Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
المسئولية الشرعية والقانونية لأعضاء الهيئات الشرعية

أسس التكافل التعاوني في ضوء الشريعة الإسلامية

 

تمهيد

 

التأمين التكافلي أو التأمين على الأشخاص نوع من أنواع التأمين الإسلامي الذي يشمل جميع أنواع التأمين التي تتوافر فيها أسس وشرط هذا التأمين ، وقد قسم الباحثون التأمين الإسلامي إلى تأمين على الأشياء وتأمين تكافلي أو تأمين على الأشخاص ، وهو موضوع البحث ، ويشترك التأمين التكافلي مع غيره من أنواع التأمين على الأشياء في تعريف وأركان وأسس وشروط وخصائص التأمين الإسلامي وينفرد عن بقية أنواع التأمين في بعض خصائص وأحكام.

 

وقد اعتاد الكاتبون في التأمين الإسلامي على تسمية التأمين الإسلامي ، أي الذي تتفق أحكامه مع الشريعة الإسلامية ، بالتأمين التعاوني ، أو التأمين التبادلي ، أو التأمين التكافلي ، وهذه التسمية تعني أن أهم أسس التأمين الإسلامي هو التعاون أو التكافل ، أو التبادل ، وقد وجدت في الغرب صيغ للتأمين التعاوني أو التبادلي ، ولكنها ليست بالضرورة صيغاً إسلامية ، فقد تتفق وقد تختلف مع صيغة التأمين الإسلامي ، ذلك أن الشريعة الإسلامية تتطلب في هذا النوع من التعاون أو التكافل أو التبادل شروطاً قد لا تتوافر في أنواع وصيغ التأمين التعاوني أو التبادلي أو التكافلي في الغرب ، ولذا فإننا نفضل أن نسمي التأمين الذي يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية بالتأمين الإسلامي ، ثم نذكر أنواع هذا التأمين المختلفة ، فالتعاون والتكافل من أهم أسس التأمين الإسلامي ، ولكنه ليس الأساس الوحيد ، ثم إن لهذا التعاون في نظر الشريعة الإسلامية ضوابط وشروطاً ، لا يكون التأمين إسلامياً إلا بتوافرها ، وعلى كل حال فإنه يمكن أن تضاف كلمة الإسلامي إلى عبارة التأمين التعاوني أو التكافلي للتعبير عن هذا المعنى ، أي أن التعاون أو التكافل من أهم أسس التأمين ، غير أنه يخضع للضوابط الشرعية.

 

وهناك نوعان من التأمين الإسلامي ، أحدهما التأمين على الأشياء أو من الأضرار ، أو التأمين على الأشخاص أو التكافلي ، والتأمين على الأشياء يخضع لقاعدة التعويض عن الضرر الفعلي الذي يصيب المستأمن ، في حدود مبلغ التأمين ، ويحدد قسط التأمين تبعاً لذلك ، أما التأمين التكافلي أو التأمين على الأشخاص فإنه لا يخضع لهذه القاعدة ، فالمستأمن أ ورثته بعد موته ، يستحقون مبلغ التأمين الذي تحدده الوثيقة ، والتي تم تقدير القسط على أساسه ، دون حاجة إلى إثبات حدوث الضرر نتيجة وقوع الخطر المؤمن منه ، أو أن هذا الضرر ، إذا وقع ، يساوي مبلغ التأمين.

 

والتأمين التكافلي ، أو التأمين على الأشخاص يتفق مع مقاصد الشريعة العامة وأدلتها الجزئية، وبعبارة أدق فإنه يمكن أن تتحقق المصلحة في التأمين التكافلي من خلال صيغ شرعية ووفقاً لأسس وشروط خاصة ، فطبيعة التأمين التكافلي لا تنافي بذاتها أصول الشريعة العامة ومبادئها الكلية ولا نصوصها الجزئية.

 

وحيث أن التأمين التكافلي أو التأمين على الأشخاص نوع من أنواع التأمين الإسلامي فإنه ، يجب أن تجتمع فيه أركان التأمين الإسلامي ، وتتوافر فيه شروطه ويخضع لأسس هذا التأمين ، ولأنه نوع خاص من التأمين فإن له بعض الخصائص والأحكام التي يتميز بها عن بقية أنواع التأمين ، ولهذا نقسم هذا البحث إلى مبحثين ، نخصص أولهما ، لأسس التأمين الإسلامي التي يشارك فيها التأمين التكافلي بقية أنواع التأمين ، وثانيهما للأسس التي ينفرد بها التأمين التكافلي عن بقية أنواع التأمين. ونقدم لذلك بتعريف التأمين الإسلامي.


مقدمة

تعريف التأمين الإسلامي

 

يعرف كثير من الباحثين التأمين الإسلامي باعتباره مبدأً ونظاماً ، وليس باعتباره عقداً ، مع أهمية تعريف التأمين باعتباره عقداً ، لأن هذا التعريف يحدد موضوع العقد أو محله ، وأطرافه ، والتزاماتهم ، ويمكن الفقيه من الحكم عليه ، ولذا فإني سأعرف التأمين التعاوني ، باعتباره نظاماً ونظرية أولاً ، ثم باعتباره عقداً ثانياً .

والواقع أن تسمية التأمين الإسلامي بالتعاوني أو التكافلي تسمية غير دقيقة ، ذلك أن التعاون أو التكافل يشكل جانباً واحداً من خصائص هذا التأمين كما ذكرنا سابقاً , وهناك شروط وخصائص أخرى غير التعاون ، فقد يدعى أن هناك تأميناً يسمى تكافلياً أو تعاونياً ، ومن ثم فيحكم عليه بأنه إسلامي ، وهو ليس كذلك لافتقاره لبعض أسس التأمين الإسلامي ، ولذا فإن التسمية الدقيقة هي "التأمين الإسلامي" وعند عرض الباحثين لأسس هذا التأمين وشروطه وأحكامه، قد يجدون خصائص مشتركة بين التأمين الإسلامي وبعض أنواع التأمين التعاوني أو التكافلي أو التبادلي كما يعبر عنه ، ثم إن اصطلاح التأمين التعاوني أو التكافلي اصطلاح وافد أريد أن تسبغ عليه الشرعية ، وذلك مثل مصطلحات "اشتراكية الإسلام" وديمقراطية الإسلام" وهذا المنهج في البحث له مخاطر تتمثل في محاولة الباحث إبقاء النظام الوافد وقبول الأسس التي يقوم عليها دون مساس ، ومحاولة تبريره والاستدلال عليه بأدلة شرعية، فصيغ التأمين التعاوني أو التكافلي ليست كلها مقبولة من الناحية الشرعية ، بل يحكم عليها بقواعد الشريعة لبيان الموافق والمخالف منها.

 

أولاً : تعريف التأمين الإسلامي باعتباره نظاماً:

 

التأمين الإسلامي باعتباره نظاما ًهو تعاون مجموعة من الأشخاص ، يسمون "هيئة المشتركين" يتعرضون لخطر أو أخطار معينة ، على تلافي آثار الأخطار التي قد يتعرض لها أحدهم ، بتعويضه عن الضرر الناتج من وقوع هذه الأخطار ، وذلك بالتزام كل منهم بدفع مبلغ معين ، على سبيل التبرع ، يسمى "القسط" أو "الاشتراك" تحدده وثيقة التأمين أو "عقد الاشتراك" وتتولى شركات التأمين الإسلامية إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله ، نيابة عن هيئة المشتركين ، في مقابل حصة معلومة من عائد استثمار هذه الأموال باعتبارها مضارباً ، أو مبلغاً معلوماً باعتبارها وكيلاً أو هما معاً.

 

خصائص التعريف:

 

ويظهر من هذا التعريف أنه تعريف للتأمين باعتباره مبدأً ونظاماً ، وقد قصد منه بيان الغاية والهدف من التأمين ، وهو يتضمن الأسس والخصائص التي يلزم توافرها في كل نوع من أنواعه حتى يكون إسلامياً ، ثم يترك للاجتهاد أن يبتكر من أنواع التأمين ، وصيغة ما يحقق المصلحة ويلبي الحاجة ، مما تتوافر فيه هذه الأسس وتلك الخصائص ، وهذه الأسس والخصائص خمسة:

 

1.  أنه يقوم على مبدأ التعاون الإسلامي ، وأن أساسه عقد التبرع الشرعي ، وأن هذا التبرع يلزم بالقول ، على رأي مالك رضي الله عنه ، وعلى ذلك فإن عضو ما يسمى "بهيئة المشتركين" يصبح ملتزماً بدفع القسط بمجرد توقيعه على عقد التأمين ، وإن كان أساس دفع القسط هو التبرع ، لأن التبرع ، كما ذكرنا عن مالك رضي الله عنه يلزم بالقول ، ولأن بقية أعضاء "هيئة المشتركين" وكذلك شركة التأمين الإسلامية يعتمدون على هذا التبرع ، فيدخلون في عقود وتصرفات أخرى تحملهم بالتزامات ، فوفقاً لهذا المذهب إذا قلت لزيد : تزوج فاطمة وعلَّي صداقها ففعل ، كان تبرعك له بالقول ملزماً ووجب عليك الوفاء.

 

2.  أن محل هذا التعاون ، الذي يقبله المشترك "عضو هيئة المشتركين" هو تلافي آثار الأخطار التي تحددها عقود التأمين ، والتي يتعرض لها المشترك عضو هيئة التأمين ، وذلك بتعويضه عن الأضرار التي تلحقه من جراء وقوع هذه الأخطار ، وفقاً للأسس التي يحددها النظام الأساسي لشركة التأمين وتنص عليها وثائقه.

 

3.  يعتبر أعضاء "هيئة المشتركين" الذين يوقعون عقود التأمين مع شركة التأمين التي تنوب عن "هيئة المشتركين" متبرعين من الأقساط التي يدفعونها ، ومن عوائد استثمار هذه الأقساط ، في حدود المبالغ اللازمة لدفع التعويضات عن الأضرار التي تصيب أحدهم من جراء وقوع الأخطار المؤمن منها ، أو بعبارة أخرى ، يتضمن توقيع المشترك على وثيقة التأمين دخوله في "هيئة المشتركين" فيصبح عضواً فيها ، ويتضمن في نفس الوقت قبوله للتبرع من مجموع أموال التأمين ، أي الأقساط وعوائد استثمارها ، بما يكفي لدفع التعويضات عن الأضرار التي تصيب أحد أعضاء "هيئة المشتركين" ، من جراء وقوع الأخطار المؤمن منها ، وفقاً لأحكام وثيقة التأمين ، والنظام الأساسي للشركة ، فهو لا يتبرع بالأقساط وعوائدها جملة ، بل يتبرع منها بما يكفي لدفع التعويضات على النحو السابق.

 

4.  أموال التأمين هي الأقساط وعوائد استثمارها ، على الأساس السابق ، مملوكة "لهيئة المشتركين" ، وليست لشركة التأمين ، وأعضاء هيئة المشتركين يتبرعون من هذه الأموال ، بما يكفي لدفع التعويضات عن الأضرار التي تصيب أحدهم من جراء وقوع الأخاطر المؤمن منها كما ذكرنا ، وهذا يختلف عن عقد التأمين التجاري الذي تمارسه شركات التأمين التجارية فإنه عقد معاوضة بحتة ، تملك فيه الشركة أموال التأمين ، الأقساط وعوائدها ، مقابل التزامها بدفع التعويضات عن وقوع الأخطار ، وهو التزام في ذمتها توفي به من الأموال المملوكة لها ، ولذا كان هذا النوع من التأمين غير مشروع ، لأنه عقد معاوضة دخله الغرر الكثير: في الوجود وفي الحصول وفي المقدار وفي الأجل ، والغرر الكثير يفسد عقود المعاوضات اتفاقاً ، بخلاف التبرعات على رأي المالكية وبه نأخذ.

 

5.  شركات التأمين الإسلامية شركات خدمات ، أي أنها تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله ، نيابة عن "هيئة المشتركين" وفقاً لأحكام الشرعية الإسلامية والنظام الأساس للشركة ، وبذلك تختلف هذه الشركات عن شركات التأمين التجاري ، التي تعمل لنفسها بطريق الأصالة ، في إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله ، ويمكن لشركات التأمين الإسلامي وفقاً لأحكام الشريعة ، أن تأخذ عوضاً من "هيئة المشتركين" لأن علاقة الشركة بهذه الهيئة الاعتبارية أو الحكمية علاقة معاوضة ، فهي الأمينة على أموال التأمين ، وتقوم بإدارة عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابة عن هيئة المشتركين ، وهذا العوض يتمثل في شكل مبلغ محدد مقطوع ، أو نسبة من الأقساط التي تجمعها أو التعويضات التي تدفعها باعتبارها وكيلاً ، أو في نسبة معلومة من عائد استثمار أموال التأمين ، باعتبارها مضارباً ، أو هما معاً ، والذي أختاره ، مع بعض الباحثين أن يكون هذا العوض حصة من الربح باعتبارها مضارباً ، لا مبلغاً محدداً باعتبارها وكيلاً.

 

ثانياً : تعريف التأمين الإسلامي باعتباره عقداً

 

إن تعريف التأمين الإسلامي باعتباره عقداً ، يتحدد فيه طرفا التعاقد ، وطبيعة محل التعاقد ، والتزامات أطرافه ، يعين على ضبطه من الناحية الشرعية ، وييسر الحكم على كل نوع من أنواعه ، كما يمكن في ضوء هذا التعريف أن تحدد خصائصه ويتضح الفرق بينه وبين التأمين التجاري.

 

ويعرف التأمين الإسلامي باعتباره عقداً بأنه : اتفاق بين شركة التأمين الإسلامي ، باعتبارها ممثلة "لهيئة المشتركين" وشخص طبيعي أو قانوني ، على قبوله عضواً في "هيئة المشتركين" والتزامه بدفع مبلغ معلوم "قسط" ، على سبيل التبرع منه ومن عوائد استثماره لأعضاء هذه الهيئة ، على أن تدفع له الشركة ، نيابة عن هذه الهيئة ، من أموال التأمين ، التي تجمع منه ومن غيره من المشتركين ، التعويض عن الضرر الفعلي الذي أصابه من جراء وقوع خطر معين ، في التأمين على الأشياء ، أو مبلغ التأمين في التأمين التكافلي على الأشخاص ، على النحو الذي تحدده وثيقة التأمين ويبين أسسه النظام الأساسي للشركة.

 

ويؤخذ من هذا التعريف أن أركان عقد التأمين هي

 

1.    طرفا العقد:

 

إن طرفي عقد التأمين الإسلامي هما : المشترك ، ويسمى المستأمن أو المؤمن له ، من جهة، وشركة التأمين من جهة أخرى ، باعتبارها ممثلة "لجماعة المستأمنين" أو "هيئة المشتركين" وهي هيئة اعتبارية أو حكمية لازمة لترتيب أحكام عقد التأمين , وما دامت هذه الأحكام مشروعة ، فإن الشريعة تحكم بتقدير ووجود هذه الهيئة ، حتى وإن لم تتخذ الصيغة القانونية في الخارج ، وذلك كبيت المال والوقف والمضاربة ، وغيرها من الهيئات التي اعتبرت وقدرت تقديراً لتيسير الوصول إلى غايات تتفق مع الشريعة الإسلامية ، على أنه ليس هناك ما يمنع من صياغة هذه الهيئة صياغة قانونية ، بل وتمثيلها لأفرادها للدفاع عن مصالحهم أمام شركة التأمين التي يربطها بها عقد إدارة ومضاربة.

 

وهذا تماماً ، كالحال في جماعة أو هيئة المودعين في البنوك الإسلامية , فهي هيئة حكمية اعتبارية يقدر وجودها في مواجهة هيئة المساهمين في البنك ، فعقود المضاربة التي تعقد بين أفراد هيئة المودعين وبين البنك ، أي هيئة الساهمين ، تحتاج إلى من يراقب تنفيذها ، عن طرق ممثلي هذه الهيئة ، ويمكن أيضاً أن تصاغ هذه الهيئة صياغة قانونية بحيث يكون لها وجود قانوني في الخارج ، وتختار ممثليها الذين يدافعون عن مصالحها.

 

والواقع أن هيئة المستأمنين أو المشتركين في شركات التأمين ، هي التي يدفع أعضاؤها أموالاً طائلة للشركة التي تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابة عن هذه الهيئة ، وهذه الأموال كثيرة جداً ، إذا قيست برأس مال الشركة ، فكيف يكون للشركة صيغة قانونية ، ومجلس إدارة وجمعية عمومية لتمثيلها والدفاع عن مصالحها نيابة عن المساهمين ، في حين أنه لا يكون لهيئة المشتركين مثل هذا التنظيم؟

 

وما يقال في شركات التأمين الإسلامية الناشئة ، يقال مثله في البنوك الإسلامية ، فالودائع التي تتلقاها البنوك الإسلامية تفوق رأس مال البنك أضعافاً ، وتربط المودعين بالبنك عقود مضاربة، وللبنك نظام أساسي لتنظيم أعماله ، فكيف تكون للبنك أي "لهيئة المساهمين" فيه ، مجلس إدارة وجمعية عمومية تمثل المساهمين وتدافع عن مصالحهم ولا يكون لجماعة المودعين من يمثلهم ويدافع عن مصالحهم؟

 

ولهذا فإن الصيغ الإسلامية الجديدة في مجال البنوك وشركات التأمين وغيرها تحتاج إلى مراجعة فنية دقيقة يكون هدفها الوصول إلى صيغة قانونية عملية تحفظ حقوق المودعين مع المساهمين في البنك ، وتحفظ حقوق المستأمنين مع شركة التأمين ، ولا يتأتى ذلك إلا بتمثيل كل من "هيئة المشتركين" في شركات التأمين ، و"هيئة المدعين" في البنوك الإسلامية ، وذلك بإيجاد هاتين الهيئتين في الخارج ، وتحديد طريقة اختيار من يمثلهما ، والسلطات التي تمارسها كل منهما، وهذا يحمي التجربة أولاً ، ويقربها من مقاصد الشريعة في عقود التأمين والمضاربة في البنوك ، وشركات التأمين الإسلامية ثانياً.

 

والنظر الشرعي يقضي بأن يكون في البنك هيئتان أو جماعتان ، هما : هيئة أو جماعة المضاربين ، وهي البنك أو مساهموه ، وهيئة المودعين وهي هيئة مستقلة عن هيئة المساهمين ، حتى ولو أجاز نظام البنك خلط أموال المساهمين مع المودعين واستثمرها في وعاء مشترك ، وأن يكون لكل من الهيئتين مجالسها التي تمثلها ، أو مجلس واحد تمثل فيه الهيئتان ، حتى يمكن حماية مصالح أفراد الهيئتين وتطبيق أحكام الشريعة في العلاقة بينهما على نحو سليم.

 

وبالمثل فإنه يجب أن يكون في شركات التأمين هيئتان : هيئة المشتركين ، أي حملة وثائق التأمين ، باعتبارهم متبرعين من أموال التامين المملوكة لهذه الهيئة والتي لا تشاركها فيها شركة التأمين، وهيئة المديرين والمضاربين ، وهم مساهمو شركة التأمين ، التي تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابة عن هيئة المشتركين ، في مقابل أجرة أو حصة المضاربة ، أو هما معاً .

 


2.    العلاقة بين المشترك وشركة التأمين

 

العلاقة بين المستأمن ، أو المشترك وبين شركة التأمين الإسلامية تختلف عن العلاقة بين المستأمن وشركة التأمين التجارية ، فالعلاقة الأولى تتمثل في أن المستأمن عضو في هيئة المشتركين ، والتي تقوم بإبرام عقد إدارة ومضاربة مع شركة التأمين الإسلامية ، ويترتب على هذه العلاقة قيام شركة التأمين بإبرام عقود التأمين وجمع الأقساط ودفع التعويضات ، نيابة عن هيئة المشتركين ، وهي تستثمر أموال التأمين لحسابهم وعلى مسئوليتهم ، باعتبارها مملوكة لهم ، في مقابل حصة من عوائد استثمارها ، فالعقد إذن عقد إدارة ومضاربة بين شركة التأمين والهيئة الحكمية أو المقدرة.

 

ومن جهة أخرى فإن عقد التأمين الذي توقعه شركة التأمين مع مشترك معين ، عقد تبرع ، يقوم فيه المشترك بالتبرع ، بناء على قبوله لنظام الشركة ، ويعلن إرادته في أن يكون عضواً في هيئة المشتركين ، وتقوم شركة التأمين الإسلامية عند توقيع عقد التأمين بقبول عضويته وتبرعه ، باعتبارها نائبة عن هيئة المشتركين التي تملك الأقساط لصالح أعضائها. ووجود هذه الهيئة الحكمية ضروري من الناحية الشرعية ، حتى ولو لم يكن لها وجود قانوني منظم في الخارج ، أي لم تفرغ في الصيغة القانونية كما ذكرنا.

 

ويمكن التمثيل لذلك بعقد المضاربة ، فإنه يفترض وجود شركة مضاربة تأخذ الشكل القانوني بين رب المال والشركة أو الفرد المضارب ، حتى تترتب أحكام المضاربة باعتبارها شخصية معنوية لها ذمة مالية مستقلة عن ذمة المضارب  ورب المال ، حتى جاز لهما البيع والشراء مع المضاربة ، وكانت مسئولية رب المال محددة برأس المال لا تتعداها إلى بقية أمواله ، وكانت هناك مصروفات تتحملها المضاربة وأخرى يتحملها المضارب ، غير أن شركة المضاربة المذكورة لا توجد قانوناً في الخارج ومع ذلك قلنا بأن مشروعية عقد المضاربة والأحكام التي تترتب عليها تفترض قطعاً وجود مثل هذه الشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة لتصور ترتيب هذه الأحكام.

أما العلاقة بين المستأمن وشركة التأمين التجارية فهي علاقة معاوضة ، فليس هناك هيئة مشتركين أو مستأمنين مفترضة أو مقدرة ، في هذه الحالة ، لأنه لا ضرورة لهذه الهيئة ، لأن أحكام هذه العلاقة لا تستلزمها ، على النحو الوارد في قوانين التأمين ، فشركة التأمين التجاري تبرم عقد معاوضة مع المستأمن يلتزم فيه المستأمن بدفع القسط في مقابل التزام الشركة بتعويضه عن الضرر الذي يصيبه من جراء تحقق الخطر المؤمن منه ، أو مبلغ التأمين عند وقوع حادث الوفاة مثلاً ، وقد لا يقع فتستقل الشركة بالأقساط. وأقساط التأمين مملوكة للشركة بحكم القانون ، وليست لجماعة أو هيئة المستأمنين ، وأرباح المساهمين في هذه الشركة هي الفرق بين مجموع الأقساط التي تجمعها وعوائد استثمارها والتعويضات التي تدفعها في مدة معينة ، بعد خصم المصروفات ، في حين أن هذا الفرق يعد فائضاً تأمينياً يوزع على حملة الوثائق في التأمين الإسلامي.

 

فشركة التأمين التجاري ليست شركة إدارة لعمليات التأمين لحساب الغير مقابل أجرة محددة بصفتها وكيلاً ، ولا مضاربا في أموال التأمين تستثمرها لحساب مالكيها وعلى مسئوليتهم بحيث يكون الغرم عليهم والغنم لهم ، إلا ما شرطوه منها للمضارب ، كما هو الحال في شركة التأمين الإسلامي ، بل هي تدير هذه العمليات لحسابها ، وتستثمر الأموال المملوكة لها ، وبالتالي ، فهي لا تأخذ أجراً ، ولا حصة من الربح من أحد ، فهي تستقل بكامل الأرباح.

 

وهذا هو الذي جعل عقود التأمين التجارية غير مشروعة ، لأنها معاوضات بحتة بين الشركة وحملة الوثائق ، وهي معاوضة قد دخلها الغرر الكثير بجميع أنواعه ، وهي الغرر في الوجود ، وفي الحصول ، وفي المقدار وفي الأجل ، فتبطل.

 

3.    محل عقد التأمين

 

محل التعاقد في عقد التأمين الإسلامي هو التبرع بمبلغ محدد يدفع مرة واحدة أو على أقساط كما هو الغالب في العمل ، لهيئة أو جماعة اعتبارية ، وهو عضو فيها ، على أساس قبول نظام معين في استخدام وإنفاق حصيلة تبرعه ، مع غيره ، ممن يقبلون هذا النظام ويتعاقدون مثله على التبرع لهذه الهيئة الحكمية ، التي اقتضتها ضرورة تحقيق المصلحة وتلبية الحاجة ؛ المتمثلة في فوائد التأمين. والمشترك يحقق بعقده مع الشركة هدفين : هما قبوله عضواً في هيئة المشتركين ، وتبرعه من الأقساط وعوائدها بما يكفي لتحقيق الهدف من النظام الذي قبل الدخول في الهيئة على أساسه ، وهو دفع التعويضات في حالة تحقق الخطر المؤمن منه ، أي مبلغ التأمين في حالة وقوع الحادث في التأمين على الحياة ، لأعضاء هيئة المشتركين.

 

وتوقيع الشركة على العقد ، نيابة عن الهيئة المقدرة والمفترضة التي أوجدها نظام الشركة يفيد أمرين: قبول المشترك عضواً في الهيئة ، وقبول تبرعه للغرض الذي يتضمنه النظام الذي وافق عليه عند تقدمه بطلب العضوية وأما حقوقه لدى الشركة ، وهي تعويضه عن الأضرار الفعلية التي تصيبه نتيجة تحقق الأخطار المؤمن منها ، أو دفع التأمين في حالة وقوع حادث الوفاة مثلاً فهو شرط في تبرعه ، والشروط في التبرعات جائزة باتفاق ، فقد أوقف سيدنا عثمان رضي الله عنه بئراً وشرط أن يشرب منها ويسقي دوابه ، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ، وقد اتفق الفقهاء على أن من تبرع بمال لقوم موصوفين بصفة معينة ، كالفقر أو المرض ، فإنه يستحق في هذا التبرع إذا وجدت فيه هذه الصفة ، بأن صار فقيراً أو مريضاً ، ولا خلاف في جواز الوقف على طلاب العلم في مكة أو في الأزهر ، ويستحق الواقف في هذا الوقف إذا صار طالباً للعلم في مكة أو في الأزهر ، وذلك كما لو وقف سكنى داره على الأرامل ثم صار أرملاً فإنه يسكن معهم.

 

والمشترك في التأمين الإسلامي الذي يوقع عقداً مع شركة التأمين ، ويقبل نظامها الأساسي ، الذي ينظم التصرف في أموال التأمين التي يدفعها المشاركون فيه ، يلتزم بالتبرع من القسط ومن عوائد استثماره ، بما يكفي لدفع التعويضات المطلوبة لمن يصيبه ضرر من المشتركين ، بشرط أنه إذا وقع عليه ضرر نتيجة وقوع خطر من الأخطار المؤمن منها فإنه يستحق التعويض ، بحكم عضويته في جماعة المشتركين ، فكل من يتبرع بالقسط يتبرع لجماعة موصوفين بصفة معينة ولأعراض معينة ، فإذا وجدت فيه هذه الصفة فإنه يستحق التعويض ، بصفته عضواً في جماعة كان التبرع لها ، وفقاً لنظام التأمين ، ووجدت فيه شروط الاستحقاق كما توجد في غيره.

 

والخلاصة أن محل التأمين الإسلامي هو الاتفاق على التعاون بين جماعة من الناس يتعرضون لأخطار مشتركة ، وذلك بدفع أقساط محددة تقوم شركة التأمين بجمعها واستثمارها نيابة عنهم أو عن هيئتهم وذلك على سبيل التبرع على النحو السابق ، وينظم هذا التبرع ، ويبين كيفية تحديد الأقساط ، وصرف التعويضات عقد التأمين ونظام الشركة ، وهو الأساس الذي اتفق عليه المشتركون ، ويفترض علم المشترك به وقبولـه لـه ، والواقع أن وثيقة التأمين الإسلامي التي يوقعها المشترك تتضمن الأمور التالية :

 

1.  أنه يقبل الدخول في جماعة يتم تكوينها في المستقبل ، ويحدد أهداف هذه الجماعة ، وأسس تعاونها ، والتزامات أعضائها ، نظام أعدته شركة التأمين.

 

2.     أنه بقبوله لهذا النظام ، يلتزم به ويستفيد منه ، إذا ما انطبقت عليه شروطه ، مثله في ذلك مثل غيره من المشتركين.

 

3.  أنه يحدد الأخطار المؤمن منها ، وما يترتب عليها من تعويضات ، ومقدار ما يتبرع به ، لهذه الجماعة ؛ لتمكينها من أداء رسالتها وتحقيق أغراضها ، ومقدار القسط مرتبط بنوع الخطر المؤمن منه ، ومقدار الضرر المتوقع ، ومبلغ التأمين ، هذا جزء من نظام الهيئة الذي قبله ، والجماعة التي هو عضو فيها ، وشبيه بهذا نظام الجمعيات الدينية أو الاجتماعية والخدمية التي ينص نظامها على حالات المساعدة ومقدارها ، في حالات الكوارث والنكبات ، وكيفية صرفها للمستحقين لها ، والمشترك في هذه الجمعيات يدفع اشتراكاً محدداً ، ثم يستحق المساعدة إذا حلت به كارثة من الكوارث المنصوص عليها ، وقد يأخذ أكثر مما يدفع مرات ، وقد يدفع طوال حياته ، ولا يقع له كارثة ، فلا يستحق مساعدة ، بل إن بيت المال يجمع الزكاة وبقية الموارد من المكلفين بها ، وكفاية الجميع ، (الدافعين وغير الدافعين ، لعدم توفر شروط وجوب الزكاة بالنسبة لهم) واجبة في بيت المال ، فالواجبات الشرعية لبيت المال محددة ، والمستحقون فيه يوصفون بصفات معينة ، فمن وجدت فيه هذه الصفة استحق حدّ الكفاية ، التي تختلف من شخص لآخر ، بصرف النظر عن كونه من الدافعين أو من غيرهم ، وبصرف النظر عن مقدار ما يدفع ، غير أن الواجبات المالية لبيت المال محددة بمقتضى نص الشرع ، على قدر الغني والقدرات المالية ، أما ما يدفعه المشترك فيتحدد باتفاق المشترك مع "جماعة المشتركين" ، التي تمثلها شركة التأمين ، وعلى أساسه تكون المساعدة عند تحقق الخطر

 

وقد يظهر أن هناك اختلافاً بين نظام التأمين الإسلامي وبيت المال ، حيث أن نظام التأمين الإسلامي يحدد المستحق بأنه كل عضو في هيئة المشتركين ، دون غيرهم ، أما بيت المال فيحدد المستحقين بأنهم من يقيمون بدار الإسلام من المسلمين وغيرهم ، ولكن عند التحقيق يتبين أنه لا خلاف ، حيث أن كل نظام يحدد المشاركين فيه والمستحقين ، ففي بيت المال ، المشاركون ، تكليفاً ، هم كل من وجدت لديه قدرات مالية بدار الإسلام ، وكذلك الحال بالنسبة للتأمين الإسلامي، فالمشاركون فيه هم كل من قبل النظام ورغب في المشاركة في هيئة المشتركين ، والمستفيدون منه هم من توافرت فيهم شروط الاستفادة ، بتوقيع عقد تأمين على النحو السابق ، إذا أصابه ضرر فعلي أو مقدر من جراء وقوع الخطر المؤمن منه.

 

والفارق الوحيد ، غير المؤثر ، هو أن نظام التكافل الذي يمثله بيت المال نظام مفروض بحكم الشريعة ، بل هو ركن من أركان الإسلام ، لينسج الناس على منواله ويترسموا خطاه ، بإنشاء أنظمة ومؤسسات تعاون شبيهة بنظام بيت المال نفس المصلحة وتلبي ذات الحاجة في مجالات شبيهة بتلك التي تغطيها كفالة بيت المال المفروضة ، وذلك مثل التأمين التكافلي أو على الحياة وغير ذلك من أنواع التأمين الاختياري بالجزء ، والواجب بالكل ، إذ التعاون على البر والتقوى فريضة في الإسلام بالكل ، أي في الجملة ، وإن كان جائزاً أن مباحاً بالجزء ، أن في بعض الأنواع ، والحالات ، وعلى أساس بعض التنظيمات والمؤسسات ، وبالنسبة لبعض الأشخاص دون بعض ، وذلك كالأكل والشرب فإنه واجب بالكل ، بحيث يأثم من لا يأكل حتى يهلك ، إذ يجب عليه أن يأكل شيئاً ما في وقت ما ، ولكنه مباح بالجزء ، أي من حيث الأوقات وأنواع الطعام مثلاً ، وقد يتعين نوع من التكافل في ظروف خاصة فيجب ، كما في زمن الكوارث والنكبات.

 

4.    القسط أو الاشتراك

 

القسط أو الاشتراك هو المبلغ الذي يتبرع به عضو هيئة المشتركين ، وهذا القسط يحدده عقد التأمين الذي يوقعه العضو مع شركة التأمين ، وهناك تناسب بين قسط التأمين ونوع الخطر المؤمن منه ، ومبلغ التأمين ، ولقد ذكرنا أن المشترك يتبرع من هذا القسط ، ومن عائد استثماره ، في حدود ما يكفي لدفع التعويضات لمن تصيبه أضرار من أفراد جماعة المشتركين ، نتيجة وقوع الأخطار المؤمن منها ، فهو لا يتبرع بكامل القسط وعوائد استثماره ، بل بما يكفي لدفع التعويضات المطلوبة من الشركة في خلال المدة ، والباقي يكون على ملك المشترك ، ويمكن توزيعه على أفراد جماعة المشتركين على شكل فوائض تأمين ، وذلك بعد خصم بعض الاحتياطيات لصالح أفراد هذه الجماعة في المستقبل

 

ولا خلاف في أنه يجوز في بعض أنواع التأمين التكافلي أن ينص في وثيقة التأمين على أن المشترك يعفى من القسط في حالات وظروف خاصة ، وتعفى ورثته بعد موته من دفع القسط ، دون أن يؤثر ذلك في استحقاق مبلغ التعويض في حالة وقوع الخطر ، المرض أو العجز أو الوفاة مثلاً ، ذلك أن مبنى التأمين الإسلامي هو التعاون القائم على أساس التبرع ، وللمتبرع أن يضع من الشروط ما يراه مناسباً لتبرعه ، إذا كانت هذه الشروط مشروعة ، وهذه الشروط يتضمنها النظام الأساسي لشركة التأمين التكافلي ، ويعتبر العضو قابلاً لها وراضياً بها بمجرد توقيعه على وثيقة التأمين ، والمهم من الناحية الشرعية أن هذا النظام يجب تطبيقه على جميع المشتركين دون تمييز أو محاباة.

 


5. التعويض أو مبلغ التأمين

 

التأمين نوعان:

 

أحدهما: التأمين على الأشياء كالسفن والطائرات والمصانع والمزارع وغير ذلك من الأموال، وفيه يحدد مبلغ التأمين الذي يحدد القسط على أساسه ، والتعويض في هذه الحالة يكون في حدود هذا المبلغ لا يزيد عليه بحال ، وإن كان الضرر الواقع للمستأمن نتيجة وقوع الخطر المؤمن منه يزيد عن هذا المبلغ، ولكن المشترك في نفس الوقت لا يستحق هذا المبلغ كاملاً في جميع الحالات، بل يستحق التعويض عن الضرر الفعلي الذي أصاب الشيء المؤمن عليه نتيجة وقوع الخطر المؤمن منه، وإن قل عن مبلغ التأمين، وبعبارة موجزة، يستحق المشترك في التأمين على الأشياء مقدار الضرر في حدود مبلغ التأمين:

 

والدليل الشرعي على ذلك أن المشترك لو استحق مبلغ التأمين كاملاً، والذي دفع القسط في مقابلته،بصرف النظر عن مقدار الضرر الذي أصاب المال المؤمن عليه، لكانت هذه المعاملة قماراً يحرم الاتفاق عليه، ذلك أن دافع القسط قد يدفع قسطاً واحداً، ثم يستحق مبلغ التأمين كاملاً، وقد يدفع أقساط التأمين، طوال مدة التأمين، ثم لا يقع الخطر المؤمن منه، أو يقع ولكن لا يترتب على وقوعه ضرر يساوي مبلغ التأمين، فيأخذ مبلغ التأمين دون ضرر وقع عليه، أو وقع عليه ضرر أقل من مبلغ التأمين، ولذلك اشترطنا في التأمين على الأشياء أن ينص في نظام التأمين، وفي الوثيقة التي يوقعها المشترك مع شركة التأمين على أن محل التعويض هو الضرر الفعلي.

 

وثانيهما: التأمين التكافلي أي التأمين على الأشخاص ، وهو ما يسمى بالتأمين التكافلي، تمييزاً له عن بقية أنواع التأمين الإسلامي، وأساس هذا النوع من التأمين، بالإضافة إلى التعاون والتبرع، التكافل بين المشتركين، بل أساسه التعويض عن الضرر الفعلي الذي يمكن تقديره، بوسائل التقدير الشرعية، فليس أساسه التكافل، فالتعويض يدفع لتغطية أضرار معنوية متوقعة وغير محددة ويحدث بعضها في المستقبل، كما أن هذا النوع يتميز بأن الأقساط المحددة في وثيقة التأمين يمكن إسقاطها والتنازل عنها، أو قيام هيئة المشتركين بدفعها نيابة عن المشترك في حالات خاصة ينص عليها في وثيقة التأمين، كحالات الموت والعجز والمرض وبلوغ سن معينة، أو تحمل أعباء غير عادية، كأن يرزق بالولد.

 

وفي هذا النوع من التأمين يجوز دفع مبلغ التأمين الذي تحدده وثيقة التأمين كاملاً عند وقوع الحادث المؤمن منه، دون حاجة إلى إثبات ضرر فعلي، مادي أو معنوي، كحالة الوفاة في التأمين على الحياة، فإن ورثة المشترك يستحقون مبلغ التأمين دون حاجة إلى إثبات أن ضرراً ما قد أصابهم من جراء موت المورث، وقد يقال، إن الضرر هنا مفترض افتراضا لا يقبل إثبات العكس، فقد يكون الورثة أغنياء، وقد يتخلصون بموت المورث من تكاليف ونفقات باهظة تكبدوها طوال مرضه، لأنه لم يكن قادراً على الكسب، ومع ذلك يستحق الورثة مبلغ التأمين، ولذلك فإن تسمية هذا المبلغ تعويضاً غير دقيقة، بل الأفضل أن تسمى مبلغ التكافل أو المساعدة.

 

وفي هذا النوع لا يجوز أن يطلب المستفيد أو ورثته زيادة مبلغ التأمين حتى إذا أثبتوا أن الضرر الذي أصاب المشترك أو ورثته أكبر من مبلغ التأمين، لأنه ليس له صفة تعويضية كما ذكرت.

 

والتأمين التكافلي تجيزه قواعد الشريعة، ذلك أنه لا ارتباط بين دفع القسط في هذا النوع من التأمين ومبلغ التأمين، فالمشترك يدفع قسطاً على سبيل التبرع، ويوافق في نفس الوقت، على ما وافق عليه غيره من جماعة المشتركين، على التكافل، ويحدد طريقة هذا التكافل، والأحداث أي الأخطار المؤمن منها، والتي يدفع فيها مبلغ التأمين عند وقوعها، على سبيل المساعدة، والمشترك نفسه قد لا يأخذ شيئاً لعدم وقوع الحادث في حقه، كالشأن في دافع الزكاة مثلاً، فإنه يدفعها على شرط شرعي، أي بمقتضى نص الشارع، وهو أن بيت المال يكفله إذا كان فقيراً، وذلك بتوفير حد الكفاية، لا الكفاف ، له ولمن يعولهم، وأنه إذا توافرت فيه شروط الاستحقاق في الزكاة أو غيرها من موارد بيت المال، فإنه سوف يأخذ كغيره منها، وقد لا تتوافر شروط الاستحقاق فيه طوال حياته، فلا يأخذ شيئاً مع قيامه بدفع نصيبه في الزكاة وغيرها.

 

والفرق بين التأمين التكافلي وفضية بيت المال، أن مبلغ المساعدة، في التأمين التكافلي وطريقة حسابه وتحديده في الوثيقة مقرر ابتداء، في حين أن مقدار ما يأخذه المستحق من بيت المال، مرتبط بالحاجات الفعلية، فهو غير محدد ابتداء، وليس له حدود عند صرف المستحق، لأنه يعتمد على الحاجات الفعلية للمستحق ومن يعولهم، ووضعه الاجتماعي، ومركزه العائلي وغير ذلك.

 

الفرق بين التأمين الإسلامي والتأمين التجاري

 

يحسن بعد العرض السابق أن نوجز الفروق بين نظام التأمين الإسلامي وعقده، وبين نظام التأمين التجاري وعقده، وذلك بذكر الأسس العامة التي يلزم توافرها في التأمين الإسلامي، والتي إذا فقدت أو فقد بعضها لم يكن التأمين إسلامياً، ثم مقارنة هذه الأسس بأسس التأمين التجاري.

 

1.    شركة التأمين الإسلامي،

 

شركة التأمين الإسلامي ، شركة خدمات، تتولى إدارة عمليات التأمين، وتستثمر أمواله، نيابة عن هيئة المشتركين، بعقد بين الشركة وهيئة المشتركين، وهو عقد حكمي أو مفترض، لأن هيئة المشتركين، نفسها ليس لها كيان قانوني مستقل في الخارج، وقد قلنا إن افتراض هذا العقد أو الاتفاق تمليه ضرورة ترتيب أحكام التأمين الإسلامي، بل إنه يتعذر القول بجواز هذا التأمين دون هذا الافتراض، وهذا قريب من دلالة الالتزام، أي تقدير ما لا يتم أو لا يصح الكلام بدونه، كقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية) فإن تقدير الكلام "فلحق" فعليه فدية، وكقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" إذ لابد من تقدير شيء حتى يصح أو يستقيم الكلام، وهذا المقدر هو كلمة "صحيحة" أو "كاملة" أي لا صلاة "صحيحة" أو "كاملة".

 

وهذا العقد المقدر هو عقد نيابة.. أو وكالة أو مضاربة، ففي الحالة الأولى يكون أجر الوكالة معلوماً محدداً، مقطوعاً، أو نسبة من الأقساط التي تجمعها الشركة أو التعويضات التي تدفعها، وفي الحالة الثانية يكون العوض نسبة محددة من الربح، ويرى بعض الباحثين، وبرأيهم أخذت بعض شركات التأمين الإسلامية، أن الشركة تستحق نسبة معلومة من عوائد استثمار أموال التأمين بصفتها مضارباً، وان إدارة عمليات التأمين تدخل بالتبع في أعمال الاستثمار، أو أن الشركة لا تتقاضى عليها أجراً، فهي متبرعة، بل إن البعض يذهب إلى حد القول بعدم جواز جمع الشركة بين أجر الوكالة وحصة المضارب، لوجود التنافي بين عقدي الوكالة والمضاربة، والواقع أنه لا تنافي بين العقدين، لانفكاك الجهة، فالشركة تستحق أجر الوكيل لقيامها بإدارة عمليات التأمين، وذلك بإجراء الدراسات الفنية، مثل تطبيق قوانين الكثرة ونظرية الاحتمالات بالنسبة للمخاطر المختلفة، وإبرام العقود مع المشتركين، وتحصيل الأقساط منهم، ثم دفع التعويضات للمستحقين، وأما النسبة المعلومة من ربح استثمار أموال التأمين، فإنها مقابل الاستثمار بصفتها مضارباً، فهما عملان مختلفان، فمحل عقد الوكالة هو إدارة عمليات التأمين، ومحل عقد المضاربة هو استثمار أموال التأمين، فتستحق الشركة عليهما أجرين، ولو كان الملتزم بالأجر وحصة المضاربة واحداً، وهو هيئة المشتركين، هذا وليس هناك مانع شرعي من استحقاق شركة التأمين مبلغاً مقطوعاً، أو نسبة من مبلغ معلوم نظير الوكالة، وتكون متبرعة باستثمار أموال التأمين.

 

وعندما نتحدث عن استثمار أموال التأمين يجب التنبيه على أن لشركة أن تخلط حقوق مساهميها بأموال التأمين، وأن تستثمر الجميع في وعاء واحد، كما تفعل البنوك الإسلامية عندما تخلط حقوق المساهمين، أو رأس المال العامل بالودائع، وتستثمر الجميع في وعاء مشترك. وفي هذه الحالة فإن عوائد استثمار الوعاء المشترك توزع على مساهمي الشركة أو جماعة المساهمين، وجماعة المشتركين، حسب نسبة أموال كل منهما في الوعاء المشترك، وذلك بعد خصم حصة شركة التأمين من الأرباح بصفتها مضارباً، وليس هناك ما يمنع شرعاً، من الفصل بين حقوق المساهمين، وحقوق حملة الوثائق في الاستثمار، بحيث يكون لكل منهما عوائد استثمار ماله، وتستحق الشركة حصة المضاربة في عوائد استثمار أموال حملة الوثائق.

 

2.    شركة التأمين التجاري

 

أما شركة التأمين التجاري فهي تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله لحسابها وليس بالنيابة عن غيرها، فهي أصيلة ومالكة لأموال التأمين، أي الأقساط وعوائد استثمارها، بالإضافة إلى حقوق مساهميها، وهي تقوم بعمليات الاستثمار لحسابها وعلى مسئوليتها، ولها غنم الاستثمار وعليها الغرم، على خلاف شركات التأمين الإسلامية فإنها تستثمر أموال التأمين لحساب حملة الوثائق، أو جماعة المشتركين، وعلى مسئوليتهم، فهم وحدهم، دون مساهمي الشركة، الذين يتحملون الغرم ويستحقون الغنم، إلا ما شرطوه منه للشركة باعتبارها مضارباً.

 

ولا يقال إن عقد النيابة الذي يربط بين شركة التأمين الإسلامية وبين هيئة المشتركين، وهم حملة وثائق التأمين، مجرد افتراض لا تبني عليه الأحكام الشرعية، لأنا نقول إن هذه الإحكام ثابتة تتضمنها وثائق التأمين مع كل مشترك من هيئة المشتركين على حدة، غير أن هؤلاء لا يبرمون عقود تأمين دفعة واحدة، وفي وقت واحد، بل على دفعات وفي أوقات مختلفة، ولكن هذا لا يضر من الناحية الشرعية، فمن الجائز شرعاً، والواقع عملاً، أن يُعد اتفاق معين يثبت حقوقاً ويرتب التزامات على أطرافه، بحيث إن من ينضم إلى هذا الاتفاق في المستقبل، عالماً بأحكامه، فإنه يصير طرفا فيه تثبت له الحقوق وتلزمه الواجبات التي يرتبها هذا الاتفاق على أطرافه المشتركين فيه، وذلك كالشركات التي تطرح أسهمها للاكتتاب فيها، فإن نشرة الإصدار  تحدد عناصر الشركة، ورأسمالها، وخلاصة نظامها الأساسي ثم تطلب من الجمهور أن يشترك، فإذا اكتتب عضو وأودع قيمة اكتتابه كان شريكا في هذه الشركة، بل إن نظام الجمعيات الخيرية والنوادي الاجتماعية، والاتحادات المهنية، ونظام التأمين الطبي تقوم على هذا الأساس، بل إن عقود الخدمات كالكهرباء والماء ووسائل الاتصال كذلك، فشروطها وأحكامها، والتزامات طالبي الخدمة وحقوقهم مدونة في نظامها، ويفترض فيمن يريد أن يستفيد من الخدمة أنه قد اطلع على هذا النظام، وما يرتبه من حقوق وما يفرضه من التزامات، وأنه وافق عليه، فيصير بذلك متعاقداً، فالإيجاب أو العرض قد وجد محدداً أولاً، ثم انضم أطرافه إليه ثانياً، والإيجاب إذا حدد له وقت يلتزم فيه الموجب، بقى قائماً حتى يصادفه أو يلحق به قبول معتبر بالوسيلة المنصوص عليها في هذا الإيجاب، وهو شبيه بعقود الجعالة.

 

3.    الصفة الشرعية للمشترك

 

المشترك أو المستأمن في شركة التأمين الإسلامي ، متبرع بالقسط وبعائد استثماره ، في حدود ما يكفي لدفع التعويضات في خلال المدة ، فهو يوقع عقداً ويحصل على وثيقة من شركة التأمين على أساس التبرع ، وهذا العقد تبرع بالقول فيلزم عند المالكية بمجرد توقيع عقد التأمين ، ولقد ذكرنا أن هذا العقد يفيد في نفس الوقت قبول المشترك عضواً في جماعة أو هيئة مفترضة ، توجد بالتدريج ، وإن بدأت نبتتها عند أول اشتراك ، فعلاقة المستأمن بشركة التأمين الإسلامية ليست علاقة معاوضة ، لأن الشركة لا تملك الأقساط التي يدفعها المشترك ، بل هي مملوكة له ولغيره من جماعة المشتركين بعد تأسيسها ، كما أن هذه الجماعة مستمرة النمو ولا تقف عند وقت محدد ولا عدد معين من المشتركين ، والمستأمن ، إنما يتبرع من هذه الأقساط بما يكفي فقط لدفع التعويضات لمن يلحقهم ضرر بسبب وقوع المخاطر المؤمن منها لدى شركة التأمين ، ويحتفظ مع بقية أعضاء "هيئة المشتركين" بالباقي من الأقساط وعوائد استثمارها ، ويتم توزيعه على نحو يحدده النظام الأساسي للشركة.

 

كما أن شركة التأمين الإسلامية لا تدفع التعويضات من أموالها ، أي من حقوق المساهمين فيها ، وإنما تدفعها من أموال التأمين ، أي الأقساط وعوائدها ، وبذلك تنتفي فكرة المعاوضة في علاقة المستأمن وشركة التأمين الإسلامية.

 

أما المستأمن في شركة التأمين التجارية فإنه يبرم عقد معاوضة مع الشركة ، فهو يلتزم بدفع الأقساط التي تحددها وثيقة التأمين ، في مقابل التزام شركة التأمين التجارية بدفع مبلغ التأمين ، في التأمين على الأشخاص ، مقدار الضرر الواقع نتيجة وقوع الخطر المؤمن منه ، في حدود مبلغ التأمين ، في التأمين على الأشياء ، والشركة تملك القسط وتلتزم بمبلغ التأمين من أموالها، أي أموال المساهمين فيها ، فحملة الوثائق أمام شركة التأمين التجارية لا يكونون هيئة أو جماعة، لا واقعية ولا حتى مفترضة ، لأنها هي التي تتلقى الأقساط وتملكها ، وهي التي تدفع التعويضات من مالها ، والمساهمين يقتسمون أرباح الشركة التي تتكون من الفرق بين مجموع الأقساط التي تجمعها والتعويضات التي تدفعها في خلال العام المالي ، أما شركة التأمين الإسلامي فلا تستحق هذا الفرق ، ولا شأن لها به ، بل هو مملوك لحملة الوثائق ، والعائد الذي تحصل عليه هذه الشركة هو أجر الوكالة أو حصة المضاربة ، والفرق بين الأقساط التي تجمع من خلال العام وعوائد استثمارها ومبلغ التعويضات التي تدفع في خلال هذا العام ، هو الفائض الكلي لهيئة المشتركين ، تدفع منه المصروفات المباشرة لعمليات التأمين ، وعمليات المضاربات ، بالإضافة إلى حصة في مصروفات إدارة عمليات التأمين غير المباشرة لشركة التأمين ، ثم يكون الباقي فائضاً يتم التصرف فيه لصالح حملة الوثائق ، وقد تخصم منه احتياطات قانونية وفنية وغير ذلك مما تنص عليه أنظمة شركات التأمين الإسلامي ، ثم يوزع الباقي في نهاية العام على حملة الوثائق بنسبة الأقساط التي دفعها كل منهم ، وقد يخرج من التوزيع من وقع له الحادث أو تحقق في شأنه الخطر المؤمن منه ، فدفعت الشركة له التعويض المطلوب ، وقد ينص نظام شركة التأمين الإسلامي على عدم التوزيع للسنوات الأولى في حياة الشركة لتقوية مركزها المالي ، وقد تنص أيضاً على أنه في حالة عدم كفاية الأقساط وعوائدها لدفع التعويضات المطلوبة خلال العام فإن الشركة تقوم بإقراض جماعة المشتركين الذين لهم حساب خاص بهم ، منفصلاً عن حساب جماعة المساهمين ، والمبالغ المطلوبة دون فائدة ، أملاً منها في أن تحصل على أرباح في المستقبل في شكل حصة مضاربة أو أجر وكالة ، وهذا لا يقد قرضاً جر نفعاً ، إذ أن هذا النفع هو توقع الكسب في المستقبل وليس مشروطاً ولا متيقناً بل هو في علم الله

 

4.    حسابات الشركة

 

واضح مما سبق أنه يجب على شركة التأمين الإسلامية أن تمسك حسابين منفصلين:

 

أحدهما : لأموال التأمين ، وهي الأقساط وعوائدها ، أي لحقوق حملة الوثائق أو هيئة المشتركين.

 

وثانيهما: لأموال الشركة أي حقوق المساهمين وعوائدها ، وما تستحقه الشركة من حصة في الأرباح مقابل استثمار أموال حملة الوثائق ، أو أجر مقابل الوكالة.

 

والدليل الشرعي على وجوب ذلك هو ما قدرناه من وجود ذمتين ماليتين مستقلتين:

 

أحدهما : ذمة جماعة حملة الوثائق الذين يملكون أموال التأمين على الشيوع ، ويتبرعون منها بما يلزم لدفع التعويضات الواجبة ، كما يدفعون أجر وكالة ، أو حصة مضاربة لشركة التأمين ، أي لجماعة أو هيئة المساهمين. وثانيهما : ذمة جماعة المساهمين الذين يملكون رأس مال الشركة وعيره من حقوق المساهمين ويستثمرونها لحسابهم ، وفي وعاء استثمار خاص أو مشترك مع أموال التأمين ، ويحصلون على عوائد الاستثمار ، كما تضاف إلى هذا الحساب حصة المساهمين في المضاربة في أموال التأمين ، أو أجر الوكالة لإدارة عمليات التأمين ، ويتحمل هذا الحساب نصيبه في المصروفات غير المباشرة ، بالإضافة إلى المصروفات المباشرة لعمليات الاستثمار التي تقوم بها.


المبحث الأول
أسس التأمين الإسلامي وتطبيقاته
علي التأمين التكافلي

 

 

ذكرنا أن التأمين التكافلي أو التأمين علي الأشخاص نوع من أنواع التأمين الإسلامي ، وأنه يقوم على نفس الأسس الشرعية والفنية التي يقوم عليها التأمين الإسلامي بصفة عامة ، وتترتب عليه ذات الأحكام ، إلا أنه عند تطبيق الأحكام الشرعية على التأمين التكافلي أو التأمين على الأشخاص ، فإن هذا التطبيق قد يختلف لاختلاف طبيعة الضرر في التأمين التكافلي على الأشخاص عنه في التأمين على الأشياء ، ولذا كان التعويض في الحالة الأولى هو مبلغ التأمين ، وفي الثانية الضرر الفعلي في حدود مبلغ التأمين ، وإليك أسس التأمين الإسلامي بصفة عامة وتطبيقها على التأمين التكافلي أو التأمين على الأشخاص.

 

الأساس الأول : التبرع من القسط ومن عوائد استثماره بما يكفي لدفع التعويضات.

 

التأمين الإسلامي يقوم على أساس تبرع المشترك أو المستأمن من القسط ومن عوائد استثماره بما يكفي لدفع التعويضات عند تحقق الخطر ، أو وقوع الحادث المؤمن منه ، لأحد أفراد جماعة المشتركين ، وهو منهم ، والتعويض قد يكون هو مبلغ التأمين نفسه عند وقوع الحادث المؤمن منه ، وذلك في التأمين التكافلي على الحياة ، وقد يكون مقدار الضرر الفعلي الذي ترتب علي تحقق الخطر المؤمن منه في حدود مبلغ التأمين ، وذلك في التأمين على الأشياء أو التأمين من الضرر كما يسميه البعض.

 

وتبرع المشترك لازم له بمجرد توقيعه على عقد التأمين مع ممثل هيئة المشتركين ، وهو شركة التأمين الإسلامية ، التي تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابة عن هذه الهيئة ، في مقابل أجرة معلومة نظير الإدارة أو حصة معلومة من الربح نظير المضاربة ، والسند الشرعي لذلك هو مذهب الإمام مالك رضي الله عنه في أن التبرع يلزم بالقول ويجبر المتبرع على الوفاء بما تبرع به ، وخصوصاً إذا دخل المتبرع له في تبعات وتكاليف ، وتصرف على أساس هذا التبرع ، ومعلوم أن شركة التأمين والمتعاملين معها قد اعتمدوا على هذا التبرع ، بل أن عقد تأسيس شركة التأمين ، ونظامها الأساسي الذي أعدته وقدمته ، باعتباره صيغة لاتفاق تعاون ، يفرض على الراغبين في الدخول فيه الالتزام به ، والاستفادة منه من المستأمنين ، ويعتمد أساساً على أن عقود التأمين عقود ملزمة لطرفيه المشترك أو المستأمن من جهة ، وشركة التأمين باعتبارها نائبة عن "هيئة المشتركين" في إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله في مقابل أجرة معلومة بصفتها وكيلاً ، أو حصة معلومة من الربح باعتبارها مضارباً أو هما معاً ، ومن جهة أخرى.

 

وواضح أن التأمين التكافلي أو التأمين على الأشخاص كما يسميه البعض يخضع لنفس هذا الأساس ، وهو أساس التبرع الملزم بالقول ، "لهيئة المشتركين" التي تمثلها وتنوب عنها شركة التأمين ، وأن هذا التبرع يكون في حدود المبالغ اللازمة لدفع التعويضات في حالة وقوع الحادث المؤمن منه ، وأن التعويض يعادل مبلغ التأمين.

 

الأساس الثاني : ملكية هيئة المشتركين لأموال التأمين.

 

أموال التأمين ، أن الأقساط وعوائد استثمارها ، مملوكة لهيئة المشتركين التي تمثل المشتركين حملة وثائق التأمين ، والمشترك أو المستأمن (عضو هيئة المشتركين) لا يتبرع بكامل الأقساط وعوائد استثمارها ، وإنما يتبرع من ذلك بمقدار ما يكفي لدفع التعويضات في خلال العام، لمن يتحقق في شأنهم الخطر ، أو يقع لهم الحادث المؤمن منه ، من أعضاء الهيئة ، سواء كان هذا التعويض هو مقدار الضرر الفعلي في حدود مبلغ التأمين وذلك في التأمين على الأشياء، أو مبلغ التأمين في التأمين على الأشخاص ، وأما باقي الأقساط وعوائد استثمارها فتبقى على ملك هيئة المشتركين ، ويوجه لصالح حملة وثائق التأمين أعضاء الهيئة ، وفقاً لما يقضي به النظام الأساسي لشركة التأمين التي تنوب عن هذه الهيئة في إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله ، أي الأقساط وعوائد استثمارها ، وبناء على هذا فإن ما يسمى بفوائض التأمين ، وهي الفرق بين مقدار الأقساط التي تجمع وعوائدها ، والتعويضات التي تدفع في خلال العام ، بعد خصم المصاريف المباشرة لعمليات التأمين والاستثمار ، وكذلك حصة هذه العمليات من مصاريف شركة التأمين ، إذا نص النظام الأساسي على ذلك ، وإلا فجميع مصروفات شركة التأمين باعتبارها وكيلاً في إدارة عمليات التأمين ومضارباً في أمواله تتحملها الشركة في مقابل أجرة الوكالة أو حصة المضاربة , والتي تغطي هذه المصروفات وتحقق هامش ربح مقبول لها ، وهذا هو الأصل في المضاربة.

 

وهذا الأساس بطبق على التأمين التكافلي انطباقه على غيره من أنواع التأمين على الأشياء ، ففي هذا النوع من التأمين يتبرع المشترك من القسط وعوائده بما يكفي لدفع التعويضات لمن يقع لهم الحادث المؤمن منه , سواءً كان هو الوفاة أو العجز أو فقد عضو من الأعضاء والتعويض هنا مقدر بمبلغ التأمين باتفاق العاقدين لصعوبة تقدير الضرر الفعلي في هذا النوع من التأمين.

 

ولا يقال أن محل التبرع ، أي مقدار ما يتبرع به المشترك مجهول ، وهو غرر يبطل العقود، لأن الغرر يبطل عقود المعاوضات فقط دون التبرعات ، ولذا جاز التبرع من الأقساط ومن عوائدها بما يكفي لدفع التعويضات ، مع جهالة مقدار هذه التعويضات.

 

الأساس الثالث: هيئة المشتركين الاعتبارية

 

يقوم نظام التأمين الإسلامي على افتراض وجود هيئة اعتبارية تمثل حملة الوثائق ، أي المشتركين ، وهذه الهيئة هي التي تملك أموال التأمين لصالح أعضائها ، وشركة التأمين تقوم بإدارة عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابة عن هذه الهيئة ، بعقد إدارة ومضاربة ، مقدر أو مفترض ، مع هذه الهيئة ، وذلك أن المستأمن يدفع الأقساط ، ويتبرع منها ومن عوائد استثمارها بما يكفي لدفع التعويضات لأعضاء هذه الهيئة ، وهي بذلك تخرج من ذمة المشترك ، فكان لا بد أن يدخل في ذمة أخرى ، ودخولها في ذمة شركة التأمين لا يجوز شرعاً ، لأن العقد بذلك يصير عقد معاوضة دخله الغرر الكثير فيبطل ، فكان دخوله في ذمة هيئة حكمية لها شخصية وذمة مالية مستقلة عن أعضائها المستفيدين منها ، ضرورة لتطبيق أحكام التأمين الإسلامي.

 

وهذه الهيئة تملك أموال التأمين لصالح أعضائها ، وتدير عملياته وتستثمر أمواله ، عن طريق عقد إدارة ومضاربة مع شركة متخصصة في إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله ، وهذه الشركة تعمل نيابة عن هيئة المشتركين فتجري الدراسات ، وتبرم العقود مع المشتركين وتحدد حقوق والتزامات حملة الوثائق ، على أساس النظام الأساسي للشركة ، وتصدر وثائق أو بوالص التأمين ، وتدفع التعويضات ، بصفتها وكيلاً عن هيئة المشتركين ، وتستثمر أموال التأمين بصفتها مضارباً لها.

 

فحملة الوثائق يملكون الهيئة التي تمثلهم ، والهيئة تملك أموال التأمين لصالح أعضائها ، كالشأن في كل شخصية اعتبارية ، كالشركة المساهمة فإنها تملك رأس المال وأصول الشركة ، ولكنها تملك لمصلحة المساهمين الذين يملكونها ، فملكية المساهم لا تنصب مباشرة على أصول الشركة ، لأن هذه مملوكة للشركة لا للمساهم ، ولكن هذه الملكية تنصب على أسهم الشركة وعلى أصولها بالتبع وبطريق غير مباشر ، ووفقاً لقانون الشركات.

 

وهذه الهيئة الحكمية الاعتبارية ذات الوجود التقديري ، ليس لها وجود قانوني في الخارج ، وإن كان ذلك مطلوباً ومرغوباً فيه ، كما تقدم شرحه ، ويتعذر بل يمتنع شرعاً القول بمشروعية عقود التأمين ، وتخريج أحكامه ، دون تقدير هذه الهيئة ذات الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة عن أعضائها ، حتى يكون دفع القسط والتبرع منه لها ، وحتى تكون إدارة الشركة لعمليات التأمين واستثمار أمواله نيابة عنها.

 

وواضح أن التأمين بنوعيه ، التأمين على الأشياء ، والتأمين التكافلي على الأشخاص ، يقوم على هذا الأساس ، والفارق بين هذين النوعين يتمثل في طبيعة الضرر الذي يجبره التعويض ، وما يترتب عليه من تقدير التعويض ، عند وقوع حادث الوفاة أو العجز أو فقد الأعضاء ، فالضرر في التأمين على الأشياء مادي يمكن تقديره وإثباته ، وفي التأمين على الأشخاص معنوي يتعذر تقديره وإثباته ، فافترض أن مبلغ التأمين المتفق عليه هو مقدار هذا النوع من الضرر ، فالضرر مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس ، ولا يحتاج إلى إثبات ، ومقداره مفترض مقدر تقديراً لا يقبل إثبات العكس كذلك ، لا بالزيادة ولا بالنقص ، وهذا ما اقتضته الضرورة ، ولذا رأينا الشارع يقدر الضرر ويحدد التعويض عنه ، في القتل وقطع الأعضاء أو فقد منافعها ، على النحو الوارد في باب الديات ، لأن تقدير الضرر الفعلي متعذر ، ومن جهة أخرى فقد سوى الشارع بين الأشخاص ، فقرر أن "المسلمون تتكافأ دماؤهم" بصرف النظر عن المراكز الاجتماعية ، والقدرة على الكسب ، والدخل المفقود في الموت أو العجز أو فقد الأعضاء.

 


الأساس الرابع : شركة التأمين تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله

 

شركة التأمين في التأمين الإسلامي عموماً ، وفي التأمين التكافلي على الأشخاص ، والتأمين على الحياة نوع منه ، شركة إدارة تقوم بإدارة أموال التأمين وتستثمرها نيابة عن هيئة المشتركين الحكمية أو الاعتبارية ، التي تمثل حملة وثائق التأمين ، وهي تستحق أجراً مقابل الإدارة وحصة من أرباح استثمار أموال التأمين بصفتها مضارباً ، ويمكن في رأيي أن تجمع بين الأجر وحصة المضاربة لاختلاف محل التعاقد في الحالتين.

 

فشركة التأمين الإسلامي ، لا تملك أقساط التأمين ولا تستثمرها لحسابها ، بل لحساب هيئة المشتركين ، والتي تمثل حملة الوثائق ، وعلى مسئولية هذه الهيئة ، فالغرم على أعضاء هذه الهيئة والغنم لهم ، إلا ما شرطه للشركة بصفتها مضارباً ، وهذه الشركة تنظم التأمين ، وتدير عملياته ، وفقاً لنظامها الأساسي ، فتبرم العقود وتدفع التعويضات نيابة عن هيئة المشتركين ، وفوائض التأمين توجه لصالح أعضاء هذه الهيئة.

 

وذلك على عكس الحال بالنسبة لشركة التأمين التجاري ، التي تملك الأقساط وتدخل في عناصر ذمتها المالية ، وتدفع التعويضات من مالها ، ويستحق مساهموها الفرق بين ما تجمع من أقساط وما تدفع من تعويضات في خلال العام ، وليس حملة الوثائق ، ولذا كانت عقودها باطلة لأنها معاوضات دخلها الغرر الكثير فتبطل اتفاقاً.

 

وظاهر أنه لا فرق في تطبيق هذا الأساس بين التأمين على الأشياء ، والتأمين التكافلي بالنسبة لدور شركة التأمين وصفتها الشرعية أو مركزها القانوني ، الذي يختلف كما قلنا عن مركز شركة التأمين التجاري.

 

الأساس الخامس : حسابات عمليات التأمين

 

في التأمين الإسلامي بنوعيه ، التأمين على الأشياء ، والتأمين التكافلي على الأشخاص ، ومنه التأمين التكافلي على الحياة ، يجب على شركة التأمين أن تمسك حساباً لعمليات التأمين واستثمار أمواله ، مستقلاً عن حساب الشركة ، أي المساهمين.

 

وإيرادات حسابات التأمين ، هي الأقساط وعوائد استثمارها ، ويخصم منها مقدار ما تدفعه الشركة لحملة الوثائق عند تحقق الخطر أو وقوع الحادث المؤمن منه خلال العام ، بالإضافة إلى المصروفات المباشرة لعمليات التأمين والاستثمار ، وحصة هذه العمليات من المصاريف غير المباشرة ، أي مصاريف الشركة ، إذا نص نظام الشركة الأساسي على ذلك ، وإلا فالأصل أن تتحمل شركة التأمين هذه المصروفات في مقابل ما تحصل عليه من أجر الوكالة أو حصة المضاربة.

 

والفرق بين أقساط التأمين وعوائدها ، والتعويضات المدفوعة والمصروفات ، خلال العام هو فائض التأمين ، وهو حق لحملة الوثائق ، لا شيء فيه لشركة التأمين ، لأنها لا تملك الأقساط لنفسها ولا تلتزم بدفع التعويضات من مالها ، بل من أموال التأمين ، فما زاد فهو لحملة الوثائق ، لأنه ناتج أو فائض أموالهم , زيادة عما تبرعوا به ، وما نقص فهو عليهم ، ويمكن للشركة إقراض هذا الحساب أو الاقتراض له من الغير دون فوائد.

 

وأما حساب المساهمين ، فإن إيراداته تتكون من حقوق المساهمين ، كرأس المال والاحتياطات والأرباح غير الموزعة وغير ذلك ، ومن إيرادات هذا الحساب أجرة الشركة في مقابل إدارة عمليات التأمين باعتبارها مديراً ، وحصتها في عوائد استثمار أقساط التأمين ، بصفتها مضارباً ، ويخصم من هذا الحساب مصروفات الشركة ، أي المصروفات اللازمة لأدائها لوظيفتها ، وهي إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله , ولا يدخل في ذلك المصروفات المباشرة لهذه العمليات فهي تحمل على حساب التأمين.

 

ولا مانع شرعاً من نص نظام الشركة على أن حساب التأمين يتحمل نسبة من هذه المصروفات غير المباشرة، وعلى كل حال فإن الشركة تستطيع أن تتحمل بجميع المصروفات غير المباشرة ، وتراعي ذلك عند تحديد حصتها من الربح بصفتها مضارباً.

 

وقد تستثمر الشركة حقوق المساهمين أو بعضها مع أموال التأمين ، وفي هذه الحالة يوزع الربح بين الشركة وهيئة المشتركين بنسبة أموال كل منهما المستثمرة في الوعاء المشترك ، وتأخذ الشركة ، بالإضافة إلى ربح أموالها ، الحصة المتفق عليها من أرباح عمليات التأمين بصفتها مضارباً.

 

وظاهر أنه لا فرق من حيث تطبيق هذا الأساس بين التأمين التكافلي أو التأمين على الأشخاص وبين بقية أنواع التأمين على الأشياء ، فعلى الشركة في النوعين أن تمسك حساباً لعمليات التأمين واستثمار أمواله ، مستقلاً عن حساب المساهمين على النحو المتقدم.

 

الأساس السادس : فوائض التأمين

 

فوائض التأمين في التأمين بنوعيه ، التأمين على الأشياء والتأمين التكافلي على الأشخاص ، من حق حملة الوثائق ، دون شركة التأمين , ذلك أن الأقساط وعوائدها مملوكة لهيئة المشتركين وتوجه لمصلحة هؤلاء المشتركين ، وقد تبرعوا من ذلك بما يكفي لتغطية التعويضات التي تدفعها الشركة خلال العام ، لمن تحقق له الخطر أو وقع له الحادث من أعضاء هذه الهيئة ، بالإضافة إلى مصاريف إدارة وتنظيم التأمين واستثمار أمواله ، فكان الباقي على ملك الهيئة التي تمثل المشتركين ، ويوجه لصالحهم ، حسب النظام ، فقد يوزع على المشتركين في صورة أرباح ، وقد يحتفظ به كاحتياطي فني أو غير ذلك من الاحتياطات التي يقصد بها صالح حملة الوثائق ، وذلك كله وفق نظام الشركة الأساسي ، وقانون التأمين ، إذا صدرت قوانين إسلامية تنظم هذا التأمين ، وأرى أن ينص على طريقة التصرف في الفائض في وثيقة التأمين.

 

وواضح أن الوضع في شركة التأمين التجاري يختلف تماماً عن هذا الوضع ، فأموال التأمين، أي الأقساط وعوائدها ، مملوكة لشركة التأمين ، وهي تدفع التعويضات وتتحمل المصروفات من مالها ، فكان فائض العمليات التأمينية على ملكها ويوزع على المساهمين باعتباره ربحاً , ولا حق فيه لحملة وثائق التأمين كقاعدة عامة ، ومن هنا فلم تكن هناك ضرورة لشركة التأمين التجاري في إمساك حساب لعمليات التأمين واستثمار أمواله مستقلاً عن حساب المساهمين ، لأن الوضع يقتضي وجود ذمة مالية واحدة ، بخلاف شركة التأمين الإسلامي ، فإن لها ذمة مالية مستقلة عن ذمة هيئة المشتركين ، فهي تمثل المساهمين فيها وتمسك لذلك حساباً ، وهي نائب عن هيئة المشتركين وتمسك لهذه الهيئة حساباً مستقلاً.

 

وقد ظهر أن التأمين التكافلي على الحياة وغيره من أنواع التأمين على الأشخاص ، لا يختلف عن التأمين على الأشياء في الصفة الشرعية أو الوضع القانوني لفوائض التأمين ، فهي في النوعين لحملة وثائق التأمين ، كالشأن في وجوب إمساك الشركة لحساب التأمين منفصلاً عن حساب المساهمين على النحو السابق شرحه.

 

الأساس السابع : تحديد الأقساط

 

الأصل في نوعي التأمين ، على الأشياء وعلى الأشخاص أن يحدد القسط على أساس مبلغ التأمين مع عناصر أخرى متعددة ، غير أنه في التأمين على الأشياء يستحق المشترك التعويض عن الضرر الفعلي في حدود مبلغ التأمين ، فلو زاد الضرر الفعلي عن مبلغ التأمين فإنه لا يستحق إلا مبلغ التأمين ، وبالمثل فإن كان الضرر الفعلي أقل من مبلغ التأمين فإنه يستحق مقدار الضرر الفعلي فقط ، أما في التأمين التكافلي على الأشخاص فإن المشترك أو ورثته أو المستفيدين الذين حددهم المشترك يحصلون على مبلغ التأمين كاملاً ، دون حاجة إلى النظر في مقدار الضرر الفعلي الذي ترتب على موت المشترك أو عجزه أو فقده عضواً من أعضائه ، بل إنه لا يشترط إثبات وقوع ضرر ما ، فالضرر في هذا النوع من التأمين مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس ، ومقداره محدد في وثيقة التأمين ، فلا يجوز الزيادة عليه أو النقص منه ، كما ذكرنا ذلك أكثر من مرة.

 

والقسط يحدد على أساس مبلغ التأمين في نوعي التأمين مع عناصر فنية أخرى ، أي أن مقدار القسط له دخل في تحديد مبلغ التأمين وبينهما تناسب طردي ، وطرق ووسائل تحديد الأقساط من الناحية الفنية واحدة بالنسبة للتأمين الإسلامي والتأمين التجاري ، غير أن التأمين الإسلامي يختلف عن التأمين التجاري من حيث الصفة الشرعية أو الوضع القانوني لكل من القسط ومبلغ التعويض ، فالقسط عوض عن مبلغ التأمين في التأمين التجاري ، لأنه عقد معاوضة ملزم للجانبين ، وهما المستأمن وشركة التأمين ، فالالتزام بدفع القسط يقابله الالتزام بدفع التعويض ، وشركة التأمين تأخذ الفرق بين مجموع الأقساط وجملة التعويضات على النحو المتقدم. وهي بذلك قد تربح وقد تخسر في مواجهة حملة الوثائق ، فلا تأخذ شيئاً في الحالة الثانية ، ولا تعطيهم شيئاً في الحلة الأولى ، لأنها أبرمت عقد معاوضة ملزماً للعاقدين ، كما أن إخلال أحد طرفي العقد بالتزامه يؤثر في العقد ، ويمنح الطرف الآخر الحق في عدم الوفاء بالتزامه ، بصرف النظر عن أسباب عجز المستأمن عن الوفاء بأقساط التأمين.

 

أما التأمين الإسلامي ، فإن المشترك يدفع القسط كحصة في شركة عنان شرعية ، لها شخصية معنوية وذمة مالية مستقلة عن ذمة المشتركين معه ، وهم حملة الوثائق ، وهي الشركة التي أطلقنا عليها اسم "هيئة المشتركين" وكل مشترك مؤمن ومستأمن في نفس الوقت ، وهو كذلك شريك مع غيره في هذه الشركة الشرعية ، يملك فيها بقدر ما يدفع ويستحق من الأرباح بقدر هذه الحصة ، كما أنه يتحمل الغرم والخسارة الناتجين عن استثمار الأقساط ، أي رأس مال هذه الشركة ، بنسبة ما دفعه من أقساط ، غاية الأمر أن الشركاء في هذه الشركة التكافلية قد اتفقوا على التبرع من أموال التأمين ، وهي أموال الشركة في نفس الوقت ، بما يكفي لدفع التعويضات لمن يتحقق الخطر أو يقع الحادث في حقه من أعضاء هذه الهيئة ، أي الشركاء وهذا التعويض يتم تحديده على النحو المبين في نظام الشركة ، وهو نظام التأمين التكافلي في نفس الوقت ، فليست هناك معاوضة بين الشركاء في هذه الشركة ، فالقسط لا يخرج من ذمة مشترك ويدخل في ذمة مشترك آخر ، ولا يلتزم مشترك بتعويض مشترك آخر من ماله ، حتى يكون هناك عقد معاوضة بالمعنى الشرعي ، بل أن الأقساط كلها تخرج من ملك حملة الوثائق وتدخل في ملك الشركة التي أطلقنا عليها " هيئة المشتركين" فالهيئة الاعتبارية هي التي تملك الأقساط وعوائد استثمارها ، وهي التي تدفع منها التعويضات الواجبة لحملة الوثائق من أعضاء هذه الهيئة الذين يتحقق في شأنهم الخطر أو يقع لهم الحادث المؤمن منه.

 

وهذا التصوير يشبه في الشركة المساهمة فإنها تملك رأس المال ، والمساهمون يملكون الشركة نفسها ، وللشركة شخصية معنوية وذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء ، ولا يقال أن الشريك يبرم عقد معاوضة مع شريك آخر ، بل ولا مع الشركة نفسها ، ولذلك يؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين على أن عقود المشاركات التكافلية تختلف عن عقود المعاوضات ، من حيث محل التعاقد وشروطه ، والتأمين الإسلامي من المشاركات لا من المعاوضات ، غاية الأمر أن أصحاب الشركة هم الشركاء المالكون لها ، وقد وضعوا نظاماً اتفقوا عليه للتبرع لقوم موصوفين بصفة ، فكل من توافرت فيه هذه الصفة استحق التبرع على النحو الذي يحدده نظام الشركة ، والصفة هنا تتحقق بالانضمام إلى هيئة المشتركين ، وتوقيع عقد تأمين نحدد فيه مقدار المساهمة أو القسط ، والخطر أو الحادث المؤمن منه ، ومقدار التعويض ، وهو الضرر الفعلي في حدود مبلغ التأمين ، في التأمين على الأشياء ، ومبلغ التأمين في التأمين على الأشخاص ، ويحدد النظام الأساسي للشركة طريقة الاستحقاق وحساب القسط ومبلغ التأمين ، والشركاء هم أصحاب الحق لا يتعداهم فلهم أن يضعوا ضوابط وأحكام التبرع التي تطبق في حق من وجدت فيه الصفة منهم. وباختصار فليس هناك معاوضة بين القسط ومبلغ التأمين أو التعويض ، كالذي يحدث في عقد التأمين التجاري مع شركة التأمين التجاري على النحو السابق شرحه.

 

وبناء علي ما تقدم فإنه يجوز أن يتضمن نظام شركة التأمين التنازل عن القسط في حالات معينة ، كالعجز ووقوع الكوارث بالنسبة للمشترك ، مع بقاء حقه أو حق ورثته أو المستفيد الذي عينه في الحصول على مبلغ التأمين كاملاً ، كما يجوز أن يتضمن هذا النظام نصاً يمنح وثائق مجانية لبعض الفقراء الموصوفين بصفات معينة ، كطلب العلم أو العجز ، أو تقديم خدمات جليلة للإسلام ، لأنه ليس هناك ارتباطاً حتمي بين القسط والاستفادة من مزايا التأمين ، وإن ظهر أن هناك ارتباط فهو في طريقة تحديد القسط ومبلغ التأمين ، والتناسب بينهما في العادة ، جرياً على عادة التأمين التجاري ، ولأنه أيضاً يحقق العدالة والمساواة بين المشتركين ، ما لم يتم اتفاقهم ، لمبررات شرعية ، على إسقاط الأقساط أو تخفيضها في بعض الحالات لبعض المشتركين ، أو حتى منح وثائق تأمين لغير المشتركين كما تقدم.

 

الأساس الثامن: التعويض عن الضرر الفعلي

 

التعويض في التأمين على الأشياء يكون بقدر الضرر الفعلي الناتج عن وقوع الأخطار المؤمن منها، وفي حدود مبلغ التأمين، وأما في التأمين على الأشخاص بكل صوره وأنواعه فإن الشركة تدفع مبلغ التأمين للمشترك أو لورثته بعد موته دون حاجة إلى إثبات وقوع ضرر مادي يمكن قياسه بالمال ، بل ولا مقدار هذا الضرر على فرض وقوعه وإمكان قياسه ، فالضرر مقداره مفروض فرضاً لا يقبل إثبات العكس.

 

الأساس التاسع : الالتزام بأحكام الشريعة في عمليات التأمين والاستثمار

 

يجب النص في نظام التأمين على التزام شركة التأمين بأحكام الشريعة الإسلامية، سواء في إدارة عمليات التأمين، أو في استثمار أمواله، وكذلك في عقود التأمين واتفاقاته، مع المؤمن لهم وغيرهم، وصيغ الاستثمار لأموال التأمين، ولا يكفي مجرد النص على منع التعامل بالربا، بل لابد من النص على التزام الشركة بأحكام الشريعة الإسلامية في كل نشاطاتها، في مجال التأمين وفي مجال الاستثمار وبذلك يمنع على هذه الشركة أن تتعامل بالربا بأخذ أو عطاء ، ولا بالعقود مؤجلة البدلين ، ولا المستقبليات أو الخيارات أو المشتقات ولا التعامل في سندات الدين بعائد وغير ذلك من المعاملات المحرمة.

 

الأساس العاشر : هيئة الفتوى والرقابة الشرعية

 

لا تكون شركة التأمين إسلامية بمجرد النص في نظامها الأساسي على وجوب التزامها بأحكام الشريعة، وأن عقودها وصيغ استثمارها يجب أن تكون مشروعة، إلا إذا نص صراحة على تعيين هيئة للفتوى والرقابة الشرعية، تكون فتاواها، ملزمة، ويكون لها سلطة الرقابة والتدقيق الشرعي على عمليات الشركة المنفذة في مجال التأمين والاستثمار، وحق الاطلاع على الدفاتر والسجلات والعقود، وطلب جميع البيانات التي تحتاج إليها في ممارسة الرقابة الكاملة على الشركة، ويجب أن ينص النظام الأساسي على حق الهيئة في رفع تقاريرها إلى مجلس الإدارة، ودعوة الجمعية العمومية للانعقاد إذا رفض مجلس الإدارة، الاستجابة لفتواها، أو إصلاح المخالفات الشرعية التي لاحظتها، وأن تكون سلطة عزل الهيئة أو أحد أعضائها للجمعية العمومية، وأن يلتزم مجلس الإدارة إذا رأى عزل الهيئة أو أحد أعضائها أن يرفع الأمر إلى الجمعية العامة لاعتماد قراره.

 


الأساس الحادي عشر : مشاركة حملة الوثائق في إدارة عمليات التأمين

 

الذي أراه، ويشاركني فيه بعض الباحثين، أن النظام الأساسي لشركة التأمين الإسلامية يجب أن يتضمن صيغة قانونية لمشاركة هيئة المشتركين عن طريق تمثيلهم في إدارة عمليات التأمين لتمكينهم من الرقابة على شركة التأمين، وقد يكون ذلك بتشكيل مجلس خاص بهم لتمثيلهم والدفاع عن مصالحهم في مواجهة الشركة، أي مساهمي الشركة، وقد يكون بضم ممثلين لهيئة المشاركين في مجلس إدارة الشركة وغير ذلك من الصيغ التي تحقق هذه الغاية.ولقد سبق تبرير هذا من الناحية الشرعية.

 

ولقد ذكرنا أن هذا أمر يجب النظر فيه بالنسبة للبنوك الإسلامية أيضاً، فمجلس إدارة البنك والجمعية العمومية للبنك يمثلان مساهمي البنك ويدافعان عن مصالحهم، ويحافظان على أموالهم، أما المودعون في البنك، وهم أكثر عدداً وودائعهم أكبر حجماً من حقوق المساهمين مجتمعة، فليس لهم من يمثلهم أو يحمي مصالحهم أو يحافظ على حقوقهم، في مواجهة مساهمين، باعتبار البنك مضارباً والمودعون رب مال، ولرب المال حق رقابة المضارب للتأكد من التزامه بشروط المضاربة ، وأما بالنسبة للصيغة المقترحة، فإني مع إقراري بأنه أمر في منتهى الصعوبة من الناحية العملية، أرى أن لفقهاء العصر مع خبراء البنوك والتأمين قدرة على إعدادها على نحو يحقق هذا الهدف، وقد آن الأوان أن نقوم بصياغة جديدة لنظام البنوك وشركات التأمين الإسلامية وغيرها من النظم الإسلامية الشبيهة التي تضم هيئتين، إحداهما هيئة المساهمين في البنك أو الشركة والثانية هيئة حكمية تقديرية، لا وجود لها قانونا ولا واقعا، وهي صاحبة المصلحة الأولى في العملية الاستثمارية، ولها دور هام في النشاط الاقتصادي، وفي خطة التنمية الإسلامية، فكلاهما له حقوق ومصالح مع البنك أو شركة التأمين، لا سبيل لحمايتها إلا بذلك، ولا ينبغي أن يترك ذلك للدولة في النظام الاقتصادي الحر، وإنه لمن الأمور الغريبة حقاً أن تترك هذه الهيئات التقديرية دون صياغة قانونية ووجود خارجي.

 

وقد يقال إن البنوك الربوية وشركات التأمين التجارية لم تفعل ذلك، ولن ولم تلزمها قوانين هذه البنوك والشركات بذلك فلماذا إذن البنوك الإسلامية وشركات التأمين الإسلامية ؟

 

والجواب أن هناك فارقاً كبيراً بين البنوك الإسلامية وشركات التأمين الإسلامية من جهة وبين البنوك الربوية وشركات التأمين التجارية من جهة أخرى وذلك يتمثل فيما يلي:

 

1.    المودعون في البنك الإسلامي يملكون الودائع، والبنك لا يتحمل أية مخاطر في استثمار هذه الودائع، إنما يسأل عن تعديه أو تقصيره أو مخالفته لشروط المضاربة، فغرم استثمار هذه الودائع على المودعين وغنمها لهم إلا ما شرطوه منه للبنك ، كحصة مضاربة، ومن هنا كانت الرقابة والحماية للتأكد من التزام شروط المضاربة، أمر لازم، في حين أن البنوك التجارية تملك الودائع، وتستثمرها على مسئوليتها، فالغنم لهيئة المساهمين والغرم عليهم، فلم تكن هناك حاجة إلى حماية أصحاب هذه الودائع والتأكد من استثمارها على وجه دون آخر، بالإضافة إلى الحماية التي يسبغها قانون البنك المركزي للمتعاملين مع هذه البنوك.

 

وما قيل في البنوك يقال مثله في شركات التأمين الإسلامية ، فإن أموال التأمين ، أي الأقساط وعوائد استثمارها ، مملوكة لحملة الوثائق ، وعائد استثمارها لهم ومخاطرها عليهم ، ومن ثم كان لا بد من تمثيل حملة الوثائق للدفاع عن مصالحهم ، أما شركات التأمين التجارية فإنها تملك أموال التأمين ، أي الأقساط وعوائدها، وتستثمرها لحسابها ، وتتحمل مخاطرها وحدها ولها أرباحها ، فلم تكن هناك ضرورة لتدخل حملة الوثائق أو ممثليهم في إدارتها , وتتكفل قوانين التأمين التجاري بإسباغ نوع من الحماية على حملة الوثائق ، ولكنها حماية نظرية ، فإذا كان هناك مضارب ، وهو البنك ، ومن يمثل مساهميه ، وهي الجمعية العمومية ومجلس الإدارة ، فلا بد أن يكون هناك رب مال ، ومن يمثله ، وإذا كان هناك شركة لإدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله ، ولها من يمثلها وهو مجلس الإدارة والجمعية العمومية ، فأين الطرف الآخر الذي يتعاقد مع هذه الشركة على الإدارة والاستثمار ويراقب تنفيذ هذا الاتفاق ، وأين من يمثله؟

 

فحكم الشرع والعقل يقضي بأنه إذا وجد طرف في العقد ، فلا بد من وجود الطرف الآخر ، وإلا فكيف يكون البنك المضارب ومجالسه التي تمثل مساهميه هو الطرف الآخر ، أي رب المال أيضاً ، وقد يقال إن الأفراد هم المودعون ، غير أن هذا غير مستقيم ، لأن كل فر لا يمثل جماعة المودعين ، وبالمثل إذا وجد طرف في عقد إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله ، فأين الآخر؟ ، وأين من يمثله؟

 

الأساس الثاني عشر : توزيع أرباح المساهمين بنسبة أموالهم

 

يجب النص في النظام الأساسي لشركة التأمين الإسلامية على أن أرباح المساهمين الصافية توزع بين المساهمين بنسبة مساهماتهم ، كالشأن في توزيع الخسائر ، ولا يجوز النص على أن الأرباح توزع على خلاف ذلك بحجة أن أبا حنيفة رضي الله عنه وبعض الحنابلة يجيزون التفاوت في الربح مع التساوي في الأموال ، ذلك أن الجمهور يخالفون أبا حنيفة في ذلك الحكم ويرون أن الأرباح توزع حسب المشاركة في رأس المال ، ولا يجوز التفاوت ، ومن جهة أخرى فإن أبا حنيفة بنى هذا الحكم علي أساس أن بعض الشركاء قد يعمل عملاً للشركة أكثر من غيره من الشركاء ، فاعتبر اتفاق الشركاء على تفضيل أحد الشركاء قرينة على ذلك ، وقاس ذلك على المضارب يضارب لغيره ويخلط ماله بمال المضاربة ، فإن المضارب يستحق في هذه الحالة حقه من الربح مقابل المضاربة زيادة على ما يستحقه من الربح في مقابل ماله الذي استثمره مع مال المضاربة ، غير أن هذا النظر مبنى على أساس شركة العنان الشرعية ، وفيها يكون حق الإدارة لجميع الشركاء نظرياً ، حتى وإن لم يقع عملياً ، وهذا لا يتأتى في الشركة المساهمة ، لأنه ليس من حق كل شريك منها أن يتولى الإدارة. وبعبارة أخرى ليست الإدارة حقاً لجميع الشركاء على خلاف شركة العنان الشرعية ، بل إن ذلك الحق مقصور على مجلس الإدارة المنتخب ، ولأعضاء هذا المجلس مكافأة ينظمها القانون ونظام الشركة الأساسي ، وبالتالي فلا يجوز التفاضل في الربح مع تساوي الحقوق المالية ، حتى على رأي الأحناف ما دام احتمال قيام أحد الشركاء بالإدارة والعمل ، أزيد من غيره غير وارد عملاً ، ولا جائز قانوناً ، كما أن القياس على المضاربة غير وارد أيضاً ، ذلك أن المضاربة مبناها عمل المضارب في رأس المال ، والشريك من غير أعضاء مجلس الإدارة لا يقوم بعمل فعلاً ، ولا يسمح له به قانوناً ، فانتفى أساس قياس شركات المساهمة على شركات العنان أو المضاربة.


المبحث الثاني
خصائص التأمين التكافلي

 

رأينا فيما تقدم أن التأمين التكافلي أو التأمين على الأشخاص صيغة من صيغ التأمين الإسلامي ، وهذا التأمين يشترك مع التأمين على الأشياء أو من الأضرار ، كما يسميه البعض ، في الأسس التي يقوم عليها نظام التأمين الإسلامي ، وأنه قد يختلف عنه في تحقيق مناط هذه الأسس وتطبيقها على التأمين التكافلي ، فهو اختلاف في تحقيق المناط بعد الاتفاق على المناط نفسه ، وهذا واقع في الأحكام الشرعية ، فقد يكون الحكم محل اتفاق بعد تحديد مناطه ، ثم يختلف المجتهدون في تطبيقه وتحقيق مناط هذا الحكم في بعض الوقائع والنوازل ، فيرى البعض أن الحكم ينطبق ويرى البعض الآخر، أنه لا ينطبق ، بل يطبق حكماً آخر ، وإليك أهم الأسس التي يختلف فيها التأمين التكافلي عن بقية أنواع التأمين الإسلامي ؛ كالتأمين على الأشياء أو التأمين من الأضرار أو صد المسئولة.

 

أولاً : المبرر الشرعي لخروج التعويض في التأمين التكافلي عن مبدأ الضرر الفعلي.

 

في التأمين العام على الأشياء ، أو كما يسمى، التأمين من الأضرار ، تلتزم شركة التأمين بتعويض الضرر الفعلي الذي يصيب المستأمن أو المشترك من جراء وقوع الخطر المؤمن منه، في حدود مبلغ التأمين ، أما في التأمين على الحياة ، فإن شركة التأمين تلتزم بدفع مبلغ التأمين ، لا مقدار الضرر الناتج عن حادث الوفاة ، أو العجز أو فقد منافع الأعضاء مثلاً ، بل إنه لا يشترط إثبات الضرر، ذلك أن الضرر الذي يصيب المال ضرر مادي يمكن تقديره ويتيسر إثباته، في حين أن الضرر عن فقد النفس أو تلف العضو أو العجز الكلي أو الجزئي ضرر أدبي يتعذر تقديره، ويصعب إثباته، فكان هذا الضرر مفترضاً افتراضاً لا يقبل إثبات العكس ، كما أنه يفترض أن هذا الضرر لا يقل بحال عن مبلغ التأمين الذي اتفق عليه العاقدان ، والمشترك وشركة التأمين باعتبارها نائبة عن هيئة المشتركين ، فما هو السند الشرعي لذلك الاختلاف؟

 

1-   إذا كان التأمين الإسلامي يقوم على مبدأ التعاون بين جماعة من الناس يتعرضون لخطر مشترك، وذلك بالتبرع من الأقساط التي يدفعها أعضاء هذه الجماعة ومن عوائد استثمارها، بما يكفي لدفع التعويضات ، لمن يصاب بضرر من أعضاء هذه الجماعة ، فإن ذلك يشمل التعويضات التي تخضع للتقدير وفق معايير معينة، وتلك التي لا تخضع للتقدير ، والتي قدرتها الجماعة ، وحددتها عقود التأمين على الحياة ، بحيث يدفع مبلغ محدد عند وقوع الخطر المؤمن منه، فأقساط التأمين وعوائدها مملوكة لهم ، ولهم أن يتفقوا عل التبرع من هذه الأموال لمن يقع له حادث أو خطر معين بمبالغ محددة ، حيث إن المائع المتصور هو الغرر ، والغرر لا يؤثر في عقود التبرعات، لأنه يستوي في الحكم أن يكون محل التبرع في عقود التبرع محدداً ، أو قابلاً للتحديد، بل إنه إذا جاز أن يكون هذا المحل قابلاً للتحديد جازا أن يكون محدداً من باب أولى، فمن قال لغيره: تزوج هنداً وعليً صداق مثلها، فإن ذلك يعني أنه لو تزوج هنداً، أي وقع حادث الزواج أو خطر الزواج بعبارة فقهاء التأمين ، فإن عليه صداقها، وهذا يشمل الصداق المحدد أو الصداق المثل في حال عدم التسمية.

 

2-   وعلى ذلك فليس هناك فرق مؤثر بين التبرع بمبلغ محدد عند وقوع الخطر أو الحادث المؤمن منه، كالتأمين على الحياة ، وبين التبرع بما عساه يترتب على وقوع الخطر أو الحادث ، من ضرر ، في حدود مبلغ التأمين المحدد في الوثيقة إلا التحديد في الحالة الأولى، والتحديد لا يبطل العقد، لأن التبرع إذا جاز بمبلغ غير محدد جاز بمبلغ محدد من باب أولى.

 

3-   إن أموال التأمين مملوكة لهيئة المشتركين ، أي لشخصية معنوية، ولهم وحدهم حق التصرف بها دون عوض ، أي بطريق التبرع ، وهم يتبرعون لقوم موصوفين بصفة ، هي التعاقد أو الاشتراك في هيئة المشتركين ووقوع الحادث أو الخطر المؤمن منه، وهناك اتفاق على أن من تبرع لقوم موصوفين بصفة بمال غير محدد ولا معلوم صح التبرع إذا وجدت أسس تحديد محل التبرع، ولذا صح التبرع بثمار بستان معين لمدة عشر سنين ، مع أن مقدار الثمار غير معلوم، بل ولا مقدر بل إنه معدوم عند التبرع. وقد لا يوجد في المستقبل.

 

4-   الضرر في التأمين على الحياة ضرر معنوي يتعذر تقديره وقياسه، ويتعذر إثباته، فكان تقديره بمبلغ التأمين باتفاق المشترك وهيئة المشتركين ضرورة ، لأنه الممكن في هذه الحالة، هذا ويتضمن نظام شركة التأمين الذي وافق عليه المشتركون أن كل مشترك يوقع وثيقة تأمين ، فإنه ينضم إلى هذه الهيئة ويصبح عضواً فيها، وبالتالي يفترض علمه ورضاه بقواعد دفع مبالغ التأمين في التأمين على الحياة، لمن يقع لهم حادث الوفاة أو خطر الموت أو فقد العضو أو العجز الدائم أو المؤقت ، وليس هناك دليل شرعي يمنع من أعضاء " هيئة المشتركين " من هذا الاتفاق.

 

 

5-   وإذا كان التأمين على الأشياء جائزاً شرعاً ، بناء على مبدأ التبرع من القسط ومن عوائده بما يكفي لدفع التعويضات مع أن مبلغ التعويض الفعلي غير محدد، فإن التأمين على الحياة مع تحديد مبلغ التأمين يجوز من باب أولى.

 

 

هذا ويمكن أن يخرج التأمين التكافلي على الحياة ، وجواز شرعيته بافتراض شركة عنان أعضاؤها أو الشركاء فيها هم أعضاء هيئة المشتركين ، حملة الوثائق ، وهؤلاء تتحدد مساهماتهم بمقدار الأقساط التي يدفعونها، ويكون لكل منهم في المال المشترك بنسبة ما دفعه من أقساط، ومن الربح كذلك ، بعد خصم التعويضات التي تدفع في خلال العام ، على سبيل التبرع، وتحديد الأقساط يتوقف على مبلغ التعويض الذي يريده المشترك ، والنظام الأساسي للشركة ، ينص على أن المشتركين يتبرعون من الأقساط وعوائدها بما يكفي لدفع التعويضات المستحقة للمشتركين الذين يتحقق الخطر أو يقع لهم الحادث على النحو السابق تفصيله، وحيث إن الحق لهؤلاء فإن التبرع بمبالغ محددة عند حدوث الوفاة أو العجز أمر مشروع.

 


ثانياً: توزيع التعويض بعد وفاة المستفيد على الورثة الشرعيين أو المستفيدين من غير الورثة بحسب ما يختاره المؤمن.

 

إن النظام الأساسي لشركة التأمين يجب أن ينص على المستحق للتعويض أو مبلغ التبرع، عند وقوع الخطر المؤمن منه، وهذا هو السبب أو المبرر الشرعي لجواز التأمين من الناحية الفنية ، فالتأمين على الحياة، كغيره من أنواع التأمين الإسلامي يقوم على مبدأ التبرع لقوم موصوفين بصفة، وليسوا بأعيانهم ، ومن عناصر هذه الصفة اشتراكهم في هيئة المشتركين ، ودفع القسط المحدد ، فإذا ما حدث أن أحد المشتركين وقع له الحادث المؤمن منه، توافرت فيه الصفة فيستحق بناء على توافر هذه الصفة، وذلك كمن أوصى بسكني داره لطلاب العلم، فإنه يسحق السكنى مع طلاب العلم إذا توافرت فيه الصفة، بأن كان طالباً للعلم . ودافع الزكاة لا يشترط لنفسه أنه يستحق منه في حالة الفقر مثلاً ، ولكن الشارع حدد المستحقين بصفاتهم فإذا توافرت فيه الصفة كان من المستحقين، فيصح دفع الزكاة له.

 

وعلى ذلك فإن المستحق في حالة الوفاة ليس هو المستأمن أو المشترك، ولكن ورثته ابتداء ، فهو من باب الاشتراط لمصلحة الغير، وله تطبيقات في الفقه الإسلامي ، مثل قولك . ادفع نفقة زوجتي وأنا أدفعها لك، بل قالوا : إن من قال لغيره اقض عني ديني فقضاه أن عليه أن يعوضه إذا اشترط ذلك أو اقتضى العرف التعويض، ومن دفع نفقة واجبة على غيره فإنه ، بحكم الشرع، يستردها من الملتزم بها، ومن هذا الباب الفضالة والإثراء بلا سبب في القانون المدني ، ولولى الأمر أن يشترط ما فيه مصلحة لعامة الناس.

 

وعلى كل حال فليس هناك من دليل شرعي ما يمنع من الوعد الملزم، إذا كان للواعد مصلحة في الوفاء بوعده، والأصل في العقود والتصرفات الصحة ما لم يرد دليل على المنع.

 

ويجب أن نفرق بين أمرين:

 

أولهما:   حصة المستأمن أو المشترك في فوائض التأمين ، أي ما يزيد عن مقدار التعويضات التي تدفعها الشركة في سنة معينة، من أموال التأمين ، أي الأقساط وعوائدها ، وكذلك إذا نصت الوثيقة على استحقاق المشترك لاسترداد جزء من الأقساط في حالات معينة، ووجدت حالة منها قبل موته، فهذه تورث عنه بحكم الشرع وتقسم قسمة ميراث.

 

وثانيهما: مقدار التعويض المشروط في الوثيقة حال الوفاة وفقاً لنظام الشركة وهو يدفع لمن شرط لهم بحكم الشرط.

 

ذلك أن المشترك لا يستحق التعويض، ولا يدخل في ملكه ابتداء إذا وقع حادث الموت حتى نتحدث عن مصيره وانتقاله لغيره، لأن هذا المبلغ يستحق بالشرط، لأنه تبرع لا معاوضة، والنص في الوثيقة هو أن ورثة المشترك يستحقون مبلغ التعويض أي مبلغ التأمين عند الوفاة، وعند ذلك يكون البحث : هل يستحقون بالتساوي أو على حسب قسمة الميراث ، وهل له أن يشترط توزيع التعويض على الورثة بطريقة تخالف قواعد الإرث ؟

 

العبرة بالشرط الوارد في وثيقة التأمين ، فللمشترك أن يشترط لغيره فيقول إذا حدثت الوفاة يدفع مبلغ كذا لفلان، وهناك على سبيل المثال صندوق الشيخ زايد بن سلطان للزواج ، له موارد تجمع بطريقة معينة ، وفيه نص على أن من تزوج فله مبلغ معين ، مساهمة في تكاليف الزواج ، وقد يشترط لاستحقاق مساعدة الصندوق التبرع للصندوق أو الاشتراك فيه ودفع اشتراك محدد، ولا مانع من تفاوت الاشتراكات والنص أن من تبرع أكثر فإنه يستحق في حالة الزواج أكثر، طالما أن المشتركين في الصندوق قد وافقوا على نظامه الذي يضع ضوابط لمقدار التبرعات والتعويضات والعلاقة بينهما فمن يشترك يدخل على ذلك.

 

والخلاصة أن التوزيع يتبع الشرط الذي شرطه المشترك إذا كان هذا الشرط متفقاَ مع نظام التأمين الذي ارتضاه المشتركون عند الدخول فيه. ويقوي ذلك ما يلي:

 

1-   سبب الاستحقاق هو الوفاة ، والحكم لا يوجد قبل سببه، وبالتالي فلا يدخل مبلغ التعويض في ذمة المشترك قبل موته، فلا يدخل في تركته، وبالتالي فلا ينفذ عليه الدائنون ولا تدفع منه الديون ، ولا يوزع على أساس قواعد توزيع التركة.

 

2-    مبلغ التأمين ليس تعويضاً عن فقدان النفس أو الأعضاء، كالشأن في ديات النفس والأطراف يدفعها القاتل أو المعتدي لورثة القتيل، لأن هناك شخص مسؤول عن ذلك ، بل تبرع ومساعدة تدفع في حالة الكوارث ، كالموت وفقد الأعضاء ’ وفقاً لنظام تكافلي أو تعاوني تحدد فيه موارد هذا النظام ومصارفه، وقواعد الاشتراك في الصندوق المخصص له.

 

ثالثاً: إمكانية التفاوت في الأقساط والتعويضات على الأشخاص تبعاً لأهمية العضو أو الحاسة المفقودة فيه، كاليد بالنسبة للخطاط والرسام والجراح.

 

ليس هناك ما يمنع شرعاً من هذا التفاوت ، فأساس تحديد القسط ومبلغ التأمين هو اتفاق المشترك، أي المتبرع، وشركة التأمين التي تنوب عن " هيئة المشتركين " وليس هناك دليل شرعي يوجب التسوية في تحديد مبالغ التأمين ، أو الأقساط، بالنسبة لجميع المشتركين ، بل يجوز التفاوت بحكم الأصل في مقدار القسط ومقدرا التعويض ، وهو أمر واقع بالنسبة للتأمين على الأشياء كذلك فهناك يمكن تحديد مبلغ التأمين والقسط الذي يدفع بناء عليه بالتفاوت، وإن كان التعويض عن الضرر الفعلي، والضرر في التأمين على الحياة ضرر معنوي لا يمكن تقديره مادياً ، بل ولا إثباته، فكان اتفاق طرفي العقد ، وأعضاء هيئة المشتركين يقوم مقام التقدير للضرر الفعلي المادي، فيترك لهما حق تقديره.

 

وكائنا أمام قائمة في النظام الأساسي للشركة تبين الأحداث أو الأخطار المؤمن منها والمبالغ المستحقة، والفرق أنه في الضرر المادي يكون التعويض بقدره لإمكان تقديره، وفي الضرر الأدبي يكون التعويض بقدر مبلغ التأمين ، على اعتبار أن هذا هو الحد الأدنى من الضرر الذي أمكن تقديره مادياً ، فنظراً لتعذر التقدير قام التقدير والتحديد عند التعاقد مقام التقدير والتحديد بعد وقوع الخطر.

 

وعلى هذا الأساس فإنه يجوز التفاوت في الأقساط ، وفي مبالغ التعويض ، شأن التأمين على النفس في ذلك شأن التأمين على الأشياء أو من الأضرار، في أن كل نوع يتحدد فيه مبلغ التأمين ويحدد القسط بناء عليه، والخلاف فقط في طريقة تحديد التعويض عن الضرر الذي ترتب على وقوع الحادث أو الخطر المؤمن منه، فإذا كان الضرر مادياً كان التعويض بمقدار الضرر الفعلي، وذلك في التأمين على الأشياء ، وإذا كان الضرر معنوياً وتعذر تقديره، كان مبلغ التأمين هو مقدار الضرر.

 

وكأن النظام الأساسي لشركة التأمين ينص على ما يأتي:

 

1-        تحدد الأقساط المدفوعة على أساس مبلغ التأمين ، بشرط أن لا يزيد عن الضرر الفعلي ، على أنه في التأمين على الحياة حيث يتعذر تقدير الضرر الأدبي مادياً فإن الضرر يقدر بمبلغ التأمين .

 

2-   لأعضاء هيئة المشتركين ، والمنضمين إليها ، حق التبرع بالمال، في الحالات التي يحددونها، وللأشخاص الذين يحددونهم ، وبالمبالغ التي يتم تحديدها وفقاً للأسس المتفق عليها، ولكن لابد من الاتفاق في النظام الأساسي على قواعد هذا التحديد ، بحيث يكون العضو المشترك أو المنضم على علم بهذه القواعد ويعد توقيعه على وثيقة التأمين قبولاً منه لهذا النظام من جهة ، وتطبيقاً لهذا النظام في حقه بالتوقيع على وثيقته من جهة أخرى.

 

3-    الأصل الإباحة، إلا إذا ثبت سبب محرم في المعاملة، والسبب المحتمل هنا للمنع والتحريم هو الغرر ، غير أن الغرر لا يؤثر في عقود التبرع، ولنظام كله  قائم على التبرع ، ويجوز أن يتبرع أو يقف أو يتصدق على من يوجد في المستقبل على الصفة ، فإذا أوفق على الأيتام صح ويستحق اليتيم غير الموجود عند التصدق ، فجاز التصدق للمعدوم وبالمعدوم وبالمجهول ، فكان التبرع بالمعلوم جائزاً من باب أولى.

 

رابعاً: إمكانية استحداث وثائق للتأمين التكافلي على الحياة للفقراء ، والمساكين الذين ليس لديهم أموال كافية لسداد التأمين.

 

يجوز شرعاً أن ينص نظام التأمين ، وهو النظام الأساسي لشركات التأمين ، التي تنوب عن هيئة المشتركين ، وهي شركة إدارة العمليات التأمين واستثمار أمواله ، في مقابل أجر معلوم للوكالة ، أو نسبة محددة من الربح ، كحصة مضاربة ، كما ذكرنا، ويجوز أن ينص هذا النظام على ما يأتي :

 

1.  المشترك الذي يعجز عن أداء أقساط التأمين على الحياة بسبب فقر أو عجز أو مرض ، أو فقد العمل ، يعفى من دفع هذه الأقساط – مدة عجزه – أو مطلقاً ، أو أن الهيئة تدفع عنه الأقساط على سبيل التبرع ، وهو اتفاق أعضاء الهيئة والحق لهم ، بحيث يستحق المشترك أو ورثته أو المستفيدين الذين يعينهم المشترك مبلغ التأمين كاملاً.

 

2.  يجوز أن ينص نظام الهيئة ، وهو النظام الأساسي لشركة التأمين ، على أن يمنح وثائق تأمين على الحياة مجاناً ، أي بدون أقساط ، للفقراء أو الأيتام ، أو لمن لا تمكنه موارده المالية من دفع الأقساط ، ويمكن أن تضاف شروط أخرى ، كشرط المهنة ومحل الإقامة ، أو التفوق ، أو تقديم خدمات للإسلام ، بل إن ذلك هو الأصل في التبرع ، فأعضاء الهيئة هم الذين ينقلون ملكية الأقساط إلى هذه الهيئة ، أن الهيئة الاعتبارية ، ذات الذمة المالية المستقلة ، التي تملك هذه الأموال ، وهم يملكونها ، كالشأن في الشركة المساهمة ، وفي الوقف فإن الواقف يملك باعتباره شخصية حكمية أو اعتبارية ، وله ذمة مالية مستقلة عن ذمة الموقف والناظر والموقوف عليهم أو المستحقين ، ومنافع المال الموقوف أصله ، مملوكة للمستحقين الموصوفين بصفات معينة ، الموجود منهم عند الوقف والمعدوم الذي سيوجد في المستقبل على الصفة.

 

فليس هناك ما يمنع شرعاً من التبرع لبعض الأشخاص الموصوفين بصفة ، لا المعينين بذواتهم ، وذلك بدفع مبلغ محدد من المال ، أو أي مبلغ يمكن تحديده وفق قواعد وضوابط معينة، لمن وجدت تلك الصفة فيهم ، فيكون النص: يدفع مبلغ كذا – لكل من مات عائله ، في سن مبكرة (قبل 60 سنة) وكان من أهل كذا – أو كان أستاذاً بجامعة القاهرة ، أو من قتل شهيداً في الحرب أو من كان متميزاً في تخصصه ، أو قدم اختراعاً جديداً.

 

والواقع أن هناك إجماعاً على جواز التبرع لجماعة موصوفين بصفة ، الموجود منهم عند التبرع ، ومن سيوجد في المستقبل ، وعلى أن من وجدت فيه هذه الصفة يدخل في المستحقين ، وقد يكون من عناصر الصفة أن يكون عضواً في هذه الهيئة أو في غيرها ، وذلك بأن يدفع اشتراكاً مالياً ، أو يقدم خدمات لهذه الهيئة ، ذلك أن نظام الهيئة الذي اقترحته شركة التأمين , أو بعض مؤسسي الهيئة ، هو نظام يقوم على الترع والتكافل والتضامن والتعاون.

 

وأعضاء هيئة المشتركين ، يبرمون عقوداً ويحصلون على وثائق تأمين بالتطبيق للأسس والقواعد والضوابط التي ينص عليها نظام الهيئة ، فإن المشترك يعلم مقدماً بهذا النظام ويقبله ، ويشترك على أساسه ، وهو الحقائق الآتية:

 

1.  أنه يدفع الاشتراك أو القسط لهيئة المشتركين ، وليس لشركة إدارة التأمين واستثمار أمواله ، فملكية القسط تثبت لهذه الهيئة باعتبارها شخصية معنوية لها ذمة مالية مستقلة ، وهذا القسط يخرج من ملكه ويدخل في ملك هيئة المشتركين التي تنوب عن المشتركين.

 

2.  أنه يتبرع من الأقساط ، ومن عوائد استثمارها ، بما يكفي لدفع التعويضات أو مبلغ التأمين لأي مشترك وقع له حادث الوفاة أو فقد عضو أو حدوث مرض أو عجز معين ، أو لورثته عند موته ، أو للمستفيدين الذين يحددهم في وثيقته ، وهذا أمر جائز لا محذور فيه.

 

3.     أن هناك شركة عنان ، لاستثمار أموال التأمين ، أي الأقساط وعوائدها بين المشتركين ، أعضاء هيئة المشتركين.

 

4.  أن هيئة المشتركين ، بدلاً من قيامها بإدارة عمليات التأمين واستثمار أموالها بنفسها ، تنيب عنها شركة لإدارة عمليات التأمين في مقابل أجر معلوم محدد ، وتعقد معها مضاربة لاستثمار أموال التأمين في مقابل حصة من أرباح هذه الأقساط ، فهذه الشركة شركة إدارة لعمليات التأمين واستثمار أمواله في مقابل أجرة معلومة بصفتها وكيلاً أو حصة من الربح بصفتها مضارباً ، ولها إن تجمع بين الوكالة وحصة المضاربة ، باعتبارها تقوم بعمليتين منفصلتين ، وإن كان ذلك لنفي الشخص الاعتباري – هيئة المشتركين.

 

5.  أن الاشتراكات ، وهي ما تسمى بأقساط التامين ، تحدد وفق قواعد تم الاتفاق عليها ، وتضمنها نظام الهيئة ، ومن هذه القواعد التناسب بين القسط أو الاشتراك والمبلغ الذي تدفع للمشترك عن وقوع حادث الموت أو فقد العضو أو العاهة ، أي مبلغ التأمين ، وهذه القواعد تطبق على الجميع ، عند تحقق الصفة ، وهذه الصفة تتحقق إذا كان المضرور عضواً في جماعة المشتركين ، وقد وقع عقد تأمين ودفع قسطاً وفقاً لنظام شركة التأمين الذي وافق عليه بتوقيعه لعقد التأمين.

 

6.  أن التعويض في التأمين على الحياة يتم تحديده باتفاق المشترك مع شركة التأمين باعتبارها نائباً عن هيئة المشتركين ، ويعد مبلغ التأمين الوارد في الوثيقة هو مقدار الضرر الأدبي الذي ترتب على حادث الوفاة أو العجز أو فقد العضو ، ذلك أن الضرر الأدبي يتعذر تقديره مادياً ، ويقع بشأنه خلاف ونزاع لاختلاف سن وثقافة وكفاءة المتوفى ، وقدرة الأشخاص على الكسب ، ولذا فإن الشريعة سوت بين الأنفس والأطراف في القصاص والديات ، أما في حالة تحديد مبلغ التعويض عن فقد الحياة أو العضو ، بالاتفاق فإنه لا محذور ، لعدم وجود النزاع وفوق ذلك فإن هذا التعويض تبرع خالص ، لأنه ليس مسؤول عن تلف النفس أو الأعضاء حتى نقدر الضمان وفقاً لأحكام الشريعة ، كما في الديات ، فيصبح القياس غير وارد الصفة.

 

7.  أن المشترك لا يستحق إلا إذا وجدت فيه الصفة أن سبب الاستحقاق ، بكل عناصر هذا السبب فإذا لم يتوافر هذا السبب أو عنصر منه فإنه لا يستحق هذا التبرع (التعويض) وهذا يعني أن سبب الاستحقاق ليس هو الاشتراك ودفع الأقساط المحددة ، فقط بل والوفاة أو فقد العضو أو العجز ، ففي حالة العجز أو فقد العضو يستحق المشترك نفسه مبلغ التأمين ، وفي حالة الوفاة يتبع الشرط الوارد في الوثيقة وفقاً لنظام الشركة.

 

 

 

 

إعداد : الدكتور حسـين حامد حسان

دبي 1425 هـ /2004 م