Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
الخيار التبعي لشراء أسهم أو أصول وثمن الوعد بالتمليك في عقد التأجير
 

ورقة مقدمة لـ:

ندوة دلة البركة

6-7 سبتمر/ رمضان

1429 هـ / 2008 م

الخيار التبعي لشراء أسهم أو أصول وثمن الوعد بالتمليك في عقد التأجير

إعـداد:

د. حـسـيـن حـامـد حـسـان


 سوف أقسم هذا البحث إلى فصلين، يتناول الأول منهما تعريف الخيار التبعي  وتمييزه عن الخيار الأصلي مع عرض بعض التطبيقات الاقتصادية الحديثة في منح الخيار التبعي، ومقارنة الخيار التبعي مع صيغ مقاربة له ثم ممارسة الخيار التبعي وتداوله قبل حلول أجله وبعد حلول أجله، وجواز الإعتياض عن منح الخيار التبعي وأما الفصل الثاني فأخصصه لثمن الوعد الذي يمنح حق الخيار التبعي أو بعبارة أخرى، أخذ العوض عن الوعد بالبيع أو الشراء.

الفصل الأول

تعريف الخيار التبعي ؛ وتطبيقاته الاقتصادية ؛ ومقارنته بصيغ تقاربه ؛ وممارساته

 أولاً: التعريف بالخيار التبعي

 الخيار التبعي حق مالي يمنحه شخص بإرادته المنفردة، يسمى الواعد، إلى شخص آخر، يسمى الموعود له أو المستفيد، يخول المستفيد مطالبة الواعد بأن يبيع له أو يشتري منه أسهما أو أصولاً أخرى ؛ معلومة: معينة أو موصوفة ؛ بثمن معلوم ؛ في تاريخ محدد أو خلال فترة معلومة، والتعويض عن الضرر الذي يلحق المستفيد بسبب إخلال الواعد بوعده.

 ويؤخذ من هذا التعريف ما يلي:  

1.    أن الخيار التبعي حق مالي ؛ يمنحه شخص لآخر بإرادة منفردة، فإن منح الخيار بمقتضى عقد معاوضة، (كأن يبيع شخص لآخر حق شراء مائة سهم من أسهم شركة معينة بثمن معلوم في تاريخ محدد أو خلال مدة معلومة ، مقابل عشرة آلاف ريال ثمناً لبيع هذا الحق)، كان خياراً أصلياً ؛ وهو خارج عن موضوع هذا البحث ؛ لأن موضوع البحث هو الخيار التبعي الممنوح بمقتضى وعد من جانب واحد أي بإرادة منفردة وليس بعقد معاوضة لأن هذا قد فصل فيه قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بعدم الجواز (الدورة السابقة 63/7/1).

2.    أن الخيار حق مالي، لأنه يتعلق بشراء أو بيع مال وله قيمة مالية بدليل وجوب تعويض صاحب هذا الحق عنه في حالة إخلال مانحه أي الواعد بالشراء أو بالبيع، بوعده.

3.    أن هذا الحق يخول صاحبه ( المستفيد أو الموعود له ) مطالبة الواعد ببيع أو بشراء مال معلوم معين أو موصوف ؛ بثمن معين في تاريخ معين، فإذا امتنع الواعد عن تنفيذ وعده بالبيع أو بالشراء كان ملتزما بتعويض المستفيد عن الضرر الفعلي الذي لحقه من جراء هذا الامتناع بشروط معينة.

4.    أن الوعد بالشراء أو بالبيع، مصدر حق الخيار، يشترط فيه تحديد محل البيع أو الشراء الموعود به وثمنه وتاريخه أو الزمن الذي يتم خلاله.

5.    أن حق الخيار إذا كان مصدره العقد فهو محل هذا العقد الوحيد، ويسمى في هذه الحالة خياراً أصلياً ، وإذا كان مصدره الوعد من جانب واحد أو الإرادة المنفردة فإنه وإن كان هو محل هذا الوعد إلا أن الوعد نفسه يكون تابعاً لعقد أو عدة عقود تحكم علاقة معينة يكون طرفاها و محلها هما طرفا الوعد و محله، كوعد المستأجر شراء العين المؤجرة من المؤجر، فمحل عقد الإجارة و طرفاها هما محل الوعد و طرفاه ولو كانت هذه التبعية ذهنية وليست شرطية، أي أن هذا الوعد يصدر ضمن منظومة معينة من العقود والوعود بحيث يشكل عنصراها ما فيها بحيث يمكن القول بأن أطراف هذه العلاقة ما كان لهم الدخول فيها لو لم يصدر الوعد الذي يمنح الخيار من أحدهما لمصلحة الآخر، بشراء أو بيع العين محل العلاقة.

6.    إن محل حق الخيار التبعي، أي المال الموعود بشرائه أو ببيعه، قد يكون أسهماً وقد يكون أصولاً مالية أخرى تتوافر فيها الضوابط الشرعية للعقد الموعود به.

7.    أن الخيار نوعان خيار الشراء الذي يمنحه الواعد بالبيع (call option) وخيار البيع الذي يمنحه الواعد بالشراء (put option).

8.    أن مصدر أو مانح خيار الشراء، أي الواعد بالبيع، قد يكون مالكاً لمحل الخيار عند إصداره، كوعد المؤجر ببيع العين المؤجرة إلى المستأجر أثناء فترة الإجارة أو في نهاية مدتها بثمن معين، فإن ذلك الوعد ينشئ للمستأجر حق شراء هذه العين (call option)، وقد لا يكون مالكاً ويقوم بتملكه بناءً على الوعد بالشراء في التاريخ المحدد لتنفيذ الوعد واستعمال الخيار، كوعد المؤجر ببيع العين المؤجرة الموصوفة في الذمة إلى المستأجر في مدة الإجارة أو في نهايتها بثمن معين، فإن هذا الوعد ينشئ للمستأجر حق خيار الشراء لهذه العين ( call option) وهي غير مملوكة للواعد وقت منح حق خيار الشراء.

ثانيا:التمييز بين بيع الخيار المستقل القائم بذاته وبيع الخيار التابع لعقد معاوضة

 

إن موضوع البحث هو الخيار التبعي الذي مصدره الوعد أو الإرادة المنفردة وليس بيع الخيار المستقل القائم بذاته ولا بيع الخيار التابع لعقد معاوضة صحيح، غير أن ورقة العمل ذكرت هذا الموضوع ضمن الموضوعات المقترحة للبحث، وهو متعلق كما ترى بالتمييز بين بيع الخيار المستقل وبيع الخيار التابع فكان لزاماً علينا أن نتعرض لبيع الخيار الأصلي الذي مصدره العقد بشيء من التفصيل.

بيع الخيار المستقل القائم بنفسه

 

بيع الخيار المستقل القائم بنفسه ( الخيار الأصلي ) يعني عقد بيع للخيارمقابل ثمن محدد للخيار نفسه و ليس بين بائع الخيار ومشتريه علاقة تعاقدية سابقة أو معاصرة بحيث يعد هذا الخيار تابعاً أو ملحقاً أو مرتبطاً بها ولو لم يكن هذا الارتباط صريحاً.

ومثاله أن يشتري زيد من عمرو خيار شراء (100)سهم من أسهم شركة معينة بثمن محدد في تاريخ محدد أو خلال مدة معلومة، مقابل ثمن لهذا الخيار مقداره (20) دولاراً، فالمبيع هنا هو حق خيار الشراء بهذه القيود، والثمن هو 20 دولاراً، وصاحب أو مشتري حق خيار الشراء يستعمل هذا الحق في التاريخ أو خلال المدة المتفق عليها إذا كان سعر السهم في السوق أعلى من الثمن المتفق عليه للأسهم في عقد الخيار فيحقق بذلك ربحاً هو الفرق بين ثمن شراء السهم المتفق عليه في عقد شراء الخيار بالإضافة إلى ثمن أو رسوم الخيار وبين سعر السوق. أما إذا كان سعر السوق أقل من الثمن المتفق عليه في عقد الخيار بالإضافة إلى ثمن الخيار نفسه فإن صاحب حق خيار الشراء لن يستخدم هذا الحق، لأنه يرتب عليه خسارة، ويكتفي بخسارة ثمن حق الخيار.

وعقود شراء خيار الشراء و خيار البيع عقود باطلة شرعا بقرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 63 (7/1)

 

 

ويستوي في الحكم المتقدم للخيار الذي مصدره عقد معاوضة أن يكون هذا العقد مستقلا عن غيره بحيث يكون الخيار هو محله الوحيد أو أن يكون هذا العقد تابعاً لعقد معاوضة كالإجارة والمضاربة مثلاً، كأن يبيع المستأجر للمؤجر حق خيار بيع العين المؤجرة له في نهاية مدة الإجارة بثمن معين ، وذلك مقابل ثمن للخيار نفسه ، بجانب ثمن شراء العين نفسها ، وكأن يبيع المضارب لرب المال حق بيع موجودات المضاربة للمضارب في نهاية المضاربة مقابل ثمن محدد للخيار نفسه ، أما الخيار الذي مصدره الوعد من جانب واحد او الإرادة المنفردة فإنه يختلف عن الخيار الذي مصدر عقد بيع في أمور كثيرة. فالخيار الذي مصدره العقد يدفع مشتري الخيار له ثمناً مستقلاً عن ثمن محل الشراء أو البيع نفسه بخلاف الخيار الذي يمنح بمقتضى وعد ملزم لطرف واحد، فإن المستفيد لا يدفع في الخيار ثمناً غير ثمن محل الشراء أو البيع، والعقد يلزم طرفيه في حين أن الوعد يلزم الواعد وحده.

الصفة الشرعية لعقد بيع الخيار

لقد نظر المجمع ، عندما حكم على عقود الخيار ، إلى محل العقد وهو حق الخيار على أنه المحل الوحيد لهذا العقد ، وذكر أنه ليس مالا ولا منفعة ولا حقا ماليا يجوز الاعتياض عنه ومن ثم فقد قرر أنه عقد غير جائز شرعا ؛ ولم ينظر المجمع إلى متعلق حق الخيار ، وهو أنه خيار بيع أو شراء حال في المستقبل ، وهو جزء من المحل بل هو المحل نفسه ؛ لأن الكلام ليس عن مطلق خيار و إنما عن خيار بيع أو خيار شراء في تاريخ مستقبل ، وبذلك لم يتعرض المجمع لبيان الصفة الشرعية لهذا العقد وحكمه فيما يتعلق بعقد البيع أو الشراء في المستقبل عندما يرغب مشتري الحق في استعماله . والذي أراه هو أنه حتى على فرض أن حق الخيار حق مالي ، فإن هذه المعاملة باطلة وذلك على النحو التالي:

1.           عقد بيع الخيار يعد مواعدة من الجانبين بإبرام عقد بيع أسهم أو أصول معلومة بثمن معلوم في تاريخ محدد أو خلال مدة معلومة في المستقبل.

2.          هذه المواعدة ملزمة لأحد العاقدين، وهو بائع حق الخيار دون الآخر وهو مشتري حق الخيار، والمواعدة إذا كانت غير ملزمة للمتواعدين أو لأحدهما فهي جائزة شرعاً.

3.          أن الملتزم في هذه المواعدة وهو بائع حق الخيار يتقاضى ثمناً لالتزامه الذي يرتب حق خيار للمتواعد الآخر.

4.          والسؤال إذن هو هل يجوز تقاضي عوض مالي عن التزام شخص لآخر إذا كان هذا الالتزام يرتب للآخر حقا مالياًً؟

والجواب على هذا السؤال يقتضي البحث عن الصفة الشرعية للحق الذي يمنحه هذا الوعد الملزم من جانب الواعد، لان هذا الحق هو الذي يتقاضى عليه الواعد عوضاً مالياً، وليس مجرد الالتزام.

ونحن لا نرى في أن هذا الحق حق مالي بالمعنى الدقيق للحقوق المالية، لأنه يرتب لصاحب الحق منفعة مالية، وهو شراؤه للأسهم بالسعر الموعود به في حالة ارتفاع ثمنها في السوق عن الثمن الموعود به، فهو حق له قيمة مالية فيجوز التعويض عنه بالمال وقد اتفق فقهاء العصر على أن الواعد بالشراء في عقد المرابحة يلتزم بتعويض الموعود له ( البنك ) عن الضرر الفعلي الذي يلحقه إذا أخل بوعده.

ولكن ينبغي أن تطبق أحكام الوعد كاملة  على هذه المعاملة والواقع العملي يقطع بغير ذلك فكانت باطلة وذلك على النحو التالي:

5.           أنه في حال رغبة المستفيد من الوعد في تنفيذ العقد وموافقة الواعد الآخر فلا بد من إنشاء عقد جديد تترتب عليه آثاره عند عقده، ولا يكفي ترتيب هذه الآثار على مجرد الوعد السابق واعتباره إيجاباً واعتبار طلب المستفيد تنفيذ الوعد قبولاً يترتب عليه عقد بيع الأسهم.

6.          إذا رفض الواعد بالبيع تنفيذ وعده بالتوقيع على عقد البيع فليس للمستفيد إجباره على التوقيع، ولا الحصول على حكم قضائي بذلك  واعتبار الحكم بمثابة توقيعه على عقد البيع، وكل ما يملكه المستفيد في حالة رفض الواعد الدخول في عقد البيع هو شراء البضاعة من السوق و مطالبة الواعد بالتعويض عن الضرر الفعلي الذي أصابه من جراء عدم بيع الواعد للأسهم التي وعد ببيعها له بالثمن المتفق عليه.

7.          ولكن ما هو الضرر الفعلي في هذه الحالة؟

هل يتحدد الضرر الفعلي بالفرق بين شراء المستفيد للأسهم من السوق والثمن المحدد في الوعد؟ كأن يكون الثمن الموعود به مائة واشتراها من السوق بمائة وعشرين.

 

والجواب: لا لأن هذا الفرق ليس خسارة أو ضررا فعلياً، بل ربحاً فائتاً لأن الفرض أن البيع لم يحدث، كما في حالة رجوع الواعد بالشراء في المرابحة عن وعده قبل شراء البنك لبضاعة المرابحة فإن الضرر الفعلي لا يتحدد بالفرق بين ثمن بيع البضاعة في السوق وتكلفتها ولا الفرق بين هذا الثمن والثمن الموعود به، لأن الفرض إن البيع لم يتم، وإنما يتحدد التعويض بما أنفق البنك من نفقات ومصروفات فعلية كأجور الفاكسات والتليفونات والعمولات.

أما إذا لم يشتر المستفيد الأسهم الموعود ببيعها له من السوق فليس له حق المطالبة بالفرق بين ثمنها في السوق والثمن الموعود ببيعها له،  بل  ليس له المطالبة بالتعويض عن الضرر أصلا.

8.          وهذه الأحكام لا تترتب على عقود شراء وبيع الخيارات ( options) في سوق الخيارات، بل إن الوسيط ينفذ الصفقة في موعدها دون حاجة إلى إرادة بائع الخيار ومشتريه، أي دون حاجة إلى عقد بيع جديد مستقل كما هو الشأن في كل وعد بالبيع فإنه يحتاج إلى إبرام عقد بيع مستقل بإيجاب وقبول.

9.          ومن جهة أخرى فإن الوسيط يجري التسوية دون عمليات بيع أو شراء فعلي فبائع الأسهم لا يلزمه تسليمها إلى مشتريها والمشتري لها لا يلزمه دفع الثمن، بل يستحق الفرق ين ثمن شراء الأسهم المتفق عليه بالاضافة إلى ثمن الخيار نفسه، وسعر السوق في تاريخ رغبته في تنفيذ خياره إذا كان سعر السوق أعلى.

10.    وكل هذا يقطع بأن عقد شراء أو بيع الخيارات كما تنظمه قوانين السوق ويجري عليه العمل، لا يمكن أن يخرج على حكم المواعدة بين الجانبين حتى إذا اعتبرنا هذا العقد مواعدة من الجانبين ملزمة لأحدهما فقط، لأن أحكام هذا العقد كما ينفذ في السوق مخالفة لأحكام الوعد.

 

حكم عقد بيع الخيار التابع

 

هذا العقد لا يختلف في نظرنا عن عقد بيع الخيار الأصلي في الصفة الشرعية ولا في الحكم، فهو مواعدة من الجانبين على إبرام عقد معاوضة يفيد الملك في تاريخ معين. هو عقد شراء أسهم معينة بثمن محدد في تاريخ محدد أو خلال مدة محددة، غير أن هذه المواعدة تلزم احد طرفيها فقط وهو بائع حق خيار الشراء أو البيع دون الآخر الذي يعد مستفيداً من وعد الآخر وليس ملتزماً بوعده للآخر.

ولذا فإن حكم المواعدة الملزمة لأحد طرفيها يطبق على هذا العقد، فكان يمكن أن يكون لو صحيحاً كما تقدم أن أحكام الوعد يجب طبقت عليه، وهو ضرورة الدخول في عقد بيع أو شراء مستقل بين الطرفين إذا رغب المستفيد استخدام حقه في الشراء أو البيع، ووقوع عملية بيع فعلية يترتب عليها انتقال ملكية الأسهم على صاحب حق الشراء أو البيع وملكية الثمن إلى بائع هذا الحق، وأنه إذا امتنع الواعد بالبيع أو الشراء عن توقيع عقد البيع فإنه ليس للمستفيد في هذه الحالة هو طلب التعويض عن الضرر الفعلي الذي تحمله من جراء عدم دخول الواعد في عقد البيع. وليس من الضرر الفعلي الفرق بين ثمن شراء الأسهم الموعود ببيعها في السوق في حالة حق الشراء والثمن الموعود به، لأن هذا الفرق كما ذكرنا ليس خسارة لحقته أو ضرراً فعلياً بل ربح أو فائدة لأن الفرض أن البيع لم يتم. وهل تعد من الضرر الفعلي أو الخسارة المتحققة ثمن الخيار الذي دفعه مشتري حق الخيار، وهذا على فرض صحة هذا العقد، لأنه يطبق في السوق حسب أحكام الوعد الملزم من جانب الواعد في الشريعة الإسلامية وهذا فرض باطل؟

 

والجواب: نعم يمكن اعتبار الثمن الذي دفعه مشتري حق الخيار ضرراً فعلياً إذا لم يقم الواعد بتنفيذ وعده. وقد ذكرنا سابقاً أن عقد بيع خيار الشراء أو خيار البيع لا تترتب عليه أثار الوعد الملزمة من جانب واحد في التطبيق العملي فكان باطلاً لذلك. 

 

رابعاً: التطبيقات الاقتصادية في منح الخيار التبعي

 

المقصود بالخيار التبعي في هذه التطبيقات هو الخيار الذي مصدره الوعد الملزم الصادر من جانب واحد، ضمن عقود معاوضة بحيث يكون حق الخيار تابعا لهذه العقود وليس مستقلا عنها  وليس عقد المعاوضة الصادر عن عاقدي الخيار الأصلي كما تقدم.

 

1.    منح الشركة خيار شراء أسهمها لموظفيها

 هذا الخيار مصدره الوعد الملزم من الشركة، ببيع عدد معين من أسهمها لموظفيها الذين توافرت فيهم شروط معينة، مقابل ثمن محدد لهذه الأسهم في تاريخ محدد أو خلال مدة محددة وبشروط محددة، وواضح أن هذا الخيار يكون تابعاً لعقد العمل بين الشركة وموظفيها. وهذه التبعية قد تتمثل في النص على حق خيار الشراء للموظف في عقد العمل نفسه أو ضمن لوائحها وقد تمنح الشركة خيار الشراء للموظف بعد إبرام عقد العمل وأثناء ممارسته للعمل، أي بوعد لاحق لعقد العمل.

ومنح حق خيار الشراء يصدر من الشركة دون مقابل مالي محدد مستقل مقابل حق الخيار نفسه وإن كان هذا المقابل يؤخذ في الاعتبار عند تحديد الأجر وبقية شروط العمل، فقد يقبل الموظف أجراً معيناً من شركة تمنح موظفيها حق خيار شراء أسهمها بثمن معين، ولا يقبل هذا الأجر من شركة لا تمنح هذا الحق. وقد تشترط الشركة فيمن تمنحه هذا الحق مستوى أداء راق أو قيامه بإنجاز معين أو على الأقل تتوقع ممن تمنحه هذا الحق هذا المستوى من الأداء أو الإنجاز فيكون عوض الخيار مراعى في المستقبل، مثل تعهد الموظف بالبقاء مع الشركة مدة معينة حتى يمكنه استخدام حق خيار الشراء وهذا الخيار يصدر بوعد ملزم من جانب الشركة وحدها، ويكون للموظف حق استخدام خيار شراء الأسهم بالثمن الموعود به أو ترك هذا الحق.

 والذي أراه هو أن منح الشركة لهذا الحق لموظفيها يدخل في باب التزام التبرع في الفقه المالكي، وهو يلزم الشركة ببيع الأسهم محل حق الخيار بالثمن المحدد في الوعد سواء كان منح حق خيار الشراء قد صدر ضمن شروط عقد العمل أو بوعد منفرد من الشركة أي بوثيقة مستقلة.

ويرى فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي أن أساس حق خيار الشراء الذي تمنحه الشركة لموظفيها ليس هو الوعد الملزم، بل هو الإيجاب الملزم عند بعض المالكية فالشركة تعرض على موظفيها بيع أسهم محددة بثمن محدد في تاريخ معين أو خلال مدة معينة، وهذا العرض أو الإيجاب يلزم الشركة المحددة فيه فإذا قبله الموظف انعقد البيع، ورتب فضيلته على ذلك القول بجواز التنازل عن هذا الحق والتصرف قيه بعوض أو بغير عوض، ويعد هذا التصرف نفسه قبولاً للإيجاب الملزم القائم الذي قدمته الشركة، وهذا يعني في نظر فضيلته أنه عقد معاوضة ممزوج بالمكارمة لأن الثمن فيه ليس محدداً معلوماً استقلالاً، بل مراعى في شروط العمل، بحيث يكون معها حزمة واحدة.

ويترتب على نظر فضيلته أن ليس للشركة حق في الرجوع في هذا الإيجاب مادامت قد حددت له مدة وأن قبول الموظف يتم به العقد فلا حاجة إلى عقد جديد كما هو الحال في تأسيس حق الموظف على الوعد الملزم الذي ينشيء خيار الشراء للموظف.

وأما عن القول الذي اخترناه وهو أن أساس هذا الخيار هو الوعد الملزم فإنه يثور سؤال هو حكم نكول الشركة عن الوفاء بوعدها ورفض بيع الأسهم  الموعود ببيعها إلى الموظف عند إعلان رغبته في الشراء.

القاعدة الشرعية في الوعد الملزم عند القائلين به هي التزام الواعد بتعويض المستفيد من الوعد، أي الموظف في هذه الحالة، عن الضرر الفعلي الذي أصابه من جراء نكول الواعد، وهو هنا الشركة، عن الوفاء بالوعد، ويتحقق هذا الضرر بدخول المستفيد اعتمادا على الوعد ؛ في معاملة أو تصرف يكبده تكاليف أو مصروفات ما كان ليتحملها لولا هذا الوعد، كأن يقوم المستفيد من الوعد بالشراء،أي صاحب خيار البيع، بشراء المال محل الخيار أي الموعود بشرائه كقيام البنك بشراء بضاعة المرابحة التي وعد المتعامل بشرائها من البنك اعتمادا على هذا الوعد الذي لولاه لما قام المستفيد من الوعد بشراء هذه البضاعة. فإذا تخلف الواعد عن الشراء بعد تملك البنك للبضاعة وقبضها فإن للبنك المستفيد من الوعد أن يبيع البضاعة في السوق، ويستحق الفرق بين ثمن البيع وتكلفة شراء البضاعة، وهو خسارة محققة، ولا يستحق البنك المستفيد الكسب أو الربح الفائت وهو الفرق بين ثمن بيع البضاعة في السوق وثمن الشراء الموعود به، لأن الفرض أن الشراء لم يتم. فإذا لم يبع البضاعة في السوق فلا حق له في التعويض أو المطالبة مباشرة بالفرق بين سعر السوق والتكلفة، لأن الضرر ليس محققاً أو واقعاً أي أن المستفيد لا يستطيع طلب التسوية دون طلب بيع البضاعة.

إما إذا رجع الواعد مانح حق خيار البيع عن وعده في هذه الحالة قبل أن يشترى البنك بضاعة المرابحة فإن البنك المستفيد صاحب حق الخيار لا يستحق إلا المصروفات الفعلية التي أنفقها في سبيل التمهيد لشراء بضاعة المرابحة.

وفي جميع الأحوال فإن حكم الوعد يقتصر على حق المستفيد من الوعد، أي مالك الخيار في مطالبة الواعد أي مانح هذا الحق بالتعويض دون إلزامه بتنفيذ وعده عيناً أي بتوقيع عقد شراء البضاعة جبرا.ً لأن صحة العقود تعتمد على حرية الإرادة، بل ليس للمستفيد حق الحصول على حكم قضائي يقوم مقام توقيع الواعد بالشراء على عقد شرائه وهو التنفيذ العيني.

 

·       وبناءً على ذلك فما هو حكم الوعد الصادر عن الشركة ببيع أسهمها إلى موظفيها؟

لا خلاف في أن هذا الوعد يلزم الشركة بالبيع إذا توافرت شروطه وطلبه الموظف ولكن ما الحكم إذا طلب الموظف الشراء وامتنعت الشركة عن البيع؟

حسب أحكام الوعد الملزم فإن كل ما يملكه الموظف في هذه الحالة هو مطالبة الشركة بالتعويض عن الضرر الفعلي الذي تكبده من جراء امتناع الشركة عن تنفيذ وعدها ببيع الأسهم التي وعدت ببيعها له، وعليه هو أن يثبت هذا الضرر، وأنه دخل في معاملة، اعتمادا على هذا الوعد، كبدته بعض المصروفات، وأنه ما كان له أن يدخل في هذه المعاملة لولا هذا الوعد.

·       ولكن هل يستحق الموظف أن يقوم بشراء الأسهم الموعود بشرائها من السوق ويطالب الشركة بالفرق بين ثمن الشراء والثمن الذي وعدت الشركة أن تبيعه به؟

إن أحكام الوعد الملزم تأبي ذلك، لان هذا الفرق ليس ضرراً فعلياً، بل هو ربح أو كسب فائت، لأن الفرض أن واقعة البيع لم تتم، وهذا السؤال نفسه يثور في حالة ما إذا وعد المؤجر ببيع العين المؤجرة إلى المستأجر بثمن معين في نهاية مدة الإجارة أو خلال هذه المدة ورفض المؤجر تنفيذ وعده ويكون السؤال هو هل يجوز للمستأجر أن يشتري عيناً مماثلة ( أي بنفس صفات العين المؤجرة) ويطالب المؤجر بالفرق بين ثمن الشراء وثمن البيع الموعود به؟

ونقول إن قواعد وأحكام الوعد الملزم لا تعطيه هذا الحق، لأن حقه ينحصر في التعويض عن الضرر الفعلي وليس عن الفرصة البديلة ولا الربح الذي فاته بسبب عدم إتمام صفقة البيع.

والذي أراه هو أن جميع مسائل الوعد لا زالت محل اجتهاد، وأنه يجب إعادة النظر في دور الوعد في المعاملات، والأحكام والآثار المترتبة على كل نوع من أنواع الوعد، التي تنوعت ودخلت في كثير من المعاملات.

والذي يترجح عندي هو الحكم بوجوب تعويض الشركة للموظف عن إخلالها بالوعد، وأن تدفع له الفرق بين ثمن شراء الأسهم من السوق والثمن الموعود به.

وعلى القول بأن الشركة الواعدة ببيع أسهمها لموظفيها تلتزم في حالة إخلالها بوعدها بتعويض الفرق بين ثمن شراء الموظف للأسهم من السوق والثمن الذي وعدت بالبيع به، فهل شرط التعويض أن يقوم الموظف بشراء الأسهم فعلاً حتى يستحق التعويض أم أنه يكفي أن يثبت أن ثمن الأسهم في السوق أكثر من الثمن الموعود به فيستحق الفرق دون أن يقوم بعملية الشراء؟ لماذا تشتري الشركة الأسهم من السوق بمائة و عشرين و تبيعها له بمائة ثم يبيعها هو بمائة و عشرين.

وهذا السؤال نفسه يثور في حالة نكول الواعد بالشراء في المرابحة عن الشراء بعد شراء البنك لبضاعة المرابحة فهل يملك البنك مطالبة الواعد بالشراء بالفرق بين ثمن بضاعة المرابحة في السوق والتكلفة دون أن يقوم البنك ببيع البضاعة في السوق فعلاً وهو ما يسمى بالتسوية وخصوصاً إذا كان للبضاعة سوق تعلن فيها الأسعار عند الافتتاح والإغلاق؟

لقد أصدرت بعض المؤسسات المالية بعض المنتجات وسلكت فيها هذا المسلك وهو قريب من المضاربة على أسعار السلعة في السوق إذ أن الضرر لا يتحقق في حالة الوعد بالبيع مع النكول إلا بشراء المستفيد السلعة من السوق بأكثر من ثمنها الموعود به، أو بيعها في السوق في حالة الوعد بالشراء بأقل من الثمن الموعود به.

أما إذا لم تقع عملية بيع ولا شراء للأسهم فلا ضرر يقع على المستفيد مالك حق خيار البيع أو حق خيار الشراء.

والخلاصة هي أنه يجوز للشركة أن تعد موظفيها وعدا ملزماً، في عقد العمل أو في مستند لاحق، ببيع عدد معين من أسهمها بثمن معين في تاريخ معين او خلال مدة معينة، وان هذا الوعد وفقاً لقواعد الوعد الملزم المتفق عليها بين فقهاء العصر يمنح الموظف حق خيار شراء هذه الأسهم، وأن له حق شرائها من السوق إذا رفضت الشركة بيعها له وأنه يستحق التعويض في هذه الحالة عن الضرر الفعلي  الذي لحق به من جراء عدم وفاء الشركة بوعدها ببيع هذه الأسهم وأن الضرر الفعلي لا يتمثل في الفرق بين شراء الأسهم من السوق والثمن الموعود به لأن الفرض أن البيع لم يتم فيكون هذا الفرق ربحاً فائتاً أو فرصة ضائعة، بل على الموظف إثبات الضرر والعمل الذي أدخله فيه الوعد ورتب عليه التزامات، وأنه لا يستحق شيئاً إذا لم يطلب شراء الأسهم من الشركة، أو لم يشترها من السوق بعد رفض الشركة بيعها له، بل طلب مجرد التسوية وأخذ الفرق.

والذي أراه هو أن للموظف في حالة إخلال الشركة بوعدها في بيع ما وعدت ببيعه، الحق في شراء الأسهم من السوق، وأنه إذا قام  بشراء هذه الأسهم من السوق فعلاً فله مطالبة الشركة بالفرق بين ثمن الشراء والثمن الموعود به، لأن الشركة تمنح الموظف حق خيار الشراء عند تحديد الأجر وبقية شروط العمل، مما يبرر القول بأن الموظف ما كان ليقبل شروط العمل لولا وعد الشركة له ببيع الأسهم، أو بعبارة أخرى فإن الشركة قد راعت في تحديد الأجر هذا الخيار فكأنه جزء من الأجر ومن ضمن شروط العمل.

و الراجح عندي أنه يكون داخلاً في المعاوضة مع خيار الفسخ حكماً وإن خالف أحكام الوعد. وعلي القول بجواز ذلك فإن استحقاق الموظف لهذا التعويض يتوقف على قيامه بشراء الأسهم فعلاً من السوق فإذا لم يقم بالشراء فلا حق له في هذا الفرق.

 

2.    منح حق الخيار لمقدم التمويل

 

قد تصدر الشركة طالبة التمويل وعدا ببيع أسهمها لمقدمي هذا التمويل بصيغة من صيغ التمويل الشرعية، وغالباً ما يكون ذلك في صكوك الإجارة أو المضاربة أو المشاركة، وهذا الوعد بالبيع يمنح المستفيد منه وهي البنوك الممولة حق خيار شراء أسهم الشركة بثمن معين وفي تاريخ معين أو خلال مدة محددة، ويتمثل ذلك في الغالب في منح حملة الصكوك حق خيار استبدال أسهم في الشركة بصكوكهم، أي أن هذه الصكوك لا تطفأ نقداً بل تطفأ كليا أو جزئيا، بمقابل هو أسهم في الشركة طالبة التمويل، وعادة ما يحدد ثمن بيع الأسهم من خلال آلية أو صيغة معينة.

وقد يصدر هذا الوعد وما يترتب عليه من منح خيار الشراء كشرط من شروط عقد التمويل، وقد يصدر بوثيقة مستقلة ضمن مستندات التمويل وإن كانت توقع في مجلس واحد مع بقية المستندات على ترتيب معين.

والذي أراه هو أن منح حق خيار الشراء يجب أن يكون بمقتضى وعد مستقل عن مستندات التمويل مراعاة لمبدأ عدم الجميع بين العقود واشتراط بعضها في بعض، والشركة تمنح خيار الشراء للبنوك الممولة بعقد من عقود التمويل الشرعية دون ثمن محدد مستقل لمنح هذا الخيار وإن كان هذا الثمن مراعى في بقية عقود التمويل عند تحديد تكلفة التمويل وشروطه، فكأن منح خيار شراء الأسهم أو استبدال أسهم الشركة بصكوك الاستثمار يكون بمقابل مراعى عند تحديد عوائد أو أرباح التمويل وشروطه، فقد يقبل البنك الممول عائد هو 20% من أرباح المضاربة مع  القيمة الاقتصادية  لحق شراء أسهم الشركة طالبة التمويل بثمن معين، ولكنه لا يقبل هذه النسبة إذا لم يمنح هذا الحق.

وما أثير بشأن خيار الشراء الذي تمنحه بعض الشركات لموظفيها من قضايا يثار مثله هنا ومن هذه القضايا:

1.          هل يجوز منح هذا الحق في عقود التمويل نفسها كشرط من شروط التمويل أم لا بد من أن يكون ذلك في وعد مستقل وإن كان هذا الوعد يوقع معها وتالياً لها في  الترتيب؟

الذي أراه أن شرط منح خيار الشراء في عقد من عقود التمويل لا يبطلها لان ذلك لا يدخل في باب اجتماع العقود وشرط بعضها في بعض، لأن الوعد ليس عقداً ولا جزءاً من عقد وإن كنت أفضل أن يكون مثل هذا الوعد في مستند مستقل عن عقود التمويل.

2.          هل يملك المستفيد صاحب حق خيار الشراء أن يشتري الأسهم الموعود بشرائها من السوق والمطالبة بالفرق بين ثمن الشراء والثمن الذي وعدت الشركة أن تبيعه به؟

والجواب: أن هذا محل اجتهاد وأحكام الوعد لا تبرره، لأن هذا الفرق لا يمثل ضررا فعليا واقعاً ولكن يمثل ربحا أو كسباً فائتاً، والتعويض في حالات الاخلال بالوعد إنما يكون عن الضرر الفعلي الذي لحق بالمستفيد من الوعد بدخوله في تصرفات تلزمه أو ترتب عليه تكاليف ومصروفات لم يكن ليدخل فيها لولا ذلك الوعد. والذي أختاره هو جوازه مع عدم التوسع فيه لان سنده هو التزام التبرع ولم يقل به غير المالكية من الفقهاء وفي حالات وبقيود معينة يصعب التوسع فيها.

3.          وعلى القول بجواز شراء المستفيد للأسهم الموعود ببيعها من السوق ومطالبة الواعد بالفرق بين السعر الذي اشترى به المستفيد الأسهم من السوق والسعر الذي وعدت الشركة أن تبيع به الأسهم للممولين، هل يستحق الممول هذا الفرق حتى ولو لم يقم بشراء الأسهم، بأن يطالب بالتسوية أي بالفرق بين سعر السوق لهذه الأسهم والسعر الموعود بيع الأسهم به؟

الذي أراه هو عدم استحقاق المستفيد للفرق مالم يقم بعلمية الشراء، لأنه ليس هناك ضرر أو خسارة فعلية، ولقد ذكرت أن بعض المؤسسات المالية قد أصدرت منتجات تسلك ذلك المسلك وأخشى أن يتحول ذلك إلى مقامرة.

4.          هل يجوز للمستفيد صاحب حق الشراء أي البنك الممول في حالة رفض الشركة بيع الأسهم الموعود ببيعها له أن يتصالح مع الشركة على أنه بدلا من شراء هذه الأسهم من السوق فإنه يعطى الفرق بين سعر السوق والسعر الموعود به أو اقل من ذلك أو أكثر؟أي التسوية الودية باتفاق الطرفين عند إجرائها.

الذي أراه أن ذلك جائز، وهو من باب الاتفاق على تقدير التعويض.

5.          هل يجوز توكيل الواعد بالبيع المستفيد من الوعد في شراء الأسهم الموعود ببيعها من السوق بصفته وكيلاً عنه ثم شراؤها لنفسه والمطالبة بالفرق بين ثمن الشراء والثمن الموعود به؟

الظاهر أنه لا مانع من ذلك ولكن بشرط أن يتم بيع الأسهم من الشركة إلى الممول (المستفيد) بإيجاب يصدر من المستفيد بالأصالة عن نفسه بعد شراء الأسهم إلى الشركة الواعدة، وتلقي قبولاً منها لهذا الإيجاب للفصل بين الضمانين.

6.          ما هي الصفة الشرعية لوعد الشركة لمموليها ببيع أسهمها وما يترتب على هذا الوعد من منح حق خيار شراء هذه الأسهم للممول، هل هذا من قبل التبرع الخالص أو المعاوضة؟ والذي أراه أنه من قبل المعاوضة مع خيار الفسخ للممول التي تراعى في شروط وعوائد وتكلفة التمويل.

7.           وأخيراً فإن ما قاله فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي في خيار الشراء الذي تمنحه الشركة لموظفيها ينطبق على خيار الشراء الذي تمنحه الشركة طالبة التمويل لمموليها، وعلى قوله فإن هذا الخيار يمنح بعقد معاوضة فإنه بيع بإيجاب ملزم صادر من الشركة محدد المدة لبيع أسهمها لمموليها ينعقد بقبول الممولين. ويفترق في ذلك عن الوعد الملزم الذي يحتاج إلى عقد بيع جديد بإيجاب و قبول ، بخلاف الإيجاب الملزم فإنه لا يحتاج إلا إلى قبول المستفيد من الوعد.  

 

3.    منح الشركاء خيار شراء أسهم الشركة لشريك جديد

 

لا مانع شرعاً من قيام الشركاء الحاليين في الشركة بإصدار وعد ببيع بعض أسهم الشركة لمن يرغبون في انضمامه إلى الشركة وذلك بثمن محدد في تاريخ محدد أو خلال مدة محددة وذلك يكون من خلال وعد ملزم من جانبهم وحدهم يترتب عليه منح الشريك المرتقب حق خيار شراء هذه الأسهم وهنا تثار بعض التساؤلات:

1.    هل يشترط أن يكون للشركاء مصلحة مالية في إصدار هذا الوعد الذي يرتب حق خيار الشراء للمستفيد بثمن في الغالب أقل من السوق أم أن ذلك تبرع محض؟

- الواضح أن تصرفات العقلاء التي لا يقصد بها مجرد التبرع والإحسان إلى المستفيد لا تكون إلا لمصلحة اقتصادية تعود عليهم، غير أن هذه المصلحة قد لا تكون مباشرة ومحددة استقلالاً بمبلغ محدد من المال، بحيث تصلح ثمناً لمنح حق خيار الشراء، بل تكون مصلحة أو منفعة أو خدمة متوقعة من انضمام هذا الشريك للشركة لما يتمتع به من سمعة تجارية أو صلات وعلاقات بالمتعاملين مع الشركة أو خبرات متميزة تستفيد منها الشركة. أي أن العوض واقع أو متوقع ولكنه عيني لا نقدي.

ومثل هذا يقال في منح الشركة خيار شراء أسهمها لموظفيها، ومنح الشركة خيار شراء أسهمها لمموليها، فإن للشركة مصلحة اقتصادية ظاهرة في ذلك وإن لم تكن محددة وإلا لدخل هذا الحق في دائرة التبرعات التي تمنع قوانين الشركات مجلس الإدارة منها إلا في حدود معينة.

وهذا يعني أن الشركة المانحة لحق خيار الشراء تأخذ عنه عوضاً مالياً يتمثل في مصلحة مالية،

والواقع أن الشركة التي تمنح خيار الشراء لموظفيها أو لمموليها تحدد ثمن شراء الأسهم بأقل من سعر السوق عادة مقابل قبولهم بشروط توظيف أو تمويل تحقق مصلحة الشركة، ومن هنا فإن قصدها هو ترغيب الموظفين والممولين على الشراء، والحصول على ثمن محدد مستقل لمنح حق الخيار ينافي ذلك.

ويقال في هذه الصورة ما قيل في سابقاتها من حيث آثار نكول الواعد مانح حق خيار الشراء وحق المستفيد في التعويض وحقه في شراء الأسهم من السوق واستحقاق الفرق، وضرورة عملية الشراء حتى يثبت الضرر الفعلي  وعدم الاكتفاء بمعرفة سعر السوق وأنه أعلى من الثمن الموعود به وتسوية الفرق.

 

خامساً: مقارنة الخيار التبعي مع صيغ تقاربه

 

1.                الفرق بين الخيار التبعي والبيع مع خيار الشرط

 

الخيار التبعي مصدره الوعد الملزم، ويتم بإرادة واحدة، ويلزم الواعد وحده دون المستفيد منه منذ صدوره، وإذا طلب المستفيد من الواعد تنفيذ وعده وجب إنشاء عقد بيع بين الواعد والمستفيد وذلك بإيجاب وقبول جديدين، فالوعد ليس عقدا ولا جزءاً من عقد، أي لا يعد إيجابا من جانب الواعد ينعقد به بيع إذا قبل المستفيد كالإيجاب الملزم عند المالكية.

أما البيع مع خيار الشرط فهو بيع كامل يتم بإيجاب وقبول، وهو عقد ملزم لعاقديه منذ لحظة صدروه و تترتب عليه أثاره، ولكن شرط فيه حق خيار فسخه لأحد عاقديه، فإذا لم يستخدم هذا الحق مضى العقد وترتبت عليه جميع آثاره دون حاجة إلى إبرام عقد جديد، أما إذا اختار من شرط له خيار الفسخ فسخ العقد فإنه ينعدم.

 

2.                الفرق بين الخيار التبعي والجعالة

 

الخيار التبعي هو كما ذكرنا، أما الجعالة فهي تصرف أو إيجاب من جانب واحد موجه إلى العامة يقدم فيه الجاعل بإرادته المنفردة عوضاً مالياً يسمى مكافأة أو جعلاً لمن يقوم بتنفيذ عمل أو إنجاز أو اختراع معين، وليست هناك علاقة تعاقدية بين الجاعل ومن يقوم بهذا العمل. ويستحق من يقوم بهذا العمل أو الإنجاز العوض الذي حدده الجاعل دون حاجة إلى إبرام أي عقد أو أتفاق بينه وبين الجاعل.

 أما الخيار التبعي وإن كان مصدره الإرادة المنفردة مثل الجعالة فإنه يعطى صاحبه حق شراء أو بيع مال معين بثمن معين في تاريخ محدد أو خلال مدة معينة ولا بد من إنشاء هذا العقد إذا أراد صاحب حق الخيار أن يمارس خياره ويطلب من مانح حق الخيار الدخول معه في هذا العقد.

فالخيار التبعي والجعالة، يشتركان في أنهما تصرف بإرادة منفردة وترتب التزاما على الواعد والجاعل إلا أن محلهما مختلف فمحل الخيار هو شراء أو بيع ما يجوز شراؤه وبيعه، ومحل الجعالة استحقاق المال لمن قام بالعمل محل الجعالة، ويترتب على اختلاف المحل اختلاف الأحكام. 

 

3.                الخيار التبعي وحق أولوية الشركاء في المشاركة في زيادة رأس المال

الخيار التبعي يعني منح طرف معين يسمى الواعد لطرف آخر يسمى المستفيد حق خيار شراء أو بيع مال معين بثمن معين في تاريخ معين أو خلال فترة محددة، وبشروط محددة، ومصدره وعد ملزم من مانح حق الخيار إلى المستفيد منه، أما حق أولوية الشركاء في الشركة فيحدده القانون أو نظام الشركة بحيث ينص القانون أونظام الشركة على أنه عند زيادة رأس مال الشركة فإن هذه الزيادة تطرح أولاً على مساهمي الشركة بنسبة الأسهم التي  يملكها كل مساهم  في الشركة فإذا بقيت زيادة لم يكتتب فيها المساهمون فإنها تطرح على الغير.

ويشترك هذا الحق مع خيار الشراء في أن المستفيد منهما يملك حق الشراء و عدمه إلا أن صاحب حق الأولوية لا يحتاج إلى موافقة بقية الشركاء أو الدخول مع أحد في عقد جديد، بل يكفيه عدم الرفض بخلاف حق خيار الشراء فإن المستفيد يحتاج إلى موافقة مانح الحق على الدخول في عقد البيع فإن رفض استحق المستفيد التعويض على النحو المتقدم.

 

سادساً: ممارسة حق الخيار التبعي

 

هل يجوز تداول الخيار التبعي قبل حلول أجله؟

الخيار التبعي يمنح بناءً على وعد بالبيع أو بالشراء الذي يصدره مانح الخيار إلى المستفيد، فإذا كان الوعد بالبيع فإنه يمنح المستفيد حق خيار الشراء (call option)  وإذا كان الوعد بالشراء فإنه يمنح المستفيد حق خيار البيع (put option).

ولقد ذكرت أن حق خيار الشراء وحق خيار البيع التبعي حق مالي، ولذلك كان الأصل أنه يمكن تداوله والاعتياض عنه بالطرق الشرعية،  و ويقوي ذلك  أن لصاحب هذا الخيار الحق في التعويض عن الضرر الفعلي الذي يصيبه في حالة إخلال الواعد بوعده ورفضه الدخول مع المستفيد في عقد البيع تنفيذاً لوعده. وقد جرى العمل في بعض الأحيان على النص في الوعد الذي ينشئ حق الخيار أن الواعد يتعهد بالشراء أو بالبيع للمستفيد أو لمن يحدده ذلك المستفيد، فيكون  للمستفيد في هذه الحالة أن يحدد شخصا كالمستأجر من الباطن مثلا يحق له مطالبة الواعد بتنفيذ وعده والتعويض عن الضرر الفعلي الذي يصيبه عند نكول الواعد عن تنفيذ وعده.

غير أن هذا الأصل يخضع للضوابط الشرعية وذلك على النحو التالي:

 

تداول خيار البيع قبل أجله:

مثال خيار البيع أن يمنح المستأجر لعين لمؤجرها حق خيار بيعها له في نهاية مدة الإجارة بثمن معين ، وذلك عن طريق وعد المستأجر بشراء هذه العين ، والسؤال هو : هل يجوز للمؤجر أن يتنازل للمستأجر عن خياره قبل نهاية مدة الإجارة ، بعوض أو بغير عوض؟

الظاهر أن تنازل المؤجر عن خيار بيع العين المؤجرة للمستأجر يعني تنازله عن هذا الحق نفسه ويسقط بذلك حقه في مطالبة المستأجر بتنفيذ وعده بشراء هذه العين ، وهذا ليس فيه مانع شرعي فيما يظهر لنا ، وهل يجوز للمؤجر أن يأخذ عوضا عن هذا التنازل؟

الذي أراه أنه لا مانع من الاتفاق على ذلك ويكون من باب الصلح على الحقوق.

أما تنازل المؤجر عن خيار بيع العين المؤجرة إلى طرف ثالث غير المستأجر الواعد بشراء هذه العين فإنه يعني أن حق الخيار ينتقل من المؤجر إلى طرف ثالث لا يملك هذه العين ومن ثم يتعذر عليه أن يطلب من المستأجر أن يشتري منه هذه العين، فضلا عن أن حق الخيار وإن كان حقا ماليا إلا أنه حق شخصي، وليس حقا عينيا أي يتعلق بالعين بحيث لا ينفصل عنها مثل حق الرهن وحقوق الارتفاق مما يعني ضرورة موافقة المستأجر على منح هذا الحق لطرف ثالث، فقد يقال إن المستأجر وعد المؤجر بشراء العين منه ، ولكنه لا يقبل أن يعد بشرائها من شخص آخر حتى إذا بيعت العين محل الإجارة وحق الخيار إلى هذا الشخص الآخر ، وعلى كل حال ، فهذه مسائل مستجدة تحتاج إلى نظر واجتهاد.

ولكن هل يجوز للمؤجر التنازل عن خيار البيع للطرف الثالث الذي باع له العين بمقابل أو بدون مقابل؟

الذي يظهر لي أنه لا يجوز ذلك لا بمقابل ولا بدون مقابل ، على القول بأن الخيار من الحقوق المالية الشخصية ، بمعنى أن هذا التنازل لا يلزم المستأجر الواعد بشراء العين إلا بموافقته، وغني عن القول بأن بيع المؤجر العين المؤجرة لطرف ثالث غير المستأجر لا يترتب عليه بالضرورة نقل حق خيار البيع إلى المشتري الجديد لأن هذا الحق شخصي كما قلنا وليس حقا متعلقا بالعين ، فلا يملك المشتري للعين المؤجرة أن يطالب المستأجر بتنفيذ وعده بشراء هذه العين ولا بالتعويض عن الضرر الفعلي الذي أصابه إذا امتنع المستأجر عن ذلك

 

تداول خيار الشراء قبل أجله

هذا الخيار يمنحه المؤجر للمستأجر في المثال السابق وذلك بمقتضى وعد يصدره المؤجر ببيع العين المؤجرة إلى المستأجر في نهاية مدة الإجارة.

وتنازل المستأجر للمؤجر عن حقه في شراء العين من المؤجر يعني تنازله عن هذا الحق قبل أجله بحيث لا يحق له بعد ذلك مطالبة المؤجر ببيع العين المؤجرة للمستأجر ، فهل يجوز هذا التنازل بعوض أو بدون عوض؟

الظاهر أنه يجوز الاتفاق بين المؤجر مانح حق خيار الشراء والمستأجر صاحب هذا الحق على تنازل المستأجر عن خيار الشراء قبل أجله بدون عوض وبعوض من باب الصلح على الحقوق ، لأن لهما لا يعدوهما ، وليس فيه تحليل لحرام ولا تحريم لحلال ، وهل يجوز الاتفاق مقدما بينهما على أنه إذا تنازل المستأجر عن خياره فإنه يستحق عليه عوضا محددا. الظاهر أن هذا محل اجتهاد ، وقد يتغلب المنع منه سدا لذريعة القمار والغرر.

أما تنازل المستأجر عن خيار شرائه إلى طرف ثالث غير المؤجر فإنه يعني أن هذا الطرف الثالث الذي انتقل إليه حق خيار الشراء يستطيع مطالبة المؤجر بأن ينفذ وعده وأن يبيع له العين المؤجرة بالثمن الموعود به وأن يطالبه بالتعويض عند امتناعه عن ذلك ، فهل يجوز هذا التنازل وهل يجوز أخذ العوض عنه؟

الظاهر أن المستأجر إذا كان مأذونا له بالتأجير من الباطن وتنازل عن خيار الشراء إلى المستأجر من الباطن وقد نص عقد الإيجار الأصلي على أن خيار الشراء يمنح للمستأجر الأصلي ولكل مستأجر من الباطن فإن هذا التنازل يصح ، ويجوز للمستأجر أن يراعي العوض في الأجرة التي يتقاضاها من المستأجر من الباطن ، ولكن هل يجوز له تقاضي عوض عن هذا التنازل منفصلا عن الأجرة؟

الظاهر أن هذا محل اجتهاد ، ويترجح عندي الجواز إذا كان المتنازل إليه مستأجرا من الباطن لنفس العين التي وعد المؤجر ببيعها للمستأجر ، أما في غير حالات التأجير من الباطن فالراجح عندي أن ذلك لا يجوز بناء على أن الخيار حق شخصي مما يعني وجوب موافقة المؤجر الواعد بالبيع على تنازل المستأجر عن حق خيار الشراء.

 

والخلاصة في حكم تداول الخيار التبعي قبل حلول أجله هي:

 

أولا: إذا كان التنازل عن الخيار التبعي قبل أجله لمانح الخيار ، أي الواعد بالبيع أو الواعد بالشراء فإن هذا التنازل يجوز ويسقط به حق صاحب الخيار فلا يحق له مطالبة الواعد بتنفيذ وعده ، ويجوز الاتفاق عند التنازل على عوض أو مقابل يأخذه المتنازل ويكون ذلك من باب الصلح الذي لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ، ولا يجوز الاتفاق مقدما على أنه إذا تنازل صاحب حق الخيار عن حقه لمانحه فإنه يستحق على ذلك عوضا محددا ؛ وذلك سدا لذريعة القمار.

 

ثانيا: أن التنازل عن الخيار التبعي قبل أجله لطرف ثالث يتعذر في بعض الحالات كتنازل المؤجر عن خيار البيع لطرف ثالث دون نقل ملكية العين المؤجرة إلى هذا الطرف الثالث لأنه لا يكون مالكا للعين المؤجرة حتى يطلب من المستأجر شراء ها منه. و أما في الحالات الأخرى فهي محل اجتهاد والراجح عندي منع التداول على أساس أنه وإن كان حقا ماليا إلا أنه حق شخصي، فلا يملك غير المستفيد من الوعد أن يطالب الواعد بتنفيذ وعده.

 

الاعتياض عن حق الخيار التبعي بعد حلول أجله مع الشركة المصدرة له أو مع طرف ثالث.

الذي يظهر لي أنه يجوز الاعتياض عن التنازل عن الخيار بعد حلول أجله مع الشركة مانحة هذا الحق، لأنه من باب التنازل عن الحقوق صلحا ولا يوجد مانع شرعي من أخذ العوض في هذه الحالة، ولكن لا يجوز الاتفاق مقدما على حق المتنازل في التعويض إذا رأى أن يتنازل عن الخيار للشركة المانحة.

 

أما الاعتياض عن الخيار التبعي بعد حلول أجله لطرف ثالث فإن ما قيل في التنازل قبل الأجل لطرف ثالث يقال مثله هنا كذلك إذ لا أثر لحلول الأجل وعدم حلوله في هذا.   

 

 

تداول خيار الشراء الذي تمنحه الشركة لموظفيها أو لمموليها

إذا كان خيار الشراء ممنوحا من الشركة لموظفيها أو لمموليها فالراجح عندي هو جواز التداول قبل الأجل و بعده بعوض أو بغير عوض. ويؤكد جواز التداول بمقابل من مانح حق الخيار أو من غيره في الأمثلة السابقة أن الموظف قبل الآجر الذي تم الاتفاق عليه وهو أقل من المثل مع حق الخيار فكان جزءاً من المرتب ولولا حق خيار الشراء ما قبل بشروط العمل ولا العمل بهذا الراتب الذي روعي فيه حق الخيار، وكذلك المصرف الذي يقدم التمويل أو حملة الصكوك الذين يشترون الصكوك ويقبلون عائداً محدداً على تمويلهم أقل من عائد المثل لأنهم قد منحوا حق شراء أسهم الشركة طالبة التمويل، ولولا حق خيار شراء أسهم الشركة ما قبلوا التمويل بهذا العائد الذي يقل عن عائد المثل في العادة، فكأن حق الخيار جزءاً من العائد في المعنى، فلا يجوز أن ترفض الشركة تنفيذ وعدها لأن ذلك يخل بمبدأ العدالة ويتضمن تغريراً بالموظف أو مقدم التمويل والتغرير بالقول كالتغرير بالفعل يوجب الضمان.

وهناك مسألة لها ارتباط وثيق بمسألة تداول الخيار التبعي قبل الأجل وبعده وأخذ العوض عنه من مانح حق الخيار أو من طرف ثالث، وهي مسألة التعويض عن الإخلال بالوعد الملزم، فحق خيار الشراء مصدره وعد ملزم بالبيع، وحق خيار البيع مصدره وعد ملزم بالشراء، وقد تقدم أن الوعد الملزم يرتب الضمان للمستفيد أو الموعود له إذا دخل المستفيد في معاملة رتبت عليه تكاليف ومصروفات ونكل الواعد عن تنفيذ وعده فما هي حقوق المتنازل له عن خيار الشراء قبل مانح الخيار؟ وهل هي نفس حقوق المتنازل عن الخيار، وهل تتقيد بشروط وعد مصدر الخيار؟. هذا محل بحث ونظر

ومسألة الاعتياض عن الخيار بعد حلول أجله من مانح الخيار تعني أن الواعد والمستفيد من الوعد قد تصالحا على مبلغ التعويض، فبدلا من أن يطلب مالك حق الشراء من الواعد بالبيع أن يبيعه العين المؤجرة بالثمن الموعود به وهو مائة مثلاً ثم يقوم مالك حق الشراء ببيعها في السوق بمائة وعشرين فإنه يتفق معه على التنازل عن حقه مقابل الفرق بين سعر السوق والسعر الموعود به، إذ لا قائدة من شراء الواعد بالبيع لهذه الأسهم من السوق بمائة وعشرين ثم بيعها للمستفيد بمائة فقط ثم يقوم المستفيد ببيعها في  السوق بمائة وعشرين ويربح العشرين.إذ لم يكن للواعد ولا للمستفيد من الوعد رغبة في تملك الأسهم بل في الحصول على الربح أو تحمل الخسارة اعتمادا على تذبب الأسعار. وهذا في نظري محل اجتهاد.

ولكن هذا القول يعكر عليه أمور عدة تتعلق كلها بأصل مشروعية الوعد الملزم وشروطه وما يترتب على الإخلال به من آثار، وهذه الشروط في الأصل هي:

1.          صدور الوعد من الواعد على سبيل الإلزام بحيث لا يتضمن عبارات تفيد أنه صدر على سبيل التبرع دون الإلزام وأن للواعد حق الرجوع في وعده دون التزام بالتعويض وإذا لم يذكر الواعد الإلزام أو عدمه كان الأصل فيه عدم الإلزام قضاء.

2.          أن يدخل المستفيد من الوعد ؛ وهو صاحب الخيار ؛ في تصرف شرعي يترتب عليه التزامات اعتماداً على الوعد بحيث إنه لم يكن ليدخل في هذا التصرف ويتحمل تلك الالتزامات لولا هذا الوعد ويظهر ذلك في صيغة الوعد. والمثال الواضح لهذا الشرط هو أن البنك يستحق التعويض في حالة إخلال طالب الشراء مرابحة بوعده بالشراء إذا كان البنك قد اشترى البضاعة، فللبنك أن يبيع بضاعة المرابحة في السوق ويستحق الفرق بين ثمن البيع وتكلفة شراء البضاعة ؛ وهذا هو الحكم الذي تبنته المعايير الشرعية، فإن لم يكن البنك قد اشترى بضاعة المرابحة فإنه لا يستحق إلا النفقات الفعلية التي أنفقها قبل شراء البضاعة. فإن لم يكن البنك قد تكبد نفقات فإنه لا يستحق شيئاً كأن يزيد ثمن بيع البضاعة في السوق عن تكلفتها، وهذا يعنى أن أساس الالتزام بالوعد ليس هو مجرد الإرادة المنفردة حتى على قول المالكية الذين يؤمنون بإلزام الواعد بالوفاء بوعده بناءً على مبدأ ’’التزام التبرعات‘‘ أي أن التبرع ملزم بالقول أي وإن لم يقبض محله،

وهذا يرجح أن أساس إلزام الوعد هو مبدأ الضمان، بمعنى أن من وعد آخر ببيع أو بشراء مال بثمن معين يجب عليه الوفاء به ديانةً فإن لم يفعل وكان المستفيد قد دخل في تصرف رتب عليه التزامات فإن ذلك يعد فعلا ًضاراً أو عملاً غير مشروع ترتب عليه ضرر للمستفيد فلزمه تعويض هذا الضرر.

وتطبيق هذا على الأمثلة المعروضة يثير إشكالات.

فإن الموظف الذي حصل على حق خيار شراء أسهم من الشركة لم يدخل في تصرف يرتب عليه التزامات بسبب وعد الشركة له ببيع أسهمها إلا أن يقال إن قبوله للعمل في الشركة بالشروط و بالأجر المتفق عليه وهو في العادة أقل من أجر المثل يكفي مبرراً للتعويض.

3.          هل يجوز للموظف بدلا من طلب شراء الأسهم من الشركة بالثمن الموعود به أن يطلب الحصول على الفرق بين الثمن الموعود به وثمن هذه الأسهم  في السوق؟ أم أنه لا بد من طلب الموظف شراء الأسهم من الشركة مثلاً، فإن وافقت الشركة على البيع ودخلت معه في العقد فقد وفت بالتزامها وإذا امتنعت الشركة عن البيع كان للموظف شراؤها هو من السوق، وطلب الفرق بين الثمن الموعود به وثمن شرائها من السوق. وبعبارة أخرى هل يمكن الاتفاق مقدماً على التسوية وتحديد مبلغها بالفرق بين سعر الأسهم في السوق والسعر الموعود به؟ والذي أراه هو عدم جواز ذلك سدّا لذريعة المقامرة.

 

وعلى كل حال فإن ممارسة الخيار التبعي تقتضى أن يطلب مالك حق الخيار من الواعد أن ينفذ وعده ببيع أو شراء محل الخيار فإن وافق لم يكن للمستفيد مالك حق الخيار إلا أن يوقع على عقد البيع، وليس له طلب التعويض، وأما إذا رفض الواعد تنفيذ وعده، فإن للمستفيد صاحب حق الخيار أن يشتري محل الخيار من السوق أو أن يبيعه في السوق و يطالبه بالتعويض عن الضرر الفعلي الذي أصابه من جراء إخلال الواعد بوعده، وأما تحديد الضرر الفعلي ومقدار التعويض عنه فهو محل إشكال في الحالات والأمثلة التي ذكرت.

 

والخلاصة أن هناك أمورا ثلاثة يثيرها الخيار التبعي الصادر بوعد ضمن عقد معاوضة كالوعد الذي يصدره المؤجر ببيع العين المؤجرة للمستأجر بثمن معين في تاريخ محدد:

 

الأمر الأول: جواز أخذ العوض على الوعد الذي يمنح الخيار التبعي أو بعبارة أخرى دفع ثمن للخيار التبعي وهما عبارتان تفيدان نفس المعنى ؛ ذلك أن الخيار التبعي مصدره وعد ملزم بالبيع أو بالشراء فيستوي أن نقول: ثمن الوعد أو ثمن الخيار التبعي إذ الواعد بالبيع أو بالشراء يأخذ العوض أو الثمن، وصاحب الخيار  يدفعه.

 

الأمر الثاني: التعويض عن الإخلال بالوعد الذي يمنح الخيار التبعي أي إخلال الواعد بالبيع أو بالشراء بوعده، أو إخلال مانح حق الخيار بالتزامه فهما بمعنى واحد.

 

الأمر الثالث: مالية حق الخيار الذي يمنحه الوعد بالبيع أو بالشراء، وهل هناك علاقة بين مالية حق الخيار و أخذ العوض عنه؟ وهل جواز أخذ العوض يتوقف على المالية فقط أم هناك آلية شرعية أخرى؟ ومن جهة أخرى هل هناك علاقة بين مالية حق الخيار والتعويض عنه في حالة إخلال الواعد بالبيع أو بالشراء بوعده. وظاهر أن هناك علاقة بين مالية الحق وأخذ العوض عند الإخلال به، فما ليس بمال لا يجوز أخذ العوض عنه.

 

والذي أراه في النهاية هو:

1.               أن خيار البيع أو الشراء التبعي أي الذي يصدره الواعد بالبيع أو بالشراء حق مالي يجوز أخذ العوض عنه، غير أن هذا العوض لا يكون محددا أو مستقلاً عن العوض في عقد المعاوضة التابع له وشروط هذا العقد، بل يكون مراعى فيها لأن العقد والوعد التابع له صفقة واحدة يحسب فيها للوعد عوض ومقابل مالي أو اقتصادي، وقد رأينا أن تحديد العوض واستقلاله في هذا الخيار التبعي محل اجتهاد، أما الخيار المستقل ولو كان مصدره وعد كالوعد بالشراء في المرابحة  فإنه لا يجوز أخذ العوض فيه و إلا لتحول إلى عقد معاوضة ويكون خياراً أصلياً.

2.               التعويض عن الإخلال: ولا خلاف بين فقهاء العصر في وجوب التعويض عن الإخلال بالوعد الذي يمنح خيار بيع أو شراء، وقد اختلفوا في شروط استحقاق التعويض وتقديره على النحو الوارد تفصيلاً في البحث.

3.               التداول: يمكن التنازل عن الخيار لمانحه قبل وبعد أجله بدون عوض وبعوض يتم الاتفاق عليه عند التنازل إذ لا مانع، ويجوز التنازل للغير بدون عوض وبعوض عن طريق الحوالة إذا روعيت جميع الضوابط الشرعية و في حدود هذه الضوابط.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

ثـمـن الــــوعـــد

 

إذا صدر الوعد بالشراء فإنه يرتب للموعود له أو المستفيد من الوعد حق خيار البيع، وإذا صدر بالبيع فإنه يرتب للمستفيد حق خيار الشراء، والخيار في الحالتين خيار تبعي إذا صدر ضمن عقد معاوضة، كالإجارة والمضاربة والمشاركة، ولذلك كان الحديث عن ثمن الوعد الذي يصدر ضمن عقد معاوضة كالإجارة مثلاً هو نفس الحديث عن ثمن الخيار التبعي الذي مصدره الوعد، ولذا يمكن أن يكون السؤال هل يجوز دفع الثمن في خيار البيع أو الشراء التابع الذي مصدره الوعد؟ فالوعد يمنح الموعود له حقاً مالياً هو خيار الشراء أو خيار البيع، فيمكن الحديث عن ثمن الوعد أو عن ثمن الخيار الذي يمنحه هذا الوعد.

 

وندرس في هذا الفصل مسألتين:

 

1.    جواز إصدار وعد بالبيع أو وعد بالشراء ضمن عقد تأجير مثلاً نظير مقابل مالي عن الوعد؟

2.    وهل يندرج هذا في الخيار الأصلي، أو أن له حكم الخيار التبعي؟

 

 

المسألة الأولى: جواز إصدار وعد بالبيع أو وعد بالشراء ضمن عقد تأجير مثلاً نظير مقابل مالي عن الوعد.

هناك نوعان من الوعد، أحدهما يصدر ضمن عقد معاوضة كالإجارة مثلاً وثانيهما يصدر استقلالاً.

 

أولاً: الوعد بالبيع أو الشراء ضمن عقد معاوضة، وهذا هو الوعد التابع

جرى العمل في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية على جواز الوعد بالشراء أو البيع الصادر من أحد طرفي عقد الإجارة، والمشاركة، والمضاربة، والوكالة في الاستثمار، على أن يكون الوعد بورقة مستقلة عن العقد الأصلي أو المتبوع، مع اشتراط العلم بمحل الوعد أي الشئ الموعود ببيعه أو بشرائه وهو محل الإجارة أو موجودات المضاربة، وثمن الشراء أو البيع الموعود به، وكذلك الوقت الذي يجب أن ينفذ البيع فيه أو خلاله، ولم يحدد ثمن مستقل للوعد بالشراء أو البيع على اعتبار أن هذا الوعد يمنح خيار شراء أو بيع تابع، للمستفيد من الوعد وأن ثمن هذا الخيار أو الوعد الذي ينشئه مراعى في الصفقة التي يشكل الوعد أحد عناصرها.ففي عقد الإجارة قد يصدر الوعد بالبيع من المؤجر لصالح المستأجر خلال مدة الإجارة أو في نهاية هذه المدة، بثمن رمزي أو بالرصيد الباقي من مبلغ الأجرة الثابتة، وقد يصدر الوعد بالشراء من المستأجر لصالح المؤجر في حالة إخلاله بالتزاماته المترتبة على عقد الإجارة أو في نهاية مدة الإجارة التشغيلية.

وقد يصدر الوعد بالشراء من المضارب لصالح رب المال، أو يصدر الوعد بالبيع من رب المال لصالح المضارب، ومحل البيع والشراء هنا هو موجودات المضاربة. وقد يصدر الوعد بالشراء أو بالبيع من أحد الشريكين في المشاركة لصالح الشريك الآخر، وقد يصدر من الوكيل وعد بشراء موجودات الوكالة في الاستثمار لصالح الموكل، أو يصدر وعد بالبيع لهذه الموجودات من الموكل لصالح الوكيل. والمضارب والشريك والوكيل في الاستثمار إذا كان هو الواعد بالشراء فإن ثمن الشراء يجب أن يكون هو القيمة العادلة أو سعر سوق أوصافي القيمة أو الثمن الذي يتفق عليه كل منهم مع رب المال أو الشريك غير المدير أو الموكل وقت تنفيذ البيع.

 

ثانياً الوعد بالبيع أو بالشراء المستقل (الوعد الأصلي)

 

1.    قد يصدر وعد بالشراء ابتداء، كالوعد الذي يصدر من طالب الشراء في عقد المرابحة للآمر بالشراء، فيتملك الموعود له أو المستفيد العين الموعود بشرائها ويحوزها  ثم يبيعها للواعد بشرائها مرابحة، وليس بين الواعد والموعود له عقد سابق، كما هو الحال في وعد المضارب أو المستأجر أو الشريك بشراء موجودات المضاربة أو المشاركة أو العين المستأجرة، بل إن عقد البيع مرابحة بين الواعد والموعود له يأتي نتيجة هذا الوعد وتابعاً له، وليس متبوعاً أو أصلاً سابقاً، لأنه يترتب على الوعد بعد تملك الموعود له للعين الموعود بشرائها وقبضها.

2.     ولم يجر العمل في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية على دفع ثمن للواعد بالشراء على اعتبار أن هذا الوعد يمنح خيار بيع مستقل لا يجوز أخذ العوض عنه، وأن دفع الثمن عن هذا الوعد يدخله ضمن الخيار الأصلي الذي مصدره عقد معاوضة وقد ذكرنا عدم جوازه.

3.    وقد يصدر الوعد بالاستئجار ابتداء من الراغب في استئجار عين لصالح مؤجرها، حيث يطلب الواعد بالاستئجار من البنك مثلاً أن يشتري عيناً ويعد باستئجارها منه حسب شروط محددة، فعقد الإيجار هنا تابع للوعد ولاحق له  ومرتب عليه، وليس الوعد تابعاً لعقد الإيجار، كما في حالة وعد المستأجر لعين بشرائها من المؤجر، أو وعد المؤجر ببيع العين المؤجرة للمستأجر، حيث يكون الوعد تابعاً لعقد قائم ومرتباً عليه، وإن لم يكن مشروطاً فيه شرعاً.

4.    وقد أقر فقهاء العصر وأعضاء الهيئات الشرعية في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية ما يجري عليه العمل، فأجازوا النوعين السابقين من الوعود، الوعد التابع لعقد أصلي والذي يمنح الموعود له خيار بيع أو شراء تبعي، وذلك كعقد الإجارة والمشاركة والمضاربة والوكالة في الاستثمار، والوعد غير التابع  والذي يمنح المستفيد منه خيار بيع أو شراء أصلياً كالوعد بالشراء والوعد بالبيع والوعد بالاستئجار والوعد بالتأجير الصادرة ابتداء من الواعد لصالح الموعود له. وليس بين الواعد والموعود له عقد معاوضة آخر يكون محله هو محل الوعد بالشراء أو بالبيع.

5.    وفي كلا النوعين من الوعود لا يتقاضى الواعد على الوعد ثمناً محدد استقلالا غير أن هذا الثمن أو العوض مراعى، بالنسبة للوعد التابع لعقد المعاوضة كالإجارة في هذا العقد، بمعنى أن هذا الوعد جزء من الصفقة ولولاه لما قبل المستفيد من الوعد الدخول فيها بشروط معينة، والواعد بدون هذه الشروط ما كان ليعد، مما يعني أن للوعد قيمة اقتصادية أو ثمناً يأخذه الواعد ضمن شروط الصفقة، أما الوعد المستقل أي غير التابع لعقد معاوضة فلا محل فيه للقول بأن له ثمناً أو عوضاً مراعى في عقد معاوضة، لأنه لا يوجد عقد معاوضة. فإننا لا نرى جواز أخذ الثمن عنه، لأنه يدخل تحت الخيار الأصلي، أما في الحالة الأولى، وهي حالة الوعد التابع فإنها تندرج تحت الخيار التابع.

 

والخلاصة أن الوعد الصادر ضمن عقد معاوضة، بالشراء أو بالبيع ، والذي يرتب للمستفيد من الوعد خيار بيع أو خيار شراء تبعياً لا يجوز أخذ ثمن أو عوض مالي محدد ومستقل عن الوعد نفسه، وإنما يجوز أن يراعى هذا العوض في شروط عقد المعاوضة المتبوع، ذلك أن هذا الوعد يصدر ضمن عقد معاوضة كالإجارة، ويكون محل الوعد وطرفاه الواعد والمستفيد محل وطرفا عقد المعاوضة ويكونان معاً منظومة متكاملة يراعى فيها أن يكون للوعد قيمة اقتصادية فمن يصدره لا يقصد به التبرع إنما يقصد به مصلحة اقتصادية مترتبة على الصفقة التي دخل فيها، ولولا أن عقد المعاوضة الذي دخل فيه  الواعد وأصدر فيه وعداً تابعاً يرتب للمستفيد خياراً تبعياً، لولا أن هذا العقد يحقق له مصلحة اقتصادية ما دخل في هذا الصفقة ولا منح هذا الوعد.

وطرف هذه الصفقة ما كان ليدخل فيها لولا الوعد وأصدق مثال لذلك الإجارة المنتهية بالتمليك بقسط ثابت وقسط متغير مع وعد المؤجر ببيع العين المؤجرة للمستأجر في نهاية مدة الاجارة بثمن رمزي هو مائة دولار مثلاً، فإن المؤجر لم يصدر وعده بثمن رمزي بل لأنه يحصل على أجرة تزيد عن أجرة المثل، ومن جهة أخرى فإن المستأجر لم يكن ليقبل هذه الأجرة التي تزيد عن أجرة المثل لولا حصوله على خيار شراء العين المؤجرة بثمن رمزي في نهاية مدة الإجارة. وما قيل في الإجارة المنتهية بالتمليك يقال مثله في كل وعد يصدر ضمن عقد معاوضة أخرى كالمضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار.

فالبنك يدخل في مشاركة مع المتعامل بشروط ميسرة ويقبل منه حصة متواضعة من ربح المشاركة مقابل وعد الشريك بشراء حصة البنك في المشاركة في نهاية مدة المشاركة بسعر السوق، فالواعد تقاضى عوضاً عينياً أو منفعة اقتصادية مقابل وعده وهي الحصول على شروط ميسرة أو نسبة ربح عالية تزيد عن ربح المثل ولولا ذلك لما بذل هذا الوعد. وهنا نجد أن الوعد التابع أي الذي يمنح للمستفيد خياراً تابعاً يصدر دائماً بعوض أو بمقابل غير أن هذا العوض ليس نقدياً محددا مقابل الوعد ولا مستقلاً بل يدخل ضمن شروط عقد المعاوضة المتبوع.

ولكن هل يجوز أن يحدد للوعد ثمن مستقل ويؤخذ هذا في الاعتبار عند تحديد الأجرة وشروط عقد الإجارة. كأن يتم التفاهم بين المؤجر والمستأجر على تحديد أجرة تزيد عن أجرة المثل وعلى أن يعد المؤجر المستأجر بيع العين المؤجرة في نهاية مدة  الإجارة بثمن  رمزي يقل عادةً عن ثمن المثل وذلك دون إشارة إلى الربط بين الإجارة والوعد ودون تزويد الأجرة بين كذا مع الوعد وكذا بدون الوعد؟

الذي أراه أن ذلك يجوز، ويكون من باب شراء خيار البيع بوعد مستقل وهو خيار تابع لعقد معاوضة وليس خياراً أصلياً لا يرتبط بعقد معاوضة، والفرق بينهما أن هذا الخيار تطبق عليه جميع أحكام الوعد الملزم بخلاف الخيار الأصلي الذي مصدره عقد معاوضة مستقل يكون الخيار هو محله الوحيد، فإن هذا الأخير تطبق عليه أحكام العقد ويتولى الوسيط تنفيذه دون حاجة إلى عقد جديد.

أما الوعد المستقل والذي يمنح المستفيد منه خياراً أصلياً، كوعد المتعامل شراء بضاعة المرابحة من البنك بعد شراء البنك لهذه البضاعة، ووعد الراغب في استئجار عين للبنك باستئجارها هذا العين بعد تملك البنك لها أو استئجارها فإنه لا يجوز اخذ العوض المالي عنه لأنه إذا أخذ فيه العوض صار عقد خيار بيع أو شراء بثمن، وقد تقدم المنع منه وأسباب هذا المنع  

 

العلاقة بين التعويض عن الإخلال بالخيار التبعي وأخذ الثمن عنه

 

قد يستدل البعض على جواز أخذ الثمن على الوعد بالشراء أو بالبيع الصادر ضمن عقد معاوضة كالإجارة والذي يمنح المستفيد خيار البيع أو الشراء توجوب التعويض عند الإخلال بالوعد الذي يمنح الخيار أو بدخوله تحت التعويض أو الضمان عن الفعل الضار، أو مبدأه أن ’’التغرير بالقول كالتغرير بالفعل يوجب الضمان‘‘وسوف نناقش هذا الموضوع لنثبت في النهاية أو وجوب التعويض عند الإخلال لا يستلزم بالضرورة أنه حق مالي يجوز أخذ الثمن عنه في جميع الحالات، بل في حدود معينة حسب الضوابط الشرعية فالخيار الأصلي الذي يمنحه عقد معاوضة مستقل بحيث يكون الخيار هو محله الوحيد لا يجوز أخذ العوض أو الثمن عنه، فهو عقد باطل لما يترتب عليه من القمار والغرر، وكذلك الوعد المستقل بالشراء الذي لا يكون تابعاً لعقد معاوضة يتحد فيه المحل والطرفان كوعد طالب الشراء في المرابحة بشراء بضاعة المرابحة، وكذل الخيار التابع لعقد معاوضة إذا كان مصدره عقد معاوضة.

 

 

 

 

أخذ العوض عن الإخلال بالوعد

 

الوعد بالشراء يرتب للموعود له أو المستفيد حقاً مالياً يجوز له مطالبة الواعد به قضاءً على رأي القائلين بأن الوعد يجب الوفاء به ديانة وقضاء وهم بعض المالكية، وأما على رأي القائلين بأن الواعد يلزمه الوفاء بوعده ديانة لا قضاء، فإن هذا الوعد لا يرتب للموعود له حقاً مالياً، لأن هذا الحق لا يترتب إلا على أساس التزام الواعد بوعده وهنا لا التزام.

 وهذا الحق المالي الذي يترتب للموعود له على الوعد الملزم يسمى عند البعض خياراً،ً بمعنى أن للموعود له أن يطالب الواعد بهذا الحق، أي بتنفيذ وعده، أو لا يطالبه، وهذا هو الشأن في جميع الحقوق المالية، فلصاحب الحق أن يطالب به أو يترك هذه المطالبة، بل ويتنازل عن حقه صراحةً دون مقابل. وبذلك يظهر أن القائلين بعدم جواز أخذ العوض عن الخيار الأصلي الذي يمنح بعقد ليسوا مضطرين إلى الاستدلال على عدم جواز عقد الخيار بعوض بأنه حق غير مالي لا يجوز الإعتياض عنه، بل يكفيهم القول بأنه مواعدة من الجانبين فلا تكون ملزمة. وحتى على القول بأنها مواعدة من جانب واحد فإن آثار الوعد لا تترتب على عقد الخيار بعوض.

وتفصيل القول في هذا الحق أن المستأجر مثلا إذا وعد المؤجر بشراء العين المؤجرة بثمن معين، فإن هذا الوعد لازم له ديانة وقضاء، أي أن الواعد يجب عليه الوفاء بوعده وهذا الوجوب في جانب الواعد يقابله حق في جانب الموعود له، لأن كل حق لشخص يقابله واجب على آخر.فإذا استعمل صاحب الخيار حقه وطلب من الواعد أن يشتري منه العين التي وعد بشرائها بالثمن الذي وعد بالشراء به، فإن على الواعد أن يوقع معه عقد الشراء وأن يدفع له الثمن الموعود به، فإذا امتنع من أداء هذا الحق بتوقيع عقد الشراء فإنه لا يمكن إجباره عليه، لأن عقد البيع يعتمد على إرادة حرة أو بعبارة أخرى يتعذر التنفيذ العيني، فيحل محله التنفيذ بمقابل وهو تعويض صاحب الحق عن حقه، والتعويض يعني تعويضه عن الضرر الذي لحقه من جراء إخلال الواعد بتنفيذ وعده.

 

ولكن متى يتحقق الضرر؟ وكيف يحدد؟

 

القائلون بإلزام الوعد ذكروا أن الضرر يتحقق إذا دخل الموعود له في معاملة كلفته مالاً اعتماداً على هذا الوعد، بمعنى أن الموعود له ما كان ليدخل في هذه المعاملة لولا هذا الوعد، و أنه تصرف تصرفاً شرعياً رتب عليه التزاماً مالياً اعتماداً على هذا الوعد، ولو كان هذا التصرف في مصلحة الموعود له، وضربوا لذلك مثالاً بمن قال لغيره تزوج هنداً وعلي صداقها فتزوجها ولزمه صداقها، فإن الواعد يلزمه الوفاء بوعده بدفع صداق هنداً إلى زوجها مع أن زواج هند في صالح الموعود له، ولكنه ما كان ليتزوجها لولا وعد الواعد بدفع صداقها، لأنه لا صداق عنده. وهذا يعني أنه لا حق للموعود له على الواعد إذا لم يتزوج هنداً ولم يلزمه صداقها، لأنه لم يغرم مالاً أي لم يلحقه ضرر. فالوعد هنا محله دفع مبلغ من النقود وليس إبرام عقد من العقود.

 و بعض فقهاء العصر بنو حق المستفيد من الوعد في التعويض في حالة إخلال الوعد بوعده على أصل الالتزام بالتبرع عند المالكية، وبعضهم أدخله في باب التغرير بالقول ورأوا أنه مثل التغرير بالفعل يوجب الضمان عند عدم تنفيذ الواعد ما وعد به ودخول الموعود له بسبب ذلك الوعد في تصرف رتب عليه التزامات مالية، وفي جميع الأحوال فإن الوعد يكون مشروطاً فالواعد بمهر هند شرط التزامه بدفع المهر بزواج المستفيد من هند ووجوب صداقها عليه، والواعد بإبرام عقد شراء مع الموعود له، لبضاعة لا يملكها الموعود له ويطلب منه شراءها ثمن يرفض تنفيذ وعد بعد شراء الموعود له البضاعة يكون قد غره وحمله على فعل أدخله في تكلفة لم يكن ليتحملها لو تركه وشأنه، وقد نقلوا عن بعض الحنفية وجوب الضمان على من قال لغيره ’’اسلك هذا الطريق فإنه آمن فإن أخذ اللصوص مالك فأنا ضامن فسلكه فأخذ اللصوص ماله‘‘. وهذا على خلاف الأصل في التعويض عن الضرر، وهو وجود فعل ضار أو غير مشروع تسبب في ضرر لآخر فأركان التعويض أو الضمان ثلاثة فعل ضار أو غير مشروع وضرر، وعلاقة سببيه بين الفعل والضرر. والوعد وحده هنا ليس فعلا ضاراً أو عملاً غير مشروع، بل الوعد ثم الإخلال بعد توريط المستفيد ودخول في تكلفة ما كان له أن يدخل فيها لولا الوعد.

وأما مقدار التعويض فهناك اتفاق بين فقهاء العصر على أنه في حدود الضرر الفعلي دون الفرصة الفائتة أو الكسب الفائت، والضرر الفعلي في مثال تزوج هنداً وعلى صداقها هو مقدار الصداق، قل أو كثر فما هو مقدار الضرر الفعلي في أمثلة وعد المستأجر أو المضارب أو الوكيل أو الشريك بالشراء، وكذلك وعد طالب الشراء بشراء بضاعة المرابحة، ووعد طالب الاستئجار باستئجار العين التي طلب من المؤجر تملكها ووعده باستئجارها؟

 

الخيار التابع لعقد معاوضة صحيح

 

1.    لقد ذكرنا أن الخيار التابع مصدره الوعد بالشراء أو بالبيع فإذا كان الوعد بالشراء فإنه يمنح المستفيد من الوعد خيار البيع، وإذا كان الوعد بالبيع فإنه يمنح المستفيد من الوعد خيار الشراء وقد يكون بين صاحب حق خيار الشراء أو حق خيار البيع ومانحه علاقة عقدية ذات صلة أو علاقة بحق الخيار الممنوح وذلك يظهر في الأمثلة التالية:

‌أ.       في عقد الإجارة قد يعد المؤجر المستأجر ببيع العين المؤجرة بثمن محدد في تاريخ محدد قد يكون أثناء مدة الإجارة أو في نهاية هذه المدة، وذلك مقابل ثمن يتم الاتفاق عليه في عقد الإجارة بنوعيها التشغيلية (التي تعود العين المؤجرة في نهايتها إلى المؤجر) والتمويلية (التي يتملك فيها المستأجر العين المؤجرة في نهاية مدتها). و قد يعد المستأجر المؤجر بشراء العين المؤجرة بثمن معين في حالة إخلال المستأجر بالتزاماته المترتبة على عقد الإيجار، أو في نهاية مدة الإجارة التشغيلية. وهذا الوعد يمنح المؤجر حق خيار بيع العين المؤجرة للواعد بشرائها.

‌ب.  قد يعد المضارب رب المال بشراء موجودات المضاربة بسعر السوق أو القيمة العادلة أو صافي القيمة أو حسب الاتفاق وقت الشراء وذلك في حالة إخلاله بالتزاماته المترتبة على عقد المضاربة أو في نهاية مدة المضاربة وهذا الوعد يمنح رب المال حق خيار البيع.

‌ج.    وما قيل في الإجارة والمضاربة يقال مثله في عقد المشاركة والوكالة في الاستثمار فقد يعد أحد العاقدين الآخر بشراء أو بيع موجودات المشاركة أو الوكالة في الاستثمار بثمن معين في تاريخ محدد مقابل ثمن معين. فيرتب للآخر حق خيار الشراء أو البيع.

 

ففي الحالات السابقة يوجد عقد معاوضة: إجارة أو مضاربة أو مشاركة أو وكالة في الاستثمار بين طرفين وموضوع هذا العقد هو العين المؤجرة أو موجودات المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار فوعد أحد الطرفين الطرف الآخر بالبيع أو بالشراء لمحل هذا العقد وهو العين المؤجرة أو موجودات المضاربة وما ذكر معها، ومن هنا أمكن إطلاق عبارة الخيار التابع على الوعد بشراء أو بيع العين المؤجرة أو موجودات المضاربة لأنه تابع أو مرتبط أو له علاقة بعقد الإجارة أو المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار من حيث وحدة طرفيه وموضوعه في الجملة، ولا نتكلم هنا عن الارتباط بالمعني الفقهي الدقيق، فلا يلزم من ذلك أن يكون أحد العقدين شرطاً في الآخر أو مرتبطاً به ارتباطاً لا يقبل التجزئة.

 

الخيار الأصلي الذي مصدره الوعد

 

الوعد بالشراء في المرابحة يمنح المستفيد منه حق خيار بيع البضاعة محل الوعد، وهنا نجد خياراً أصلياً، ولكن مصدر الوعد، وهو يختلف عن الخيار الأصلي الذي مصدره عقد المعاوضة .

إذا وعد المتعامل البنك بشراء بضاعة المرابحة بعد تملك البنك وحيازته لها، ثم نكل عن شراء هذه البضاعة قبل شراء البنك لها فإن الضرر الفعلي يتمثل في بعض المصروفات الفعلية التي أنفقها البنك تمهيداً لشرائها، وأما نكول الواعد بعد شراء البنك لبضاعة المرابحة فإن الضرر الفعلي يتمثل في الفرق بين تكلفة شراء البضاعة والثمن الذي يبيع به البنك البضاعة في السوق، وليس الفرق بين ثمن بيع البضاعة في السوق والثمن الذي وعد المتعامل شراء البضاعة به، لأن عملية الشراء لم تتم فالربح الفائت لا يعد ضرراً فعلياً يستوجب التعويض.

والسؤال هو هل يجوز اخذ الثمن في هذا الوعد الذي يمنح خيار بيع بضاعة المرابحة للواعد، وبعبارة أخرى هل يجوز للواعد بشراء بضاعة المرابحة أن يتقاضى على وعده للبنك بشراء البضاعة ثمناً للوعد نفسه أو للخيار نفسه؟ الذي أراه أنه لا يجوز، لان هذا الوعد منح خياراً أصلياً فلا يجوز أخذ عوض أو ثمن محدد استقلالا لهذا الوعد، وإنما جاز القول بجواز الثمن أو العوض في الوعد الذي منح خياراً تابعاً في عقد الإجارة والمضاربة والمشاركة مثلاً لأنه يمكن أن يؤخذ هذا الثمن في الاعتبار عند تحديد الأجرة أو حصة المضاربة أو الشريك فهو عوض يراعى غير محدد ولا مستقل وتحديده استقلالاً محل اجتهاد.

 

الوعد بالشراء أو البيع في عقد الإجارة

 

أما إذا وعد المستأجر بشراء العين المؤجرة ثم نكل عن وعده بشراء العين المؤجرة بالثمن الموعود به فإن للمؤجر أن يبيع هذه العين بسعر السوق ويستحق الفرق بين سعر السوق والثمن الذي اشترى به العين أي تكلفة تملكها ، فهذا المؤجر وهو الموعود له لم يدخل ضرورة في معاملة جديدة بسبب الوعد تترتب عليها تكاليف مالية، فالعين المؤجرة مملوكة للمؤجر وقد أجرها للمستأجر أولا ثم وعد المستأجر باستئجارها منه أثناء مدة الإجارة أوفي نهايتها وكان المبدأ يقضي بأن التعويض هو الفرق بين ثمن بيع العين إلى طرف ثالث وبين تكلفة شراء المؤجر لها، فإن لم يكن قد اشتراها بسبب الوعد ولا بناء على طلب الواعد فلا ضرر يستحق التعويض حتى على القول بأن الوعد ملزم للواعد ولكن التطبيق يجري على خلاف هذا المبدأ.

وكذلك الحال بالنسبة لوعد المؤجر ببيع العين المؤجرة للمستأجر بثمن محدد، فإن القاعدة السابقة تقتضي أنه عند نكول الواعد بالبيع فإن المستأجر الموعود له بالبيع لا يستحق شيئاًَ إذا لم يكن قد دخل في معاملة مالية قد كلفته أموالاً أو فرضت عليه التزامات، وهل يمكن القول بأن المستأجر يستحق التعويض إذا كان قد وعد ببيع هذه العين نفسها بثمن أعلى من الثمن الذي وعد المؤجر بالبيع به؟ هذا غير جائز لأن الربح الفائت ليس ضررا يلزم الواعد تعويضه، وعلى كل حال فإن الشرط يظل قائماً وهو أن يدخل المستأجر في تصرف بناء على هذا الوعد يكلفه نفقات ما كان له أن يتحملها لولا صدور وعد المؤجر له ببيع العين المؤجرة، ولا يكون مبلغ التعويض هو الفرق بين ثمن شراء المستأجر العين المؤجرة من السوق وبين الثمن الموعود بالبيع به، بأن يكون قد اشتراها بأزيد من الثمن الموعود به، لأن  الفرض أن البيع لم يتم، فيكون ذلك ربحاً فائتاً وليس خسارة محققة، غير أنه يمكن القول بأن دخول المستأجر في عقد الإجارة كان بسبب وعد المؤجر ببيع العين المؤجرة للمستأجر بأجرة معينة وبشروط خاصة، ولولا الوعد بالبيع ما كان للمستأجر أن يدخل في عقد الإجارة أصلاً، ويتجلى ذلك في الإجارة المنتهية بالتمليك بقسط ثابت وقسط متغير، ومجموعها يزيد عن أجرة المثل، ألا يعد هذا مساوياً لدخول البنك في شراء البضاعة بناءً على وعد المتعامل بشرائها منه بعد تملكها وقبضها؟ ألا يعد الدخول في العقد الذي صاحبه حق الخيار هو نفسه الواقعة المكونة للضرر؟ إذ الفرض أن المستفيد لم يفعل شيئاً يرتب عليه نفقات إلا الدخول في عقد الإجارة نفسه. وهذا نفسه يبرر القول بأن الوعد عندما يمنح لا يكون تبرعاً دائماً، بل يكون بمقابل أو عوض يراعى في شروط العقد المتبوع، أي أن العوض غير محدد بمبلغ معين بل روعي في شروط الصفقة التي تضمنها عقد الإجارة مثلاً.

 

وعد المضارب أو الشريك أو الوكيل بشراء موجودات المضاربة أو المشاركة أو الوكالة

 

ما قيل في عقد الإجارة يقال مثله في عقد المضاربة و المشاركة والوكالة في الاستثمار فالواعد بشراء هذه الموجودات لا يجبر على الشراء لأن العقد لا يصلح إلا بإرادة حرة، وكانت القواعد تقضي بأنه إذا أخل بوعده فلم يشتر هذه الموجودات فإن لرب المال والشريك الآخر والموكل أن يبيع هذه الموجودات في السوق وان يطالب المضارب أو الشريك أو الوكيل الواعد بالشراء بالتعويض عن الضرر الذي أصابه، وهنا نجد أن الموعود له لم يدخل بسبب الوعد في معاملة رتبت عليه التزامات، ولم يرتكب فعلاً ضاراً غير مشروع يوجب التعويض، فلا يبقى إلا القول بأن دخول رب المال والشريك والوكيل في معاملة مع الواعد بالشراء ما كان ليحدث لولا الوعد، وأنه لم يكن ليقبل شروط العقد بدون هذا الوعد مما يعني أن الوعد له ثمن ,أنه يدخل في باب المعاوضات وإن لم يكن العوض محدداً ومستقلاً عن بقية شروط الصفعة.

 

أخذ العوض عن الوعد بالشراء أو بالبيع

 

أولاً: الظاهر أن الواعد يصدر وعده الملزم مجاناً، وهذا الوعد يرتب للموعود له حقاً في مطالبة الواعد بتنفيذ وعده وتعويضه عن الضرر الفعلي الذي يلحقه من عدم تنفيذ الواعد لوعده. وبذلك يدخل الوعد في زمرة التبرعات ويكون من التصرفات الضارة ضررا محضاً التي لا تصح من عديم الأهلية وتصح من ناقص الأهلية بإجازة وليه فالوعد على هذا لا يكون ملزماً قبل التنفيذ عند جمهور الفقهاء،فليس إذن للموعود له حق مطالبة الواعد بتنفيذ وعده ولا مطالبته بالتعويض عن الضرر الذي يلحقه من جراء نكوله عن التنفيذ، فإذا نفذ الواعد وعده بمحض اختياره لم يكن له الرجوع فيه وكان لازماً له. وعلى ذلك فإنه لا مجال للقول بإلزام الوعد عندهم ولا لأخذ عوض مقابل إصداره.

 

ولكن السؤال الذي يثور هو هل يجوز على رأي الجمهور أي يصدر الوعد نظير مقابل مالي يأخذه الواعد فيكون الوعد ملزماً له أي من قبيل الالتزامات في عقود المعاوضات؟

 الذي يظهر لي أن الوعد الملزم إنما يعطي الموعود له حقاً مالياً، وإن كان استخدام هذا الحق متروكاً إلى الموعود له إن شاء استخدمه وإن شاء تركه، لأن هذا هو الشأن في الحقوق المالية، فإن هذه الحقوق رخصة وليست واجباً، فلكل صاحب حق تركه أو التنازل عنه بمحض إرادته ولا يفرض عليه مطالبته بحقه أو تحصيله. فالمؤجر يستحق الأجرة وله حق مطالبة المستأجر بها، ولكن ذلك ليس واجباً عليه، فله ترك الأجرة أو التبرع بها أو إنقاصها. وحق الخيار الذي يمنحه الواعد للموعود له بإرادته المنفردة حق  مالي توافرت فيه جميع خصائص الحق المالي، وتوافرت فيه شروط محل التصرف الشرعي من العلم بمحله والقدرة على أدائه من الواعد، فكان التعويض عنه جائزاً. وإذا قيل بأن الموعود له لا يستطيع تنفيذ هذا الوعد عينا بإجبار الواعد بالبيع على توقيع عقد البيع فإن هذا لا يقدح في كون هذا الحق حقاً مالياً يجوز أخذ العوض عنه ويكون قابلاً للتصرف فيه ، فكثير من الحقوق لا تقبل التنفيذ العيني حسب مبادئ الشريعة الإسلامية فيحل محله التنفيذ بمقابل. فجميع عقود العمل تعطي صاحب العمل أو مشتري الخدمة الطبية أو التعليمية مثلاً حقاً مالياً يجوز أخذ العوض عنه اتفاقاً مع أن إجبار الطبيب على إجراء الجراحة غير جائز شرعاً ولكن يلزم التعويض عند الامتناع.

 ولقد قيل تارة بأن الوعد بالشراء أو بالبيع يمثل رغبة ومشيئة، وتارةً بأنه يمثل خياراً للمستفيد والرغبة والمشيئة والخيار ليست حقوقاً مالية و لا تصلح محلا للمعاوضة. وهذا القول ليس على نهج البحث العلمي السليم، فالوعد من جانب الواعد يمثل إرادة ملزمة والإرادة المنفردة تنشئ التزامات في الشريعة والقانون كالوقف والوصية والجعالة، وأما في جانب الموعود له فإن الوعد يرتب له حقا ماليا وإن سمي خياراً لأن للموعود له أن يطالب بهذا الحق وبالتعويض عنه وإن لم يملك تنفيذه عينا بإكراه أو إجبار الواعد على تنفيذ وعده جبراً كالشأن في كثير من الحقوق في الشريعة الإسلامية.

 

غير أنه يعكر على القول بأن الخيار حق مالي يجوز منحه مقابل عوض، والاستدلال على ذلك بوجوب التعويض عنه في حالة إخلال مانح الحق بوعده، أن الموعود له لا يستحق المطالبة بهذا الحق إلا إذا أثبت أن هناك ضرراً وقع له بسبب عدم تنفيذ الواعد لوعده، أي بإثبات أنه دخل في معاملة أو تصرف رتب عليه التزامات مالية بسبب الوعد وأنه ما كان ليدخل فيها لولا الوعد، فالبنك الموعود له لا يستطيع أن يطالب الواعد بشراء بضاعة المرابحة، ولا التعويض في حالة نكول الواعد عن الشراء بالشراء ما لم يشتر هو بضاعة المرابحة ويقبضها، وحتى بعد شرائها وقبضها فإنه لا يملك مطالبة الواعد عند رفضه لتنفيذ وعده بشراء البضاعة بالتعويض إلا إذا كان ثمن بيع البضاعة في السوق أقل من تكلفة شرائها، ولو كان الوعد بالشراء أو البيع يمنح الموعود له حقاً ماليا يجوز أخذ العوض عنهً كبقية الحقوق المالية، لوجب على الواعد أداء هذا الحق في جميع الحالات سواء لحق الموعود له ضرر من جراء عدم الوفاء بوعده أم لم يلحقه ضرر كالشأن في جميع الحقوق في الشريعة الإسلامية. فالمستأجر يطالب بالأجرة في جميع الحالات، وللشفيع الحق في طلب الشفعة ولو لم يثبت الضرر من عدم التسليم له بها.

 وهذا يؤكد أن أساس حق الموعود له في مطالبة الواعد بتعويضه عن الضرر الفعلي الذي لحق الموعود له من جراء عدم تنفيذ الواعد لوعده هو مبدأ الضمان وليس لأن الوعد ينشئ للموعود له حقا ماليا من قبيل ما تنشئه الإرادة المنفردة كالوصية والوقف والهبة والجعالة، فالموضوع يدخل في باب الضمان وليس في باب الالتزامات المترتبة على الإرادة عقداً أو إرادة منفردة. فالواعد غر الموعود له عندما وعده بالشراء منه بالتكلفة بالإضافة إلى ربح محدد مثلا فاشترى الموعود له البضاعة ودفع ثمنها وتكاليفها ثم رفض شراءها منه فكان ضامناً بناء على قاعدة أن التغرير بالقول كالتغرير بالفعل يوجب الضمان، ولذلك لا يجب الضمان ولا يستحق الموعود له التعويض إلا إذا دخل في عمل له تكلفة مادية اعتماداً على هذا الوعد وأنه إذا لم ينفذ الواعد وعده عيناً  فإن على الواعد أن يعوضه عن هذا الضرر وهو التنفيذ بمقابل.

وهذا يضعف القول بأن الخيار حق مالي يمكن منحه بمقابل مالي معين، وإن كان لا  ينفي اعتبار الوعد أساساً للتعويض عن الضرر، فالوعد مع عدم الوفاء يمثل الفعل الضار أو غير المشروع الذي يرتب عليه الشارع وجوب التعويض إذا توافر ركنا المسؤولية الآخران وهما الضرر وعلاقة السببية بين الفعل غير المشروع والضرر، وعلى المستفيد إثبات هذين الركنيين أيضاً.

 

والقائلون بلزوم الوعد من المالكية أسسوا قولهم على قاعدة التزام التبرع بالقول واستندوا فيه إلى رسالة  كتبها أحد متأخريهم إلا أنهم في التطبيق نحوا منحى آخر، إذ أنهم يشترطون في وجوب وفاء الواعد بوعده والتزامه بالتعويض إذا لم يقم بهذا الوفاء أن يلحق الموعود له ضرر، ولو كان أساس الالتزام بالتعويض هو قاعدة التزام التبرعات للزم الواعد الوفاء بوعده والتعويض عن عدم الوفاء في جميع الحالات فدل على أن ذلك من باب الضمان وأن التعويض هو عن الضرر الناتج عن التغرير فإذا لم يقع ضرر فلا تعويض، ولكن هذا لا ينفي احتمال جواز أخذ الواعد عوضاً مالياً مقابل وعده، أو مقابل الخيار الذي يمنحه هذا الوعد، بناءً على قاعدة الضمان، ولكن هذا الاحتمال يستبعد بناءً على قاعدة الالتزام بالتبرعات.

وعلى كل حال فإن الوعد بالبيع والشراء يثير في التطبيق العملي مشاكل كثيرة تحتاج إلى بحوث وندوات نظراً للتوسع السريع في استخدام الوعد في صيغ الاستثمار والتمويل في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية وعدم وجود المعايير والضوابط التي تحكمه فقد بدأ بوعد طالب الشراء بشراء بضاعة المرابحة ثم انتشر في جميع المعاملات دون ضوابط، وهذه الضوابط تتمثل فيما يلي:

1.    الأساس الشرعي لإلزام الوعد ومصدره: عقد أو إرادة منفردة.

2.    مجالات الوعد الملزم، إي مجالات استخدامه

3.    شروط المطالبة بتنفيذ الوعد

4.    طريقة تنفيذ الوعد، التنفيذ العيني والتنفيذ بمقابل وجزاء الإخلال

5.    التعويض عن الإخلال بالوعد، أنواعه وشروطه وطريقة تحديده

6.    إصدار الوعد، مصدر حق الخيار مقابل عوض أو ثمن

7.    اشتراط الوعد بالشراء أو البيع في عقود المعاوضات مثل الإجارة والمضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار، مثل أجرتك هذه العين لمدة كذا بأجرة كذا يشرط أن تعد بشرائها مني بمبلغ كذا في تاريخ كذا، في نهاية مدة الإجارة ومثل قول رب المال للمضارب ضاربتك برأس مال قدره كذا شريطة أن تعدني بشراء موجودات المضاربة بثمن كذا في تاريخ كذا، وهل يعد في حكم الشرط أن يتضمن العقد الوعد دون اشتراط؟ أم أنه يجب أن يكون هذا الوعد مستقلاً عن هذه العقود؟

 

 

 

 

الخيار التبعي لشراء أسهم أو أصول وثمن الوعد بالتمليك في عقد التأجير