط نشرة الإصدار التي يعد نموذج عقد الشركة، وبعد الاكتتاب في الصكوك موافقة على هذا النوذج فينشأ عقد الشركة بينهم بمجرد هذا الاكتتاب، ويكون عقد الإصدار قديم، وتصدر صكوك لتحديد حصة كل شريك في هذه الشركة.

وهذا يعني :

أنه في المضاربة إذا كان مصدر صكوك المضاربة هو المضارب الذي يستخدم حصيلتها على أساس عقد المضاربة بشروطها وأحكامها الشرعية في مقابل نسبة تحددها نشرة الإصدار أي عقد المضاربة، من الربح، فإن هناك نوعين من الشركة، شركة حكمية بين حملة صكوك المضاربة، باعتبارهم رب مال يملكون المشروع أو النشاط ملكية مشتركة ويستحقون أرباحه بعد خصم حصة المضارب منها، بنسبة حصته، غير أن المشاركة العادية باتفاق الشركاء وتلاقيهم ومعرفة بعضهم بعضاً، تقسم بها الأرباح حسب الاتفاق على رأي بعض الفقهاء، في حين أن المشاركة بين حملة صكوك المضاربة توزع فيها الأرباح دائماً بنسبة رأس المال، عند جميع الفقهاء. والسبب في ذلك أن الشركة العادية، أي الاختيارية يشترك فيها جميع الشركاء في الإدارة فجاز التفاضل بينهم في توزيع الربح لاحتمال أن أحد الشركاء أكثر عملاً أو خبرة من بقية الشركاء أما الشركة بين حملة صكوك المضاربة فلا يتأتى فيها ذلك أنهم قد فوضوا غيرهم في الإدارة، وهو مصدر الصك أو موجه نشرة الإصدار، وهذا يشبه الوضع في الشركة المساهمة على الرأي الذي أرجحه في أن حملة الأسهم يشتركون في الربح بنسبة ما يملكه كل منهم فيها، ولا يجوز تفضيل مجموعة من حاملي أسهم خاصة في الربح كالشأن في توزيع الخسارة في جميع الصور والحالات.

 

صكوك المشاركة المستمرة:

قد يقوم بنك أو مؤسسة مالية باختيار مشروع معين أو نشاط خاص لتمويله بطريق المشاركة الدائمة، ثم تقوم إعداد دراسة جدوى اقتصادية لهذا المشروع أو النشاط، فتحدد هذه الدراسة طبيعة المشروع أو نوع النشاط موضوع المشاركة، ورأس المال المطلوب لتنفيذه، ومتوسط العوائد المتوقعة منه، وطريقة إدارة المشاركة المشروع أو النشاط وغير ذلك من عناصر دراسة الجدوى. ثم تقوم المؤسسة المالية بتقسيم رأس مال الشركة إلى أجزاء، ثم توجه إيجاباً عاماً إلى الجمهور تدعوهم فيه إلى المشاركة في المشروع المعين أو النشاط الخاص حسب شروط نشرة الإصدار التي تمثل هذا الإيجاب، فيكون الاكتتاب في هذه الصكوك ودفع قيمتها قبول لذلك الإيجاب وبالتقاء الإيجاب والقبول ينشأ عقد المشاركة وتترتب عليه آثاره من الحقوق والواجبات.

ويلاحظ هنا أن الشركاء لا يعرف بعضهم بعضاً، ولم يلتق بعضهم ببعض، بل ولا يعرف عددهم ولا أشخاصهم إلا بعد تمام عملية الاكتتاب، ولكن هذا لا يمنع من الناحية الشرعية انعقاد الشركة صحيحة مستوفية لشروطها الشرعية إذا تضمنت هذه النشرة جميع شروط الشركة وأحكامها على أنه إذا لم تتضمن جميع الأحكام فإن أحكام الشركة تترتب عليها، مالم تتضمن النشرة شروطاً تنافي مقتضى عقد الشركة فتبطل هذه الشروط أو تبطل الشركة نفسها حسب الأحوال. وإنما انعقدت الشركة بين أشخاص لا يعرف بعضهم بعضاً، لأن العقد ينعقد بين غائبين، ولأن شخص الشريك في شركة الأموال ليس محل اعتبار، لأن المهم فيها هو أوضاع الشركة وشروطها وهذه تتضمنها نشرة الإصدار. ويجب التنبيه على أنه إذا أريد للإصدار النجاح وإقبال المدخرين عليه، ينبغي أن تتضمن نشرة الإصدار خلاصة دراسة الجدوى، والأرباح المتوقعة لنشاط المشاركة ، ويعد مصدر صكوك المشاركة مسئولاً عن صحة بيانات النشرة ونتائجها والربح المتوقع إلا إذا أثبت أن تخلف النتائج والبيانات ونسبة الأرباح كان بسبب ظروف طارئة، بعد إعداد الدراسة وإصدار الصكوك، لا يد له فيها ولا قدره له على توقعها أو تلافي آثارها، وذلك يشكل ضمانة مشروعة للمكتتبين في صكوك المشاركة، على أساس أن التقرير بالقول كالتقرير بالفعل يوجب الضمان، غير أن مصدر الصكوك، في جميع الأحوال، سواء كان شريكاً أو مديراً أو منظماً لعملية الإصدار، يعد أميناً لا يضمن إلا في حالات التعدي أو التقصير أو مخالفة شروط عقد المشاركة، أو عدم تحقق نتائج دراسة الجدوى بسبب تقصيره أو تعمده ذكر الحقائق في هذه الدراسة، أو أنه لم يقم بإعدادها وفقاً لأسس إعداد دراسات الجدوى، أي بعدم قدرته على إثبات أن تخلف هذه النتائج كان بسبب لا يد له فيه.

ولقد قلنا إن نشرة الإصدار عقد الشركة ومن ثم وجب أن تتضمن هذه النشرة جميع شروط عقد الشركة، كرأس المال المصدر وطبيعة المشروع ونوع النشاط الذي تستثمر فيه حصيلة صكوك المشاركة، وحقوق وواجبات مدير الشركة من الأعضاء أو من غيرهم ومدة المشاركة أي أجل الصك إن حددت لها مدة، وطريقة توزيع الربح على نحو لا يؤدي إلى قطع الشركة فيه. على أنه إذا لم تتضمن نشرة الإصدار جميع أحكام عقد الكشاركة فإنه يكفي أن تنص النشرة على أن الصكوك التي تصدر بناء عليها هي صكوك مشاركة تمثل حصة ملك في موجوداتها، شريطة أن لا تتضمن شرطاً ينافي مقتضى الشركة، كالشروط التي تؤدي إلى قطع الشركة في الربح ، وتنص النشرة في آخرها على أن هذه النشرة تفسر ويحدد نطاق تطبيقها ومجال إعمالها ويكمل ما لم يرد فيها أحكام في ظل أحكام الشركة الشرعية.

 

تداول صكوك المشاركات:

صكوك المشاركة تصدر بناء على عقد الشركة الشرعية، فالصك يمثل حصة شائعة في حصيلة الصكوك النقدية قبل بدء نشاط الشركة وتحويل رأس المال النقدي إلى أعيان ومنافع، فإذا ما بأت الشركة هذا النشاط وبدأت تشتري بالنقود أعياناً ومنافع أعيان، وذلك كالمعدات والآلات في الشركات الصناعية أو المكاتب والمخازن ووسائل المواصلات بالنسبة للشركة التجارية، جاز تداول صكوك المشاركة بسعر السوق الذي يتراضى عليه البائع والمشتري.

والصفة الشرعية للتداول أنه تصرف بالبيع في حصة شائعة من المشروع المعين أو النشاط الخاص، أو في الشركة نفسها باعتبار أن لها شخصية معنوية وذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء ومدير الشركة، لذا وجب إمساك حسابات مستقلة لنشاطها تقيد فيه الإيرادات والمصروفات حتى يعلم الربح والخسارة في نهاية الفترة الاستثمارية.

ولا يمكن القول بأن الصك يمثل حصة شائعة في كل عنصر من عناصر أصول الشركة وبذلك يكون التصرف فيه تصرفاً في حصة شائعة من كل مال من هذه الأموال ذلك أن البائع للصك لا يملك هذا التصرف، ولا يستطيع أن يسلم للمشتري حصة شائعة في كل عنصر من عناصرها، كما أن مشتري الصك لا يملك استعمال حقوق الشريك على الشيوع من طلب القسمة، بل إن مالك صك المشاركة نفسه لا يملك أخذ مال من الشركة أثناء حياتها، بل عليه إن أراد أن يشتريه بالمال وبإذن بقية الشركاء أو من يمثلهم حسب نشرة الإصدار.

 

ولقد سبق القول بأن شروط تداول صكوك المشاركة هي:

أولاً:  أن تبدأ الشركة نشاطها وذلك يتحويل النقود إلى أعيان ومنافع  حتى قبل أن تتصرف في هذه الأعيان والمنافع بالبيع وغلإجارة، بل وإن تصرفت فيها بنقود وديون لإعادة استثمار النقود وتحصيل الديون وإعادة استثمارها، فهذه مرحلة عارضة لا تلبث أن تعود النقود والديون بعدها إلى أعيان ومنافع فالغالب في لحظة قد يكون مغلوب في لحظة أخرى، وهكذا يتعذر القول بغلبة أحد عناصر موجودات الشركة في مراحل ولحظات حياتها.

ثانياً:  أن تكون مع الديون والنقود، كما هو الغالب في جميع الحالات، أعيان ومنافع وإن قلت في لحظة من لحظات حياة الشركة، ولا تكاد تمر على شركات الاستثمار لحظات من حياتها تتمخض أصولها في ديون أو نقود فقط، ولذا فإن هذا الشرط متوافر في جميع الحالات.

ثالثاً:  ألا يكون نشاطها الأساسي هو التعامل في النقود، كأن كانت شركة صرافة تتجر في العملات، ولا التعامل في الديون، كأن كانت مؤسسات للتسليف والإقراض، وإن كانت تلتزم بقواعد الشريعة في نشاطها. فصكوك هذه المشاركات لا يجوز تبادلها إلا إذا غلبت المنافع والأعيان.

 

التسييل:

يقصد بالتسييل تحويل الصك إلى نقود عند الحاجة، وذلك عن طريق تعهد مصدره بشرائه بأسعار يتم تحديدها بطريقة معينة تتضمنها نشرة الإصدار، ويجوز أن يتعهد بهذا الشراء مؤسسة أخرى غير المؤسسة المصدرة للصكوك والصفة الشرعية لعملية التسييل أو الإطفاء هي أن مشتري الصك يعلن إيجاباً في نشرة الإصدار يعد ذلك بوسائل الإعلان المختلفة يتعهد فيه بشراء الصكوك بالسعر الذي يعرضه خلال مدة محددة يلتزم بالبقاء على إيجابه فيها.

فإذا كان مشتري الصك غير مصدره فهي عملية شراء عادية بناء على وعد ملزم من المشتري بالشراء بثمن محدد أو يحدد بالطريقة الواردة في نشرة الإصدار أو الإعلان، لمن يتقدم إليه من حملة الصكوك خلال مدة الإيجاب أو الإعلان.

وقد اتفق الباحثون قضايا الاستثمار والصكوك على جواز الوعد الملزم، والإيجاب الذي يلتزم فيه الموجب بإيجابه مدة معينة على رأي بعض الفقهاء، كالمالكية وغيرهم.

 

تصفية الشركة:

إذا كان للشركة مدة تنتهي عندها أو جدت ظروف تقتضي إنهاءها، كانتهاء المشروع الذي قامت بتنفيذه، فإن وكيل حملة الصكوك يقوم بتصفية الشركة وتوزيع نتائج التصفية على حملة الصكوك كل بنسبة ما يملكه فيها من صكوك.

وهذا يتفق مع حكم الشركة في الشريعة الإسلامية، إذ أن الشركة من العقود الجائزة التي يجوز للشريك فيها طلب الخروج منها بإجراءات معينة حفاظاً على حقوق بقية الشركاء.

 

صكوك مشاركة في حصة مشروع معين:

قد تملك مؤسسة مالية أو شركة استثمار مشروعاً معيناً كمصنع للطائرات، أو نشاطاً خاصاً كالاتجار في القطن أو الأرز فتقوم الشركة يعمل دراسة جدوى لتطوير المشروع أو توسيع النشاط، وتقدر لذلك مبالغ محددة، ثم تقوم بتقدير أصول مشروعها أو موجودات نشاطها، ثم تطلب من الجمهور من خلال نشرة إصدار صكوك مشاركة في حصة من المشروع تخصص لحملة هذه الصكوك بحيث يجب يبقى بقية المشروع مملوكاً لمصدر هذه الصكوك.

فمصدر الصك في هذه الحالة شريك يعرض على غيره الدخول معه بحصيلة الصكوك في مشاركة على أن تستخدم هذه الحصيلة التجديد والإحلال أو توسط المشروع أو تكملة النشاط. ويوكن رأس مال المشاركة هو مجموع قيمة أصول المشروع القائم الذي قدرته نشرة الإصدار، ومبلغ الصكوك المصدرة.

وتستطيع المؤسسة المالية المصدرة لصكوك المشاركة أن تعرض في نشرة الإصدار أن تكون لها حق الإدارة وإن كانت شركة مساهمة فتحدد نشرة الإصدار أن لحملة صكوك المشاركة حق في حصتهم من الأرباح دون حق التصويت أو التدخل في الإدارة. وبالطبع توزع الخسارة بنسبة مساهمة كل من حملة الصكوك ومالكي الشركة، أي حملة أسهما، في رأس مال المشروع الجديد، إذا سمحت قوانين الشركات بذلك.

غير أن هذا الترتيب يخالف مقتضى عقد الشركة وهو الاشتراك في الإدارة، أي حق كل شريك في الإدارة، وإن كان للشريك أن يفوض غيره في هذه الإدارة بعد عقد الشركة. ونشرة الإصدار هي عقد الشركة الذي يعلنه المصدر على الكافة، ثم يقبله كل من اكتتب في الصكوك المصدرة فإذا تضمن النشرة حرمان حملة الصكوك من الإدارة بطل عقد الشركة والذي أراه أن هذه الصيغة يمكن أن تكون مضاربة أذن فيها للمضارب بخلط ماله بمال المضاربة، فتبقى المضاربة على حالها وتستقل المؤسسة المالكية للشروع بالإدارة.

 

وهناك بعض الأمور التي ينبغي التنبيه عليها بخصوص صكوك المشاركات وهي كالتالي :

1-  ضمان الشريك

     الشركة من عقود الأمانة، فالشريك لا يضمن حصة الشريك الآخر في رأس المال ولا نسبة معينة ولا مبلغاً مقطوعا من الربح، بل إن كل شرط يتضمن قطع الشركة في الربح يبطل الشركة.

وعلى ذلك فإنه لا يجوز بحال أن تتضمن نشرة الإصدار ولا صك المشاركة الصادر على أساسها شرطا يقضى بضمان مصدر الصك أو أحد الشركاء لبقية الشركاء أو لبعضهم حصته في رأس المال أو ربحا محددا بمبلغ مقطوع أو بنسبة من حصته في رأس المال، كما لا يجوز أن تتضمن هذه النشرة شرطا يخالف مقتضى عقد الشركة، كالشرط الذي يؤدي إلى قطع الشركة في الربح، أو يحمل الخسارة لبعض الشركاء دون بعض، أو يحمل بعض الشركاء من الخسارة أكثر من نسبة حصته في الشركة التي تمثلها الصكوك التي يملكها.

    أما الشرط الذي يفاضل بين حملة الصكوك في توزيع الأرباح، فإنه لا يجوز في نظري في هذا النوع من المشاركات، حيث إن حملة الصكوك متساوون في أنهم لا يمارسون الإدارة، فانتفى بذلك سبب المفاضلة في الربح التي أجازها بعض الفقهاء في شركة العنان، التي يثبت فيها حق الإدارة واتخاذ القرار لجميع الشركاء. وهذه العلة منتفية في حق حملة الصكوك. ولا خلاف في أنه يجوز أن يحصل الشريك المدير على نسبة تحددها نشرة الإصدار من الربح لنفس السبب ولذات الحكمة السابقة، وهو أنه شريك يدير الشركة فعلا باتفاق الشركاء كما نصت عليه نشرة الإصدار.

    أما إذا اشترط لنفسه مبلغا مقطوعا فإن هذا الشرط يعد منافيا لمقتضى عقد الشركة، لأن الشركة قد لا تربح إلا هذا المبلغ، فهو شرط قد يؤدي إلى قطع الشركة في الربح.

وإذا أراد مصدر الصكوك أن يحصل على حصة من الربح بصفته مضاربا فإن هذا الشرط صحيح، وتجعل الصكوك صكوك مضاربة أذن فيها للمضارب بخلط ماله بمال المضاربة.

    أما إذا أصر على تقاضى مبلغا مقطوعا أو نسبة من رأس المال المستثمر فإن ذلك يجعل صفته الشرعية وكيل استثمار، فإن وكيل الاستثمار يستحق أجرا مقطوعا على أساس الوكالة، وتكون له الإدارة بصفته وكيلاً عن حملة الصكوك بصفتهم موكلين، أما علاقة حملة الصكوك ببعضهم فقد ذكرت أنها علاقة شركة ملك حكمية تترتب عليها أحكام شركة الملك الشرعية، ولهم جميعاً حق مراقبة ومحاسبة الوكيل لأنه يدير الشركة نيابة عنهم.

 

ضمان طرف ثالث :

قد يتبرع طرف ثالث بقصد تشجيع إقامة مشروع معين، تجاري أو صناعي أو زراعي أو تعديني أو استخراجي، بضمان رأس مال المشاركة وتعويض حملة صكوك المشاركة قيمة صكوكهم في حالة وقوع الخسارة، وليس هناك مانع شرعي من هذا التبرع المشروط بوقوع الخسارة، غير أنه يجب التحقق من أن هذا الشخص مستقل في شخصيته وذمته المالية عن حملة صكوك المشاركة فإذا كان الشريك مصدر هذه الصكوك إحدى وزارات الحكومة مثلاً، فإنه لا يجوز لوزارة أخرى أو للحكومة أن تضمن  تعويض خسارة حملة صكوك المشاركة لبقية الشركاء. إذا كانت ذمة هذه الوزارة وذمة الحكومة واحدة. وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم (5)  د4/80/88 ) في الفقرة التاسعة من العنصر الرابع على أنه "ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث، منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون التزاما مستقلا عن عقد المضاربة، بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطا في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به، بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد".

 

2-  احتياطي تأمين مخاطر الاستثمار

      ليس هناك ما يمنع شرعاً من اقتطاع نسبة من أرباح الشركة قبل التوزيع وتخصيصه لتغطية ما قد تتعرض له الشركة من مخاطر في السنوات القادمة وذلك لا خلاف فيه بين بعض الباحثين في الشركة المساهمة، مثل الاحتياطي القانوني الذي تنص عليه قوانين الشركات المساهمة ويفصل طريقة استخدامه، ذلك أن الحق لمساهمي الشركة لا يعدوهم وجميع الشركاء يستفيدون منه في تقوية مركز الشركة ورفع قيمة السهم عند تداول الأسهم.

    وكذلك الحال في المشاركات ذات المدة المحددة التي لا يجوز لبعض الشركاء الخروج منها في أوقات محددة قبل نهايته، لأن الحق لهولاء، وما يقتطع منهم يبقى لهم كحقوق توزع في نهاية مدة المشاركة، أو يستفاد به في تعويض الخسارة اللاحقة بهم في بعض السنوات.

ويرى بعض الباحثين أنه إذا كانت المشاركة بين مجموعة من المساهمين أو حملة الصكوك الذين يبقون في الشركة إلى نهاية مدتها ومجموعة أخرى من حملة الصكوك محددة المدة أو التي تنص صكوكهم على خروجهم قبل نهاية المشاركة أو المشروع المعين، فإن هذا الاحتياطي يقتطع من أرباح حملة الصكوك الدائمين دون الخارجين، حتى لا يقتطع من أرباح الخارجين دون سبب مشروع.

    على أنه يمكن في نظري أن يصح ذلك على قاعدة التبرع شريطة أن تنص نشرة الإصدار على ذلك، إذ لا محظور شرعي في ذلك، مادام حملة الصكوك المؤقتة قد دخلوا على هذا الشرط.

    ومثل ذلك المودعون في البنوك الإسلامية، فإنه لا يجوز أن تقتطع من حصة المودعين في الأرباح مبالغ لمواجهة خسارة محتملة للمودعين مع المساهمين، بل ولا لضمان توزيع نسبة معقولة من الربح في السنوات التي لا يحقق البنك فيها أرباحاً، ذلك أن المودعين الذي يسحبون ودائعهم، لا يحصلون على ما اقتطع منهم وهو حق لهم.

    وقد رأيت أن هذا الاقتطاع لا محظور فيه إذا تضمنه  نظام البنك وعقود الإيداع، لن المودع إذا دخل على ذلك فقد تبرع بما يقتطع من أرباح ووافق على أن يصرف ذلك لتعويضه أو تعويض غيره من المودعين عن الخسارة التي قد تقع في سنة من السنوات، فهو تبرع مشروط كالحال بالنسبة لأقساط التأمين التعاوني، فإن حامل وثيقة التأمين التعاوني يتبرع من القسط ومن عوا ئد استثماره بما يكفي لدفع التعويضات الناتجة عن الأخطار التي قد تقع لأحد أعضائها المشتركين، وقد وافق فقهاء العصر على هذه الصيغة وهذه مثلها سواء بسواء.

    ولكن الشرط في هذه الحالة ألا يستفيد المساهمون من هذه المبالغ بأي وجه من وجوه الاستفادة، بحيث تنفق هذه الأموال عند تصفية البنك مثلا في أوجه البر، ولا تعطى للمساهمين ولا للمودعين الموجودين عند التصفية، لأن شرط الواقف والمتبرع لنص الشارع لا تجوز مخالفته.

وعلى كل حال فإن المشروع المعين الذي تحدد له نشرة الإصدار مدة زمنية يصفى المشروع بعدها، يمكن إصدار سندات مشاركة لتمويله، ويكون المصدر شركة مساهمة قائمة، وتصدره بصفتها شريكة في هذا المشروع مع اختصاصها يحق الإدارة دون حملة صكوك المشاركة وتمسك لهذا المشروع حسابا مستقلا، وتوزع على حملة الصكوك أرباحا دورية وتبقى بعض الأرباح لمواجهة الخسائر المتوقعة، تم تصفى المشروع في نهاية المدة، وتوزع صافي أصوله على المشاركين فيه، بما في ذلك الاحتياطيات المقتطعة من الأرباح، ففي هذه الحالة تكون الأرباح المقتطعة قد عادت إلى من اقتطعت منهم بصفتهم شركاء يحملون صكوكا تمثل حصصهم في المشاركة، وهذا يعنى أن من باع منهم صكه فإن مشتري الصك سوف يحل محله ويستفيد من الأرباح المقتطعة، وهكذا حتى  تصفى المشاركة في آخر المدة المحددة الصكوك المشاركة، ويستحق هذا الاحتياطي حملة الصكوك عند التصفية إذا حدثت خسارة لأنها رصدت لتغطية الخسارة وإلا صرفت في وجوه الخير والنفع العام.

 

إدارة المشاركة :

    يجب أن تتضمن نشرة إصدار صكوك المشاركة جميع شروط عقد المشاركة كمقدار رأس مال المشاركة، والحصص أو الأجزاء التي يقسم إليها، وعدد الصكوك التي تمثل هذه الحصص أو النسب، وكذلك بيان نوع المشروع المعين الذي تموله حصيلة بيع هذه الصكوك، ومدته، وأرباحه المتوقعة، ومقدار الحصص التي يحتفظ بها المصدر لنفسه.

    كما يجب بصفة خاصة أن تحدد نشرة الإصدار مصدر الصكوك، بنكا أو شركة أو مؤسسة مالية، والصفة الشرعية التي يصدر الصكوك على أساسها، فقد يصدرها أحد الشركاء في المشاركة التي يصدر صكوكها، وقد يكون المصدر مديراً لهذه المشاركة دون أن يكون شريكا فيها أو مشتريا لصكوكها، وقد يصدرها بصفته مضاربا أو وكيل استثمار، وتختلف أحكام الإصدار وطبيعة العلاقة بين حملة الصكوك ومصدرها تبعاً بذلك.

    فإذا أصدر الصكوك بصفته شريكا وجب تطبيق أحكام شركة الملك الواقعة بين حملة الصكوك أنفسهم أولاً، ثم أحكام شركة العقد بين حملة الصكوك وبين هذا الشريك، وإذا أضاف الشريك في نشرة الإصدار أن له حق الإدارة، كان له هذا الحق مقابل حصة من الربح دون أن يكون له مبلغ محدد حتى لا تنقطع الشركة في الربح إذا لم تربح المشاركة غير ما شرط له، ولقد ذكرت أن الشريك هنا يستحق هذه النسبة بصفته مديرا لا شريكا إذا أخذنا برأي القائلين بجواز تفاضل الشركاء في الربح، وإذ أخذنا برأي غيرهم فإنه متبرع بالإدارة، إلا أن يعين  مدير من غير الشركاء، أو بتخلي هو عن المشاركة فلا يشترى شيئا من صكوكها و يأخذ على الوكالة أجراً محدداً، مبلغاً مقطوعاً أو نسبة من رأس مال المشاركة.

    ولا مانع في هذه الحالة من أن تكون الصفة الشرعية للمؤسسة المالية المصدرة أنها مضارب أذن له في خلط ماله بمال المضاربة، فيشارك في الاكتتاب في صكوك المشاركة، فيملك حصة في المشاركة، ويستحق حصة من الربح بصفته مضاربا، ويكون تحديد هذه الحصة باتفاق الشركاء الذي يتمثل في النص على هذه النسبة في نشرة الإصدار، ويكون الاكتتاب في الصكوك بمثابة قبول لشروطها.

    ويلاحظ أن مصدر النشرة إذا كان شريكا أو وكيل استثمار جاز النص في النشرة على مشاركة ممثلين لحملة الصكوك للشريك المدير أو وكيل الاستثمار في اتخاذ بعض القرارات أو اعتمادها بخلاف المضارب، وإن كان ذلك غير واقع في العمل.

 

مدة صكوك المشاركة :

حيث إن المشاركة قد تكون دائمة، وقد تكون مؤقتة بمدة محددة، تناسب طبيعة المشروع موضوع المشاركة والمدة اللازمة لتنفيذه، فإن نشرة الإصدار يجب أن تحدد ذلك، حتى يتم الاكتتاب في صكوك المشاركة تبعاً لهذا التحديد.

وعلى ذلك فإنه يجوز أن تصدر صكوك المشاركة دون تحديد مدة، وتبين نشرة الإصدار طريقة تصفية المشاركة. وفي هذه المشاركة توزع أرباح دورية على حملة الصكوك حسبما أظهرته دراسة الجدوى التي تضمنتها نشرة الإصدار على النحو الذي قدمته بخصوص الصفة الشرعية لهذه الدراسة، ثم توزع عليهم حصيلة التصفية حسب حالات التصفية وطريقتها المنصوص عليها في نشرة الإصدار، وهذه المشاركة تشبه الشركة المساهمة وحملة صكوك المشاركة يمثلون وضع حملة الأسهم في هذه الأحكام.

 

صكوك المشاركة المؤقتة

يجوز أن يصدر بنك أو شركة أو مؤسسة مالية صكوك مشاركة تستثمر حصيلتها في تمويل مشروع معين في مدة محددة، ويكون البنك شريكا في المشروع ومديرا له، أو تحدد نشرة الإصدار مديرا من غير الشركاء. وفي نهاية المدة المحددة إما أن يصفى المشروع ويوزع ناتج التصفية على حملة الصكوك كل بقدر الصكوك التي يحملها، أو يملك المشروع لأحد حملة الصكوك أو لعدد منهم، كما يجوز في هذه الصكوك أن تتضمن نشرة الإصدار نصا يقضى باسترداد حملة الصكوك قيمة هذه الصكوك بالتدريج في مدة معينة كخمس أو عشر سنوات مثلا. ومثل هذه الصكوك تصدرها مؤسسة مالية قائمة في شكل شركة مساهمة، تم تصدر هذه الشركة أسهما جديدة تشارك في الأرباح والخسارة كبقية الأسهم، غير أنها لا تشارك في الإدارة ولا تملك حق التصويت، وتوزع أرباح المؤسسة المالية على حملة الأسهم الدائمة العادية وعلى حملة هذه الصكوك دون تفرقة، كما أنهم يتحملون أية خسارة متوقعة سواء بسواء. وبذلك يشاركون في نتائج عمليات المؤسسة المالية بما في ذلك حصتها في الأرباح بصفتها مضاربا للمودعين فيها.

غير أن حملة هذه الوثائق وفقا لنص نشرة الإصدار يستردون كل سنة عددا من الصكوك بقيمته الاسمية، ويستحقون أرباحا عن الصكوك الباقية منها في نهاية العام التالي أو الفترة الاستثمارية إذا كانت تقل عن عام، وهكذا حتى تطفأ جميع الصكوك خلال المدة.

وهذه الصكوك تمثل حصة في ملكية صافي أصول المؤسسة المالية المصدرة والمشاركة والمديرة في نفس الوقت، ولا تمثل دينا ولا حقا شخصيا في ذمة المؤسسة، ولذا فإنها تستحق الأرباح على قدم المساواة مع بقية المساهمين.

ولا مانع شرعاً من أن تنص نشرة الإصدار على استرداد قيمة هذه الصكوك في مواعيد محددة بالقيمة الاسمية، لأن ذلك يعنى أن هناك وعدا من جانب المكتتب في هذه الصكوك أن يبعها بالتدريج بنفس قيمتها الاسمية.

وقد يقال إن الصك قد يمثل عند إطفائه قيمة أعلى من قيمته الاسمية، وأن المؤسسة المالية التي تشتري هذه الصكوك تشتريها بأقل من قيمتها السوقية، وحامل صك المشاركة شريك، فيجب أن يكون إطفاء صكوك المشاركة بقيمتها السوقية أو التي يتم الاتفاق عليها عند البيع، وأن هذه القيمة قد تقل وقد تزيد عند البيع، فلا يجوز ضمان قيمتها الاسمية لحامل الصك.

والذي أراه أنه يجب أن يصدر وعد من المؤسسة المالية المصدرة لهذه الصكوك أو من حامل الصك، يحدد أن التخارج يكون بسعر يوم التخارج لا بالقيمة الاسمية للصك، مع تحديد آلية تحديد هذا السعر عند التخارج حسب الجدول الزمني المعد لبيع هذه الصكوك. وهذا التصرف بيع من أحد الشريكين لشريكه، أو تخارج من الشركة في حكم البيع.

وقد أصدر بنك التقوى صكوك مساهمة من هذا النوع بموافقة هيئة رقابيته الشرعية، وقد راعت هذه الصكوك الضوابط الشرعية عند الاسترداد.

 

صكوك المشاركة المنتهية بالتمليك

وقد تصدر صكوك المشاركة لمدة محددة تنتهي بعدها بتمليك أحد حملة الصكوك لحصص بقية الشركاء وذلك بشراء هذه الحصص على دفعات بالثمن الذي يتم الاتفاق عليه عند شراء الحصة أو تحدد نشرة الإصدار آلية تحديده.

وتوزع أرباح هذه المشاركة على حملة الصكوك كل بنسبة ما يملكه من صكوك، ويتحملون الخسارة كذلك، إذ أن الصك يمثل حصة شافعة في موجودات المشاركة فيتعمل مالكه الغرم ويستحق الغنم إلا ما يدفع لمدير المشاركة، وكلما اشترى أحد الشركاء حصص الآخرين في المشاركة، بشراء الصكوك التي تمثل هذه الحصص، زادت حصة المشتري في المشاركة ونقصت حصة البائع حتى يتملك هذا الشريك جميع الحصص ويخرج بقية الشركاء.

وقد تحدد نشرة الإصدار آلية أخرى لتملك أحد الشركاء حصص بقية الشركاء، كأن يحصل الشريك الذي يرغب في بيع حصته في المشاركة على حصة من الدخل تزيد عن الحصة التي تقابل مساهمته في المشاركة، أو على الباقي من الدخل كله، بعد الحصة التي يستحقها هو حتى يستوفي ثمن حصة الشريك الآخر، ويكون هناك وعد تتضمنه نشرة الإصدار من بقية حملة الصكوك ببيع صكوكهم لهذا الشريك بالثمن الذي تعين النشرة آلية تحديده.

وفي جميع الأحوال فإن الأرباح والخسائر توزع دائما حسب الاتفاق على أساس ما يملكه الشركاء من حصص تمثلها صكوك المشاركة عند التوزيع، وبذلك تقل حصة البائع من الأرباح وتزيد حصة المشتري كلما اشترى الشريك جزءا من حصة الشريك الآخر.

 

الصكوك الحكومية :

1 - صكوك ملكية المشاريع :

يمكن للحكومة أو الهيئات التابعة لها أن تصدر صكوك ملكية المشاريع المنتجة للدخل، فتقوم الحكومة باعتبارها بائعة المشروع معين أو لعدد من المشروعات المنتجة بإصدار هذه الصكوك على أن تكون حصيلتها هي ثمن هذه المشروعات المنتجة. وهذه تسمى سندات خزينه ويقوم وكيل حملة الصكوك بالإشراف على إدارة هذه المشاريع واستيفاء دخلها وتوزيعه على حملة الصكوك، وقد تتولى ذلك الحكومة المصدرة لهذه الصكوك بعد خصم حصة المدير من الدخل.

2-  صكوك إجارة المشاريع :

      تستطيع الحكومة أو إحدى هيئاتها أن تصدر صكوكا لتأجير بعض مشروعاتها وتكون حصيلة هذه الصكوك هي الأجرة. ويستحق حملة هذه الصكوك منافع المشروع المستأجر، ويحق لحملة الصكوك عن طريق وكيلهم أو مصدر الصك نفسه أن يؤجر هذا المرفق أو المشروع إلى غير الجهة الحكومية بأجرة تزيد عن الأجرة التي دفعت في تملك هذه المنافع، أو تعين إدارة متخصصة للمشروع وتحصيل دخله من الرسوم ومقابل الخدمات.

3-  صكوك السلم البترولية :

      ذكر بعض الباحثين أن للحكومة أو إحدى الهيئات التابعة لها تستطيع أن تمول عمليات استخراج البترول أو تكريره، أو تمويل مشروعاتها الاقتصادية عن طريق بيع كميات من البترول الخام بثمن عاجل على أن يسلم البترول المبيع في مواعيد محددة، وتصدر الحكومة بنفسها أو بعض المؤسسات المالية نيابة عنها صكوك سلم بالمبالغ التي تطلبها ثمنا للكميات التي تستطيع تسليمها في المواعيد المتفق عليها، وهذه الصكوك تمثل حصة في كميات البترول المبيعة  سلما وهي دين في ذمة الحكومة.

ويمكن تداول هذه الصكوك على مذهب مالك وبعض الفقهاء بقيمتها السوقية حسب اتفاق البائع والمشتري.

ومن المعلوم أن القيمة الاسمية لصك السلم تختلف عن القيمة التي يمثلها في بضاعة السلم حسب أسعار السوق وموعد التسليم (راجع).

ويشترط في جميع السندات الحكومة، سواء كانت تمثل حقوق ملكية مشروعات منتجة، أو تمثل حقوق انتفاع بهذه المشروعات أن تمثل هذه السندات حق ملكية في الأعيان أو المنافع، وأن تشارك في الأرباح المحققة وتتحمل الخسائر، وألا تكون قيمة هذه السندات  مضمونة هي أو نسبة منها مضمونة على مصدرها.

 

ضمان مصدر الصك شراءه :

لا مانع شرعاً من أن تتعهد الجهة المصدرة للصكوك الاستثمارية بشرائها،  وقد أصدر البنك الإسلامي للتنمية شهادات استثمار قابلة للتسييل ببيعها لمؤسسة مصرفية بالسعر الذي يتم الاتفاق عليه، كما تعهد البنك المصدر بشرائها بحد أقصى 50% مما يملكه البنك الواحد من الإصدار الأساسي وحدد لتحديد الثمن آلية معينة.