Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
الطرق المقترحة للتحوط ضد مخاطر عقود الاستثمار ..المضاربة والمشاركة والوكالة

 

بــحــث

فـــي

الطرق المقترحة للتحوط ضد مخاطر عقود الاستثمار
(المضاربة والمشاركة والوكالة)

 

إعداد

 

الدكتور

حسين حامد حسان

رئيس الهيئة الشرعية الموحدة

للبنوك والموسسات المالية الإسلامية

في دولة الإمارات العربية المتحدة

استاذ الشريعة والقانون المقارن

جامعة القاهرة - سابقاً

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:

لقد أحجمت البنوك الإسلامية عن تمويل مشاريع التنمية بصيغ المشاركات الشرعية كالمضاربة والمشاركة والوكالة فى الاستثمار، واقتصرت على عقود التمويل كالمرابحة والاستصناع والإجارة لمدة طويلة فى حين أن هدف هذه البنوك هو جمع مدخرات المسلمين وتوجيهها إلى الاستثمار خدمة لخطط التنمية ، ولا يتحقق ذلك إلا بصيغ المشاركات.

والسبب فى عزوف البنوك الإسلامية عن الدخول فى عقود المشاركات هو ما تحمله هذه العقود من مخاطر عالية تتمثل فى أن ظاهر نصوص الفقه الإسلامي أن الأمين مضاربا كان أو شريكا مديرا أو وكيل استثمار مصدّق وأن القول قوله دائما فى هلاك رأس المال وخسارته، دون إلزامه حتى بإثبات أسباب هذا الهلاك والخسارة، فإذا ادعى هلاك رأس مال المضاربة أو موجوداتها أو خسارتها كان مصدقا وكان القول قوله.

وسوف أحاول فى هذا البحث أن أعرض بعض طرق التحوط من هذه المخاطر عسى أن يكون ذلك حافزا للبنوك الإسلامية على الدخول فى هذه العقود بطريقة تجعلها موافقة للشريعة وتحقق مصالح البنك والمتعاملين معه بعقود الأمانة.

وسوف يدور البحث حول طرق ثلاثة كمايلي:

الأول:  طريق الكفالة

الثاني:  طريق الوعد بالشراء

الثالث:  طريق نقل عبء الإثبات إلى الأمين

 

الطرق المقترحة للتحوط ضد مخاطر عقود الاستثمار
(المضاربة والمشاركة والوكالة)

 

الأول: عن طريق الكفالة

 بناء على ما نصّ عليه في المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، حيث جاء في المعيار الخامس (الضمانات):

2/2/2:

لا يجوز الجمع بين الوكالة والكفالة في عقد واحد؛ لتنافي مقتضاهما، ولأن اشتراط الضمان على الوكيل بالاستثمار يحوّل العملية إلى قرض بفائدة ربوية بسبب ضمان الأصل مع الحصول على عائد الاستثمار. أما إذا كانت الوكالة غير مشروطة فيها الكفالة، ثم كفل الوكيل من يتعامل معه بعقد منفصل فإنه يكون كفيلاً لا بصفة كونه وكيلاً، حتى لو عزل عن الوكالة يَبقى كفيلاً.

وليس هناك مايمنع شرعا من تطبيق هذا النص على المضارب والشريك المدير إذ أن كلا منهما وكيل فى نفس الوقت فى المنظور الشرعى.

 

وفيما يلي نصوص تؤيد أن المضارب وكيل:

§       "فإن رَبَّ الْمَالِ لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ في حِصَّةِ الْمُضَارِبِ تَبَعًا لِرَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ وَكِيلٌ في حَقِّهِ وَلَيْسَ في بَيْعِ الْوَكِيلِ شُفْعَةٌ وَكَذَا في حَقِّ الْمُضَارِبِ وهو الْبَيْعُ كَذَا في الْعَتَّابِيَّةِ". البحر الرائق شرح كنز الدقائق - (8 / 157)

§       "وَقَدْ اسْتَوْضَحَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ : أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَعْنِي الْمُضَارِبَ وَكِيلٌ عَنْ رَبِّ الْمَالِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهٍ ، وَعَلَى هَذَا وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَوَكِيلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ". العناية شرح الهداية - (9 / 257)

§       "لِأَنَّ الْمُضَارِبَ وَكِيلٌ وَالْوَكِيلُ يَسْتَفِيدُ الْوِلَايَةَ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ غَيْرِهِ". العناية شرح الهداية - (13 / 268)

§       "لِرَبِّ الْمَالِ عَزْلُ الْمُضَارِبِ ; لِأَنَّهُ وَكِيلٌ ( الدُّرُّ الْمُخْتَارُ ) . اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (114) لَكِنْ عِنْدَ عَزْلِهِ إيَّاهُ يَلْزَمُهُ إعْلَامُهُ بِالْعَزْلِ فَلِذَلِكَ تَكُونُ تَصَرُّفَاتُ الْمُضَارِبِ الْوَاقِعَةُ مُعْتَبَرَةً حَتَّى يَقِفَ عَلَى الْعَزْلِ ; لِأَنَّ الْمُضَارِبَ وَكِيلٌ عَنْ رَبِّ الْمَالِ فَيُشْتَرَطُ لُحُوقُ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ. اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ ( 17 و 1523)". درر الحكام شرح مجلة الأحكام - (3 / 481)

§       "وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ يَسْتَحِقُّ فِيهِ بِعَمَلِهِ سَهْمًا فَفِي عِتْقِهِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِي الْعَامِلِ هَلْ يَكُونُ شَرِيكًا فِي الرِّبْحِ بِعَمَلِهِ وَمَالِكًا لِحَقِّهِ مِنْهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ ، أَوْ هُوَ وَكِيلٌ يَأْخُذُ مَا شَرَطَ مِنَ الرِّبْحِ أُجْرَةً يَمْلِكُهَا بِالْحِصَصِ؟ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ الْعَامِلَ وَكِيلٌ مُسْتَعْجِلٌ وَلَيْسَ بِشَرِيكٍ". الحاوي الكبير للماوردي ـ ط الكتب العلمية - (7 / 325)

وفيما يلي نصوص تدل على أن الشريك وكيل في نصيب شريكه:

§       "لأن الشريك وكيل بالشراء والوكيل بالشراء يملك الشراء بالنسيئة" تحفة الفقهاء - (3/8)

§       "وكل ما جاز في الشركة جاز في المضاربة، وما جاز في المضاربة جاز في الشركة، وما منع منه في أحدهما منع منه في الأخرى لأن المضاربة شركة، ومبنى كل واحدة منهما على الوكالة والأمانة" المغني:  ج 5 ص 30

 

§       "فان كل واحد من الشريكين متصرف في جميع المال في ماله بحق الملك وفى غيره بحق اذنه فهو وكيل عن صاحبه وموكل له بالتصرف" الشرح الكبير للرافعي:ج 10   ص 405

§       "وتنعقد الشركة بما يدل على الرضا من قول أو فعل يدل على إذن كل منهما للآخر في التصرف وائتمانه ويغني لفظ الشركة عن إذن صريح بالتصرف لدلالته عليه وينفذ التصرف في المال جميعه من كل من الشركاء بحكم الملك في نصيبه وبحكم الوكالة في نصيب شريكه لأنها مبنية على الوكالة والأمانة" شرح منتهى الإرادات  ج 2   ص 209


الثاني: عن طريق الوعد بالشراء

 

وتفصيل ذلك ما يلي:

مصدر الوعد بالشراء: 

-            قد يصدر الوعد بالشراء من المضارب أو الوكيل في الاستثمار أو الشريك المدير، وهؤلاء الثلاثة يطلق عليهم " مدير الصكوك".و قد يصدر الوعد بالشراء كذلك من بائع الأعيان المؤجرة أو من بائع منافع الأعيان محل الصكوك إذا كان مديراً للصكوك، أما إذا لم يكن مديراً لها فله أن يعد بشراء موجودات الصكوك بسعر السوق أو بالقيمة الاسمية، لأنه أجنبي عن الصكوك، أما الوعد بالشراء بما يتفق عليه العاقدان فليس في الحقيقة وعداً، لأن الواعد يملك عدم الاتفاق فينعدم الالتزام.

-            أما صكوك المرابحة بعد بيع بضاعة المرابحة، وصكوك الاستصناع بعد تسليم العين المصنعة إلى المستصنع فإنها تمثل ديناً في ذمة المشتري مرابحة أو استصناعاً، وبالتالي فإن إطفاءها أي شراء المدين لموجودات المرابحة (الدين) يخضع لأحكام بيع الدين للمدين وهذه الأحكام تشترط أن يكون البيع للمدين بالقيمة الاسمية للدين أو مع خصم، أما تداولها أي بيعها لغير المدين بها فإنه يجوز بالقيمة الإسمية ويجوز مطلقاً بالعين وبشرط قبض الثمن في كل من الإطفاء والتداول.

-            أما صكوك السلم قبل قبض بضاعة السلم فإنها تمثل ديناً سلعياً في ذمة البائع سلماً، وجمهور الفقهاء يمنعون شراء بضاعة السلم قبل قبضها سواء كان المشتري هو المدين أي البائع سلماً، أوغيره، وعلى رأيهم فإن إطفاء صكوك السلم وتداولها غير مشروع. أما المالكية فإنهم يجيزون للمدين، أي البائع سلماً أي يشتري بضاعة السلم غير الطعام قبل قبضها بالقيمة الاسمية ويجيزون لغير البائع شراء بضاعة السلم قبل قبضها عدا الطعام بالقيمة السوقية أو الاسمية أو ما يتفق عليه البائع والمشتري. وعلى هذا يجري تداول صكوك السلم، و يرى ابن تيمية وابن القيم الجوزية من الحنابلة جواز شراء المدين، أي البائع سلماً لبضاعة السلم قبل قبضها وذلك بالقيمة السوقية ويجوز ذلك لغير البائع، وعلى ذلك يجري إطفاء وتداول صكوك السلم عندهم. وقد خرج بعض الباحثين من رأي المالكيين وبعض الحنابلة جواز وعد المدين (أي البائع سلماً) شراء بضاعة السلم قبل قبضها بأكثر القيمتين الاسمية والسوقية. ويتخرج الوعد بالشراء الصادر من المدين البائع أو من طرف ثالث بشراء موجودات صكوك السلم  ( وهذه الموجودات دين سلعي) على ذلك.

 

التعهد بالشراء:

 أولاً : التعهد بشراء موجودات الصكوك، وهناك نوعان من الصكوك: صكوك التمويل وصكوك الاستثمار، والأولى هي التي تقوم على أساس عقود التمويل التي يترتب عليها دين في ذمة المستخدم أو المستفيد من حصيلة بيع الصكوك مثل المشتري مرابحة أو استصناعاً والبائع سلماً، والثانية هي التي تقوم على أساس عقود الاستثمار ،أي العقود التي لا يتخلى فيها المصدر الصكوك، أي المستفيد أو المستخدم لحصيلتها عن ملكية الموجودات، بل يستثمر هذه الموجودات إما بواسطة غيره بحصة من الربح كالمضارب، أو بأجر معلوم كالوكيل في الإستثمار، أو مع غيره كالشريك المدير.

ثانياً: التعهد بشراء موجودات صكوك الاستثمار، وفيها عدة مسائل تستحق البحث:

·                   الوعد بالشراء نفسه بصرف النظر عن ثمن الشراء، هل هو القيمة الاسمية أو القيمة السوقية أو القيمة الاتفاقية أو القيمة التي تحدد بآلية معينة، هل يعد ضماناً من جانب الواعد لقيمة موجودات صكوك الاستثمار، أو بعبارة أخرى هل يعد وعد المضارب أو وكيل الاستثمار أو الشريك المدير بشراء موجودات صكوك المضاربة أو الوكالة أو المشاركة(Sukuk Underlying Assets)  بالقيمة الاسمية ضمانا لرأس المال ويكون حكم وعده هو حكم شرط ضمان رأس المال على المضارب ومن ذكر معه من الأمناء، وهو شرط ينافي مقتضى العقد فيبطل الشرط وحده أو مع العقد؟

 الظاهر أن هذا لا يعد ضماناً ينافي مقتضى عقود الأمانات ( المضاربة – المشاركة – الوكالة في الاستثمار) فلا يكون له حكم شرط الضمان على الأمين لأن الضامن لرأس المال يلتزم بدفع رأس المال لحملة الصكوك في جميع الحالات بما في ذلك حالة هلاك أو تلف هذه الموجودات أو نقص قيمتها السوقية ولو كان ذلك بسبب لا يد له فيه، في حين أن الواعد بالشراء بالقيمة الاسمية لا يلزمه الوفاء بوعده في تلك الحالات.

 

1)               الوعد بالشراء بالقيمة السوقية: لا أظن أن هناك خلافاً بين الفقهاء قديماً وحديثاً في أن:

أ-  موجودات الصكوك مملوكة لحملة الصكوك ملكية حقيقية، وبالتالي فإن غرمها "هلاكها (الهلاك الكلي المادي مثل الهدم والحرق والغرق) وتلفها (هلاك مادي جزئي كانهدام أو احتراق الموجودات)، وخسارتها (نقص القيمة السوقية لأسباب تجارية)" عليهم، وغنمها (ربحها وعائدها) لهم إلا ما شرط منه لمدير الصكوك مضارباً أو شريكاً أو وكيلاً في الاستثمار.

ب- اشتراط ضمان الغرم ( الهلاك أو التلف أو الخسارة) على مدير الصكوك شرط باطل، لأنه ينافي مقتضى العقد، وهل يبطل العقد نفسه؟ هذا محل اجتهاد.

ج- مدير الصكوك مضاربا أو شريكا مديرا أو وكيل استثمار ملتزم شرعاً بتنضيض (تسييل) موجودات الصكوك في نهاية مدتها، ببيعها للغير أو شرائها لنفسه حسب الضوابط الشرعية لشراء المضارب الأمين ما تحت يده من مال الأمانة (أي بدون وعد منه بالشراء) حتى يرد رأس المال والربح المتحقق حسب شروط عقد المضاربة أو المشاركة أو الوكالة محددة المدة عند المالكين،وهذا هو الوضع المعتاد، وبالطبع فإنه يبيع بسعر السوق وبذلك لا نحتاج إلى تعهد مدير الصكوك بالشراء أصلاً، لأنه ملتزم بحكم الشرع بتسييل موجودات المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في نهاية المدة المتفق عليها، وذلك بالبيع بسعر المثل، أي بالقيمة السوقية للغير، أي لطرف ثالث أو لنفسه حسب رأي جمهور الفقهاء الذين يجوزن للمضارب شراء بضاعة المضاربة.

 2)               هناك أمور تستحق المناقشة في تحديد ثمن الشراء بالقيمة السوقية:

أ-القيمة السوقية مجهولة تماما عند صدور الوعد بالشراء والشأن في الوعد بالشراء أن يكون بثمن معلوم يلتزم به الواعد، مثل وعد المستأجر بشراء العين المؤجرة بثمن محدد أو بالرصيد الباقي من مبالغ الأجرة الثانية، ومثل وعد المشتري مرابحةً بشراء بضاعة المرابحة بالتكلفة بالإضافة إلى نسبة أو مؤشر ربح معين، وهذا في نظرنا لا يؤثر في صحة الوعد بالشراء ، لأن العلم المطلوب في الوعد عموماً يتحقق بكل آلية يتحدد بها ثمن البيع عند الدخول فيه.

ب-ليست هناك سوق ثانوية لموجودات صكوك الاستثمار (المضاربة أوالمشاركة أو الوكالة في الاستثمار)، فمن الذي يقوم إذن بتحديد القيمة السوقية لهذه الموجودات؟ هل هو المضارب وحده؟ هذا هو الظاهر من أقوال الفقهاء، وما هي النتائج العملية التي تترتب على ذلك؟أم أنه لا بد من موافقة رب المال ( حملة الصكوك) على هذا التحديد؟ وما الحكم لو لم تتم هذه الموافقة؟ هل نحتاج إلى جهة خارجية لتحديد القيمة السوقية وما هي هذه الجهة؟ إذن مجرد النص في الوعد بالشراء على أن الثمن هو القيمة السوقية لا يكفي، بل لا بد من معرفة من يقوم بالتحديد، وآلية هذا التحديد.

 ثمن الشراء بما يتفق عليه حملة الصكوك والمضارب: قيل كما ذكرت المعايير الشرعية "بأن الوعد بالشراء يمكن أن يكون بالثمن الذي يتراضى عليه الطرفان، أي ممثل حملة الصكوك ومدير الصكوك ( مضارباً كان أو شريكاً أو وكيلاً في الاستثمار) وهذا المعيار لا يصلح عمليا كذلك، لأنه لم يحدد الآلية في حالة عدم اتفاق ممثل حملة الصكوك ومدير الصكوك، فلا بد إذن من النص على هذه الآلية، وقد تكون جهة خبيرة محايدة، أو المدقق الخارجي ، أو المحكمة أو هيئة تحكيم". وهل يكون تحديد القيمة بالاتفاق أو بآلية أخرى شرعياً، حتى إذا اختلف عن القيمة السوقية والاسمية  (رأس المال)؟ الظاهر نعم، وأخيراً هل يمكن تحديد ثمن الشراء بآلية منضبطة (Formula) بدلاً من القيمة السوقية أو الاسمية أو ما يتفق عليه المصدر ومدير الصكوك؟؟

ج-هل يجوز النص في مستندات الصكوك على التزام مدير الصكوك بتصفية الصكوك وتنضيض موجوداتها بثمن لا يقل عن القيمة الاسمية، وذلك بشراء هذه الموجودات لنفسه أو بيعها لغيره؟

 من المقرر عند بعض الفقهاء أن للمضارب أن يشتري موجودات المضاربة لنفسه ولكن يثمن المثل أي القيمة السوقية.

 والخلاصة أن الوعد بالشراء بالقيمة السوقية أو بالثمن الذي يتفق عليه ممثل حملة الصكوك ومدير الصكوك لا يصلح وحده من الناحية العملية. بل لا بد من آلية لتقدير القيمة السوقية حتى يرفع النزاع.

 

 

الشراء بالقيمة الاسمية:

 

جرى العمل في صكوك الاستثمار ( المضاربة والمشاركة والوكالة وصكوك الاجارة والأعيان المؤجرة إذا كان البائع لهذه الأعيان مديراً أو وكيلاً للصكوك) على وعد مدير الصكوك بشراء موجودات هذه الصكوك بالقيمة الاسمية ، أي بثمن يساوي رأس المال. وجمهور فقهاء العصر يرفضون ذلك و يرون أن هذا الوعد لا يجوز شرعاً، لأنه يعد بمثابة شرط الضمان على مدير الصكوك، وشرط الضمان شرط ينافي مقتضى العقد باتفاق، فيبطل الشرط ويبطل معه العقد لدى جمهور الفقهاء، وقد ترى قلة منهم بطلان الشرط وحده.

 ونلاحظ على هذا الرأي أن الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية ليس شرطاً صريحا لضمان رأس المال على مدير الصكوك، والذي منعت منه الشريعة هو شرط الضمان لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، أي حكم العقد الذي رتبه الشارع على هذا العقد الذي صدرت على أساسه الصكوك.

 ولأن أثر شرط ضمان المدير لرأس المال هو أن مدير الصكوك يضمن لحملة الصكوك رأس المال في جميع الأحوال بما في ذلك حالة الهلاك والتلف والخسارة ونقص القيمة السوقية بصرف النظر عن سبب هذا الهلاك وما ذكر معه، أي حتى إذا كان الهلاك والخسارة بسبب لا يد لمدير الصكوك فيه (مثل القوة القاهرة وخطأ الغير) بينما حكم الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية ينحصر في التزام الواعد بشراء موجودات الصكوك عند وجودها أما في حالة هلاكها فإنه لا يلزمه الشراء، وبالتالي لا يكون الوعد ضماناً أي ليس له الأثر المترتب على شرط الضمان.

ومن جهة أخرى فإن مدير الصكوك يلزمه شرعاً رد رأس المال والربح المتحقق لحملة الصكوك لقوله عليه السلام:" على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وإذا ادعى الهلاك أو الخسارة وكان فى مركز المدعي لوجود قرينة أو تهمة تكذب دعواه فإن دعواه لا تقبل حتى يقدم الدليل على أنه لم يتعد ولم يفرط، ولم يقصر في حفظ موجودات المضاربة وما ذكر معها، ولم يخطئ في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأن هذه الموجودات أي أنه يلزمه إثبات أن الهلاك والخسارة نتجت عن سبب لاحق لتقديمه دراسة الجدوى وقبل الدخول في العقد الذي صدرت على أساسه الصكوك ، وإنه لا يد له في هذا السبب ولا قدرة له على دفعه أو تلاف آثاره.

 

القيمة الاسمية تعادل القيمة السوقية إذا كان هناك ربح موزع

 

الشراء بالقيمة الاسمية لا يسبب إشكالا في حالة ما إذا كانت القيمة السوقية لموجودات المضاربة في تاريخ تنفيذ الوعد (وهو عادةً تاريخ توزيع الربح أو في نهاية مدة الصكوك) أعلى من القيمة الاسمية، أي أكثر من رأس المال، لأن الربح، وهو ما زاد على رأس المال باتفاق، في هذه الحالة يوزع، وتكون قيمة الموجودات السوقية بعد خصم هذا الربح معادلة تماماً للقيمة الاسمية أي رأس المال.

 

القيمة الاسمية تعادل القيمة السوقية اذا لم يتحقق ربح ولا خسارة

 

أما إذا كانت قيمة الموجودات محل الصكوك في تاريخ تنفيذ الوعد مساوية تماماً لقيمتها الاسمية (رأس المال) أي أنه ليس هناك ربح ولا خسارة، فإن القيمة السوقية تساوي رأس المال في هذه الحالة كذلك.

 

القيمة السوقية أقل من القيمة الاسمية في حالة الخسارة التجارية

 

أما إذا كانت قيمة موجودات الصكوك السوقية أقل من قيمتها الاسمية (أي رأس المال) في تاريخ تنفيذ الوعد، فإننا نكون أمام حالة خسارة تجارية، وهنا لا تكون القيمة الاسمية مساوية للقيمة السوقية، ويكون على مدير الصكوك الواعد أن يدفع ثمناً أكثر من القيمة السوقية،وهذا يكون في حكم شرط الضمان الجزئي، أي ضمان ما نقص من رأس المال، عند من يرون أن الوعد بالشراء يأخذ حكم شرط الضمان على مدير الصكوك، وهو شرط ينافي مقتضى العقد فيبطل الوعد لأنه في حكم الشرط والوعد     أو الشرط وحده على هذا الأساس أي يبطل الوعد بالشراء لأنه في حكم شرط الضمان. وهنا نقول أن الثمن  الواجب هو قيمة الموجودات السوقية، ثم نبحث بعد ذلك عما إذا كان مدير الصكوك مسئولا عن هذه الخسارة فيضمنها لحملة الصكوك، أم أنها حدثت بسبب لا يد له فيه فلا يضمنها بل يتحملها حملة الصكوك؟ وفي حالة مسؤولية مدير الصكوك عن هذه الخسارة فإنه يعوض هذه الخسارة لحملة الصكوك. فيضاف مبلغ التعويض إلى قيمة الموجودات السوقية وتكون النتيجة هي حصول حملة الصكوك على كامل القيمة الاسمية (أي رأس المال) والخسارة هنا تتمثل في الفرق بين القيمة السوقية والقيمة الاسمية لموجودات الصكوك (أي رأس المال).

 أما إذا كان هلاك أصول الصكوك كلياً فإنه ليس لحملة الصكوك مطالبة مدير الصكوك بتنفيذ وعده بشراء أصول الصكوك أصلاً، لأن شرط صحة البيع أن يكون المبيع موجوداً عند التعاقد، فإن هلك قبله فإنه لا يصح لأنه يكون من بيع المعدوم. ويبقى السؤال عما إذا كان مدير الصكوك مسئولا عن هذا الهلاك فيضمن رأس المال كاملاً بحكم الشرع، وتكون النتيجة هي حصول حملة الصكوك على القيمة الاسمية تعويضاً لا ثمناً لموجودات الصكوك، أو ليس مسئولا فيتحمل حملة الصكوك الهلاك. ولو كان قد اشترط على مدير الصكوك الضمان وهو شرط باطل لتحمل الهلاك في هذه الحالة.

 

التفرقة بين الهلاك الجزئي والخسارة :

 

يفرق الفقهاء بين الهلاك الكلي والجزئي ويسمى التلف وبين الخسارة. فالهلاك الكلي هو هلاك موجودات الصكوك، والهلاك الجزئي أو التلف هو هلاك بعض هذه الموجودات، مثل تهدم البناء كلياً أو جزئياً، وغرق السفينة وتحطم الطائرة كلياً أو جزئياً. ولا حديث هنا عن انخفاض القيمة السوقية للموجودات أي الخسارة التجارية الناشئة عن كساد البضاعة أو ارتفاع التكاليف أو انخفاض الطلب على السلعة مع بقاء الموجودات على حالها.

 وشرط الضمان الذي منعته الشريعة هو شرط ضمان الهلاك والتلف أي الهلاك الكلي والجزئي لموجودات المضاربة، فإذا بقيت الموجودات على حالها ولكن نقصت قيمتها فإن شراءها بالقيمة الاسمية لايعد ضمانا،هذا هو الشأن في الوعد في جميع الحالات، فالواعد بشراء بضاعة المرابحة يعد بشرائها بالتكلفة بالإضافة إلى هامش ربح، وعليه تنفيذ وعده إذا انخفضت قيمة البضاعة عند تنفيذ وعده، ما دامت البضاعة موجودة لم تهلك ولم تتلف، والمستأجر الواعد بشراء العين المؤجرة يلتزم بتنفيذ وعده ولو نقصت القيمة السوقية للعين المؤجرة ما دامت لم تهلك كلياً أو جزئياً، فيجب التفرقة بين الهلاك والتلف لموجودات الصكوك، وبين الخسارة الناتجة عن حوالة الأسواق، والواعد بالشراء بالقيمة الاسمية لا يعني شرط ضمان الخسارة أو تحقق الربح.

 

هل الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية ضمان لرأس مال الصكوك؟

 

1.              نحن نتفق مع القائلين بعدم جواز تحديد الثمن في الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية في أنه لا يجوز أن يتضمن عقد المضاربة أو المشاركة أو الوكالة، شرط ضمان رأس المال أو ربح محدد على المضارب أو الشريك أو الوكيل، لأن ذلك شرط ينافي مقتضى العقد باتفاق، أي الحكم الذي رتبه الشرع على العقد، ولكننا نختلف معهم في قضية أخرى هامة، وهي قولهم أن الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية يعد شرطاً لضمان رأس المال على مدير الصكوك، إذ أن بين شرط الضمان على مدير الصكوك ووعده هو بشراء موجودات الصكوك بالقيمة الاسمية فروق كثيرة بينا بعضها ونبين البعض الآخر على الوجه التالي:

أ‌-                 أن شرط ضمان رأس المال على مدير الصكوك يلزمه بضمان رأس المال (القيمة الاسمية) في جميع الحالات، بما في ذلك حالة هلاك وتلف موجودات الصكوك والخسارة التجارية، وليس كذلك الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية، لأنه لا يلزم الواعد بالشراء عند هلاك موجودات الصكوك كلياً أو جزئياً لعدم وجود المبيع كاملاً على الوجه الذي وقع عليه الوعد بأن هلكت جميع المباني أو هلك أحدها وكان الوعد بشرائها كلها عند الدخول في عقد البيع.

ب-أنه في حالة الهلاك الجزئي أو الخسارة يلزم الضامن لرأس المال ( بناءً على شرط الضمان) ضمان الهلاك الجزئي أو الخسارة في جميع الأحول. أما الواعد بشراء موجودات الصكوك بالقيمة الاسمية فإنه لا يلزمه شراء ما تلف أو هلك جزئياً، ويلزمه شراء الموجودات وإن نقصت قيمتها السوقية فاختلف الحكم ويمكن تفصيل هذا الإجمال على النحو التالي:

·                   حالة الهلاك الكلي لا يشتري الواعد ويضمن الضامن الكل ويشتري الجزء بجزء الثمن

·                   حالة الهلاك الجزئي لا يشتري

·                   حالة الخسارة يشتري المدير الواعد بالقيمة الاسمية، وهذه الحالة هي التي يكون فيها الشراء بالقيمة الاسمية ضماناً،غير أن هذا الضمان هنا مبنى على التعدي والتقصير والخطأ. المضارب المبني على التغرير بالقول ومخالفة دراسة الجدوى التي قدمها واعتمد عليها حملة الصكوك في شراء صكوك لهم.

2- إن الضمان المترتب على الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية لا يتحقق إلا إذا كان وقوع البيع بالقيمة الاسمية حتمياً، وفي جميع الحالات، ولكن هذا غير واقع و لا تقتضيه طبيعة الوعد بالشراء للأسباب التالية:

·                   الوعد يلزم الواعد ( مدير الصكوك ) وحده،وقد لا يرغب الموعود له، أي المستفيد (حملة الصكوك)في تنفيذ الوعد فلا يحصل البيع فلا يكون هناك ضمان.

·                   أن موجودات الصكوك قد تهلك هلاكاً كلياً أو جزئياً، فلا يقع البيع حتى إذا طلبه حملة الصكوك، لأن بيع المعدوم لا يجوز، ولأن موجودات الصكوك قد تهلك جزئياً، فلا يلزم الواعد شراء الهالك ويشتري الباقي بحصة من الثمن.

·                   أما إذا لم يقع هلاك لموجودات الصكوك كلي ولا جزئي، ووقعت خسارة، أي انخفاض في قيمة موجودات الصكوك لحوالة الأسواق مثلا، فإن الواعد يلزمه شراء هذه الموجودات بالقيمة الاسمية ولا يعد ذلك ضماناً للخسارة،لأن الضارب لايضمن لأن الشأن في الواعد أنه يلزم الواعد بالشراء ولو نقصت القيمة السوقية للبضاعة عند ثمن الوعد كما في المرابحة ووعد المستأجر بشراء العين المؤجرة فإنه يلزمه الشراء وإن نقصت القيمة السوقية. أما عن مصير وعده بالشراء بالقيمة الاسمية فيكون كالتالي:

1- لا يلزمه تنفيذ وعده في حالة الهلاك الكلي، لأن شرط عقد البيع وجود المبيع عند التعاقد والمبيع هنا قد هلك، ويكون عليه الضمان في حالة مسئوليته.

2- الهلاك الجزئي، لا يلزمه شراء الجزء الهالك ويشتري الموجودات التي لم تهلك بحصتها من الثمن، ويضمن الجزء الهالك إذا كان خاطئا متعديا، ولو كان ضامنا لرأس المال بالشرط لضمن الجميع.

3- في حالة الخسارة وبقاء الموجودات كما هي لا يلزمه الضمان ويلزمه شراء الموجودات بالقيمة الاسمية (قيمة رأس المال).

·                   أن الواعد بالشراء ( مدير الصكوك ) غير ملتزم بالدخول في عقد شراء، بل له أن يرفض الدخول في عقد الشراء، ولا يكون أمام حملة الصكوك غير بيع أصول الصكوك في السوق والرجوع عليه بتعويض الفرق ( إن وجد ) بين سعر البيع والتكلفة و القيمة الاسمية للصكوك ( رأس المال). 

ويظهر من كل ما تقدم أن الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية ليس ضماناً ولا يمكن بحال قياسه على عقد الضمان أو شرط الضمان على مدير الصكوك (مضارباً كان أم شريكاً أم وكيلاً في الاستثمار)، أما حكم التعهد بالشراء بالقيمة الاسمية وأثر ذلك على شرعية الصكوك فموضوع آخر، وقد رأينا أن هذا الموضوع يثار في حالة الهلاك الكلي أو الجزئي أو الخسارة لموجودات الصكوك بسب لا يد لمدير الصكوك فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي آثاره، أما في حالة تعدي مدير الصكوك على موجودات الصكوك أو تقصيره في حفظها أو خطئه في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها، فإنه يضمن القيمة الاسمية (رأس المال) أو ما نقص منها لحملة الصكوك، أما ضمان الربح ففيه خلاف بين فقهاء العصر.

                من الأصول الشرعية المسلمة أن متلقي حصيلة إصدار الصكوك، أي مستخدمها مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيلاً استثمارياً (مدير الصكوك) يلزمه شرعاً رد هذه الحصيلة، أي رأس مال المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار بالإضافة إلى الربح المتحقق ما لم يدع هلاك موجودات الصكوك، فيلزمه أن يقيم الدليل على وقوع هذا الهلاك أو التلف أو الخسارة، وعلى أنه كان بسبب لا يد له فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي أثاره، أي يثبت أن الهلاك وما معه لم يكن بسب تعديه على موجودات الصكوك، ولا تقصيره في حفظها ولا خطؤه في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها، فإن عجزعن هذا الإثبات لزمه ضمان الهلاك الكلي أو الجزئي أو الخسارة، أي لزمه رد رأس المال كاملاً لحملة الصكوك.

 

الثالث: عن طريق نقل عبء الإثبات إلى الأمين (المضارب والشريك المدير ووكيل الاستثمار) 

أعرض في هذا الفصل لمجموعة من القرائن التي تقوى دعوى مالك المال أن هلاكه كان بتعدي الأمين عليه، وتكذب دعوى الأمين عدم التعدي، وتضعه في مركز المدعي الذي يلزمه إثبات أن الهلاك لم يكن بتعديه، بل كان بسبب أجنبي لا يد له فيه، وإلا ضمن الهلاك والضياع والتلف والخسارة والربح المتوقع أو المتحقق دون نقص القيمة السوقية، على نحو ما سبق تفصيله.

طبيعة القرائن ودورها في الإثبات

هذه القرائن تنقل عبء الإثبات من مالك المال إلى الأمين عليه، لأنها تضع الأمين في مركز المدعي الذي يدعي خلاف الظاهر وخلاف العرف والكثير الغالب. وهذه القرائن قرائن بسيطة تقبل إثبات العكس، فيجوز للأمين أن يثبت عكس ما تفيده القرينة، أي إثبات أن الهلاك لم يكن بتعديه أوتفريطه، بل كان بسبب لا يد له فيه. فهنا ينتفي عمل القرينة وأثرها، لأن الشأن فيها أنها ليست قاطعة في الإثبات، بل شاهدة على كذب الأمين في دعواه الهلاك دون تعد منه ولا تفريط، وبعبارة أخرى فإن القرينة تفيد الظن الراجح بكذب دعوى الأمين عدم التعدي، بحيث تكون دعواه على خلاف الذي تفيده هذه القرينة، وتكون القرينة شاهدة لمالك المال ضد الأمين، وتضعه في جانب المدعى عليه.

ويعبر البعض عن هذا الدور الذي تلعبه القرينة بأنه نقل عبء الإثبات من مالك المال إلى الأمين عليه، إذ الأصل، كما يقول هذا البعض، أن الأمين لا يضمن إلا بالتعدي، وأنه مصدق في دعواه وأن القول قوله في دعوى أن الهلاك لم يكن بتعديه.

والذي نراه أنه ليس هناك أصل، أي دليل من نص أو إجماع على أن الأمين مصدق في دعواه الهلاك والتلف دون تعديه، وأن القول قوله في جميع الحالات، بل إن الفقهاء اعتمدوا في ذلك على أن الأصل براءة ذمة الأمين، وأنه يجب استصحاب هذا الحال.

والواقع أن هذا الأصل يمكن معارضته بأصل أقوى منه، ذلك أن الأمين قد حاز مال الغير بإذنه بيقين، وأنه يجب عليه رده إلى مالكه لقوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا "[1]، ولقوله عليه الصلاة والسلام "أد الأمانة إلى من ائتمنك"، ولقوله: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" ، ولأن المال لا زال مملوكاً لصاحبه، وقد تقرر أن ما ثبت يقين لا يزول إلا بيقين مثله، وأنه لا يزول بمجرد دعوى الأمين الهلاك، ومن جهة أخرى فإنه إذا ثبت وجود المال عند قبض الأمين له فالأصل والظاهر بقاؤه، وأنه لا يهلك ولا يتلف ولا يلحقه الخسران، إلا نادراً والنادر لا حكم له.

وعلى سبيل المثال إذا ثبت بيقين أن المضارب قد تسلم رأس مال المضاربة وصار رأس المال موجودات، فهل يكون الأصل والكثير الغالب في الحياة العملية هلاك موجودات المضاربات وخسارتها وأنها لا تحقق أرباحاً على الدوام، ويبنى على ذلك أن القول قول كل مضارب في الهلاك والخسران، وأنه يصدق بمجرد دعواه هلاك موجودات المضاربة وخسارتها دون دليل، بحجة أن الأصل والظاهر والكثير الغالب في المضاربات أن تهلك موجوداتها وأن تحقق خسارة، وأنه في النادر اليسير تبقى هذه الموجودات وتحقق المضاربة أرباحاً، هذا غير متصور في الواقع، ولذلك لا نوافق على أن الأصل هو قبول دعوى الأمين في جميع الحالات، أي حتى إذا دلت القرائن على كذب دعواه لأنها جاءت على خلاف الأصل والظاهر والكثير الغالب.

والحق هو أن ضمان الأمين يخضع لأصلين شرعيين، أحدهما: يحكم موضوع الضمان نفسه وهو أن التعدي والتفريط مناط الضمان، وثانيهما: متعلق بالإثبات، وهو أنه عند الاختلاف بين مالك المال والأمين عليه لا نحكم بأن القول قول الأمين وأنه مصدق على الإطلاق في دعواه، بل نطبق الأصل الشرعي في الإثبات، وهو أن البينة تكون على المدعي وأن اليمين تكون على المنكر أي المدعى عليه، فإذا كان الأمين مدعى عليه، لأن الأصل أو الظاهر يشهد على صدقه، فإنه لا يقضى عليه بالضمان إلا أن يقيم مالك المال الدليل على تعديه، وأما إذا كانت دعوى الأمين هلاك المال دون تعديه على خلاف الأصل أو الظاهر أو العرف أو الكثير الغالب فإنه يكون مدعياً ويلزمه إقامة الدليل على عدم تعديه وإلا قضي عليه بالضمان، فلا يجوز إطلاق القول بأن القول قول الأمين وأنه مصدق دائماً في دعواه الهلاك والتلف والخسران في جميع الحالات، بل ذلك مشروط ومقيد بما إذا كان الأمين في مركز المدعى عليه، أما إذا كان الأمين في مركز المدعي، لأنه يدعي خلاف الظاهر والكثير الغالب الذي تفيده القرينة فإنه لا يصح القول مع وجود هذه القرينة بأنه مصدق وأن القول قوله.

فالصناع من طائفة الأمناء، ولم يحكم جمهور الفقهاء بأنهم مصدقون دائماً وأن القول قولهم في دعوى الهلاك والخسران في جميع الحالات، بل كانوا مصدقين وكان القول قولهم في عصر النبوة وبعده حتى عصر خلافة علي بن أبي طالب t ، لأنهم كانو في مركز المدعى عليه، لأن دعواهم الهلاك دون تعد منهم شهد لها الظاهر والعرف والعادة والكثير الغالب فيهم في عهد عرفوا فيه بالصدق والأمانة وكانت الخيانة نادرة فيهم، ولم يصدقوا في دعواهم الهلاك دون تعد ولم يكن القول قولهم في خلافة علي t فقد ضمنهم وقال "لا يصلح الناس إلا ذلك"، وألزمهم إذا أرادوا التخلص من الضمان أن يثبتوا واقعة الهلاك أولاً وأن هذا الهلاك لم يكن بتعديهم ثانياً وإلا ضمنوا.

هذه القرائن كما قلنا تقوي جانب مالك المال وتضعه في مركز المدعى عليه، وهي تمثل الظاهر الذي يشهد لدعواه، وتضع الأمين في مركز المدعي الذي يلزمه إقامة البينة على أن هلاك ما تحت يده من مال لم يكن بسبب تعديه أو تفريطه، ولقد جرى على ألسنة الفقهاء أن هذه القرائن تكذب دعوى الأمين أن هلاك المال كان دون تعد ولا تفريط، وتلزمه بالضمان ما لم يثبت هذه الدعوى والمقصود هو أن القرينة ترجح جانب الكذب في دعوى الأمين، ولكنها لا تقطع بكذبها، ولذا جاز للأمين أن يبين خلاف ما تدل عليه القرينة فيبرأ من الضمان.

فضمان الأمين لهلاك أو تلف أو خسران ما تحت يده من أموال الغير يحكمه أصلان شرعيان:              

الأصل الأول:

"وهو الحكم في موضوع الضمان يتمثل في أن تعدي الأمين أو تفريطه هو مناط ضمان هلاك أو تلف ما تحت يده من أموال الغير"، وأن هذا الحكم، وهو وجوب الضمان يدور مع هذا المناط أو السبب أو العلة وجوداً وعدماً، فإذا وجد التعدي وجب الضمان وإذا انتفى التعدي انتفى الضمان مالم يكن للضمان أساس آخر، كقاعدة الغنم بالغرم في ضمان المستعير والقابض على سوم الشراء، أوقاعدة الاستيفاء الحكمي في ضمان المرتهن عند الحنفية، أو أصل تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في تضمين الصناع، وهناك أسباب أخرى للضمان غير التعدي عند بعض الفقهاء، فكلما وجد تعد من الأمين وجب عليه الضمان، وقد يوجد الضمان لأسباب وأخرى كما تقدم في المستعير والمرتهن والصانع.

الأصل الثاني:

وهو حكم الإثبات، يتمثل في قوله r: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، فإذا حدث خلاف في تعدي الأمين وعدمه فادعى الأمين هلاك المال دون تعديه، وادعي مالك المال تعدي الأمين وجب تطبيق حكم الإثبات، فمن كان منهما في مركز المدعي وجب عليه إقامة الدليل على ما يدعيه، ومن كان منهما في مركز المدعى عليه لم يلزمه غير حلف اليمين.

وهذان الأصلان من الأصول الشرعية الكلية التي لم تؤخذ من نص واحد ولم يدل عليها دليل معين، بل أخذت من عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع، وأنهما من الأخكام الشرعية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل وإنما يتغير الاجتهاد في تحقيق مناطها في النوازل والجزئيات التي ليس فيها نص حكم للشارع، ذلك أن الأحكام الشرعية  بعد تحديد مناطاتها أو عللها وأسبابها بطريق من طرق إثبات العلية مثل تخريج المناط أو تنقيحه، إذا لم تكن العلة منصوصاً عليها، - لا تتغير ولا تتبدل، فإذا أناط الشارع وجوب الضمان على الامين بتعديه أو تفريطه وجب تطبيق هذا الحكم، وهو وجوب الضمان على جميع الوقائع والنوازل التي يتحقق فيها هذا المناط وهو التعدي، فالاجتهاد يكون في تحقيق المناط وهو كون الأمين متعدياً، أو مدعياً أو مدعى عليه.

وقد طلب الحديث الشريف البينة من المدعي وطلب اليمين من المنكر أي المدعى عليه، فكان مناط طلب البينة هو أن يكون الشخص في مركز المدعي، وكان مناط طلب اليمين هو أن يكون الشخص منكراً أو في مركز المدعى عليه، وهذان الحكمان - يعد تحديد مناطهما على النحو المتقدم - ثابتان لا يلحقها تغيير ولا تبديل كما ذكرنا، وإنما يكون الاجتهاد في تحقيق مناط كل حكم منهما، فمن كان في مركز المدعي، مالك المال أو الأمين عليه، لزمته البينة، ومن كان منهما في مركز المنكر أو المدعى عليه لم يلزمه غير حلف اليمين.

ولكن متى يكون الشخص في مركز المدعي ومتى يكون في مركز المدعى عليه؟؛ لقد عرف الفقهاء كلاً من المدعي والمدعى عليه، ولهم في هذا التعريف عبارات مختلفة تؤدي معنى واحداً: فالمدعي هو من يدعي خلاف الأصل أو الظاهر أو العرف أو الكثير الغالب، أو من كانت دعواه على خلاف أصل أو عرف أو ظاهر أو كثير غالب، أو من يكذب دعواه أصل أو عرف أو ظاهر أو كثير غالب، أو من لا يشهد له شيء من ذلك.
والمدعى عليه هو خلافه؛ أي من يشهد لدعواه أصل أو عرف أو ظاهر أو كثير غالب.

يقول القرافي:  "قاعدة - في ضبط المدعي والمدعي عليه قال عليه الصلاة والسلام لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، فليس المدعي الطالب ولا المدعى عليه المطلوب، بل من كان قوله على خلاف أصل أو ظاهر فهو المدعي - وعليه البينة والظاهر ينقسم إلى العادة وظاهر الحال والقرائن الحالية والمقالية وكل ما أفاد ظن الصدق كمدعي شغل الذمة والأصل براءتها كولادة الانسان بريئا من جميع الحقوق، ومدعي الرد وقد قبض ببينة، فالعادة تؤثر سوء الظن في الرد بغير بينة، وكمدعي انفاق مال المحجور فيما لا يشبه عادته، فهؤلاء مطلوبون وهم مدعون وعليهم البينة، ومن كان قوله على وفق أصل أو ظاهر فهو المدعي عليه ويصدق مع يمينه كخصوم هؤلاء المتقدمين، وبعبارة أخرى المدعى عليه هو أرجح المتداعيين سببا والآخر المدعي وعلى هذه القاعدة تتخرج فروع التداعي في القراض وغيره"[2]

 

فالقرائن التي نقصدها في هذا البحث هي كل ما يقوي جانب مالك المال ويشهد بصدق دعواه على تعدي الأمين، ويضعه في مركز المدعى عليه، ويشهد بكذب دعوى الأمين الهلاك دون تعد ولا تفريط، وتضعه في مركز المدعي الذي يدعي خلاف الظاهر، ويلزمه بإثبات أن هلاك المال لم يكن بتعديه ولا تفريطه، وإلا ضمن. وواضح من النص المتقدم أن هذه القاعدة تطبق على جميع الأمناء وعلى جميع عقود الأمانة بما في ذلك عقد القراض أو المضاربة.

وهذه القرائن كما ذكرنا قرائن بسيطة تقبل إثبات العكس، فلمن قامت القرينة ضده أن يثبت عكسها، فإذا قامت التهمة في حق الأمين، أي تهمة التعدي والتفريط أو الخيانة، فإنه يصير مدعياً يلزمه هو إثبات دعواه أن هلاك المال لم يكن بتعديه ولا بتفريطه، فإن هو قام بهذا الإثبات برئت ذمته من الضمان. فهده القرائن لا تصير يد الأمانة يد ضمان كما ذكر بعد الباحثين[3]، بل أن غاية ما تفيده هو أنها تنقل عبء الإثبات إلى الأمين نتيجة لأنها تضعه في مركز المدعي.

-       وهذه القرائن غير محددة ولا محصورة في عدد معين، بل إن كل ما يقوي أو يشهد لدعوى أحد المتداعيين يعد قرينة تقوي جانبه وتشهد بصدق دعواه وتضعه في مركز المدعى عليه ويعفيه من البينة، ويضع خصمه في مركز المدعي الذي تلزمه إقامة البينة، على خلاف ما شهدت به القرينة.

-       وهذه القرائن تخضع لظروف الزمان والمكان والأعراف والعادات ومستوى الالتزام بقيم وتعاليم الإسلام والوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي وظروف السوق ونوع وطبيعة المال المؤتمن عليه، وسلوك الأمين وغير ذلك كما سنرى.

وقد أشار الفقهاء إلى بعض هذه القرائن وحكموا بأنها تقوي جانب مالك المال وتكون شاهدة لصدق دعواه ضد الأمين، وتضعه في مركز المدعى عليه الذي تشهد له هذه القرائن وتعفيه من إثبات دعواه على تعدي الأمين أو تفريطه، وتكذب أو توهن أو تضعف دعوى الأمين عدم التعدي أو التفريط، لأن دعواه تكون على خلاف الظاهر والغالب الذي تفيده القرينة، لأن القرينة تفيد صدق المالك وكذب الأمين وتفيد في ذلك ظناً راجحاً ولا تفيد يقيناً، وإلا لما استطاع الأمين أن يثبت عكس ما تدل عليه هذه القرينة.

جاء في كتاب الضمان في الفقه الإسلامي للشيخ على الخفيف: "ويرى المالكية أن يد الأمين إذا كانت على ما لا يغاب عليه  فلا ضمان عليه عند التلف، وإن كانت على ما يغاب عليه فهو ضامن له إذا تلف إلا أن يقيم البينة على تلفه أو ضياعه بغير صنعه"[4]

وجاء في التاج والإكليل "( وَضَمِنَ الْمَغِيبُ عَلَيْهِ إلاَّ بِبَيِّنَةٍ ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : الْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُرُوضِ ، فَإِنْ ادَّعَى الْمُسْتَعِيرُ أَنَّ ذَلِكَ هَلَكَ أَوْ سُرِقَ أَوْ تَحَرَّقَ أَوْ انْكَسَرَ فَهُوَ ضَامِنٌ وَعَلَيْهِ فِيمَا أَفْسَدَ فَسَادًا يَسِيرًا مَا نَقَصَهُ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ كُلَّهُ إلاَّ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّ ذَلِكَ هَلَكَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ تَضْيِيعٌ أَوْ تَفْرِيطٌ بَيِّنٌ فَيَضْمَنُ .[5]

وقد ذكر بعض الباحثين[6] أن هذه القرائن أو الأسباب والموجبات تقلب يد الأمانة إلى يد ضمان، بمعنى أن القرينة تضع الأمين في مركز الحائز لمال غيره دون إذنه كالغاصب الذي يضمن هلاك ما تحت يده من مال الغير في جميع الأحوال، أي حتى في حالات قيام الأمين باثبات عدم التعدي على المال، وأن هلاكه كان بسبب لا يد له فيه ولاقدرة له على توقعه أو توقيه أو تلافي آثاره، وهذا يعني في نظر هذا الباحث أن هذه القرينة قطعية تفيد اليقين لا الظن، وأنها لا تقبل إثبات العكس من الأمين.

وهذا غير صحيح كما سنرى، لأن غاية ما تفيده هذه القرائن أنها تضع من قامت لصالحه في مركز المدعى عليه وتعفيه من عبء إثبات دعواه، لأن القرينة ظاهر يشهد له، وتلقي عبء الإثبات على من قامت القرينة ضده أو كما يقال من تكذب القرينة دعواه لأن دعواه تكون على خلاف الظاهر الذي تفيده وتشهد له القرينة.

وبناء على هذا الفهم الخاطئ جمع هذا الباحث في هذه القرائن والأسباب والموجبات التي تقلب يد الأمانة إلى يد الضمان، بين التعدي والتفريط، وهما مناط وجوب الضمان، والتجهيل، والعرف، وتطوع الأمين بالضمان بعد العقد، والمصلحة، والتهمة، وهذه ليست مناط الضمان، بل بعضها يعد قرينة على التعدي والتفريط تضع الأمين في مركز المدعي وتنقل إليه عبء الإثبات، فإذا أثبت الأمين أن الهلاك لم يكن بتعديه برئ من الضمان، فكيف تكون القرينة نفسها موجبة للضمان وتقلب يد الأمانة إلى يد ضمان تحرم الأمين من إثبات عكسها؟

وأما التطوع بالتزام الضمان بعد العقد فليس قرينة على تعدي الأمين أو تفريطه، ولا تضعه في مركز المدعي الذي تلزمه البينة، لأن الأمين قد يتطوع بالضمان، على فرض صحة هذا التطوع، حتى في الحالات التي يقطع فيها بعدم تعديه أو تفريطه.

وإليك بعض هذا القرائن التي تفيد كذب دعوى الأمين عدم التعدي وتضعه في مركز المدعي الذي تكون دعواه، بسبب هذه القرينة، على خلاف الظاهر الذي تدل عليه هذه القرينة.

وسوف نعرض هذه القرائن على النحو التالى:

أولا: التهمة.

ثانيا:  تكذيب التجار.

ثالثا: دراسة الجدوى.

رابعا: القيود المحاسبية.

خامسا: التدقيق الشرعى والمالى، الداخلي والخارجي.

سادسا: تقارير الجهات الرقابية.

سابعا: تسلم الأمين المال ببينة.

أولا: التهمة

1. أثر التهمة في نقل عبء الإثبات إلى الأمين:

 

المقصود بالتهمة هو غلبة الظن، المستندة إلى أسباب معقولة، بكذب دعوى الأمين هلاك ما تحت يده من مال دون تعديه أو تفريطه، بحيث تكون دعواه – مع التهمة - على خلاف الظاهر الذي تفيده هذه التهمة.

جاء في مواهب الجليل: "( فَائِدَةٌ ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ الْأُمَنَاءُ مُصَدَّقُونَ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ: الْوَالِدُ فِي مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَابْنَتِهِ الْبِكْرِ، وَالْوَصِيُّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَأُمَنَاءُ الْحُكَّامِ وَالْمَوْضُوعُ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ الْأَمْوَالُ، وَالْمُسْتَوْدِعُ، وَالْمُقَارِضُ، وَالْأَجِيرُ فِيمَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ، وَالْكَرِيُّ فِي جَمِيعِ مَا اسْتَحْمَلَهُ غَيْرَ الطَّعَامِ، وَالصَّانِعُ غَيْرَ الصَّائِغِ، وَالرَّاعِي مَا لَمْ يَبْعُدْ فَيَكُونُ كَالصُّنَّاعِ، وَالْمُسْتَعِيرُ، وَالْمُرْتَهِنُ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَالْوَكِيلُ فِيمَا وُكِّلَ عَلَى النَّظَرِ، وَالْمَأْمُورُ بِالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، وَالدَّلَّالُ، وَالشَّرِيكُ مُفَاوِضًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالرَّسُولُ فِيمَا أُرْسِلَ بِهِ، وَالْمُبْضِعُ مَعَهُ الْمَالُ لِلشِّرَاءِ وَالتَّبْلِيغِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ لِلْأَشْيَاءِ الْمُغَيَّبُ عَلَيْهَا كُلُّهُمْ مُصَدَّقُونَ، وَمَا ادَّعَى عَلَيْهِمْ مِمَّا يُوجِبُ الضَّمَانَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ بِلَا يَمِينٍ إلَّا أَنْ يُتَّهَمُوا فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ"[7] ا هـ .

ولقد تحدث الفقهاء عن أسباب كثيرة للتهمة. وقد نقل بعض الباحثين عن المالكية وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة ان التهمة "توجب تغيير حال يد الأمانة إلى يد ضمان" ولقد تقدم بيان خطأ هذا الفهم، إذ أن يد الأمانة لا تنقلب بوجود هذه القرينة إلى يد ضمان كيد الغاصب، بحيث تأخذ حكمها من حيث ضمان ما يهلك تحتها، ولو أثبت الأمين أن الهلاك كان بسبب لا يد له فيه، وذكرنا أن غاية ما تفيده التهمة عند المالكية ومن معهم هو الظن الراجح بصدق دعوى مالك المال وكذب دعوى الأمين، بحيث تضع التهمة الأمين في مركز المدعي الذي تلزمه إقامة الدليل على دعواه أن الهلاك لم يكن بسبب تعديه، أي تفيد نقل عبء الإثبات من المالك إلى الأمين.

وفي بداية المجتهد: "وأما تفريق مالك بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه فهو استحسان، ومعنى ذلك أن التهمة تلحق فيما يغاب عليه، ولا تلحق فيما لا يغاب عليه."[8]

وفي التاج والإكليل: (وَضَمِنَ الْمَغِيبُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : الْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُرُوضِ ، فَإِنْ ادَّعَى الْمُسْتَعِيرُ أَنَّ ذَلِكَ هَلَكَ أَوْ سُرِقَ أَوْ تَحَرَّقَ أَوْ انْكَسَرَ فَهُوَ ضَامِنٌ وَعَلَيْهِ فِيمَا أَفْسَدَ فَسَادًا يَسِيرًا مَا نَقَصَهُ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ كُلَّهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّ ذَلِكَ هَلَكَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ تَضْيِيعٌ أَوْ تَفْرِيطٌ بَيِّنٌ فَيَضْمَنُ [9].

وجاء في الذخيرة "قال اللخمي يختلف في القراض في سبعة مواضع ضياعه ورده وخساره وجزء الربح والذي ربحه وقدر رأس المال وهل هو بضاعة أو قراض أو قرض وفي الصحة والفساد فيصدق في تلفه وغرقه وسرقته ونحو ذلك لأنك أمنته وإن لم يكن أمينا، واختلف في تحليفه قال وأرى غير المأمون أن يحلف، وإن قام دليل على كذبه لم يصدق واغرمـ وأن اختلفا في الجزء صدق قبل الشروع لأن لك الانتزاع ولا يصدق فيما يشبه لأن له أن لا يسلم إلا بما يريد - كالبائع والأجير ويصدق في الخسارة لأجل السراق - ان أتى بما يعضد السرقة من القافلة أو الضيعة بما يشبه ويصدق في الربح فيما يقوله أهل تلك الصنعة وما يشبه دون غيره وكذلك في ثمن الذي يقدم به. فإن أشكل جميع ذلك صدق بغير يمين إن كان ثقة ولا يحلف إلا أن يقوم دليل التهمة فيحلف الجميع، وإن شهدت بينة مستورة لا تبلغ العدالة حلف، وفي الجواهر يصدق مدعي الصحة على مدعي الفساد لأنه أصل في تصرفات المسلمين تحسينا للظن بهم على المذهب ومدعي الفساد عند عبد الحميد لأن الأصل عدم الانعقاد"[10] والذي يؤخذ من هذا النص أمور أولها: أن دعوى المضارب سرقة رأس مال المضاربة أو موجوداتها لا تقبل مهه حتى يأتي بما يعضد السرقة من القافلة أو الصيعة بما يشبه، أي بما يوافق عرف التجار وعاداتهم وإلا ضمن ثانيها أن المضارب إذا ادعى أن المضاربة لم تربح أوأنها ربحت أقل من الربح المتوقع (والذي أظهرته دراسة الجدوى المقدمة منه) فإنه لا يصدق حتى يشهد له أثل تلك الصنعة وما يشبه دون غيره أثر التهمة في دعوى المضارب الخسارة لأجل السرراق وفي مقدار الربح .

وقد ذكر الفقهاء أموراً تعد تهمة وتأخذ حكمها في تكذيب دعوى الأمين الهلاك دون تعدية.

2.  التهمة فيما يغاب عليه من الأموال المؤتمن عليها:

مما يورث تهمة ويأخذ حكمها طبيعة المال المؤتمن عليه عند بعض الفقهاء، فإذا كان المال المؤتمن عليه مما يغاب عليه، أي يخفى هلاكه ويصعب على مالكه إثبات تعدي الأمين عليه فإن دعوى الأمين هلاكه دون تعد منه ولا تفريط تكون على خلاف الظاهر الذي تفيده هذه التهمة، فيكون في مركز المدعي الذي يلزمة إثبات دعواه بإقامة الدليل على أن هلاك المال كان بدون تعد منه ولا تفريط، وإلا ضمن هذا الهلاك. ويعبر عن ذلك الماليكة بقولهم: إن الأمين يضمن ما يغاب عليه دون مالاً يغاب عليه، والمقصود بذلك عندهم أنه يضمن إذا لم يتمكن من إقامة البينة على عدم تعديه، فإن نجح في إقامة البينة برئ من الضمان، أي أن طبيعة المال المؤتمن عليه تلقى بالتهمة على الأمين في دعواه هلاكه دون تعديه وتضع عليه عبء الإثبات، لأنه صار بالتهمة مدعياً وصار مالك المال مدعى عليه.

وقد مثل المالكية لما يغاب عليه ويخفى هلاكه ويسهل إخفاؤه ويصعب على مالك المال إثبات تعدي الأمين عليه بالمنقولات كالحلي والنقود والثياب والمجوهرات والبضائع والسفن في عرض البحر والطائرات في الجو، ولما لا يغاب عليه، أي ما يظهر هلاكه ويصعب إخفاؤه ولا يشق على مالك المال إثبات تعدي الأمين عليه بالعقارات والسفن الراسية في المواني والطائرات الرابضة في المطارات.

فقد جاء في الشرح الكبير للشيخ الدردير: (وضمن) المستعير (المغيب عليه) أي ما يغاب عليه وهو ما يمكن إخفاؤه كالثياب والحلي بخلاف الحيوان والعقار، وأما السفينة فإن كانت سائرة فمما يغاب عليه وإن كانت بالمرسى فمما لا يغاب عليه، وإذا وجب الضمان فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه لقد ضاعت ضياعا لا يقدر على ردها لانه يتهم على أخذها بقيمتها من غير رضا صاحبها (إلا لبينة) على تلفه أو ضياعه بلا سببه فلا يضمنه خلافا لاشهب القائل بالضمان (وهل) ضمان ما يغاب عليه (وإن شرط) المستعير (نفيه) عن نفسه لان الشرط يزيده تهمة ولانه من إسقاط حق قبل وجوبه فلا يعتبر، أو لا يضمن لانه معروف من وجهين، العارية معروف وإسقاط الضمان معروف آخر، ولان المؤمن عند شرطه (تردد) في النقل عن المتقدمين (لا غيره) أي لا غير المغيب عليه فلا يضمنه المستعير (ولو بشرط) عليه من المعير وإذا لم يضمن الحيوان ضمن لجامه وسرجه ونحوهما وإنما جرى قول مرجح في العمل بالشرط فيما يغاب عليه دون غيره لان الشرط في الاول من المعروف دون الثاني (وحلف) المستعير (فيما علم أنه بلا سببه كسوس) في خشب أو طعام وقرض فأر وحرق نار (أنه ما فرط)[11].

والذي يؤخذ من هذا النص أمور:

أولها:  أنه وارد في حكم ضمان المستعير، وهو من طائفة الأمناء، هلاك أو تلف العين المستعارة، ويقاس على المستعير غيره من الإمناء الذين تكون لهم مصلحة في حيازة المال المؤتمن عليه كالمضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار إلا أن يقال بأن المصلحة في العارية مختصة بالمستعير وحده، بخلاف المضارب والشريك المدير ووكيل الاستثمار فإن المصلحة مشتركة بينهم وبين رب المال والموكل والشريك.

ثانيها:  أن المستعير يضمن ما يغاب عليه دون مالا يغاب عليه من الأموال، ويلاحظ أن رأس مال المضاربة والوكالة في الاستثمار وحصة الشريك والموجودات المشتراة برأس المال مما يغاب عليه غالباً، فيكون القول بالضمان سائغاً في عقد المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار.

ثالثها:  أن جمهور المالكية يرون أن كون المال مما يغاب عليه يعد تهمة ترجح كذب دعوى المستعير هلاك المال دون تعديه، وتضعه في مركز المدعي الذي تلزمه البينة، فإن نجح في إقامة الدليل على أن الهلاك لم يكن بتعديه، برئ من الضمان وإلا ضمن، وبعبارة أخرى فإن طبيعة المال المؤتمن عليه تعد قرينة بسيطة ضد الأمين تقبل إثبات العكس، وقد خالف أشهب من المالكية فقال بأن هذه القرينة قاطعة لا تقبل إثبات العكس فالمستعير يضمن العارية ولو أثبت أن هلاكها لم يكن بتعديه، أي أن هذه القرينة تجعل يد الأمانة في حكم يد الضمان. قال البراذعي: "وأما ما يغاب عليه فالمرتهن يضمنه إذا قبضه، إلا أن يقيم بينة على هلاكه من غير سببه بأمر من الله، أو بتعدي أجنبي، فذلك من الراهن، وله طلب المتعدي، فإذا غرم المتعدي القيمة، فأحب ما فيه إليّ - إن أتى الراهن برهن ثقة مكان ذلك - أخْذ القيمة، وإلا جعلت هذه القيمة رهناً"[12].

رابعها:              أن الرأي الراجح عند المالكية أنه لا يجوز شرط المستعير نفي الضمان عن نفسه فيما يجب فيه الضمان، وهو ما يغاب عليه، لأن هذا الشرط يزيده تهمة، ولأنه من إسقاط الحق قبل وجوبه فلا يعتبر، وهناك رأي مرجوح بجواز شرط نفي الضمان في هذه الحالة، لأنه معروف يسديه المعير للمستعير من وجهين: أحدهما أن العارية معروف وثانيهما أن إسقاط الضمان معروف آخر، ولأن المؤمن عند شرطه، وهناك تردد في نقل هذين الرأيين عند المتقدمين ولكن الراجح بطلان الشرط.

خامسها: أن ما لا يغاب عليه من الأموال لا يضمنه المستعير ولو شرط عليه المعير الضمان، وإنما جرى قول مرجح في العمل بالشرط فيما يغاب عليه دون غيره، لأن الشرط في الأول من المعروف دون الثاني.

وقد جاءفى كتاب فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك: وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ . وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ حَاشَا مُطَرِّفًا , فَإِنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ خَافَهُ مِنْ طَرِيقٍ مَخُوفٍ , أَوْ نَهْرٍ , أَوْ لُصُوصٍ , أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَالشَّرْطُ لَازِمٌ إنْ عَطِبَتْ فِي الْأَمْرِ الَّذِي خَافَهُ وَاشْتَرَطَ الضَّمَانَ مِنْ أَجْلِهِ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ ا هـ . وَقَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ : وَإِنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْك لَمْ تَضْمَنْهَا ا هـ  (2 / 425).

 

والجدير بالذكر أن رأس مال المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار وموجوداتها تكون في الغالب مما يغاب عليه، ومن النادر أن تكون مما لا يغاب عليه كالعقارات، وخصوصاً أن رب المال لا يملك التدخل في إدارة المضاربة ولا في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها وإلا بطلت المضاربة، بخلاف المشاركة والوكالة في الاستثمار، فإن للموكل والشريك أن يتدخل في الإدارة ويشارك في اتخاذ القرارات الاستثمارية.

ويؤكذ الفقهاء على دور التهمة في نقل عبء الإثبات على الأمين ووضعه في مركز المدعي الذي تجب عليه البينة وإلا ضمن على النحو التالي:

1-      يقول القرافي "فنحن نجعل كونه مغيباً عليه مرجحاً للضمان، لكونه مظنة التهمة فهو مناسب"  فالمقصود بالضمان هنا هو نقل عبء الإثبات، فإذا عجز الأمين عن إثبات عدم التعدي كان ضامناً، وإن نجح في هذا الإثبات برئ من الضمان كما تقدم.

2-       ويقول الشيخ على الخفيف:"ويرى المالكية أن يد الأمين إذا كانت على ما يغاب عليه فهو ضامن له إذا تلف إلا أن يقيم البينة على تلفه أو ضياعه بغير صنعه"[13]

3-      ويقول القاضي عبدالوهاب معللاً لعدم ضمان الأمين إذا أثبت عدم تعديه على المال المؤتمن عليه "لأن التهمة قد انتفت عنه لقيام البينة على أنه لا ضلع له بتلفه فلم يلزمه الضمان، إذ سبب الضمان معدوم ،لأنه إنما يضمن لئلا يكون قد أتلفه وادعى أنه تلف بغير صنعه، فإذا علم صدقه فلا ضمان، ألا ترى أن العرف لما كان يشهد له قبل قوله ولم يضمن" [14]

فأنت ترى من هذا النص أن قيام التهمة لا يحول يد الأمانة إلى يد ضمان كيد الغاصب والسارق، كما فهم بعض الباحثين، لأن يد الضمان تضمن ما يهلك تحتها في جميع الأحوال، أي لو أثبت الضامن أن الهلاك كان بسبب لا يد له فيه، أما أثر التهمة في يد الأمانة فهو قاصر على نقل عبء الإثبات إلى الأمين بحيث يجب عليه الضمان إذا عجز عن هذا الإثبات، فهي قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس كما تقدم.

4-      ومن تطبيقات التهمة في نقل عبء الإثبات إلى الأمين ما يقرره المالكية من تضمين الأجراء على حمل الطعام لتهمة أكله، لأن الأيدي تمتد إلى الطعام دون غيره عادة، فكان نوع المحمول قرينة على هذه التهمة، والتهمة هنا قرينة تفيد غلبة الظن على التعدي، وهي كغيرها من القرائن تقبل إثبات العكس، فلحملة الطعام إثبات هلاكه دون تعد منهم ولا تفريط فتبرأ ذمتهم من الضمان، أو بعبارة أخرى فإن القرينة هنا تنقل عبء الإثبات إلى الأمين، لأنه بالتهمة صار مدعيا، لأن الظاهر يشهد لمالك الطعام فكان مدعى عليه.

يقول القرافي "أعلم أن الهلاك خمسة أقسام، الرابع: ما هلك بقولهم (الحمالين للطعام) من الطعام لا يصدقون فيه لقيام التهمة، لأن شأن الطعام امتداد الأيدي إليه، الخامس: ما هلك بأيديهم من العروض يصدقون فيه لعدم التهمة"[15]

وقال الونشريسي: "وإنما ضمن مالكٌ حامل الطعام إذا لم تقم له بينة على التلف من غير سببه، ولم يضمن حامل غيره حتى تقوم عليه البينة بالتفريط والإضاعة، لأن العادة جارية أن الأكرياء يسرعون إلى الطعام الذي في أيديهم لدناءة أنفسهم ولما يعلمون أن نفوس أهل الأقدار والمروءة تأنف من مطالبتهم بمثل المأكولات، لا سيما العرب مع كرمهم وعزة نفوسهم".

فأنت ترى أن التهمة، التي مصدرها العرف والعادة وطبائع نفوس أصحاب المتاع وخاملية ووضعهم الاجتماعي والاقتصادي، تنقل عبء الإثبات إلى الأمين وتضعه في مركز المدعى الذي تلزمه البينة، وتمنحه مع ذلك حق إثبات عدم التعدي فيبرأ من الضمان، فهي إذن قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس، وأن التهمة تقوم على ظروف اجتماعية واقتصادية وعوامل نفسية وطبائع بشرية وأعراف وعادات وتقاليد ومستوى االتزام بالقيم الإسلامية.

5-      ويقول القرافي: "لا يضمن (الحمال) الطعام إذا كنت معه على الدابة أو السفينة، وإلا فلا يصدق في الطعام وإلادام للتهمة في امتداد الأيدي إليه إلا ببينة تشهد أن التلف كان من غير فعلهم، ويصدقون في العروض"[16]

فهدا النص يقطع بأن التهمة عند المالكية لا تحول يد الأمانة إلى يد ضمان بحيث يصير الأمين كالغاصب يضمن الهلاك على كل حال، حتى لو أثبت عدم التعدي على المال، بل غاية ما تفيده التهمة هو نقل عبء الإثبات إلى الأمين، أي وضع الأمين في مركز المدعي إذا ادعى الهلاك دون تفريطه، لأن دعواه تكون على خلاف الظاهر والكثير الغالب من عادة الحمالين للطعام.

وهنا أيضاً نريد التأكيد على أن للأعراف والعادات وطبائع النفوس والقيم والأخلاق والوضع الاقتصادي والاجتماعي لأصحاب المال والمؤتمن عليه ومدى الالتزام بقيم وأحكام الإسلام - دخل في التهمة التي تجعل دعوى الأمين عدم التعدي دعوى على خلاف الظاهر والعرف والعادة والكثير المشاهد في سلوك بعض طوائف الأمناء، وبذلك يتحقق في الأمين في ظل هذه الظروف مناط وجوب إقامة البينة، وهو كونه مدعياً، فالمدعي هو من يدعي خلاف الظاهر والمشاهد عرفاً، وكون المحمول طعاماً يورث تهمة أي ظناً راجحاً أنه أكله واجعى هلاكه.

6-      يرى بعض المالكية مثل ابن حبيب وجمع من فقهائهم تضمين الأجير المشترك ولو لم يكن لعمله تأثير في عين المصنوع، كالراعي المشترك وسمسار الدواب وعللوا ذلك بالتهمة.

جاء في فتاوى محمد بن أحمد بن محمد عليش

وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ التَّادَلِيُّ وَالْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ عَدَمُ ضَمَانِ الرَّاعِي الْمُشْتَرَكِ وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ كَثْرَةُ خِيَانَةِ الرُّعَاةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ هُوَ ضَمَانُهُ وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ فِيهِ وَفِي سِمْسَارِ الدَّوَابِّ ا هـ فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك - (4 / 370)

وجاء فيه أيضا:

وَقَالَ الْيَزْنَاسِيُّ فِي شَرْحِ التُّحْفَةِ كُنْت فِي زَمَنِ وِلَايَتِي بِتِلْمِسَانَ كَثِيرًا مَا أَحْكُمُ بِتَضْمِينِ الرَّاعِي الْمُشْتَرَكِ عِنْدَمَا يَظْهَرُ لِي مَخَايِلُ كَذِبِ الرُّعَاةِ وَتَعَدِّيهِمْ وَتَفْرِيطِهِمْ وَذَلِكَ غَالِبُ أَحْوَالِهِمْ وَرَأَى أَنَّ الْحُكْمَ بِعَدَمِ تَضْمِينِهِمْ يُؤَدِّي إلَى تَلَفٍ كَثِيرٍ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ لِاضْطِرَارِهِمْ إلَيْهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ وَاعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي مِنْ أَصْلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ مُرَاعَاتُهَا[17]

7-      وقد أفتى ابن حبيب من المالكية بتضمين صاحب الحمام للتهمة مع أنه من الأمناء وقال : "وكذلك صاحب الحمام جرت العادة بخيانته في ثياب الناس فيضمنها" أي إذا لم يقدم الدليل على عدم تعديه أو تفريطه.

ونرى واضحاً أن القرينة عموماً، والتهمة خصوصاً التي تنقل عبء الإثبات إلى الأمين وتضعه في مركز المدعي، مثارها ومرجعها ظروف الزمان والمكان والأعراف والعادات ومستوى الالتزام بقيم الإسلام وأحكام الشريعة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وطبيعة الأمناء ومستواهم الاجتماعي، وأنواع الحرف التي يمارسونها. مما يعني أن هذه الطروف والأوضاع والعادات والأعراف لو وجدت في غيرهم من طائفة الأمناء جاز نقل عبء الإثبات عليهم.

8-      ولقد ضمن المالكية وأبويوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية الصناع والأجير المشترك ما يدعي هلاكه من أمتعة الناس التي يعمل فيها ما لم يثبت الأجير المشترك أن الهلاك حدث من شيء غالب لا يتحفظ من مثله، مثل حريق أو غرق غالب أو لصوص مكابرين" فهنا فقط يبرأ من الضمان.       
وحجتهم في ذلك كما قال الكساني "أن هؤلاء الأجراء الذين يسلم إليهم المال دون شهود تخاف الخيانة منهم فلو علموا أنهم لا يضمنون لهلكت أموال الناس، لأنهم لا يعجزون عن دعوى الهلاك، وهذا المعنى لا يوجد في الحريق الغالب والغرق الغالب والسارق الغالب
[18]، قال صاحب تبين الحقائق: "وبقولهما – أبويوسف ومحمد – "يفتى اليوم لتغير أحوال الناس وبه تحصل صيانة أموالهم"[19]   
وهذا النص يقضي بمعاملة غير الصناع من طائفة الأمناء كالمضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار معاملة الصناع إذا توافر فيهم مناط تضمين الصناع وهو حفظ الأموال وسد ذريعة ضياعها.

9-      ولقد ضمن الشافعي – في غير الأظهر من مذهبه – للتهمة - الأجير المشترك والمقصود بتضمينه عند هو نقل عبء الإثبات إليه، فقد جرت عادة الفقهاء بالتعبير عن نقل عبء الإثبات إلى الأمين بقولهم أن "مالك المال مصدق أو أن القول قوله" مما يعني أنه ليس عليه إلا اليمين، وأن البينة على الأمين، فإن أقامها برئ من الضمان.

ومما يدخل تحت تعريف التهمة ويترتب عليه أثرها في نقل عبء الإثبات إلى الأمين وإلا ضمن، القرائن التالية:

ثانياً: تكذيب التجار

إذا ادعى الأمين كالمضارب ووكيل الاستثمار والشريك المدير، هلاك المال أو خسارته وكانت دعواه تخالف عرف التجار فإن هذا يورث تهمة تلقي عليه عبء الإثبات، وقد عبر عن ذلك المالكية بقولهم: إن الأمين لا يضمن ما يدعي هلاكه إلا أن تكذبه التجار.

جاء في حاشية العدوي "تَنْبِيهٌ : وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ أَيْ مَعَ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا فِي تَلَفِ الْمَالَ وَخُسْرِهِ وَضَيَاعِهِ إلاَّ أَنْ يُكَذِّبَهُ التُّجَّارُ، وَكَذَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ لِرَبِّهِ بِيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهِ" [20]

وجاء في الفواكه الدواني: " العامل في القراض امين فالقول قوله في تلف المال أو ضياعه أو خسره الا ان تكذبه التجار"[21]

والذي يؤخذ من هذين النصين أمور :

أولها:  أن تكذيب التجار للمضارب في دعوى الهلاك والتلف والخسارة يعد شبهة تضعه في مركز المدعي الذي يلزمه البينة على عدم التعدي، وأن التلف والخسران لم يكن بسبب من جانبه، بل كان بسبب لا يد له فيه.

ثانيها:  أن المضارب إذا قبض رأس مال المضاربة ببينة مقصودة للتوثق فإن دعوى رده إلى رب المال لا تقبل إلا ببينة فإن عجز عن البينة ضمن. وفي عقود المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار يضع المدير والشريك المدير ووكيل الاستثمار يده على رأس المال ببينة في جميع الأحوال، فيلزمه رده ببينة وإلا تحمل الضمان.

ثالثها:  أن المضارب مثله مثل غيره من الأمناء في أن التهمة تنقل إليه عبء الإثبات فلو ادعى تلف المال أو خسارته على خلاف عرف التجار فإنه يكون متهماً، وينتقل إليه عبء إثبات أن التلف والخسران لم يكن بتعديه ولا تفريطه، أي أنه يكون في مركز المدعي.

ويترتب على أن العامل في القراض امين وأن القول قوله في تلف المال أو ضياعه أو خسره الا ان تكذبه التجار"[22] أنه إذا كانت دعوى المضارب الهلاك أو التلف أو اضياع أو الخسران تكذبها الأعراف التجارية ووضع السوق فإن ذلك يورث تهمة كذب المضارب، ويصيره في مركز المدعي، لأنه يدعي خلاف العرف والظاهر والكثير الغالب في نوع النشاط أو التجارة التي يمارسها، وبذلك تلزمه إقامة البينة على أن هلاك المال كان بسبب لا يد له فيه، وإلا ضمن، فإذا كان نوع النشاط والاستثمار في المشاريع التجارية أو الصناعية المماثلة لنشاط، المضارب مثلاً، تحقق معدل أرباح معين حسب ميزانياتها المعلنة، فإن دعوى الأمين الخسران وحده دون بقية التجارتكون على خلاف الظاهر وتورث تهمة كذبه فلا يصدق ولا يكون القول قوله دون دليل، كالشأن في كل أنواع التهم. وقد عبر بعض الفقهاء عن ذلك بقولهم أن الأمين إذا كانت دعواه على خلاف العرف أو الظاهر فإنه يعد مدعياً ويلزمه الإثبات.

ثالثاً: دراسة الجدوى

إذا ادعى الأمين، مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيل استثمار، الخسران، على خلاف نتائج دراسة الجدوى والدراسة السوقية - التي أعدها الأمين بنفسه وأقر نتائجها وفقاً للأصول الفنية لدراسات الجدوى والدراسة السوقية وتعهد بالمسئولية عنها - كان متهماً في دعوى الهلاك والخسران دون تعد أو تفريط، ذلك أن الأمين قد أقر في هذه الدراسة بأن النشاط الذي يستثمر فيه رأس مال المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار وفقاً لدراسة الجدوى يحقق أرباحاً متوقعة، ويستدل على ذلك ويؤكده بالدراسة السوقية أي بالعرف التجاري وما يجري عليه العمل في سوق الاستثمار، فيؤخذ بإقراره، وتكون دعواه الهلاك والخسران دون تعد منه على خلاف الظاهر من هذه الدراسة، ويلتزم هو بإقامة الدليل على أن نشاطه لم يحقق النتائج التي أظهرتها دراسة الجدوى لأسباب لا يد له فيها ولا قدرة له على توقعها أو تلافي آثارها، كنشوب حرب أو حصار بحري أو زلزال أو سيل أو حريق أو أزمة مالية طارئة وغير متوقعة، أو بسبب قوانين الجمارك أوالضرائب أو الاستيراد أو النقد أو العقوبات التجارية أو المقاطعة الاقتصادية، فإذا لم يقدم الدليل على أن الخسارة كانت من أجل هذه الأسباب ضمن رأس المال والربح المتوقع الذي أظهرته دراسة الجدوى، فالظاهر والكثير الغالب أن تتحقق النتائج والأرقام التي أظهرتها دراسة الجدوى التي تعد بصدق وأمانة وفق الإصول الفنية، فكانت دعوى الأمين الخسارة دعوى يكذبها الظاهر والكثير الغالب، بل يكذبه إقراره، فيكون في مركز المدعي الذي يلزمه إقامة الدليل على أن عدم تحقق نتائج هذه الدراسة كان بسبب أجنبي أو بقوة قاهرة، فإن عجز عن هذا الإثبات كان ضامناً لموجودات المضاربة، أي رأس المال والربح المتحقق أو الربح المتوقع أو الذي أظهرته دراسة الجدوى.

ويؤكد ما ذكرناه من وجود التهمة إذا ادعى المضارب خلاف نتائج دراسة الجدوى التي قدمها، أن بعض الفقهاء يدخل هذا في باب التغرير بالقول، لأن البنك قد قدم التمويل للأمين بناء على هذه الدراسة ولولاها ما أقدم البنك على التمويل، والتغرير بالقول، عند هؤلاء كالتغرير بالفعل بوجب الضمان، فلا أقل من أن يكون هذا التغرير تهمة تنقل إلى المضارب عبء الإثبات.

ومن الواضح أن اسباب التهمة التي تقدمت - ومنها التهمة التي أوجبت عند الإمام مالك وبعض الفقهاء تضمين الصناع والحمالين للطعام والرعاة وسماسرة الدواب، لتفشي الخيانة وانتشار الكذب فيهم وضعف سلطان الدين على نفوسهم، واستدلالهم بتضمين علي t لهؤلاء وقوله: لا يصلح الناس إلا ذلك كل، ذلك ينطبق من باب أولى على بقية الأمناء مثل المضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار إذا قارنا زماننا هذا بزمن علي t، فقد تأكد ضعف سلطان الدين على نفوس هؤلاء الأمناء وفشا فيهم الكذب وانتشرت الخيانة وذلك بدرحة أكبر مما كان عليه الوضع في خلافة علي t فوجب أن يورث هذا تهمة تضع هؤلاء الأمناء في وضع المدعي الذي يلزمة إقامة الدليل على هلاك رأس المال أولاً، ثم على أن هذا الهلاك لم يكن بتعدي الأمين ثانياً، وهذا لا شك يحقق مصلحة حفظ المال، وهي مصلحة عامة للمجتمع تعدم على المصلحة الخاصة لهؤلاء الأمناء في عدم تضمنيهم، ويخدم تمويل خطط التنمية ويساعد على زيادة الإنتاج ويمكن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية من استخدام صيغ الاستثمار الحقيقي لتمويل مشاريع التنمية مثل المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار بدلاً من التركيز على عقود التمويل القصير كالمرابحة والسلم وعيرها من التمويل قصير الأجل.

رابعاً: قرينة القيود المحاسبية

دعوى الهلاك أو الخسران على خلاف حسابات الامين مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيلاً في الاستثمار، تورث تهمة كذبه وتضعه في مركز المدعي الذي تلزمه إقامة البينة، لأنه والحال كذلك يدعي خلاف الظاهر، إذ الظاهر أن الحسابات التي يمسكها الأمين تكون صحيحة فتكون حجة عليه، فإذا ادعى خسارة وأظهرت حساباته ربحاً كان كاذباً في دعواه ظاهراً، وعليه هو أن يفسر التناقض بين حساباته وبين الخسران الذي يدعيه مع تحديد وإثبات أسباب هذا الخسران، وإلا ضمن.

هذا ويجب على جميع البنوك الإسلامية ألا تقصر فيما يجري عليه العمل في مؤسسات مالية إسلامية كثيرة، من اشتراط البنك على المضارب أو الشريك المدير أو الوكيل في الاستثمار أن يفتح حساباً مستقلاً لديه للمضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار، تقيد فيه جميع إيرادات ومصروفات المشروع أو النشاط الذي يستثمر فيه رأس المال. فهذه الحسابات وما اشتملت عليه من قيود محاسبية تعد قرينة تنقل عبء الإثبات إلى الأمين، مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيلاً في الاستثمار، وإلا ضمن رأس المال والربح المتوقع الذي أظهرته دراسة الجدوى وأكدته القيود المحاسبية .

هذا ويجوز للبنك أن يشترط في عقد المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار أن يكون له حق الاطلاع على حسابات المشروع وطلب جميع البيانات الضرورية عنه، ولا يعد هذا تدخلاً من رب المال في إدارة المضاربة بل طريقاً مشروعاً لمراقبة الأمين للتأكد من تنفيذه لشروط وأحكام المضاربة، فإذا لم يمسك المضارب حسابات منتظمة للمشروع الذي استثمر فيه رأس مال المضاربة، كان ذلك الإهمال قرينة أو تهمة تنقل إليه عبء الإثبات وتوجب عليه الضمان إلا إذا أثبت أن هلاك موجودات المضاربة أو خسارتها كان بسبب لا يد له فيه، فعدم إمساك حسابات منظمة للمضاربة تهمة تكذب دعواه.

ولا يقال أن المضارب المتعدي يضمن رأس المال دون الربح المتحقق أو المتوقع حسب دراسة الجدوى بحجة أنه أمين تعدى فصار غاصباً فدخل رأس المال في ملكه واستحق ربحه، ذلك أن هذا الحكم يطبق على الأرباح اللاحقة للتضمين، وأما في حالات قيام القرينة على كذب المضارب فإن رب المال يكون مصدقاً ويكون القول قوله، ويلزم المضارب إثبات أنه ما تعدى على موجودات المضاربة وما قصر في حفطها وما أخطأ في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها وما خالف حكماً من أحكام عقد المضاربة الشرعية، ولا شروطها الاتفاقية، فإن عجز عن شيء من ذلك كان ضامناً لموجودات المضاربة بمثلها أو بقيمتها في ذلك الوقت، وقيمة الموجودات تشمل الأرباح المحققة التي حدثت فعلاً وصارت جزءاً من موجودات المضاربة التي يملك رب المال حصته فيها.

ومن جهة أخرى فإن المالكية يرون أن هذا الحكم لا يطبق على المضارب فإن المضارب عندهم إذا تعدى قد ربحت المضاربة فإن رب المال يشاركه في الربح حسب الشرط ولا يستقل به المضارب، وهذا هو القول الراجح عندهم بالنسبة للمضارب، بخلاف الوكيل المتعدي فإن الغرم يكون عليه والربح كله يكون للموكل، وبخلاف من أخذ المال للحفظ كالمودع فإنه إذا تعدى لزمه الضمان وكان الربح كله له، والقول باستقلال المضارب بالربح قول ضعيف عندهم.

جاء في مواهب الجليل "وضمن –المضارب- إن خالف، والربح لهما ككل آخذ مالٍ للتنمية فتعدى، يعني أن العامل إذا تعدى وقلنا : إنه ضامن للمال إن تلف أو خسر فلا يختص بالربح ويقال كما أنه يضمن الخسارة فليستبد بالربح، بل الربح لهما على ما شرطا، قال في التوضيح، لأنه يتهم أن يكون قصد الاستبداد بالربح فعوقب بنقيض قصده، ولأنه لو قلنا الربح للعامل بتعديه لكان ذلك حاملاً له على التعدي ليستقل بالربح، ولهذا قلنا إن كل من أخذ مالاً لتنميته (دون أن يكون له حصة شائعة في ربحه) فتعدى فيه كالوكيل فالغرم عليه والربح لرب المال، وأما المقارض فالربح لهما على ما شرطا، وكل من أخذ مالاً على الأمانة وتعدى فيه فالربح له فقط كالمودع. وذهب البعض إلى أن العامل يجب له الربح كله في مسائل الضمان بسبب المخالفة، لأنها توجب انتقال مال القراض إلى ذمته، وذلك موجب لكونه مالكاً للربح"[23]

خامساً: قرينة التدقيق الداخلي والخارجي الشرعي والمالي

إن تقارير التدقيق الداخلي والخارجي الشرعي والمالي على نشاط الأمين تعد قرينة ضد الأمين إذا ادعى الهلاك أو الخسران على خلاف نتائج هذه التقارير، لأن الظاهر صحة وسلامة ودقة هذه التقارير، وهذا الظاهر يشهد للمالك ضد الأمين ويضع الأمين في مركز المدعي الذي تلزمه البينة على عدم التعدي أو التفريط، وعليه هو أن يفسر اختلاف نتائج نشاطه عما أظهرته هذه التقارير وأن الهلاك أو الخسران كان بسبب لا يد له فيه وإلا كان ضمناً.

ويجب على المؤسسات المالية الإسلامية أن تشترط على المضارب أو الشريك المدير أو الوكيل في الاستثمار أن يفتح حساباً مستقلاً لديها لمشروعه أو نشاطه الذي يموله البنك، وتلزمه بأن يأذن للبنك بإجراء تدقيق شرعي ومالي على حساباته، وأن يطلع على مثل هذه التقارير إن قام بها غيره، بحيث تكون نتائج هذه التقارير قرينة تكذب دعواه الهلاك والخسارة إذا جاءت هذه الدعوى على خلاف نتائج تقارير التدقيق، وبعبارة أخرى فإن نتائج هذه التقارير تعد عنواناً للحقيقة والظاهر صحتها فتكون دعواه على خلاف الظاهر فيكون في مركز المدعي الذي يلزمه الدليل على عدم التعدي على موجودات المشروع أو التفريط في حفظها أو الخطأ في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها وإلا قضي عليه بالضمان، إن هذا النوع من التناقض أو التخالف بين دعواه وبين نتائج تقارير الرقابة والتدقيق يورث تهمة كذب الأمين وتضعه في مركز المدعي وتنقل إليه عبء إثبات خلاف ما تفيده هذه التقارير.

ومن المقرر أن اشتراط البنك على المضارب أو الشريك المدير أو الوكيل في الاستثمار، إمساك حسابات منتظمة للمشروع الذي يموله البنك، وأن يسمح للبنك بالاطلاع على هذه الحسابات والعلى تقارير التدقيق، أو أن يقوم البنك نفسه بهذا التدقيق، لا يخالف مبدأ استقلال المضارب في إدارة المضاربة وفي اتخاذ القرارات الاستثمارية استقلالاً، لأن هذا الشرط يكون لمراقبة حسن تنفيذ المضارب لشروط المضاربة، أما في المشاركة والوكالة في الاستثمار فلا خلاف في أن للموكل والشريك غير المدير أن يتدخل في الإدارة ويفرض القيود المناسبة على الشريك المدير والوكيل.

سادساً: تقارير الجهات الرقابية

إن تقارير الجهات الرقابية، كالبنك المركزي ووزارة الاقتصاد وديوان المحاسبة تعد قرينة تنقل عبء الإثبات إلى الأمين وتضعه في مركز المدعي، إذا جاءت دعواه الهلاك أو الخسارة على خلاف نتائج ومضمون هذه التقارير، لأن دعواه في هذه الحالة تكون على خلاف الظاهر من نتائج هذه القارير، بل إن البيانات والمعلومات التي تحصل عليها هذه الجهات تعد قرينة ظاهرة تلقي عبء الإثبات على الأمين، مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيلاً في الاستثمار إذا جاءت مخالفة لدعواه. وللبنوك الإسلامية أن تطلب نسخاً من هذه التقارير لتساعدها على التأكد من الشفافية والصدق لدى هؤلاء الأمناء. وهذا كله من دلالة الحال على صدق أو كذب أحد المتداعيين.

فقد جاء في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: "وَمِنْ ذلك أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ في تَدَاعِي الزَّوْجَيْنِ وَالصَّانِعِينَ لِمَتَاعِ الْبَيْتِ وَالدُّكَّانِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ من يَدُلُّ الْحَالُ على صِدْقِهِ، وَالصَّحِيحُ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْيَدِ الْحِسِّيَّةِ بَلْ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا وَلَوْ اعْتَبَرْنَاهَا لَاعْتَبَرْنَا يَدَ الْخَاطِفِ لِعِمَامَةِ غَيْرِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ وَآخَرُ خَلْفَهُ حَاسِرَ الرَّأْسِ"[24].

وقال اللخمي: "يختلف في القراض في سبعة مواضع ضياعه ورده وخساره وجزء الربح والذي ربحه وقدر رأس المال وهل هو بضاعة أو قراض أو قرض وفي الصحة والفساد فيصدق في تلفه وغرقه وسرقته ونحو ذلك لأنك أمنته وإن لم يكن أمينا واختلف في تحليفه قال وأرى غير المأمون، أن يحلف وإن قام دليل على كذبه لم يصدق واغرم وأن اختلفا في الجزء صدق قبل الشروع لأن لك الانتزاع ولا يصدق فيما يشبه لأن له أن لا يسلم إلا بما يريد - كالبائع والأجير ويصدق في الخسارة لأجل السراق - ان أتى بما يعضد السرقة من القافلة أو الضيعة بما يشبه ويصدق في الربح فيما يقوله أهل تلك الصنعة وما يشبه دون غيره وكذلك في ثمن الذي يقدم به فإن أشكل جميع ذلك صدق بغير يمين إن كان ثقة ولا حلف إلا أن يقوم دليل التهمة فيحلف الجميع وإن شهدت بينة مستورة لا تبلغ العدالة حلف وفي الجواهر يصدق مدعي الصحة على مدعي الفساد لأنه أصل في تصرفات المسلمين تحسينا للظن بهم على المذهب ومدعي الفساد عند عبد الحميد لأن الأصل عدم الانعقاد"[25].

سابعًا: تسلم الأمين للمال ببينة

يرى بعض الفقهاء أنه إذا تسلم الأمين، كالمضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار رأس المال ببينة، أي بدليل شرعي يقصد به التوثق فإنه لا يقبل منه دعوى رده كاملاً إلى رب المال بدون بينة، فإن ادعى الرد كانت دعواه على خلاف الظاهر وتورث تهمة الكذب، لأن الأمين إذا أخذ المال بيقين فلا يقبل منه دعوى الرد إلا بيقين مثله.

جاء في مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل 

وأما في دعوى الرد، فإن القول قوله إلا أن يكون قبضه ببينة.(7 / 291)

وجاء في التاج والإكليل: مِنْ الْمُدَوَّنَةِ : مَنْ بِيَدِهِ وَدِيعَةٌ أَوْ قِرَاضٌ لِرَجُلٍ فَقَالَ لَهُ : رَدَدْتُ ذَلِكَ إلَيْكَ ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .

وَلَوْ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ فَقَالَ ضَاعَ مِنِّي أَوْ سُرِقَ صُدِّقَ ، أي ما لم تقم تهمة في حق الأمين.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ : الْأَمَانَاتُ الَّتِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ أَمَرَهُمْ اللَّهُ فِيهَا بِالتَّقْوَى وَالْأَدَاءِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِشْهَادِ كَمَا فَعَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْتَمَنُونَ فِي الرَّدِّ إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُمْ دُونَ إشْهَادٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يُصَدَّقَ الْمُسْتَوْدَعُ فِي دَعْوَاهُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَذَّبَهُ الْمُودِعُ كَمَا تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِيمَا ائْتَمَنَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا خُلِقَ فِي رَحِمِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ وَالْحَمْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفَعَهَا إلَيْهِ بِإِشْهَادٍ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ إنَّمَا ائْتَمَنَهُ عَلَى حِفْظِهَا وَلَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَى رَدِّهَا فَيُصَدَّقُ فِي الضَّيَاعِ الَّذِي ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ الَّذِي اُسْتُوْثِقَ مِنْهُ وَلَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَيْهِ .هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ . (9 / 49)

وفي البهجة في شرح التحفة 

فإنه يصدق في دعوى الرد إذا قبضه بغير بينة فإن قبضه ببينة لم يصدق في الرد.(2/455)

-       والذي أراه أن هذه القرينة تصلح أيضاً لنقل عبء إثبات الهلاك أو الخسارة إلى الأمين إذا ادعى هلاك المال أو الخسارة، ذلك أن تسلم الأمين لرأس مال المضاربة أو الوكالة في الاستثمار أو حصة البنك في المشاركة ثابت بيقين، وبذلك ينتهي حكم البراءة الأصلية، لأن أدلة الشريعة تقطع بوجوب رد الأمانات إلى أهلها، قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا " وقال رسول الله e : أد الأمانة إلى من ائتمنك" والأصل والظاهر بل والكثير الغالب أن رأس المال يبقى ويحقق الربح المتوقع في دراسة الجدوى، وهلاكه وخسارته دون تعد أو تفريط نادر جداً، والنادر لا حكم له في الشرع. ذلك أن الظاهر المشاهد الذي تدل عليه الأعراف التجارية أن الأموال تبقى ولا تهلك وأنها تحقق أرباحاً في الظروف العادية، فإذا ما ادعى المضارب مثلاً هلاك رأس المال أو خسارته فعليه هو أن يثبت واقعة الهلاك أو الخسارة أولاً، ثم يثبت ثانياً أن هذا الهلاك وتلك الخسارة كانت بسبب لا يد له فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي أثاره، أي أن عليه إثبات القوة القاهرة أو السبب الأجنبي وإلا لزمه الضمان، لأن الأصل هو بقاء المال الذي قبض بيقين، ووجب رده بيقين، فلا يزول هذا اليقين إلا بيقين مثله ولا يزول بمجرد دعوى الأمين.


الفهرس

تمهيد: 1

الطرق المقترحة للتحوط ضد مخاطر عقود الاستثمار (المضاربة والمشاركة والوكالة) 1

الأول: عن طريق الكفالة_ 1

وفيما يلي نصوص تؤيد أن المضارب وكيل: 2

وفيما يلي نصوص تدل على أن الشريك وكيل في نصيب شريكه: 2

الثاني: عن طريق الوعد بالشراء 4

مصدر الوعد بالشراء: 4

التعهد بالشراء: 4

الشراء بالقيمة الاسمية: 7

القيمة الاسمية تعادل القيمة السوقية إذا كان هناك ربح موزع 8

القيمة الاسمية تعادل القيمة السوقية اذا لم يتحقق ربح ولا خسارة 8

القيمة السوقية أقل من القيمة الاسمية في حالة الخسارة التجارية_ 8

التفرقة بين الهلاك الجزئي والخسارة : 9

هل الوعد بالشراء بالقيمة الاسمية ضمان لرأس مال الصكوك؟_ 11

الثالث: عن طريق نقل عبء الإثبات إلى الأمين (المضارب والشريك المدير ووكيل الاستثمار) 14

طبيعة القرائن ودورها في الإثبات_ 14

الأصل الأول: 16

الأصل الثاني: 16

أولا: التهمة_ 20

1. أثر التهمة في نقل عبء الإثبات إلى الأمين: 20

2. التهمة فيما يغاب عليه من الأموال المؤتمن عليها: 21

ثانياً: تكذيب التجار_ 27

ثالثاً: دراسة الجدوى_ 28

رابعاً: قرينة القيود المحاسبية_ 29

خامساً: قرينة التدقيق الداخلي والخارجي الشرعي والمالي_ 31

سادساً: تقارير الجهات الرقابية_ 32

سابعًا: تسلم الأمين للمال ببينة_ 32

 



[1] النساء 58

[2] الذخيرة (ج 6/ ص 54)

[3] د. نزيه حماد في بحثه بعنوان "مدى صحة تضمين الأمين بالشرط"

[4] الضمان في الفقه الإسلامي للشيخ على الخفيف ص 82

[5] التاج والإكليل لمختصر خليل ج 9 ص 79

[6] كما يسميها د.نزيه حماد في بحثة مدى صحة تضمين الأمين بالشرط"

[7] مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل ج 14 ص 231

[8] بداية المجتهد - (ج 2 / ص 224)

[9] التاج والإكليل لمختصر خليل ج 9 ص 79

[10] الذخيرة ج 6 ص 53

[11] الشرح الكبير للشيخ الدردير - (ج 3 / ص 436)

[12] تهذيب مسائل المدونة المسمى (( التهذيب في اختصار المدونة )) - (3 / 281)

 

[13] الضمان في الفقه الإسلامي للشيخ على الخفيف ص 82

[14] انظر بحث "مدى صحة تضمين يد الأمان بالشرط ص 30" للدكتور نزيه حماد.

[15] الفروق 207

[16] الذخيرة :5/529

[17] فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك ج 4 ص 370

[18] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ج 9 ص 444

[19] تبيين الحقائق ج 14 ص 487

[20] حاشية العدوي على شرج كفاية الطالب الرباني ج6 ص 179

[21] الفواكه الدواني  ج 2   ص 124

[22] الفواكه الدواني  ج 2   ص 124

[23] مواهب الجليل (ج 7 ص 455، 456)

[24] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ج 1 ص 31

[25] الذخيرة ج 6 ص 53