Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
دراسة حول موضوع بعض جوانب الصكوك المعاصرة
 

دراسة حول موضوع بعض جوانب الصكوك المعاصرة

الأستاذ الدكتور حسين حامد حسان

 كتب العالم الثقة الجليل فضيلة الشيخ تقي عثماني بحثاً يتسم بالإخلاص والصدق مع الشفافية والمصارحة التي هي أهم موضوع يتعلق بمستقبل الصناعة المالية الإسلامية ومؤسساتها ومنتجاتها وهو موضوع الصكوك. وقد لاحظ بحق أن الصكوك قد انحرفت في العمل والتطبيق عن المسار الشرعي الذي رسم لها، وصارت في الشكل والموضوع والصورة والمضمون سندات دين بفائدة، وهدمت بذلك أساس الصناعة المالية الإسلامية وهدف المؤسسات المالية الإسلامية، وقد بدأت البنوك الإسلامية في الخروج بالصكوك إلى سندات الدين جزئياً وعلى استحياء ولما وجدت تساهل من الهيئات الشرعية التي أقرت هذه المخالفات كشفت عن أساسها وخرجت على أصل الصناعة المالية الإسلامية في التمويل المؤسس على حقوق الملكية إلى التمويل القائم على الديون. لقد ذكر فضيلة الشيخ تقي عثماني خصائص الصكوك وجميع الأوراق المالية الإسلامية التي تميزت بها عن سندات الدين ثم أثبت بالأدلة والنماذج العملية الخروج عليها. وقد عد فضيلة الشيخ الشواهد على هذا الخروج وناقشها واحد تلو الآخر. وأنا وإن كنت أتفق معه في الجملة إلا أني أرى من الضروري أن أشير إلى حقيقة هامة،وهي أن اجتماع هذه المخالفات جميعها في الصكوك ( عدم تمثيل بعضها لحقوق ملكية، وتعهد بالشراء بالقيمة الاسمية، وتحديد الربح بمؤشر سعر الفائدة، والالتزام بمنح ما يزيد على سعر الفائدة حافزاً لمدير الصكوك، مقابل التزامه بمنح قرض لحملة الصكوك قد يسترده). إن اجتماع كل هذه تجعل  الصكوك مناقضة للشريعة قطعاً، حتى إذا تبرر بعض هذه المخالفات بتخريجها أو قيامها على فروع أخرى أو الاكتفاء بالاستدلال بحكم الأصل هو الإباحة أو القواعد العامة، مثل الاستدلال على الوعد بالشراء بأنه لا يساوي شرط ضمان الهلاك والتلف. إلا أن اجتماع كل هذه العناصر تقطع بأنها نوع من سندات الدين. إن                   جائز عند الحنفية ولهم دليل صحيح على ذلك ، والصداق ليس شرطاً في صحة عقد الزواج عند الشافعية بل حق يرتبه الشرع عليه ولهم دليل صحيح على ذلك، والإشهاد على عقد الزواج ليس ركناً ولا شرطاً في العقد عند المالكية ولهم دليل على ذلك. غير أن الزواج لو تم دون ولي ولا صداق ولا شاهدين فإنه يعد باطلاً، بل زنا وإن سقط الحد للشبهة عند البعض. وهذا هو الشأن في صكوك الاستثمار، قد يستدل على صحة إلزام مدير الصكوك بالعائد المتوقع في دراسة الجدوى بناءً على أن المؤسسة المالية قدمت التمويل  هذه الدراسة،فيلزمه به على أساس أن المبدأ القائل  بأن التقرير بالقبول كالتقرير بالفعل يوجب الضمان، وقد يستدل على قيمة الحاجز، مع وجود      الخصائص الأخرى. ومن هنا فإني أتفق معه في اجتماع هذه المخالفات يحول الصكوك إلى سندات دين، ولكن أدرس هذه المخالفات واحدة واحدة للوصول إلى الحكم على الصكوك إذا تخلف بعض الخصائص دون بعض.

 

 

الموضوع الأول:

 

الصكوك تمثل حقوق ملكية لحاملها

لا خلاف في أن الصكوك يجب أن تمثل حق ملكية، ولا تمثل ديناً بفائدة في ذمة مصدرها (المستخدم لحصيلتها). وهذه الملكية إما كاملة( رقبة ومنفعة) أو ناقصة وهي المنفعة دون الرقبة،كمنفعة الأصول( ِAssets ) مدة محدودة من الزمن، وذلك كمن باع منفعة أصول يملكها لحملة الصكوك لمدة محددة أو اشترى منفعة أصول لمدة محددة( 90 سنة مثلاً)  ثم باعها لحملة الصكوك، والأولى تسمى صكوك الأعيان والثانية تسمى صكوك المنافع.ولا يجوز بحال من الأحوال أن تمثل الصكوك ديوناً لحاملها في ذمة مصدرها إذا كانت هذه الديون تحمل فائدة وذلك مثل سندات ( Bonds ) الدين أو القرض بفائدة. وهناك أمور يجب توضيحها في هذا الخصوص:

1.  الملكية، تامة أو ناقصة، تنتقل في الشريعة بمجرد عقد البيع المستوفي لشروطه وضوابطه الشرعية، دون توقف على تسجيل هذه الملكية لدى الجهات الرسمية.

2.  ومع ذلك فإن المصلحة الشرعية تقضي بأن تسجل حقوق الملكية لدى الجهات الرسمية إذا استوجب القانون هذا التسجيل لحماية المالك وتمكينه من الاحتجاج بملكيته على الغير والتمتع بكامل ثمارها.

3.  أذا تعذر تسجيل حق الملكية، كأن يمنع قانون البلد الذي يوجد فيه العقار تسجيل هذه الملكية للأجانب وكانت البنوك أو المؤسسات المشاركة في التمويل ( حملة الصكوك ) أجنبية فإنه يجب على البائع أن يصدر سند ضد(deed of trust and regency) يقرر فيه بأنه يحتفظ بالملكية (title) لحساب حملة الصكوك المالكين الحقيقيين للأصول وأنه لا يتصرف في هذه الأصول دون إذنهم.

4.  نقل الملكية النفعية( beneficiary ownership) مع بقاء الملكية الحقيقية مع البائع لا يكفي، كأن يبقي المصدر(البائع) ملكيته للأسهم،وينقل إلى حملة الصكوك أرباحها الدورية           (dividends)، أو يبقي المصدر ملكية أصل مؤجر وينقل لحملة الصكوك حق الحصول على الأجرة. تعريف المصدر والتمثيل له بصك يصدر على أساس عقد شرعي والمصدر هو احد طرفي العقد.المنتفع هو من يتلقى حصيلة إصدار الصكوك لاستخدامها أو استثمارها      فهل ملكيته أو منفعته لحملة الصكوك.

5.  قد يكون المصدر لصكوك الإجارة شركة ذات غرض خاص (SPV) تنوب عن حملة الصكوك، وتباع أصول الصكوك لها وتنتقل ملكيتها إليها، بصفتها أميناً لحملة الصكوك ووكيلاً عنهم، وعند ذلك يقال إن هذه الشركة تحتفظ بسند الملكية (title) وأن حملة الصكوك يملكون ملكية نفعية، وهذا غير صحيح في نظر الشريعة، لأن  الملكية الحقيقية رقبة ومنفعة أو منفعة فقط مملوكة لحملة الصكوك، وتبقى مع الشركة المصدرة، بصفتها أميناً لهم ووكيلاً عنهم.

6.  في صكوك المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار ( صكوك الاستثمار) تمثل الصكوك حقوق ملكية لحامليها بعد تحويل رأس المال إلى خليط من الأعيان والمنافع والنقود والديون (التي لا تحمل فائدة) والحقوق المالية، أي أنها تمثل حقوق ملكية (equities) ولا يضر وجود الديون غير الربوية بين أصول صكوك الاستثمار بصرف النظر عن نسبتها إلى بقية الأصول ما دام النشاط الذي تستثمر فيه  حصيلة الصكوك مشروعاً، وكانت طبيعة هذا النشاط تقتضى وجود هذه العناصر ومنها الديون بنسب متفاوتة في أوقات مختلفة،ولم يكن الغرض الأساس من تكوين المحفظة أو الصندوق و إصدار الصكوك هو تصكيك الديون وبيعها لحملة الصكوك بنسبة خصم، مثل ديون المرابحة والاستصناع التي تتكون من تكلفة بضاعة المرابحة وتصنيع العين وهامش الربح المضاف ثم تباع لحملة الصكوك بالتكلفة دون عنصر الربح الذي يكون العائد على الصكوك.

7.  إن المقصود بالديون في عبارة أن "الصكوك لا تمثل ديونا" هي الديون الناتجة عن قرض بفائدة، أي التي تمثل ديوناً بفائدة في ذمة مصدرها لحاملها، بحيث يكون العائد هو الفائدة، أو أن تكون  ديوناً قد اشتريت بنسبة خصم، بحيث تكون العوائد التي تدفع لحملة الصكوك في المستقبل هي نسبة خصم الديون كأن تكون ديون المرابحة والاستصناع مائة فيشتريها حملة الصكوك بثمانين ثم يحصلون المائة من المدنين فتكون ثمانون منها إطفاء للصكوك وعشرين عائداً. أما الديون الناشئة عن معاملات شرعية مثل ديون المرابحة والاستصناع وديون الأجرة فإنه يمكن أن تكون محلا للصكوك في مرحلة معينة أثناء حياة الصكوك التي تمثل حقوق ملكية أعيان فيمتنع التداول أو تقيد بشروط معينة في هذه المرحلة ولكن يظل الصك موافقاً لأحكام الشريعة، وذلك على النحو التالي:

·       صكوك المرابحة تمثل نقوداً قبل شراء بضاعة المرابحة، ثم تمثل حقوق ملكية بعد شراء بضاعة المرابحة، ثم تمثل ديوناً في ذمة المشتري للبضاعة بعد بيعها فيمنع التداول في الحالة الأخيرة و تظل الصكوك مشروعة.

·       صكوك الاستصناع تمثل نقوداً قبل تمويل الشئ المصنع وخليطاً من النقود والأعيان أثناء مراحل التصنيع، ثم تمثل ديوناً في ذمة المشتري استصناعاً بعد تسليم العين المصنعة له فيمنع التداول في المرحلة الأخيرة وتبقى الصكوك مشروعة، وهنا تفرق الشريعة بين مشروعية الصكوك وبين مشروعية تداولها.

·       الاستصناع تمثل نقوداً، ثم موجودات استصناع ( ديون وأعيان) ثم ديوناً ( حيث أن حملة الصكوك يمثلون البائع استصناعاً "الصانع" بواسطة وكيلهم والمشتري استصناعاً هو الذي يملك المبيع الموصوف في الذمة مع التزامه بدفع ثمنه، فالإطفاء يكون من الصانع، كأن يشتري الصكوك ويدفع القيمة وموجودات الاستصناع في فترة الصنع وقبل التسليم يكون خليطاً  بين الأعيان والمنافع، فيجوز له شراؤها بالقيمة السوقية والاسمية ويمكن أن يكون الثمن هو ما يتفق عليه المصدر للصكوك أو من صدرت الصكوك لصالحه لأنه هو المستخدم لحصيلة إصدار الصكوك في الواقع لاه هو المستفيد فالإطفاء هنا يكون بقيمة الاتفاق     ( الاسمية أو السوقية).

·       التداول هو شراء  طرف ثالث لصكوك الاستصناع أي لموجودات صكوك الاستصناع حسب الاتفاق.

·       المرحلة الثالثة: مرحلة الدين، الإطفاء ( من المشتري استصناعاً) وهو المدين ويجوز بالقيمة الاسمية وبنسبة بعضه وبالعين. التداول ( شراء الصكوك أي حصيلة الصكوك بالقيمة الاسمية أو بالأعيان).

·       مرحلة النقود في الاستصناع: الإطفاء ( من المستصنع) الاسمية مع القبض. التداول ( شراء الغير) الاسمية والقبض.

 السلم: يمثل نقوداً ثم ديوناً سلعية في ذمة البائع، ثم أعياناً (أموال عينية).

مرحلة النقود: الإطفاء من البائع سلماً ( التداول : الاسمية )، المرحلة الثانية : ديوناً سلعية ( الإطفاء : الاسمية ) ، التداول ( شراء الغير/ الاتفاق).

8.  أما صكوك السلم فإنها تمثل رأس مال السلم قبل دفعه للبائع سلماً ، ثم تمثل ديناً سلعياً في ذمة البائع سلماً وهو يختلف عن الدين النقدي ولذلك وقع الخلاف في تداول هذه الصكوك وإطفائها، فالمالكية يرون جواز شراء البائع سلماً لبضاعة السلم قبل قبضها  بقيمتها الاسمية، وبعض الحنابلة ( ابن تيمية وابن القيم) يجوزون للبائع شراءها قبل قبضها بالقيمة السوقية، وقد جوز بعض الباحثين جواز الوعد بشراء بضاعة السلم قبل قبضها بثمن هو الأعلى من سعر السوق والقيمة الاسمية جمعاً بين مذهب المالكية وبعض الحنابلة. والسبب في ذلك أن يدين السلم دين سلعي لا نقدي فجمع بين العين و الدين بمكان محلاً للاجتهاد. أما جمهور الفقهاء فيمنعون التداول والإطفاء قبل القبض لأنهم لا يفرقون بين الدين السلعي والدين النقدي، ولكل من الجمهور وغيرهم أدلة شرعية تؤيد رأيه. أما بيع بضاعة السلم قبل قبضها فقد جوزه الجمهور للبائع أو لغيره وعلى ذلك يجوز الوعد بشراء موجودات صكوك السلم قبل قبضها للبائع سلماً أي وبالقيمة السوقية عند الحنابلة، كما يجوز الوعد بشرائها الصادر من طرف ثالث غير بائعها عند المالكية بالقيمة الاسمية أو السوقية، أما الوعد بشرائها بعد قبضها فيجوز عند الجميع بالقيمة السوقية أو الاسمية.

 إثبات بيع أصول الصكوك في سجلات مصدر الصكوك

 يجب على مصدر صكوك الأعيان المؤجرة والإجارة وصكوك الاستثمار وغيرها( أي المستخدم لحصيلتها) أن يثبت في سجلاته وقوائمه المالية وميزانيته واقعة بيع الأصول أو المضاربة أو المشاركة. ففي صكوك الإجارة أو الأعيان المؤجرة إذا باع المصدر هذه الأصول لحملة الصكوك فإن عليه أن يخرج هذه الأصول من ميزانيته فلا تبقى ثابتة في جانب الأصول بل تكون خارجة عنها، لأنه قد باع هذه الأصول وقبض ثمنها ونقل ملكيتها، فبقاؤها بين الأصول يعني أن هذا البيع صوري وأن الثمن قرض وأن عائد الصكوك هو الفائدة وإن سمي أجرة، وقد أصرت بعض البنوك الإسلامية على إبقاء الأصول المؤجرة التي باعتها لحملة الصكوك في قائمة أصولها( ON BALANCE SHEET) وكان عليها أن تضعها (OFF BALANCE SHEET) وساعدهم بعض المدققين الخارجيين على ذلك بحجة أن هذا البيع صوري وأن المعاملة في طبيعتها قرض، اعتماداً على أن الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية يجعل المصدر متحملاً لمخاطر هلاك العين أو تلفها. وفي صكوك عقود التمويل التي يتخلف عنها دين في ذمة المستفيد أو المستخدم لحصيلة الصكوك يجب إثبات حصيلة إصدار صكوك المرابحة والبيع المؤجل والاستصناع والسلم هي ثمن بضاعة المرابحة وتكلفة تصنيع العين المصنعة أو ثمن بضاعة السلم مؤجلة التسليم وليس قرضاً للمشتري مرابحة أو استصناعاً أو البائع سلماً. وفي صكوك الاستثمار أي تصدر بناءً على عقد من عقود الاستثمار أي المضاربة، المشاركة، أو الوكالة في الاستثمار، يجب إثبات أن رأس المال المدفوع والموجودات التي تشترى به مملوكة لحملة الصكوك وهي أمانة لدى مصدر الصك المستفيد أو المستخدم لحصة المضارب والشريك والوكيل.

 الموضوع الثاني:

 الثمن في الوعد بالشراء،هل هو القيمة الاسمية أم السوقية؟

 1)  مصدر الوعد بالشراء:  قد يصدر الوعد بالشراء من المضارب أو الوكيل في الاستثمار أو الشريك المدير، وهؤلاء الثلاثة يطلق عليهم " مدير الصكوك".و قد يصدر الوعد بالشراء كذلك من بائع الأعيان المؤجرة أو من بائع منافع الأعيان محل الصكوك إذا كان مديراً للصكوك، أما إذا لم يكن مديراً لها فله أن يعد بشراء موجودات الصكوك بسعر السوق أو بالقيمة الاسمية، لأنه أجنبي عن الصكوك أما الوعد بالشراء بما يتفق عليه العاقدان ليس وعداً، لأن الواعد يملك عدم الاتفاق فينعدم الالتزام، ما لم توجد مخالفات شرعية أخرى كبيع الوفاء أوالعينة.

2)  أما صكوك المرابحة بعد بيع بضاعة المرابحة، وصكوك الاستصناع بعد تسليم العين المصنعة إلى المستصنع فإنها تمثل ديناً في ذمة المشتري مرابحة أو استصناعاً، وبالتالي فإن إطفائها أي شراء غير المدين لهذه الموجودات (الدين) يخضع للمدين ولغيره وهذه الأحكام يشترط أن يكون للإطفاء بيع للمدين بالقيمة الاسمية للدين أو مع خصم وبالقيمة الاسمية فقط بالنسبة للغير(التداول) ويجوز مطلقاً بالعين ونشرط قبض الثمن بكل من الإطفاء والتداول.

3)  أما صكوك السلم قبل قبض بضاعة السلم تمثل ديناً سلعياً في ذمة البائع سلماً، وجمهور الفقهاء يمنعون شراء بضاعة السلم قبل قبضها سواء كان المشتري هو المدين أي البائع سلماً، أوغيره، وعلى رأيهم فإن إطفاء صكوك السلم وتداولها غير مشروع. أما المالكية فإنها يجيزون للمدين أي البائع سلماً أي يشتري بضاعة السلم غير الطعام قبل قبضها بالقيمة الاسمية ويجزيون لغير البائع شراء بضاعة السلم قبل قبضها عدا الطعام بالقيمة السوقية أو الاسمية أو ما يتفق عليه البائع والمشتري وعلى هذا يجري تداول صكوك السلم، و يرى ابن تيمية وابن القيم الجوزية من الحنابلة جواز شراء المدين أي البائع سلماً شراء بضاعة السلم قبل قبضها وذلك بالقيمة السوقية ويجوز ذلك لغير البائع وعلى ذلك يجري إطفاء وتداول صكوك السلم عندهم. وقد خرج بعض الباحثين من رأي المالكيين بعض الحنابلة جواز وعد المدين والبائع سلماً شراء بضاعة السلم قبل قبضها بأكثر القيمتين الاسمية والسوقية. ويتخرج الوعد بالشراء الصادر من المدين البائع أو من طرف ثالث بشراء موجودات صكوك السلم  ( وهذه الموجودات دين سلعي) على ذلك.

 

التعهد بالشراء:

 

أولاً : بشراء موجودات الصكوك وهناك نوعان من الصكوك: صكوك التمويل وصكوك الاستثمار، والأولى هي التي تقوم على أساس عقود التمويل التي يترتب عليها دين في ذمة المستخدم أو المستفيد من حصيلة بيع الصكوك مثل المشتري مرابحة أو استصناعاً والبائع سلماً، والثانية هي التي تقوم على أساس عقود الاستثمار ،أي العقود التي لا يتخلى فيها المصدر الصكوك، أي المستفيد أو المستخدم لحصيلتها عن ملكية الموجودات، بل يستثمر هذه الموجودات إما بواسطة غير "المضارب" أو مع غيره كالشريك المدير.

ثانياً: الوعد بشراء موجودات صكوك الاستثمار، وفيها عدة مسائل تستحق البحث:

·       الوعد بالشراء نفسه بصرف النظر عن ثمن الشراء، هل هو القيمة الاسمية أو القيمة السوقية أو القيمة الاتفاقية أو القيمة التي تحدد بآلية معينة، هل يعد ضماناً من جانب الواعد لقيمة موجودات صكوك الاستثمار، أو بعبارة أخرى هل يعد وعد المضارب أو الشريك بشراء موجودات صكوك المضاربة أو المشاركة  Sukuk Underlying Assets) ) وله بالقيمة السوقية ضامناً لقيمة هذه الموجودات؟ ويكون حكم وعده شرط ضمان رأس المال على المضارب، وهو شرط ينافي مقتضى العقد فيبطل الشرط وحده أو مع العقد؟ الظاهر أن هذا لا يعد ضماناً ينافي مقتضى عقود الأمانات ( المضاربة – المشاركة – الوكالة في الاستثمار) فلا يكون له حكم شرط الضمان على الأمين لأن الضامن يلتزم بدفع رأس المال لحملة الصكوك في جميع الحالات بما في ذلك حالة هلاك وتلف هذه الموجودات ونقص قيمتها بسبها ولو كان ذلك بسبب لا يد له فيه، في حين أن الواعد بالشراء لا يلزم الوفاء بوعده في تلك الحالات.

1)  الوعد بالشراء بالقيمة السوقية: لا أظن أن هناك خلافاً بين الفقهاء قديماً وحديثاً في أن:

                             i.              موجودات الصكوك مملوكة لحملة الصكوك ملكية حقيقية، وبالتالي فإن غرمها "هلاكها( الهلاك الكلي المادي مثل الهدم والحرق والغرق) وتلفها( هلاك مادي جزئي كانهدام أو احتراق الموجودات)،وخسارتها(نقص القيمة لأسباب تجارية)" عليهم، و غنمها (ربحها وعائدها) لهم إلا ما شرط منه لمدير الصكوك مضارباً أو شريكاً أو وكيلاً في الاستثمار

                          ii.             اشتراط ضمان الغرم ( الهلاك أو التلف أو الخسارة) على مدير الصكوك شرط باطل لأنه ينافي مقتضى العقد، وهل يبطل العقد نفسه؟ هذا محل اجتهاد.

                      iii.             مدير الصكوك ملتزم شرعاً بتنضيض (تسييل) موجودات الصكوك في نهاية مدتها، ببيعها للغير أو شرائها لنفسه حسب الضوابط الشرعية لشراء المضارب من مال المضاربة (أي بدون وعد منه بالشراء) حتى يرد رأس المال والربح المتحقق حسب شروط المضاربة محددة المدة عند المالكين،وهذا هو الوضع الطبيعي، وبالطبع فإنه يبيع بسعر السوق وبذلك لا نحتاج إلى تعهد مدير الصكوك بالشراء أصلاً، لأنه ملتزم بحكم الشرع بتسييل موجودات المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في نهاية المدة المتفق عليها، وذلك بالبيع بسعر المثل أي بالقيمة السوقية للغير، أي لطرف ثالث أو لنفسه حسب رأي جمهور الفقهاء الذين يجوزن للمضارب شراء بضاعة المضاربة.

2)  هناك أمور تستحق المناقشة في تحديد ثمن الشراء بالقيمة السوقية:

                             i.            القيمة السوقية مجهولة عند صدور الوعد والشأن في الوعد بالشراء أن يكون بثمن معلوم يلتزم به الواعد مثل وعد المستأجر لشراء العين المؤجرة بثمن محدد أو بالرصيد الباقي من مبالغ الأجرة الثانية ومثل وعد المشتري مرابحةً بشراء بضاعة المرابحة بالإضافة إلى مؤشر ربح معين، وهذا في نظرنا لا يؤثر في صحة الوعد بالشراء بالقيمة السوقية، لأن العلم المطلوب في الوعد عموماً يتحقق بكل آلية يتحدد بها ثمن البيع عند الدخول فيه.

                          ii.            ليس هناك سوق ثانوية لموجودات صكوك الاستثمار  (المضاربة والمشاركة أو الوكالة في الاستثمار)، فمن الذي يقوم إذن بتحديد القيمة السوقية لهذه الموجودات؟ هل هو المضارب وحده؟ هذا هو الظاهر من أقوال الفقهاء وما هي النتائج العملية التي تترتب على ذلك؟أم أنه لا بد من موافقة رب المال ( حملة الصكوك) على هذا التحديد؟ وما الحكم لو لم تتم هذه الموافقة؟ هل نحتاج إلى جهة خارجية لتحديد القيمة السوقية وما هي هذه الجهة؟ إذن مجرد النص في الوعد بالشراء على أن الثمن هو القيمة السوقية لا يكفي، بل لا بد من معرفة من يقوم بالتحديد، وآلية هذا التحديد. ثمن الشراء هو ما يتفق عليه حملة الصكوك والمضارب: قيل كما ذكرت المعايير الشرعية "بأن الوعد بالشراء يمكن أن يكون بالثمن الذي يتراضى عليه الطرفان، أي ممثل حملة الصكوك ومدير الصكوك على الثمن( مضارباً كان أو شريكاً أو وكيلاً في الاستثمار) وهذا المعيار لا يصلح عمليا كذلك، لأنه لم يحدد الآلية في حالة عدم اتفاق ممثل حملة الصكوك ومدير الصكوك، فلا بد إذن من النص على هذه الآلية، وقد تكون جهة خبيرة محايدة، أو المدقق الخارجي ، أو المحكمة أو هيئة تحكيم". وهل يكون تحديد القيمة بالاتفاق أو بآلية أخرى شرعياً، حتى إذا اختلف عن القيمة السوقية و الاسمية  ( رأس المال). وأخيراً هل يمكن تحديد ثمن الشراء بآلية منضبطة (Formula) بدلاً من القيمة السوقية أو الاسمية أو ما يتفق عليه المصدر ومدير الصكوك؟؟

                      iii.            هل يجوز النص في مستندات الصكوك على التزام مدير الصكوك بتصفية الصكوك وتنضيض موجوداتها بثمن لا يقل عن القيمة الاسمية، وذلك بشراء هذه الموجودات لنفسه أو بيعها لغيره، ومن المقرر عند بعض الفقهاء أن للمضارب أن يشتري موجودات المضاربة لنفسه. والخلاصة أن الوعد بالشراء بالقيمة السوقية أو بالثمن الذي يتفق عليه ممثل حملة الصكوك ومدير الصكوك لا يصلح وحده من الناحية العملية. بل لا بد من آلية لتقدير القيمة السوقية حتى يرفع النزاع.

 

 

الشراء بالقيمة الاسمية:

 

جرى العمل في صكوك الاستثمار ( المضاربة والمشاركة والوكالة وصكوك الاجارة والأعيان المؤجرة إذا كان البائع لهذه الأعيان مديراً أو وكيلاً للصكوك في الوعد بالشراء) على تحديد ثمن الشراء بالقيمة الاسمية لموجودات الصكوك، أي بثمن يساوي رأس المال. وجمهور فقهاء العصر يرفضون ذلك و يرون أن هذا الوعد لا يجوز شرعاً، لأنه يعد بمثابة شرط الضمان على مدير الصكوك، وشرط الضمان شرط ينافي مقتضى العقد باتفاق، فيبطل الشرط ويبطل معه العقد لدى جمهور الفقهاء، وقد ترى قلة منهم بطلان الشرط وحده ونلاحظ على هذا الرأي أن الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية ليس شرطاً لضما رأس المال على مدير الصكوك، والشريعة منعت شرط الضمان لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، أي حكم الشرع الذي رتبه على هذا العقد الذي صدرت الصكوك على أساسه، ولأن أثر هذا الشرط أن مدير الصكوك يضمن لحملة الصكوك رأس المال في جميع الأحوال بما فيها حالة الهلاك والتلف والخسارة بصرف النظر عن سبب هذا الهلاك وما ذكر معه، أي حتى إذا كان بسبب لا يد لمدير الصكوك فيه ( القوة القاهرة وخطأ الغير ) بينما حتم الوعد بالشراء  بالقيمة الاسمية ينحصر في شراء موجودات الصكوك عند وجودها في حالة هلاكها فلا يلزم الشراء، وبالتالي لا يكون ضماناً،ومن جهة أخرى فإن مدير الصكوك يلزمه شرعاً رد رأس المال والربح المتحقق لحملة الصكوك لقوله عليه السلام:" على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وإذا ادعى الهلاك أو الخسارة فإن دعواه لا تقبل حتى يقدم الدليل على أنه لم يتعمد أن يخون، ولم يقصر في حفظه ولم يخطئ في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنه، أي أنه يلزمه إثبات أن الهلاك والخسارة نتجت عن أسباب لاحقة لتقديمه دراسة الجدوى والدخول في العقد الذي صدرت الصكوك على أساسه، إنه لا يد له فيه ولا قدرة له على دفعه أو تلاف آثاره.

 

القيمة الاسمية تعادل القيمة السوقية إذا كان هناك ربح موزع

 

الشراء بالقيمة الاسمية لا يسبب إشكالا في حالة ما إذا كانت القيمة السوقية لموجودات المضاربة في تاريخ تنفيذ الوعد ( وهو عادةً تاريخ توزيع الربح أو في نهاية مدة الصكوك) أعلى من القيمة الاسمية، أي أكثر من رأس المال، لأن الربح، وهو ما زاد على رأس المال باتفاق، في هذه الحالة يوزع، وتكون قيمة الموجودات السوقية بعد خصم هذا الربح معادلة تماماً للقيمة الاسمية أي رأس المال.

 

القيمة الاسمية تعادل القيمة السوقية اذا لم يتحقق ربح ولا خسارة

 

أما إذا كانت قيمة الموجودات محل الصكوك في تاريخ تنفيذ الوعد مساوية تماماً لقيمتها الاسمية ( رأس المال) أي أنه ليس هناك ربح ولا خسارة، فإن القيمة السوقية تساوي رأس المال في هذه الحالة كذلك.

 

القيمة السوقية أقل من القيمة الاسمية في حالة الخسارة التجارية

 

أما إذا كانت قيمة موجودات الصكوك السوقية أقل من قيمتها الاسمية   ( أي رأس المال) في تاريخ تنفيذ الوعد، فإننا نكون أمام حالة خسارة تجارية، وهنا لا تكون القيمة الاسمية مساوية للقيمة السوقية، ويكون على مدير الصكوك أن يدفع ثمناً أكثر من القيمة السوقية،وهذا يكون في حكم شرط الضمان الجزئي أي ضمان ما نقص من رأس المال، عند من يرون أن الوعد بالشراء يأخذ حكم شرط الضمان على مدير الصكوك،وهو شرط ينافي مقتضى العقد فيبطل الشرط والوعد والشرط وحده على هذا الأساس. وهنا نقول أن الثمن  الواجب هو قيمة الموجودات السوقية، ثم نبحث بعد ذلك عما إذا كان مدير الصكوك مسئولا عن هذه الخسارة فيضمنها لحملة الصكوك، أم أنها حدثت بسبب لا يد له فيه فلا يضمنها بل يتحملها حملة الصكوك، وفي حالة مسؤولية مدير الصكوك عن هذه الخسارة فإنه يعوض هذه الخسارة لحملة الصكوك فيضاف مبلغ التعويض إلى قيمة الموجودات وتكون النتيجة هي حصول حملة الصكوك على كامل القيمة الاسمية ( أي رأس المال) والخسارة هنا تتمثل في الفرق بين القيمة السوقية والقيمة الاسمية لموجودات الصكوك ( أي رأس المال ). أما إذا كان هلاك أصول الصكوك كلياً فإنه ليس لحملة الصكوك مطالبة مدير الصكوك بتنفيذ وعده بشراء أصول الصكوك أصلاً لأن الوعد بالشراء ليس شرطاً لضمان رأس المال على المضارب ولأن شرط صحة البيع أن يكون المبيع موجوداً عند التعاقد فإن هلك قبله فإنه لا يصح لأنه يكون من بيع المعدوم. ويبقى السؤال عما إذا كان مدير الصكوك مسئولا عن هذا الهلاك فيضمن رأس المال كاملاً بحكم الشرع، وتكون النتيجة هي حصول حملة الصكوك على القيمة الاسمية تعويضاً لا ثمناً لموجودات الصكوك أو ليس مسئولا فيتحمل حملة الصكوك الهلاك أو الخسارة. ولو كان  قد اشترط على مدير الصكوك الضمان لتحمل الهلاك في هذه الحالة.

 

التفرقة بين الهلاك الجزئي والخسارة :

 

يفرق الفقهاء بين الهلاك الكلي والجزئي ويسمى التلف وبين الخسارة. فالهلاك الكلي هو هلاك موجودات الصكوك، والهلاك الجزئي أو التلف هو هلاك بعض هذه الموجودات، مثل تهدم البناء كلياً أو جزئياً، وغرف السفينة وتحكم الطائرة كلياً أو جزئياً. ولا حديث هنا عن انخفاض القيمة القيمة السوقية للموجودات مع الخسارة التجارية الناشئة عن كساد البضاعة أو ارتفاع التكاليف أو انخفاض الطلب على السلطة مع بقاء الموجودات على حالها. وشرط الضمان الذي منعته الشريعة هو شرط ضمان الهلاك والتلف أي الهلاك الكلي والجزئي لموجودات المضاربة، فإذا بقيت الموجودات على حالها فإن شراءها بالقيمة الاسمية لا         هذا هو الشأن في الوعد في جميع الحالات، فالواعد بشراء بضاعة المرابحة يعد بشرائها بالتكلفة بالإضافة إلى هامش ربح، وعليه تنفيذ وعده إذا انخفضت قيمة البضاعة عند تنفيذ وعده، ما دامت البضاعة لم تهلك ولم تتلف، والمستأجر الواعد بشراء العين المؤجرة يلتزم بتنفيذ وعده ولو نقصت القيمة السوقية للعين المؤجرة ما دامت لم تهلك كلياً أو جزئياً، فيجب التفرقة بين الهلاك والتلف لموجودات الصكوك، وبين الخسارة الناتجة عن حوالة الأسواق والواعد بالشراء بالقيمة الاسمية لا ينص شرط ضمان الخسارة أو تحقق الربح.

 

هل الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية ضمان لرأس مال الصكوك؟

 

1.  نحن نتفق مع القائلين بعدم جواز تحديد الثمن في الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية في أنه لا يجوز أن يتضمن عقد المضاربة أو المشاركة أو الوكالة، شرط ضمان رأس المال أو ربح محدد على المضارب أو الشريك أو الوكيل، لأن ذلك شرط ينافي مقتضى العقد باتفاق، أي الحكم الذي رتبه الشرع على العقد، ولكننا نختلف معهم في قضية أخرى هامة، وهي قولهم أن الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية يعد شرطاً للضمان على مدير الصكوك، إذ أن بين شرط الضمان على مدير الصكوك ووعده بشراء موجودات الصكوك بالقيمة الاسمية فروق كثيرة بينا بعضها ونبين البعض الآخر على الوجه التالي:

                             i.            أن شرط ضمان رأس المال على مدير الصكوك يلزمه بضمان رأس المال ( القيمة الاسمية ) في جميع الحالات، بما في ذلك حالة الهلاك والتلف والخسارة التجارية، وليس كذلك الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية، لأنه لا يلزمه الوعد بالشراء عند هلاك موجودات الصكوك كلياً أو جزئياً لعدم وجود المبيع كاملاً على الوجه الذي وقع عليه الوعد بأن هلكت جميع المباني أو هلك أحدها وكان الوعد بشرائها كلها عند الدخول في عقد البيع.

                          ii.            أنه في حالة الهلاك الجزئي أو الخسارة يلزم الضامن لرأس المال ( بناءً على شرط الضمان) ضمان الهلاك الجزئي أو الخسارة في جميع الأحول. أما الواعد بشراء موجودات الصكوك بالقيمة الاسمية فإنه لا يلزمه شراء ما تلف أو هلاك جزئياً ويلزمه شراء الموجودات وإن نقصت قيمتها فاختلف الحكم ويمكن الإجمال على النحو التالي:

a.   حالة الهلاك الكلي لا يشتري

b.  حالة الهلاك الجزئي لا يشتري

c.   حالة الخسارة يشتري بالقيمة الاسمية وهذه الحالة التي يكون فيها الشراء بالقيمة الاسمية ضماناً، والضمان هنا مبنى على التعدي والتقصير والخطأ.

                      iii.            إن الضمان المترتب على الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية لا يتحقق إلا إذا كان وقوع البيع بالقيمة الاسمية حتمياً، وفي جميع الحالات ولكن هذا غير واقع و لا تقتضيه طبيعة الوعد بالشراء للأسباب التالية:

a.   الوعد يلزم الواعد ( مدير الصكوك ) وحده،وقد لا يرغب الموعود له أي المستفيد (حملة الصكوك)في تنفيذ الوعد فلا يحصل البيع.

b.  أن موجودات الصكوك قد تهلك هلاكاً كلياً أو جزئياً، فلا يقع البيع حتى إذا طلبه حملة الصكوك لأن بيع المعدوم لا يجوز ولأن موجودات الصكوك قد تهلك جزئياً، فلا يلزم الواعد شراء الهالك ويشتري الباقي بحصة من الثمن.

c.   أما إذا لم يقع هلاك لموجودات الصكوك كلي ولا جزئي، ووقعت خسارة، أي انخفاض في قيمة الصكوك أو حوالة الأسواق فإن الواعد يلزمه شراء بالقيمة الاسمية ولا يعد ذلك ضماناً للخسارة، لأن الشأن الواعد أنه يلزمه مواعد بالشراء ولو نقصت القيمة السوقية للبضاعة كما في المرابحة ووعد المستأجر بشراء العين المؤجرة فإنه يلزمه الشراء وإن نقضت القيمة السوقية. أما عن مصير وعده بالشراء بالقيمة الاسمية فيكون كالتالي: 1- لا يلزمه تنفيذ وعده في حالة الهلاك الكلي، لأن شرط عقد البيع وجود المبيع عند التعاقد والمبيع هنا قد هلك ويكون عليه الضمان في حالة مسئوليته، 2- الهلاك الجزئي، لا يلزمه شراء الجزء الهالك ويشتري الموجودات التي التي لم تهلك بحصتها من الثمن، ويضمن الجزء الهالك إذا كان خاطئا، 3- في حالة الخسارة وبقاء الموجودات كما هي لا يلزمه الضمان يلزمه شراء الموجودات بالقيمة الاسمية ( قيمة رأس المال).

d.  أن الواعد بالشراء ( مدير الصكوك ) غير ملتزم بالدخول في عقد شراء، بل له أن يرفض الدخول في عقد الشراء، ولا يكون أمام حملة الصكوك غير بيع أصول الصكوك في السوق والرجوع عليه بتعويض الفرق ( أن وجد ) بين سعر البيع ولا القيمة الاسمية للصكوك ( رأس المال).  

ويظهر من كل ما تقدم أن الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية ليس ضماناً ولا يمكن بحال قياسه على عقد الضمان أو شرط الضمان على مدير الصكوك (مضارباً كان أم شريكاً أم وكيلاً في الاستثمار)، أما حكم التعهد بالشراء بالقيمة الاسمية وأثر ذلك على شرعية الصكوك فموضوع آخر، وقد رأينا أن هذا الموضوع يثار في حالة الهلاك الكلي أو الجزئي أو الخسارة لموجودات الصكوك بسب لا يد لمدير الصكوك فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي آثاره، أما في حالة تعدي مدير الصكوك على موجودات الصكوك أو تقصيره في حفظها أو خطئه في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها، فإنه يضمن القيمة الاسمية (رأس المال) أو ما نقص منها لحملة الصكوك، أما ضمان الربح ففيه خلاف بين فقهاء العصر. من الأصول الشرعية المسلمة أن متلقي حصيلة إصدار الصكوك، أي مستخدمها مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيلاً استثمارياً ( مدير الصكوك ) يلزمه شرعاً رد هذه الحصيلة، أي رأس مال المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار مالم يدع هلاك موجودات الصكوك، فيلزمه أن يقيم الدليل على وقوع هذا الهلاك أو التلف أو الخسارة، وعلى أنه كان بسبب لا يد له فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي أثاره، أي يثبت أن الهلاك وما معه لم يكن بسب تعديه على موجودات الصكوك، ولا تقصيره في حفظها ولا خطؤه في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها، فإن عجزعن هذا الإثبات لزمه ضمان الهلاك الكلي أو الجزئي أو الخسارة، أي لزمه رد رأس المال كاملاً لحملة الصكوك.

 

عبء إثبات مسؤولية مدير الصكوك:

 

نقدم لذلك بقواعد شرعية مسلمة:

1.  أن مدير الصكوك يضمن قيمتها الاسمية ( رأس المال ) في الحالات التالية:

o     التعدي (أي الخيانة) على أصول الصكوك        ( assets ).

o     التقصير في حفظ موجودات الصكوك.

o     الخطأ في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأن موجودات الصكوك.

o     مخالفة شروط الصكوك

2.  هناك مبدأ شرعي وردت به السنة الشريفة مضمونه أن ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه أو ترده ) وهذا يعني أن مدير الصكوك مضارباً كان أو شريكاً أو وكيلاً في الاستثمار يلزمه شرعاً رد رأس مال المضاربة أو المشاركة أو الوكالة، وأنه إذا ادعى هلاكه أو تلفه أو خسارته فإن عليه وحده، وفقاً للمبدأ الشرعي الآتي، أن يقدم الدليل على أمرين:

أولهما: أن موجودات الصكوك قد هلكت هلاكاً كلياً أو جزئياً أو أن هذه الموجودات قد حققت خسارة.

ثانيهما: أن هذا الهلاك أو التلف أو الخسارة لم تكن نتيجة تعديه أو تقصيره أو خطئه أو مخالفته لشروط الإصدار. أي أنها حدثت لأسباب وظروف جدت بعد الدخول في العقد الذي قامت عليه الصكوك، وأنه لا يد له في هذه الأسباب أو الظروف، ولا قدرة له على توقعها و لا على تلافي آثارها، وبعبارة أخرى على مدير الصكوك إثبات أنه لم يتعد ولم يقصر ولم يخطئ ولم يخالف شروط الإصدار.

 

3.  مدير الصكوك مدع تلزمه البينة: جاء في الحديث الشريف ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر). وقد اتفق الفقهاء على تعريف المدعي بأنه هو من يدعى خلاف الأصل أو خلاف الكثير الغالب في العرف والواقع: وتطبيق هذا المبدأ على دعوى مدير الصكوك أن أصول/ موجودات الصكوك قد هلكت كلياً أو جزئياً أو خسرت يقتضي أن دعواه لا تقبل إلا إذا قدم هو الدليل على الأمرين السابقين معاً وهما:

o     وقوع الهلاك الكلي أو الجزئي أو حدوث الخسارة فعلاً.

o     أن هذا الهلاك (total loss) أو التلف      (partial loss  ) أو الخسارة (LOSS) لم تكن نتيجة تعديه على موجودات المضاربة أو تقصيره في حفظها أو خطئه في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها، أي أنه لا بد أن يثبت أن الهلاك أو التلف أو الخسارة كان بسبب لا يد له فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي آثاره.

 

والسبب في ذلك أن مدير الصكوك يعد مدعياً لأنه يدعي أمرا يخالف الأصل، في أن من أخذ شيئا بيقينً فإن هذا الشئ يكون موجوداً عنده ما لم يقدم دليلاً على هلاكه، وفي الحالات الكثيرة الغالبة أن رأس المال لا يتلف ولا يهلك ولا يخسر، فليس هذا هو الغالب في العرف والواقع، بل الغالب والكثير خلافه وهو بقاء رأس المال على الأقل. ولذا فإننا لا نرى أن نسبة كبيرة 80% مثلاً من الذين يمارسون نشاطاً ويحصلون على رأسمال تهلك موجوداتهم أو يخسرون فيها فذلك أمر نادر، وعلى ذلك فإنه إذا وعد مدير الصكوك بشراء موجودات الصكوك بالقيمة السوقية فإن هذه القيمة تساوي في الغالب من الحالات القيمة الاسمية أي رأس المال وقد تحقق ربحاً فيكون نقل عبء الإثبات على مدير الصكوك، حسب حكم الشريعة صحح يقلل المخاطر بالنسبة لحملة الصكوك، إذ تقل الحالات التي يحدث فيها الهلاك الكلي أو الجزئي أو الخسارة بسبب لا يد لمدير الصكوك فيه، ويبقى الحد الأدنى من المخاطر الذي استلزمت الشريعة حتى تكون الصفقة مقبولة شرعاً تطبيقا للمبدأ الشرع( الغنم بالغرم والخراج بالضمان) وتقترب نتائج القيمة السوقية من القيمة الاسمية. وبناءً على ذلك نعرض هذه الحالات:

1.  هلاك موجودات الصكوك هلاكاً كلياً، لا ينفذ الوعد بالشراء أصلاً، لأن شرط الشراء وجود محله وقد هلك، ثم إن كان الهلاك بخطأ مدير الصكوك فإن يضمن رأس المال أي القيمة الاسمية، فلا يكون هناك فرق.

2.  هلاك موجودات المضاربة جزئياً، ينفذ الوعد بالشراء فيما لم يهلك، ويضمن الجزء الهالك وهو ما نقص عن رأس المال إن كان بخطئه وإن لم يكن فلا يضمنه ويتحمله حملة الصكوك.

3.  إذا لم يحدث هلاك لموجودات المضاربة، ولكن وقعت خسارة، فإنه يضمن هذه الخسارة إذا كان مخطئاً ويضمن ما نقص من رأس المال، لأن رأس المال و سقف لضمان حالات التعدي، وإذا لم يكن مخطئاً فلا يضمنها، ولكن يلزمه شراء الأصول بالقيمة الاسمية، لأن الخسارة ليست في هلاك موجودات المشروع والقيمة السوقية أقم من الاسمية، على فرض وجود خسارة.

 

الصفة الشرعية لدراسة الجدوى

1.  إن حفظ المال مصلحة شرعية ( مبدأ كلي قطعي ) وهذا الحفظ يقتضى أن على المؤسسة المالية الإسلامية ألا تدخل في عقد استثمار أو تمويل إلا بعد التأكد من سلامة المعاملة في الغالب، وأن مخاطرها متوازنة مع عوائدها، وإلا كانت مجازفة بالمال وتدخل في باب التبذير المحرم. أضف إلى ذلك أن المؤسسة المالية الإسلامية تعمل وكيلاً وأميناً للمودعين لديها أو الممولين لها وهي تعمل لصالحهم، وهذا يقتضي أن تطلب المؤسسة من عملائها الطالبين للتمويل أن يقدموا دراسة جدوى تحدد المشروع أو النشاط الذي يستثمر فيه التمويل/ رأس المال المطلوب، وجدوى الاستثمار فيه ، ومخاطره وعوائده المتوقعة حتى تختار المؤسسة المالية الإسلامية النشاط الذي تقل مخاطره، وترتفع عوائده، وعند إصدار الصكوك يقوم المصدر ووكيل حملة الصكوك وذوي الشأن بإعداد دراسة جدوى حسب الأصول الفنية لدراسة الجدوى، وهذه الدراسة تحدد النشاط المشروع، والدراسة السوقية لمنتجاته، والمخاطر والعوائد المتوقعة. وبناءً على هذه الدراسة يقدم التمويل، أو يقبل حملة الصكوك على شرائها اعتماداً على هذه الدراسة. ومن الطبيعي أن يكون معد الدراسة مسئولا عن أنها أعدت بأمانة ووفقاً لقواعد إعداد دراسات الجدوى ودراسة السوق ومسئولاً عن نتائجها ومنها العوائد المتوقعة فما هو أثر تخلف هذه الدراسة بأن وقعت خسارة أو لم يتحقق الربح المتوقع؟

‌أ.       وجد رأي في الفقه الإسلامي يقول بأن التغرير بالقول كالتغرير بالفعل يوجب الضمان، فمن حفر بئراً في طريق الناس ثم غطاه بورق أو سعف نخيل فإنه يضمن نفس      و مال من وقع فيه، أي أنه مسئول جنائياً ومدنياً، فكذلك من قدم للمؤسسات المالية دراسة جدوى تشير إلى وجود أرباح متوقعة ثم ثبت عدم تحقق الربح أو وقوع خسارة فإنه يضمن هذه الخسارة والربح العائد حتى دفعت له رأس المال اعتماداً على هذه الدراسة. ويرى هذا الفريق أن مقدم دراسة الجدوى، وهو مدير الصكوك مسئول عن عدم تحقيق نتائجها، أي عن وقوع الخسارة وعدم تحقق الربح، بناءً على المبدأ المتقدم. ويقتصر فريق من هؤلاء على ضمان الخسارة وهو ما نقص عن رأس المال دون الربح. وهناك من يخالف في إعمال هذا المبدأ و لا يطبقه مجال الصناعة المالية الإسلامية بصفة عامة، وعلى الصكوك بصفة خاصة، ويحتاج الأمر إلى مزيد من البحث. وإذا أخذنا بمبدأ مسؤولية مدير الصكوك عن نتائج دراسة الجدوى التي قدمها والربح المتوقع الذي أظهرته  مع القاعدة المتفق عليها في نظام الإثبات وهي أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والحكم تبعاً لذلك بأن مدير الصكوك ملتزم برد الهلاك والتلف والخسارة إذا عجز تقديم الدليل على أن عدم تحقق نتائج دراسة الجدوى التي قدمها والربح المتوقع الذي أظهرته لم تكن بسبب من جانبه. ونعرض الجدول الأتي الذي يحدد الحالات التي يعد فيها الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية مؤدياً إلى ضمان في رأس المال:

الهلاك الكلي

مسئولية مدير الصكوك

الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية

الحكم

مسئول

يضمن رأس المال

لا ينفذ الوعد بالشراء

الوعد ليس ضماناً

غير مسئول

لا يضمن رأس المال

لا ينفذ الوعد بالشراء

الهلاك الجزئي

مسئول

يضمن ما نقص من رأس المال

يشتري الموجودات التي لم تهلك ولا فرق بين القيمة السوقية والاسمية لأن هناك سقف الضمانة

 

غير مسئول

لا يضمن النقص

يشتري الموجودات بحصة من الثمن

 

الخسارة

مسئول

 يضمن الخسارة

 

 

غير مسئول

لا يضمن الخسارة

 

 

  

 

تحديد الربح في صكوك الاستثمار (صكوك المضاربة – المشاركة و الوكالة)

 

1.  لا يجوز بحال أن يضمن مدير الصكوك لحملة الصكوك ربحاً أو عائداً محددا، سواء كان ذلك الثمن بمبلغ معين أو بنسبة من رأس المال أو بمؤشر معين كلأيبور، ولا أظن أن فقيهاً معاصراً يخالف هذا المبدأ.

2.  إن الآلية المقبولة لإعطاء حملة الصكوك مؤشراً لعوائد الصكوك المتوقعة هي ما يلي:

‌أ.       تقديم دراسة جدوى تحدد المشروع أو النشاط الذي تستثمر فيه حصيلة الصكوك، ومخاطر العوائد المتوقعة من هذا الاستثمار.

‌ب.تحديد نسبة توزيع الربح الصافي الفعلي بين حملة الصكوك ومدير الصكوك، حسب نوع العقد الذي يصدر الصك على أساسه، إذا ضربت نسبة أو حصة حملة الصكوك في نسبة الربح المتوقعة فإنه يظهر العائد أي الربح المتوقع لحملة الصكوك حسبما أظهرته دراسة الجدوى، وإذا كان الربح المتوقع في دراسة الجدوى هو 15% وكانت حصة حملة الصكوك من الربح الصافي هو 60% فإن العائد على الصكوك هي9% لحملة الصكوك، وتكون ربحاً أو عائداً متوقعاً ولا تمثل التزاماً على مدير الصكوك إلا على رأي القائلين بمسئولية مدير الصكوك عن نتائج  دراسة الجدوى بما جاء فيها من أرباح متوقعة إذا عجز عن إثبات القوة القاهرة أو السبب الأجنبي الذي حال دون تحقيق الربح المتوقع.

‌ج.  لا مانع شرعاً من  تنازل حملة الصكوك عن حصة من أرباحهم الفعلية حافزاً على حسن الأداء إذا زادت أرباحهم عن حد معني. وهذا يتم بطرق عدة منها:

                                                           i.      أن تختلف نسبة توزيع الربح بين حملة الصكوك والمدير باختلاف شرائح الربح مثل أن يكون التوزيع بالنسبة للربح حتى 15% على النحو التالي: 60% لحملة الصكوك، 40 % لمدير الصكوك فإذا زادت الأرباح عن 15% ولم تزد 20% تكون نسبة توزيع الأرباح، أو ما زاد منها هي 20% لحملة الصكوك و80 % لمدير الصكوك وإذا زادت الأرباح عن 20% فإن مدير الصكوك يستحق من الربح أو من الزيادة 90% وحملة الصكوك يستحقون 10%. وهذه الآلية شائعة في إدارة الصناديق والمحافظ الاستثمارية و قد نصت عليها كتب الفقه الإسلامي حيث أن هذه الآلية لا تؤدي إلى قطع الشركة في الربح.

                                                        ii.      وقد جرى العمل في كثير من صكوك الاستثمار وصكوك الإجارة على منح المدير جميع ما زاد عن حد معين من الربح وقد يكون منها نسبة من رأس المال أو مبلغاً محدداً أو مؤشر سعر الفائدة أو أي آلية أخرى، وقد اعترض على هذا بعض الفقهاء المعاصرين، ولا أرى لاعتراضهم وجهاً أو دليلاً مقبولاً  اذا تم على الوجه المذكورة ، ولم يكن معه من المخالفات الأخرى ما يقوض أساس وخصائص الصكوك الشرعية. لأن هذه شروط لا تقطع الشركة في الربح. وإن كنت أقدر الدافع لهذا النوع من التشدد، وذلك أنهم قد أخذوا هذه الجزئية مع غيرها من الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية، والتزام مدير الصكوك بالإقراض وتقديم السيولة، فكانت هذه في نظرهم مجتمعة تسلب عن الصكوك حقيقتها وطبيعتها الشرعية وتجعلها شبيهة بسندات الدين التقليدية، وقد عالجنا هذه النقاط كل على حدة، ولذا وجب إعادة النظر في أمر الحافز وطريقة تحديده  على ضوء هذا،ولا يفوتني أن أذكر أني أميل إلى الطريقة التي تمنح مدير الصكوك نسبة مما زاد من الربح عن حد معين أو عن الربح المتوقع حسب المؤشر الموجود في دراسة الجدوى دون منحه جميع المبلغ أو النسبة الزائدة عن هذا الحد.

 

إقراض مدير الصكوك لحملة الصكوك

من الأمور التي ظهرت حديثاً في نشرات إصدار صكوك الاستثمار هو إلزام مدير الصكوك بتقديم قرض بدون فائدة لحملة الصكوك لضمان توزيع عائد محدد على حملة الصكوك في موعده إذا لم يكن لدى المدير سيولة كافية لهذا التوزيع ولم تيسر له الحصول على تمويل بصيغة شرعية توفر له السيولة المطلوبة وبعض هذه الصكوك يعطي مدير الصكوك الحق في استرداد القرض من الأرباح المتحققة في فترات تالية فإن لم يتحقق ربح لرد يكفي القرض فإن لمدير الصكوك أن يسترد القرض من موجودات الصكوك، وبعض الصكوك يجعل حق مدير الصكوك قاصراً على الأرباح دون المساس بموجودات الصكوك أي أصولها ( Assets ) والإلزام بالإقراض يحدث في حالتين:

أولهما : إذا لم يظهر ربح للنشاط الذي استثمرت فيه حصيلة الصكوك، في التاريخ المحدد للتوزيع، بأن كانت قيمة موجودات الصكوك السوقية في تاريخ التوزيع لا تزيد عن رأس المال لان الربح في الشريعة هو ما زاد عن رأس المال.

والثانية: هي حالة ما إذا ظهر ربح بأن زادت قيمة أصول الصكوك السوقية عن القيمة الاسمية ( رأس المال ) ولكن لا توجد لدى المدير السيولة الكافية للتوزيع. والأصل في الحالتين ألا توزع أرباح على حملة الصكوك ومع ذلك فإنه يجوز تبرع مدير الصكوك بتقديم السيولة باعتبارها قرضاً حسناً لحملة الصكوك، على أن يسترد مبلغ القرض من الأرباح المحققة في الفترات الاستثمارية التالية، وإلا فمن أصول الصكوك أي من رأس المال. وبعض الصكوك التي أعطب مدير الصكوك الحق في استرداد القرض من موجودات الصكوك إذا لم تكن أرباح كافية لسداد القرض، زاد في الوعد بالشراء الذي يقدمه المدير على القيمة الاسمية للصكوك " مبلغ القرض الذي لم يسدد وهذه حيلة ظاهرة البطلان.

ويجوز كذلك أن تتضمن نشرة إصدار الصكوك قيام مدير الصكوك بالحصول على تمويل لتوفير السيولة المطلوبة بصيغة شرعية. ويرى جمهور فقهاء العصر وأنا منهم أنه لا يجوز إلزام مدير الصكوك بإقراض حملة الصكوك وإن جاز التبرع بهذا دون إلزام على أن يكون له الحق دائماً إذا تبرع بالقرض أي يسترد مبلغ من حملة الصكوك من الأرباح أو الأصول أو غيرها. والسبب في عدم جواز إلزام مدير الصكوك بالإقراض أنه طرف في عقد معاوضة مثله مثل عقد البيع، هذا العقد هو المضاربة أو المشاركة أو الوكالة بأجر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلف، وقاسوا هذه العقود على عقد البيع بجامع أنها عقود معاوضة، وربما خالف في هذا بعض المجتهدين بحجة أن المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار لا تقاس على عقد البيع لأنها من طائفة عقود المشاركات وليست من طائفة عقود المعاوضات ، ولكنني لا أوافق هذا الاجتهاد.

 

توزيع الأرباح تحت الحساب

 

 لا مانع شرعاً من أن يقوم مدير الصكوك، بناءً على دراسة الجدوى والدراسة السوقية التي أعدها للمشروع أو النشاط الذي يستثمر فيه حصيلة الصكوك بتوزيع أرباح بينه وبين حملة الصكوك تحت الحساب في فترات دورية إذا توافرت لديه السيولة الكافية لهذا التوزيع، وذلك في الحالات التي يتعذر فيها التنضيض الحكمي الدوري، أو في نهاية مدة الصكوك. وهل يجوز لمدير الصكوك أن يدبر السيولة اللازمة للتوزيع تحت الحساب كذلك عن طريق تمويل شرعي أو قرض حسن على أن يسترد مبلغ القرض من الأرباح المتحصلة في المستقبل أو من أصول الصكوك، ورأي أنه لا مانع من ذلك.

 

 

 

 

دور وكالات التصنيف في تصنيف الصكوك

 

1.  الصناعة المالية التقليدية لديها منتج واحد هو القرض بفائدة مع اختلاف صوره وأسمائه. وجميع الدراسات الخاصة بالمخاطر(Risk Management)والتحوطات     (mitigation) المطلوبة لهذه المخاطر، والمعايير والضوابط التي وضعتها لجنة بازل في هذا الشأن تنطبق على مخاطر منتج واحد هو القرض بفائدة.

2.  وقد ترتب على ذلك أن وكالات التصنيف ومكاتب المراجعة أو التدقيق الخارجية ( external audit) تسير في تصنيف صكوك الاستثمار على منهج قريب من منهج تصنيف  سندات الدين،وليس باعتبارها تمثل استثماراً في حقوق ملكية ( equities) وقد تأثر بهذا المنهج بعض إدارات المخاطر في بعض المؤسسات المالية الإسلامية.

3.  والواقع أن الشريعة الإسلامية عرفت منذ نزولها منتجات غير محدودة ليس القرض بفائدة واحداً منها، فهناك منتجات مبنية على عقود شرعية مسماة مثل المرابحة والاستصناع والسلم والإجارة والمضاربة، والمشاركة والوكالة في الاستثمار والمزارعة والمغارسة والمساقاة، ولكن الشريعة لا تمنع من ابتكار منتجات وعقود جديدة طالما أنها ملتزمة بمبادئ الشريعة وضوابطها وإن لم تبن على عقد من العقود المسماة السابقة، ولكل منتج أو عقد من هذه العقود التي تصدر الصكوك على أساسها مخاطر مختلفة عن مخاطر القرض بفائدة وعن مخاطر المنتجات الأخرى، وذلك من حيث نوع وطبيعة المخاطر وأوزانها، ولكل نوع من هذه المخاطر تحوطات شرعية وكان على وكالات التصنيف والمدققين وغيرهم أخذ ذلك في الاعتبار عند تصنيف الصكوك وإعطائها أوزان المخاطر التي تناسبها. ومن ناحية أخرى فإن لهيكلة التمويل الإسلامي عموماً وهيكلة الصكوك خصوصاً طبيعة خاصة تميزها عن هياكل سندات الدين، ذلك أنه يمكن هيكلة الصكوك القائمة على عقود شرعية على نحو يوفر التحوط اللازم لمخاطرها فتكون مخاطرها متحوط منها(SELF MITIGATED).وقد دعوت في بعض المؤتمرات، ولا زلت أدعو إلى لقاءات و ورشات عمل مشتركة بين فقهاء الشريعة ورجال القانون وخبراء وكالات التصنيف، لدراسة مخاطر كل منتج أو عقد شرعي وما يصدر من صكوك على أساس هذا العقد، وطرق ووسائل التحوط والضمانات المطلوبة أو تحديد منهجية التصنيف المناسب في ضوء ذلك. فالإجارة المالية المنتهية بالتمليك بقسط ثابت و قسط متغير مثلا أقل في مخاطرها من كثير من سندات الدين التي أخذت تصنيفاً عالياً، ومع ذلك وجدت صعوبات جمة في الحصول على تصنيف مناسب لهذه الصكوك.

 

 

هل يجوز استخدام مؤشر معين لتوزيع الربح؟

 

1.  في صكوك الإجارة والأعيان المؤجرة، حيث تكون الأجرة معلومة بمبلغ محدد أو نسبة من تكلفة الأصل المؤجر، أو مؤشر معين مثل الليبور، تكون عوائد الصكوك محددة بذلك، وتكون حصيلة أجرة الأصول محل الصكوك هي العائد أو الربح الذي يوزع على حملة الصكوك بعد خصم بعض المصروفات وعمولات وأجور المشاركين في الإصدار وهنا تكون الأجرة معلومة وإن لم تكن مضمونة على مدير الصكوك. ومثل ذلك صكوك المرابحة والاستصناع حيث يكون هامش الربح المضاف إلى ثمن بضاعة المرابحة وثمن العين المصنعة معلوماً عند إصدار الصكوك وإن لم يكن مضموناً على مدير الصكوك. أما صكوك السلم فإن بضاعة السلم وإن كانت معلومة نوعاً وقدراً ووصفاً كمائة طن من الأرز أو النحاس الموصوف، إلا أن ثمن هذه البضاعة بعد قبضها والربح المتحقق ليس معلوماً وإن وجدت له مؤشرات في دراسة الجدوى. وبالتالي فإن موضوع تحديد الربح أو العائد على أساس مؤشر معين في هذه العقود يكون قليل الأهمية، إذ أن ذلك يكون في تحديد الأجرة، وإذا استخدم المؤشر في تحديد ربح المرابحة، فإنه يعني التحديد عند توقيع عقد بيع المرابحة، ثم يصبح الربح جزءاً من الثمن الذي يوزع على أقساط محددة.وقد أجاز المجلس الشرعي( AAIOFI) تحديد الأجرة بمؤشر معين إذا كانت أجرة الفترة الأولى معلومة بالأرقام وكان هناك حد أعلى وحد أدنى لهذا المؤشر. وقد قبل جمهور فقهاء العصر تحديد هامش ربح المرابحة بمؤشر يتم تحديده وتحويله إلى رقم في تاريخ توقيع عقد المرابحة. والإشكال يثور في تحديد ربح المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار بالمؤشر، بمعنى أن يقال إن عائد هذه الصكوك هو مؤشر الايبور يضاف إليه هامش ربح محدد. ونحن نقطع بعدم جواز تحديد عائد صكوك الاستثمار(المضاربة والمشاركة والوكالة) لا بالمؤشر ولا بنسبة من القيمة الاسمية للصكوك ولا بمبلغ محدد، فقد سبق الإجماع على عدم جواز ضمان ربح معين أو محدد بأي وسيلة من وسائل التحديد لحملة الصكوك، فحملة صكوك الاستثمار يستحقون الربح الفعلي المحقق من استثار موجودات الصكوك، قل أو أكثر، إن كان هناك ربح وإلا فلا ربح لهم . وإنما يجوز استخدام المؤشر على النحو السابق شرحه في  تحديد الحافز الذي يعطى لمدير الصكوك بان يعطى له ما زاد من الربح عن المؤشر المستخدم. أما ما عدا ذلك فإنه لا يجوز استخدام المؤشر.

2.  أما عن استخدام مؤشر سعر الفائدة بصفة عامة في المعاملات الإسلامية فإنه لا يوجد من يحبذه، وهناك شبه اتفاق على وجوب إيجاد مؤشر يعتمد على معدلات عوائد المنتجات الإسلامية، وأنا بمحاولة متواضعة في هذا الاتجاه، أما القول بتحريم استخدام  مؤشر سعر الفائدة في المعاملات الإسلامية، فهو قول لا دليل عليه لأن المؤشر ميزان مثل المتر والكيلوغرام ولا يوصف شئ من ذلك بالحل ولا بالحرمة، وإن قيل بأنه لا يمثل حقيقة تكلفة وعوائد التمويل الإسلامي فإنه قول مقبول خاضع للتحليل العلمي.