Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
إجـــــارة العـــين لمــن باعهــــا
 

إجـــــارة العـــين لمــن باعهــــا

موضوع الندوة هو (إجارة العين لمن باعها) وسوف أحصر تعليقي فيما تعرض له الباحثان، وتناوله المعلقون مما يتصل مباشرة بموضوع الندوة، فأعرض الصور التي تدخل تحت هذا الموضوع صورة صورة ثم أعرض رأي الباحثين وبقية المعلقين في كل صورة ثم أذكر رأيي فيما انتهى إليه الباحثان والمعلقون بشأنها.

 

الصورة الأولى

إجارة العين لمن باعها بصورة التعليق

 

تحت هذه الصورة حالتان:

الحالة الأولى:

 

أن يكون المعلق هو عقد البيع والمعلق عليه هو عقد الإجارة، مثل أن يقول البائع للمشتري: "بعتك هذه الطائرة بكذا إن أجرتها لي مدة كذا بكذا"، وهذه الصورة غير جائزة شرعاً حتى على القول بجواز تعليق عقد البيع، لأن المعلق عليه، وهو عقد الإجارة يجب أن يحصل قبل وجود المعلق وهو عقد البيع، وهذا غير ممكن شرعاً، لأن وجود البيع يكون معلقا على وجود الإجارة، ووجود الإجارة متوقف على ملك العين المؤجرة، وذلك يكون بوجود عقد البيع، فكان كل واحد من العقدين متوقفا على الآخر، فاستحال حصولهما  بسبب الدور، ولذا فان الحديث عن التعليق على الشرط في موضوع الندوة لا محل له إذا كان المعلق عليه هو عقد الإجارة والمعلقّ هو عقد البيع.

الحالة الثانية:

 

أن يكون المعلق هو عقد الإجارة والمعلق عليه هو عقد البيع، كأن يقول المشتري للبائع: "أجرت لك دارك هذه مدة كذا بمبلغ كذا إن بعتها لي بمبلغ كذا".

وقد رجح الدكتور عبد الله العمار تعليق عقد البيع على الشرط إذا حدد أمد الشرط بأجل معين، وبمدة لا تتغير فيها السلعة غالبا، أو يكون التغير غير مؤثر في قيمتها، لامتناع الغرر بهذه القيود في نظر الباحث، وفضيلة الشيخ الصديق الضرير، وإن كان قد رجح في كتابه الغرر وأثره في العقود رأي الجمهور في عدم جواز تعليق عقد البيع على رأي إبن تيمية القائل بجوازه، إلا أنه يرى هنا أن رأي الباحث اجتهاد جيد، غير أن ما انتهى إليه لا يفيد في جواز تعليق عقد البيع على  الإجارة في المسالة المطروحة للبحث، وهي إجارة العين لمن باعها، لأن صورة هذه الإجارة أن يقول البائع للمشتري: "بعتك داري هذه بمبلغ كذا إن أجرتها لي سنة بمبلغ كذا"، وهذا غير ممكن شرعاً، لأن كلا من العقدين متوقف على الآخر، فانعقاد البيع متوقف على الإجارة، وانعقاد الإجارة متوقف على انعقاد البيع، حتى يكون المؤجر مالكا لما يؤجره.

 

والذي أراه، مع الجمهور، هو عدم جواز إجارة العين لمن باعها بصيغة التعليق؛ بأن يقول البائع للمشتري: "بعتك هذه الطائرة بكذا إن أجرتها لي مدة كذا بكذا"، وذلك كما يقول فضيلة الشيخ الصديق الضرير في تعليقه، للغرر في الحصول، أي حصول العقد، والغرر في الأجل، أي في أجل حصول العقد على فرض حصوله، والغرر في وجود الرضا بالعقد، لأن العين قد تتغير فلا يوجد الرضا عند تحقق الشرط المعلق عليه وهذا الغرر بأنواعه الثلاثة غرر فاحش أو كثير يؤثر مثله في صحة عقود المعاوضات.

والقيود التي ذكرها الباحث، وارتضاها فضيلة الشيخ الصديق الضرير لا تفيد في رفع الغرر في نظري، مع عدم وجود الضرورة أو حتى شدة الحاجة لتأجير العين لبائعها بصيغة التعليق.

 

الصورة الثانية

اشتراط عقد الإجارة في عقد البيع صراحة أو ضمناً بمعنى تقييد عقد البيع بالإجارة

 

الشرط هنا يقيد البيع بالإجارة، أو يقرن البيع بالإجارة، فهو شرط مقيد أو مقارن، ومثال هذه الصورة أن يقول البائع للمشتري: "بعتك هذه الطائرة بكذا شريطة أو على شرط أن تؤجرها لي مدة كذا بكذا"، فالبيع هنا ناجز غير معلق على الإجارة، ولكنه مقيد بشرط الإجارة أو اقترن به شرط الإجارة.

وقد ذكر الدكتور عبد الله العمار في هذه الصورة أقوالا ثلاثة: أحدها بطلان العقدين، وثانيها صحة العقدين، وثالثها بطلان الشرط وصحة العقد، ثم رجح منها القول بصحة الشرط والعقد، أي جواز اشتراط عقد الإجارة في عقد البيع صراحة أو ضمناً واستدل له.

وقد وافق الشيخ الدكتور الصديق الضرير على هذا الترجيح، وأوافق الباحث والمعلق على ما قالاه للأدلة التي ذكرها الباحث، وللأصل الشرعي الذي أخذ من مجموع أدلة الشريعة، وهو أن الأصل في العقود والشروط الصحة، والبطلان استثناء على خلاف الأصل يحتاج إلى دليل ولا دليل يمنع من صحة المسألة المعروضة.

 

الصورة الثالثة

شراء العين ثم تأجيرها لبائعها مدة تعود بعدها العين إلى المؤجر         دون شرط

 

وتسمى إجارة تشغيلية تمييزا لها عن الإجارة المنتهية بالتمليك  التي لا يلزم فيها عودة العين المؤجرة إلى مالكها المؤجر لها، بل يتملكها المستأجر في نهاية مدة الإجارة أو في أثنائها، وتتحقق هذه الصورة بتوافر القيود التالية:

 

  1.  أن يبيع شخص طائرة مثلا دون أن يتضمن عقد البيع شرطاً صريحاً أو ضمنياً يلزم المشتري بتأجير هذه الطائرة لبائعها.

 

  2.  أن يؤجر مشتري الطائرة، الطائرة من بائعها، لمدة محددة بأجرة معلومة، بعقد إجارة مستقل تال لعقد البيع.

 

  3.  أن تعود العين إلى مالكها المؤجر لها بعد انتهاء مدة الإجارة، ببيع أو هبة، والمهم في هذه الصورة هو خلو عقد البيع والإجارة من شرط تملك المستأجر للطائرة في نهاية مدة الإجارة أو في أثنائها.

 

وقد ذكر الدكتور عبد الله العمار أن هذه الصورة ظاهرة الجواز، ووافقه فضيلة الشيخ الصديق الضرير على ذلك.

وإني أتفق مع الباحث والمعلق على صحة البيع والإجارة للأصل الكلي في صحة العقود والشروط التي لم يرد فيها بعينها منع من الشارع، ولم يرد هذا المنع في هذه الصورة.

 

الصورة الرابعة

بيع العين  مع اشتراط تأجيرها لبائعها إجارة تعود بعدها العين المؤجرة إلى مالكها المؤجر لها

 

وتسمى هذه أيضا إجارة تشغيلية، وتتحقق هذه الصورة في بيع العين من شخص مع تضمين عقد البيع شرطا يلزم المشتري بتأجير هذه العين لبائعها مدة محددة بأجرة معلومة، تعود العين بعدها إلى مالكها المؤجر لها.

وقد ذكر الباحث أن هذه الصورة محل خلاف قديما وحديثا والخلاف فيها هو نفس الخلاف في صورة تقييد البيع بالإجارة أو اشتراط الإجارة في البيع. وقد رجح الباحث جواز بيع العين مع اشتراط تأجيرها للبائع إجارة تعود بعدها إلى مالكها المؤجر لها، وقد وافقه فضيلة الشيخ الصديق الضرير على ما قال.

واتفق مع الباحث والمعلق في جواز هذه الصورة وصحة كل من البيع والإجارة.

الصورة الخامسة

إجارة العين لبائعها إجارة لا تعود بعدها العين لمالكها المؤجر لها بل تنتهي بتمليك هذه العين لمستأجرها (بائعها الأول) دون شرط

 

وتتحقق هذه الصورة بتوافر العناصر التالية:

     1.       بيع عين بعقد لا تشترط فيه إجارة هذه العين لبائعها إجارة منتهية بالتمليك.

 

  2.  تأجير المشتري العين التي اشتراها لبائعها بأجرة معلومة لمدة محددة دون أن يتضمن هذا العقد شرط تمليك هذه العين لمستأجرها في نهاية مدة الإجارة أو في أثنائها دفعة واحدة أو على دفعات.

 

     3.       أن يبيع مالك العين المؤجر لها هذه العين من المستأجر لها (مالكها الأصلي).

 

وقد قرر الدكتور عبد الله العمار جواز هذه الصورة، وذكر للجواز سبعة أدلة، ثم أورد اعتراضا حاصله أن عودة العين إلى بائعها الأول بنفس الثمن الذي باعها به، مع زيادة أجرة طوال مدة الإجارة قد تدخلها تحت بيع العينة المحرم شرعا، ثم رد هذا الاعتراض بتأكيده أنها لا تدخل في بيع العينة المحرم، وأيد ذلك بأدلة سبعة حاصلها عدم توافر شروط العينة في هذه الصورة.

 

ويرى فضيلة الشيخ الصديق الضرير أن هذه الصورة على إطلاقها غير جائزة شرعا، وقد رد على الأدلة السبعة التي استدل بها الباحث على صحة هذه الصورة، وأيد الاعتراض الذي فرضه الباحث ورفض رد الباحث على هذا الاعتراض، وانتهى إلى أن رجوع العين إلى بائعها الأول بنفس الثمن الذي باعها به مع زيادة على هذا الثمن هي الأجرة التي قبضها المشتري الأول، يعد عينة محرمة، وأجاز فضيلته هذه الصورة بالقيود الواردة في المعيار الشرعي رقم (9) من المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ونصه: 8/5 "إذا كانت العين المؤجرة مشتراة من المستأجر قبل إجارتها إليه إجارة منتهية بالتمليك فلا بد لتجنب عقد العينة من مضي مدة تتغير فيها العين المؤجرة، وقد فصل ذلك كله فضيلة الشيخ الصديق الضرير في تعليقه فلا داعي لتكراره.

 

وإني اتفق مع الباحث في حكم هذه الصورة وأخالف فضيلة الشيخ الصديق الضرير في حرمة هذه الصورة وبطلانها بإطلاق، وأرى أنها ليست من العينة المحرمة وان كنت أستحسن القيد أو الشرط الذي ورد في المعيار الشرعي رقم (9) من وجوب مضي مدة بين عقد الإجارة وموعد بيعها تتغير فيها العين المؤجرة أو قيمتها، ذلك أن التغير يعني أنها قد صارت عينا أخرى فلا تتحقق العينة.

 

الصورة السادسة

إجارة العين لبائعها إجارة منتهية بالتمليك مع اشتراط هذه الإجارة في عقد البيع

 

وتتحقق هذه الصورة بتوافر العناصر التالية:

     1.       بيع شخص لآخر عينا مع شرط تأجير هذه العين إجارة منتهية بالتمليك للبائع.

 

     2.       يتم توقيع عقد الإجارة بعد توقيع عقد البيع، تنفيذا للشرط.

 

  3.  أن تترتب على عقد الإجارة أحكامه الشرعية من تحمل المؤجر تبعة الهلاك والتلف، والصيانة الجوهرية أو الأساسية وأقساط التأمين إن كان هناك تأمين والضرائب على الأصول أو على الدخل منها وغير ذلك من أحكام الإجارة الشرعية.

 

  4.  أن يتم تمليك هذه العين إلى المستأجر (بائعها الأول) في نهاية مدة الإجارة دفعة واحدة أو في أثنائها على دفعات بعقد هبة أو عقد بيع بثمن رمزي معلق على شرط وفاء المستأجر بجميع التزاماته المترتبة على عقد الإجارة، أو بسعر السوق أو بما تحدده جهة محايدة.

 

   ومثال هذه الصورة أن يبيع شخص لآخر عينا بيعاً حقيقياً تترتب عليه جميع آثاره الشرعية، بسعر حال ويقبض المشتري هذه العين، ويتضمن عقد البيع شرط تأجير هذه العين إلى البائع بأجرة معلومة، لمدة محددة تنتهي بتمليك هذه العين، وقام المشتري فعلا بتأجير هذه العين إلى بائعها وفاء بالشرط، إجارة تترتب عليها جميع أحكام عقد الإجارة الشرعية طوال مدة الإجارة مالك العين، ثم يقوم المؤجر بإبرام عقد هبة أو عقد بيع بثمن رمزي أو بسعر السوق أو بما يتراضى عليه العاقدان، أو ما تحكم به جهة محايدة، كبيت خبرة مثلاً، ويظهر مما تقدم أن تحت هذه الصورة حالتين:

 

الحالة الأولى:

أن يتم التمليك بعقد بيع بثمن رمزي أو بعقد هبة تتم في نهاية مدة الإجارة تنفيذاً لوعد سابق بالبيع أو بالهبة، أو بعقد هبة معلق على شرط وفاء المستأجر بالتزاماته المترتبة على عقد الإجارة، وذلك يحصل عملا في حالة ما إذا تضمنت الأجرة عنصرا ثابتا، هو تكلفة أو ثمن العين موزعا على مدة الإجارة، بالإضافة إلى عنصر متغير يمثل عائد المؤجر على استثماره.

 

الحالة الثانية:

أن يتم التمليك بعقد بيع بسعر السوق أو بما يتراضى عليه العاقدان، أو بما تحكم به جهة محايدة يتفقان عليها.

 

ويرى الباحث الدكتور عبد الله العمار جواز هذه الصورة بحالتيها، أي سواء كان التمليك بعقد بيع بثمن رمزي أو بعقد هبة تنفيذاً لوعد بالبيع أو بالهبة في نهاية مدة الإجارة شريطة قيام المستأجر بالوفاء بجميع التزاماته المترتبة على عقد الإجارة، أم كان التمليك بعقد بيع بسعر السوق أو بما يتراضى عليه العاقدان أو بما تحكم به جهة محايدة، وقد استثنى الباحث من الجواز حالة ما إذا ظهر من القرائن المحيطة أن المعاملة تخفي في مجموعها تمويلا ربويا. وذلك يحدث في نظري إذا فرغت العقود من أثارها وأحكامها الشرعية، مثل تحميل المستأجر بضمان هلاك العين المؤجرة وتلفها أو تكليفه بنفقات الصيانة الأساسية وأقساط التأمين والضرائب على الأعيان أو على الدخل أو استمرار الإجارة مع هلاك العين أو تحميل المستأجر تبعة هذا الهلاك، فإن هذه المخالفات تعد قرائن قوية على أن هذه الصيغة لم يقصد بها حقيقة البيع أو الإجارة، بل يقصد بها القرض بفائدة.

 

ويرى الشيخ الصديق الضرير بطلان هذه المعاملة إذا كان التمليك في نهاية مدة الإجارة مشروطا في عقد البيع، وذلك إذا آلت العين المؤجرة إلى بائعها الأول في نهاية مدة الإجارة بثمن رمزي أو عن طريق الهبة، ذلك أن المؤجر في هاتين الصورتين يكون قد حصل في الواقع على الثمن الذي دفع مقسطا طوال مدة الإجارة في شكل عنصر أجرة ثابت بالإضافة إلى عنصر الأجرة المتغير، فيكون مشتري العين من بائعها الأول قد حصل على الثمن الذي دفعه في العين، أثناء مدة الإجارة على دفعات، أو في أخرها دفعة واحدة، بالإضافة إلى زيادة هي الأجرة التي يدفعها المستأجر، أي بائع العين الأول، وهو ملتزم بالشراء أي ضامن للثمن الذي قبضه من المشتري فيكون حكمه حكم القرض المضمون.

ويظهر من عبارة الشيخ الصديق الضرير جواز الحالة الثانية من هذه الصورة، وهي حالة التمليك بسعر السوق أو بما يتراضى عليه العاقدان أو جهة محايدة يحددها العاقدان، ذلك أن الثمن الذي بيعت به العين غير مضمون على المستأجر، لأن سعر السوق قد يزيد وقد ينقص وكذلك ما يتراضى عليه العاقدان أو يحكم به حكم محايد، ورأيي في هذه الصورة الجواز إذا كانت العقود قد توافرت شروطها وترتبت عليها أثارها الشرعية، أما إذا كانت هذه الصورة تخفي قرضا ربويا وثبت ذلك بقرائن قوية فإنها تكون باطلة، وثبت ذلك بقرائن منها على سبيل المثال تضمين المستأجر لهلاك العين المؤجرة وتحميله بنفقات الصيانة وأقساط التأمين والضرائب التي يفرضها القانون على الأصول المؤجرة أو على الأجرة، ففي هذه الحالات يكون المؤجر قد ملك ملكاً صورياً لا يرتب عليه الغرم مقابل الغنم، واختلال هذه القاعدة يجعل العقد باطلاً، فيكون ما دفعه المؤجر للمستأجر (البائع الأول للعين) ليس ثمناً في عقد البيع، ولا يكون عقد الإجارة صحيحاً، وذلك لتضمن العقدين شروطا تنافي مقتضى العقد فيبطل ويبقي ما دفعه المشتري (المؤجر) دينا في ذمة البائع (المستأجر) يجب عليه رده دون زيادة. وببطلان عقد الإجارة ينفي عن الأجرة صفة العوض مقابل المنفعة، ويجعلها فائدة أو زيادة محرمة.

 

 

 

د. حسين حامد حسان