Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
التعليق على بحث إجارة العين لمن باعها للدكتور نزيه كمال حماد
 

التعليق على بحث إجارة العين لمن باعها للدكتور نزيه كمال حماد

يتسم بحث الدكتور نزيه كمال حماد بالدقة والإيجاز والتحليل العلمي لموضوع الندوة، وقد صور الباحث إجارة العين لمن باعها بأن هذه الإجارة إما أن تكون تشغيلية وإما أن تكون منتهية بالتمليك.

وذكر أن النوع الأول يدخل تحته ثلاث حالات ذكرها وبين حكمها على النحو التالي:

 

الحالة الأولى:

أن تقع هذه الإجارة دون مواطأة متقدمة أو شرط مقارن لعقد البيع وذكر الباحث أنه لا خلاف بين الفقهاء في جواز هذه المسألة، بناء على أن الأصل جواز العقود والشروط، وأوضح أن الإجارة في هذه الحالة تتم بعقد مستقل تال لعقد البيع. وأوافق الباحث على ما قال.

 

الحالة الثانية:

أن تكون هذه الإجارة مشترطة في عقد البيع، وصورتها أن يبيع المالك عمارته بكذا على (أو بشرط) أن يستأجرها البائع من المشتري بأجرة معلومة لمدة محددة تعود بعدها العين المؤجرة إلى مالكها المؤجر لها.

وقد ذكر الباحث أن للفقهاء في هذه الإجارة قولين أحدهما قول الجمهور بالمنع وثانيهما قول المالكية وابن تيمية من الحنابلة بالجواز، وقد عرض أدلة كل قول على نحو موجز وكاف ومفيد في نفس الوقت مع ذكر عبارات أصحاب القول بالجواز بشيء من التفصيل الجيد، ويظهر أنه انتهى إلى ترجيح رأي القائلين بالجواز، وإني أوافق الباحث على ما قال لظهور قوة أدلة القول الثاني، ولأن في هذا القول سعة ورفعا للحرج وتحقيقا لمصلحة المؤسسات المالية الناشئة.

 

الحالة الثالثة:

أن تكون هناك مواطأة على إجارة العين لمن باعها. وقد صورها الباحث باتفاق إرادتين في المداولة التمهيدية المتقدمة على أن يبيع الطرف الأول (البائع) العين التي يملكها للطرف الثاني (المشتري) ثم يستأجرها منه بعقد إجارة مستقل بأجرة معلومة لمدة محددة. وقد مهد الباحث لذلك بتوضيح مختصر ومفيد بتعريف المواطأة، وذكر أنها قد تكون صريحة وقد تكون بدلالة العرف والعادة، ثم بين خصائص المواطأة في النظر الفقهي وضرب لذلك أمثلة، وذكر عبارات الفقهاء في خصائص المواطأة وحكمها، وهو تمهيد يمتاز بالأصالة والاستدلال الجيد والعرض المشوق والموجز المفيد.

 

وقد انتهى الباحث إلى أن تأجير العين لمن باعها بناء على المواطأة المتقدمة هو حكم تأجيرها بالشرط المقارن لبيعها بناء على الراجح من أقوال الفقهاء، وأنه جائز في النظر الفقهي عند المالكية وابن تيمية من الحنابلة، هذا وإني أوافق الباحث في كل ما قال في هذه الحالة.

 

النوع الثاني

إجارة العين لمن باعها إجارة منتهية بالتمليك

 

يندرج تحت هذا النوع حالتان في نظر الباحث:

 

الحالة الأولى:

أن تقع الإجارة بمواطأة متقدمة أو اشتراط في عقد البيع، وقد أكد الباحث قبل بيان حكم هذه الحالة أكثر من مرة أن الإجارة المنتهية بالتمليك معاملة مركبة من عقود والتزامات متتابعة مترابطة، تهدف إلى تحقيق غرض تمويلي، وأنها تبدأ بتأجير العين وتنتهي بتمليكها للمستأجر في نهاية مدة الإجارة بعد وفائه بجميع التزاماته المترتبة على عقد الإيجار، إما تلقائيا مقابل ما دفع من أجرة خلال مدتها، أو بعقد هبة مستقل تال لعقد الإجارة أو بعقد بيع بثمن حقيقي أو رمزي محدد، معلق على سداد جميع الأجرة المتفق عليها، أو مضاف إلى نهاية عقد الإجارة أو غير ذلك. ثم ذكر أن لهذه المعاملة صورا تطبيقية متنوعة في السوق العالمية، منها ما هو شائع مقبول في النظر الفقهي ومنها ما هو فاسد مردود.

 

وقد أحسن الباحث في هذا التصوير لهذه المعاملة وأنا أوافقه تماماً على أن الحكم على المعاملة يجب أن ينصب على هدفها ولا ينظر إلى العقود والوعود كل منها على انفراد، بل يجب أن يكون الحكم عليها على اعتبار أنها معاملة أو اتفاقية أو مشروع واحد وان العقود كأجزاء أو نصوص في عقد واحد، وأنها معاملة جديدة ينبغي أن ينظر إليها نظراً جديداً.

 

وقد ذكر الباحث أن بحثه سوف ينصب على الصورة السائقة شرعا من صور هذه المعاملة التي قرر جوازها مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم 110(4/12) في دورته الثانية عشرة، ثم حدد هذه الصورة بأنها "عقد إجارة يمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مقابل أجرة معلومة في مدة معلومة، واقترن به عقد هبة العين للمستأجر معلقا على سداد كامل الأجرة، وذلك بعقد مستقل، أو وعد بالهبة بعد سداد كامل الأجرة".

وقد ذكر الباحث أن هذه الصورة بحسب نظامها حيلة (أو مخرج) لتمليك العين المحددة بثمن مؤجل يسدد على نجوم معلومة خلال مدة معلومة، مع حماية البائع قصدا (المؤجر حيلة) من خطر ضياع الأقساط المؤجلة، وعجزه عن تحصيلها في حالة الإفلاس، أو المطل أو عدم القدرة على الوفاء، وذلك بإبقاء العين المعقود عليها تحت ملكه حتى يستوفي كامل الثمن المؤجل.

 

وقد حكم الباحث على هذه الصورة بالجواز بنفس الضوابط الواردة في قرار المجمع ثم عدد هذه الضوابط وانتهى إلى القول بالجواز نظرا لكونها حيلة لا تحل حراما ولا تبطل حقا ولا تسقط واجبا ولا تتضمن جورا أو أكلا لمال الغير بالباطل، بل فيها مصلحة معتبرة شرعا، وهي صيانة حقوق الناس عن التوى والضياع.

 

الحالة الثانية:

حالة المواطأة بين طرفين على بيع أحدهما للآخر عينا قابلة للانتفاع بها، بثمن معجل، ثم تأجير المشتري تلك العين من بائعها إجارة منتهية بالتمليك ببدل محدد مؤجل أو مقسط على نجوم أكثر من  الثمن المعجل الذي باعها به.

 

ويرى الباحث أن هذه الحالة تمثل اتفاقية على إضمار (إخفاء) قصدهما التعامل بحيلة ربوية بالجمع بين عقدين مشروعين عند  الانفراد، محظورين عند الاجتماع، لإفضائهما عند الاجتماع إلى صورة مستحدثة من العينة، حيث أن البائع قصد بهذه الصفقة استعادة ملكية العين التي باعها من مشتريها، بذريعة الصيغة العقدية المركبة الموسومة بالإجارة المنتهية بالتمليك، بثمن مؤجل أكثر من الثمن المعجل الذي باعها له به، واتفق مع المشتري مسبقا على ذلك، فكانت محظورة باطلة، لأنها حيلة إلى القرض الربوي.

 

ثم مثل الباحث لذلك بصكوك الإجارة التي أصدرتها حكومة مملكة البحرين بتاريخ 4/9/2001، ثم أكد سيادته بعد استعراض عناصر وقواعد إصدار هذه الصكوك، أنه في حقيقته ضرب من العينة التي قصد بها القرض الربوي بحيلة تتمثل في بيع المالك أصله العيني بثمن معجل إلى آخر، مع استبقائه في يده لمدة خمس سنوات، مقابل أجرة سنوية تبلغ 5.25 % من الثمن بعقد إجارة منتهية بالتمليك يستعيد البائع في نهايتها شراءه منه بمثل الثمن الذي باعه به ثم استدل على بطلان هذه الصورة ببيع الرجاء الذي أفتى الفقهاء بفساده وحظره، وفصل وأطال الحديث في بيع الوفاء.

وسوف أناقش الباحث فيما استدل به لفساد وبطلان هذه الصورة، وذلك على النحو التالي:

 

أولا:

     أوافق الباحث على أن هذه المعاملة تعد معاملة واحدة لا تقبل التفكيك والانفصال، وأنها تهدف إلى تحقيق وظيفة تمويلية محددة وبلوغ غرض معين اتجهت إرادة العاقدين إلى تحقيقه، غير أني أخالفه في أن هذه المنظومة تتحقق فيها أو بها حقيقة العينة المحرمة، وأنها اتفاقية على إخفاء قصدهما التعامل بحيلة ربوية وذلك للأسباب التالية:

1. أن الربا يتحقق بثبوت دين في ذمة شخص، والدين التزام على المدين يجبر على الوفاء به في جميع الأحوال بصرف النظر عن أية ظروف خارجية. ولذا يقال أن الدين مضمون على المدين، لأنه حق شخص لا عيني، أي لا يرتبط أو لا يتعلق بعين مالية محددة كحق الملكية، ويقال إن الدين لا يسقط إلا بالوفاء أو الإبراء.

 

2. أن يكون المدين ملتزما، أي ضامنا، لدفع مبلغ زائد على هذا الدين مقابل الأجل، بحيث لا يتوقف التزامه بدفع هذا المبلغ على أمر خارجي، فهو التزام بات وناجز، لا يسقط إلا بالوفاء أو الإبراء.

 

3. وبالتالي فان شرط تحقق معاملة ربوية أن يكون الدين والزيادة عليه مضمونة على المدين، أي واجبة السداد في جميع الأحوال بحيث لا تسقط إلا بالوفاء أو الإبراء.

 

ثانيا:

في الصورة المعروضة لتأجير العين لبائعها إجارة منتهية بالتمليك بعوض محدد معلوم يدفع في نهاية مدة الإجارة يزيد عن العوض الذي قبضه البائع نقدا حالاً عند بيع هذه العين إلى المؤجر، لا يوجد دين على المستأجر أو زيادة مقابل الأجل وذلك لما يأتي:

البائع الأول للعين والمستأجر لها بعد ذلك، والمشتري لها في نهاية مدة الإجارة ليس مدينا بالثمن الحال الذي قبضه عندما باع العين المستأجرة إلى مالكها الحالي المؤجر لها، لأنه غير ملتزم برده ولا ضامن له على البت، بحيث يلزمه الوفاء به على كل حال، وبحيث لا يسقط عنه إلا بالأداء أو الإبراء، فخصائص الدين الذي تعد الزيادة عليه مقابل الأجل ربا محرم لا تتوافر في الثمن المقبوض في الحقيقة ونفس الأمر وذلك للأسباب التالية:

1. لا يلزم رد هذا الثمن في جميع الأحوال فلو مات البائع مثلاً لا يستوفى المشتري هذا الدين من تركته، وتبقى العين مملوكة لمشتريها منه والثمن الذي قبضه جزءا من تركته.

 

2. قد تهلك العين المؤجرة فتهلك على ملك المؤجر، لأنه المالك لها في الحقيقة ونفس الأمر، وعند ذلك لا يلتزم المستأجر بشيء لأنه لن يشتري العين المعدومة، فسقط كونه مدينا، لأن هلاك العين ليس وفاء للدين ولا إبراء منه.

 

3. يملك المستأجر الحق في عدم شراء العين، وبالتالي لا يلزم دفع ما قبضه من ثمن، فلم يتعين الثمن دينا في ذمته مضمونا عليه، وإذا قيل بأن له مصلحة في الشراء، رد على ذلك بأنه ليس مدينا قبل إتمام عقد الشراء والدين يجب أي يبقى مضمونا على المدين وثابتا في ذمته من تاريخ قبضه ولا يسقط إلا بالوفاء أو الإبراء.

 

4. قد لا يوفي المؤجر (المالك الحالي للعين) بالتزامه بنقل الملكية بهبة أو بثمن رمزي، وبالتالي لا يصير المستأجر مدينا بالثمن الذي قبضه، فلا توجد خصائص الدين ومقوماته الشرعية الذي تعد الزيادة عليه رباً محرماً، لان الدين الشرعي بخصائصه لا يوجد في الثمن الذي قبضه البائع الأول للعين (المستأجر الحالي لها) من المشتري (المالك الحالي المؤجر للعين)، عند قبضه.

 

ثالثا:

     أما الزيادة على مبلغ الدين، على فرض أن الثمن الذي قبضه البائع الأول كان دينا شرعيا من لحظة قبضه ولم يكن ثمنا، (والواقع أنه ثمن، بدليل أنه لو هلكت العين لما لزمه الوفاء بشيء للمالك المؤجر للعين)، هذه الزيادة ليست دينا في ذمة المستأجر بصفة مقابل الأجل بصفته مدينا بالثمن لأنها لا تتوافر فيها صفة الضمان البات والالتزام الدائم الذي يلزم الوفاء به في جميع الحالات وذلك للأسباب التالية:

1. قد تهلك العين فينتهي عقد الإيجار وتتوقف الأجرة حتى في حالة الهلاك بسبب من جانب المستأجر.

 

2. قد تزيد نفقات الصيانة الأساسية وأقساط التأمين، على ما يجري عليه العمل في التأمين على الأعيان المؤجرة والضرائب الواجبة على المؤجر كالضرائب العقارية وضريبة الدخل (الأجرة)، عن الأجرة المستحقة، فهذه الأجرة ليست مضمونة من حيث مبلغها، بل ولا من حيث وجودها.

 

3.  هذه الأجرة هي الخراج والغنم، وهي تدفع في مقابلة الغرم والضمان، بحكم أن ضمان العين المؤجرة على المؤجر، وليست في مقابل الأجل، لان الفائدة تكون في مقابل الأجل إذا لم يكن الدائن معرضا لمخاطر قد تزيد على مبلغ الزيادة. ولذلك فان النص في عقد الإجارة على تحمل المالك المؤجر لمخاطر هلاك العين وتلفها وتعيبها، والتزامه بنفقات الصيانة الأساسية وأقساط التأمين على العين والضرائب على العقار أو المعدة المؤجرة، وضريبة الدخل على الأجرة، كل ذلك يقطع بأن الأجرة خراج وغنم يدفع للمالك المؤجر مقابل التزامه بالضمان، وليست في مقابل الأجل فلا يتحقق شرط الربا، لان الربا لا يتحقق إلا إذا كانت الزيادة مضمونة في جميع الأحوال بقدرها وواجبة الوفاء بحيث لا تسقط إلا بالوفاء أو الإبراء.

 

رابعا:

وإذا لم يتوفر في الثمن الذي قبضه البائع الأول للعين (المستأجر لها حاليا، من المشتري للعين المالك المؤجر لها حاليا) خصائص الدين عند قبضه ولا يعد ذلك، فان شبهة الربا أو الحيلة على الربا لا تتصور، وإذا لم تكن الأجرة مضمونة على المستأجر (الذي يصور على انه مدين بالثمن) بصفتها زيادة على دين، بل مضمونة عليه بصفتها أجرة مقابل الانتفاع بالعين، ولا تدفع إلا إذا بقيت العين وبقيت منفعة العين، لم نكن أمام حيلة ربوية لانتفاء خصائص الدين الشرعي في الثمن الذي قبضه  البائع الأول للعين من المشتري (المالك الحالي للعين) ولم تتوافر هذه الخصائص كذلك في الأجرة التي يلتزم بها المستأجر، ولذا سقط في نظري استدلال الباحث على أن هذه المعاملة حيلة إلى ارتكاب جريمة الربا، لان الربا يفترض دينا مضمونا منذ قبض البائع من المشتري وفي جميع الأحوال لا يسقط إلا بالوفاء أو الإبراء، وكل من الثمن والأجرة لا يتوفر فيها ذلك باتفاق.

وضمان الزيادة التي تمثلها الأجرة بمقتضى عقد الإجارة، (ليس كضمان الدين أو الزيادة على القرض) لان الإجارة قد تفسخ بهلاك العين، فلا يلتزم المستأجر بدفع الأجرة، ولان المالك يقوم بأعمال الصيانة ويتحمل مخاطر التلف، وليس كذلك الدين أو الالتزام في ذمة المدين، فان الدائن لا يتعرض لأية مخاطر لأسباب خارجية.

وهذا يعني أن الدين أو ما سمي دينا في ذمة البائع الأول لا يكون دينا ربويا أو لا تكون المعاملة مخفية فائدة أو معاملة ربوية إلا بشروط أربعة:

1. أن يكون الثمن الذي وعد بائع العين الأول بالشراء به في نهاية مدة الإجارة ثابتا في ذمته ثبوت الدين منذ تاريخ قبضه، وألا يكون ثبوته متوقفا على إرادة المدين والدين هنا متوقف على قبول شراء العين، كما أن ثمن البيع الأول ليس دينا ثابتا مضمونا في ذمة البائع عند قبضه بل ثمن مقابل نقل ملكية العين إلى المشتري بغنمها وغرمها.

 

2. ألا يتأثر هذا الدين وهو في ذمة المدين بأية حوادث خارجة وهنا يتأثر الدين بهلاك العين فإن البائع (المستأجر) لا يلتزم بدفع الثمن بل ولا الأجرة فلا يكون هذا الدين مضمونا فالثمن الموعود بالشراء به ليس من قبيل الدين المضمون، ولا يكون هناك ربا وفائدة إلا إذا كان الدين مضموناً ضماناً مطلقاً وباتاً، والربا لا يثبت ليس بالشبهة ولا بالتوهم.

 

3. أن الزيادة في الدين الربوي أو القرض مضمونة على المدين، (هذا على فرض أن المستأجر بائع العين الأول مدينا)، ضمانا باتا وأن الدائن غير معرض للخطر بسقوط هذا الدين بسبب خارجي، وهنا يسقط الدين ويبطل التزام المستأجر (البائع الأول للعين) بهلاك العين وتلفها.

 

4. الوعد ليس شراء فلا يرقى إلى درجة الالتزام الذي يترتب في عقد القرض بفائدة فانه عقد أو اتفاق بإرادتين، فيثبت به الدين ثبوتا باتا، أما مجرد الوعد من طرف واحد فإنه لا يعد عقدا ولا ينشئ التزاما عند جمهور الفقهاء، وبالتالي لا يتصور أن ينشئ دينا مضمونا في ذمة الواعد بالشراء بثمن الشراء قبل وقوعه.

 

مناقشة أدلة الدكتور نزيه حماد بالتفصيل

الدليل الأول: العينة والحيلة إلى القرض الربوي

 

ذكر الباحث أنه قد تبين له بعد التعمق في فهم حقيقة هذه المنظومة العقدية المترابطة، ومقصود العاقدين منها ومآلها أن المواطأة بين طرفين على بيع أحدهما للآخر عينا بثمن معجل، ثم تأجير المشتري تلك العين من بائعها إجارة منتهية بالتمليك ببدل محدد مؤجل أو مقسط على نجوم اكثر من الثمن المعجل الذي باعها به، تبين للباحث أنها اتفاقية على إخفاء قصدهما التعامل بحيلة ربوية بالجمع بين عقدين مشروعين عند الانفراد، محظورين عند الاجتماع لأدائهما إلى صورة مستحدثة من العينة، وحيث أن البائع قصد بهذه الصفقة استعادة ملكية العين التي باعها (قد لا تعود فليس عودتها مؤكدا) من مشتريها بثمن مؤجل أكثر من الثمن المعجل الذي باعها له به واتفق مع المشتري على ذلك مسبقا فكانت محظورة باطلة لأنها حيلة إلى القرض الربوي. والرد على هذا الدليل يظهر مما يلي:

1. أن المواطأة السابقة أو الشرط المقارن لا يصلح سببا للبطلان، لأنه علة منقوضة، فقد وجد هذا الاشتراط، كما يقول الدكتور عجيل النشمي، دون أن يترتب عليه البطلان، وذلك في الصورة التي وافق عليها الدكتور نزيه حماد نفسه، والتي جاءت في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 110(4/12) حيث قال فيها "وحقيقة هذه الصورة إنها صيغة تمويلية تتم عبر منظومة عقدية مؤلفة من عقود والتزامات وعدية مترابطة الأجزاء متوالية المراحل، يتواطأ طرفاها على قيام المالك بتأجير أصل عيني للآخر باجرة محددة إلى أجل معلوم بشرط تمليك العين المستأجرة بعقد هبة تال لعقد الإجارة، وحكم هذه الصورة الجواز والمشروعية بالضوابط التي جاءت في قرار "المجمع".

 

2. أن الحيلة على القرض الربوي تقتضي أن تتوافر شروط القرض الربوي وخصائصه، حتى ولو سمى ثمنا أو أجرة، إذ الأحكام تبنى على الحقائق لا على الألفاظ والصور، وحقيقة القرض الربوي لا تتوافر في الصورة المعروضة بحال، وذلك للأسباب التي ذكرتها سابقا، فالثمن الحال الذي يدفعه المشتري للعين ليس دينا مضمونا في ذمة بائعها حقيقة، لعدم توافر خصائص الدين فيه، بل هو ثمن عين يتملكها ويقبضها ويضمنها المشتري حقيقة، وإذا كان المشتري قد تملك العين وقبضها فان ما دفع لا يكون دينا في ذمة البائع حتى لا يجمع بين البدلين، ملك العين وثبوت ثمنها دينا مضمونا في ذمة البائع، ولذلك فان البائع للعين إذا مات فليس للمشتري أن يطالب التركة بمقدار هذا الدين، وليس للورثة أن يطالبوا المشتري برد العين لإدخالها ضمن عناصر التركة، وهذه أحكام شرعية حقيقية ولم يثبت في عقد البيع نفي مثل هذه الأحكام.

 

وإذا قيل بأنه دين احتمالي في المستقبل، يمكن ثبوته في ذمة البائع إذا اشترى العين في نهاية عقد الإيجار، فانه يرد على ذلك بأن المقصود بالدين الشرعي هو الدين الثابت الذي يجبر المدين على الوفاء به، ولا يسقط عنه إلا بالوفاء أو الإبراء، وهذا الثمن عند قبضه لم يكن دينا في ذمة البائع بالقطع بحيث يلتزم برد مثله في جميع الاحوال بل كانت ذمة البائع خالية من الدين، لان العين خرجت من ذمته، ودخل الثمن بدلا عنها حسب نظرية التعادل في الذمة في عقود المعاوضات، ولو هلكت العين لما كان هناك دين في ذمة البائع، لان هلاكها وتلفها ونقص قيمتها على مشتريها الذي صار مالكا لها.

 

3. إن خصائص الدين المضمون ألا يكون ثبوته أو الالتزام به مرتبطا بإرادة المدين نفسه بحيث يملك الشخص ألا يقوم بالسبب المنشئ للدين، وفي الصورة التي معنا يستطيع بائع العين المستأجر لها إجارة منتهية بالتمليك ألا يستعمل حقه في شراء العين أو يتعذر عليه ذلك لأسباب قانونية تمنعه من التملك، وبصرف النظر عن مصلحته في التملك، فقد يرى أن مصلحته لظروف أخرى تقتضي عدم التملك، كما إذا نقصت قيمة العين أو تلفت تلفا جوهرياً، أو صدر قانون للحراسة أو تحديد الملكية، ففي هذه الحالات لا يثبت دين في ذمة البائع أصلا، لان هذا الدين مصدره الوحيد هو استعمال المستأجر لحقه في شراء العين فيلزمه بالشراء دفع الثمن.

 

4. ليس هناك حكم واحد من أحكام الدين يترتب على الثمن الذي قبضه بائع العين من مشتريها، لا في الحال عند توقيع عقد البيع وقبض هذا الثمن، ولا في المآل إذا هلكت العين أو رفض شراء  العين التي باعها أو كان شراؤه لها غير جائز قانونا مثل، وإذا لم يكن الثمن دينا لا في الحال ولا في المآل، لم يكن هناك مجرد تصور أن تكون هذه المعاملة حيلة على الربا، لأن أصل الربا فيها لا يتصور، لعدم توافر أساس الربا، وهو ثبوت الدين في ذمة المدين مع التزامه بدين آخر هو الفائدة زيادة على أصل الدين مقابل الأجل.

5. والأجرة ليست دينا في ذمة البائع للعين بصفته بائعا للعين أو مقترضا للثمن، على فرض أن الثمن قرض في ذمته مضمون عليه منذ حدوثه ويلزم الوفاء به في جميع الحالات وإن كانت دينا باعتبارها ثمنا للمنفعة، يدفع مقابل الانتفاع بالعين، ويسقط إذا هلكت العين أو إنعدمت المنفعة لتلف أو تعيب، ومالك العين المؤجر لها يستحق هذه الأجرة مقابل منفعة ملكه ومقابل ضمانه لهلاك العين وتلفها وتحمله لمصاريف صيانتها وأقساط تأمينها، وليست زيادة مقابل أجل الانتفاع بمبلغ القرض، تلك هي حقائق الأحكام الشرعية التي تتبعها هذه العقود ولا تشترط العقود خلافها عقد البيع المشترط فيه الإجارة المنتهية بالتمليك.

 

6. أضف إلى ذلك أن الإجارة قد تنتهي بهلاك العين المؤجرة أو ذهاب منافعها كليا أو جزئيا أو بسبب يوجب فسخها، فلا يكون البائع (المستأجر للعين) ملتزما بدفعها لمالك العين المؤجر لها (الذي يصنف على انه مقرض بفائدة)، وكل شرط يؤدي إلى التزام المستأجر بدفع الأجرة بعد هلاك العين أو ذهاب منافعها أو فسخ الإجارة لسبب يوجب الفسخ فهو شرط باطل، ولم يقصد بضمان حكومة البحرين للأجرة طوال مدة الصكوك، الضمان في حالات هلاك العين أو انفساخ العقد، ولو فرض فهو شرط باطل لا أجيزه، إنما المقصود هو ضمان الحكومة، بصفتها مستأجرة، للأجرة طوال مدة الإجارة، والإجارة عقد ملزم فيترتب عليه التزام المستأجر بدفع الأجرة، لكنه في نفس الوقت ينفسخ لهلاك العين أو ذهاب منفعتها بالكلية ولأسباب الفسخ الأخرى.

7. ويضاف لذلك أن الأجرة طوال مدة الإجارة قد لا تكون زيادة على مبلغ الثمن الذي يتم به التملك، حتى على فرض أنه قرض من المشتري للبائع وأنه دين مضمون في ذمة البائع منذ قبضه (وهو محال واقعاً وشرعاً كما ذكرنا)، لأن نفقات الصيانة الأساسية وأقساط التأمين والضرائب على الأصول المؤجرة، والضريبة على الدخل، وإصلاحات الأصول المؤجرة في حالة التلف الذي لا يد فيه للمستأجر، كل هذه قد تزيد عن الأجرة، فليس هناك إذن زيادة على مبلغ القرض (على فرض أن الثمن قرض) ثابتة ومضمونة على المقترض (على فرض أن بائع العين مقترض)، وإذا قيل أن باقي الأجرة بعد هذه النفقات زيادة على القرض قلنا بل هي مقابل الانتفاع بالعين التي يضمنها وينفق عليها ويتحمل تكاليف إصلاحها ونفقات صيانتها المالك المؤجر.

 

الدليل الثاني: بطلان عقد الإجارة

 

بنى الباحث حكمه ببطلان هذه الصورة، وخصوصا في التطبيق الصادر به صكوك إجارة حكومة البحرين، على أساس بطلان عقد الإجارة، وبنى هذا البطلان على أساس أن المنظومة كلها باطلة فتبطل أجزاؤها مع أنه أكد أكثر من مرة أن كل عقد أو وعد في هذه المنظومة صحيح في ذاته وعلى انفراد، والحرمة والبطلان جاء من اجتماع هذه العقود، وإذا ثبت أن بطلان المنظومة كان على أساس أنها تخفي قرضا بفائدة أو هي حيلة أو عينة بقصد الإقراض بفائدة، وأن السبب والمعول عليه في ذلك هو أن الثمن الذي يدفعه المشتري للعين يمثل قرضا في ذمة البائع منذ التوقيع على عقد البيع ودفع الثمن، وهو فرض باطل ومخالف لمنطق الشرع، لأن عقد البيع ينقل الملك، وهو ملك حقيقي يترتب عليه ضمان المشتري فله الغنم وعليه الغرم، فكيف يجمع المشتري بين العوض والمعوض بحيث تنتقل إليه ملكية العين، ويملك الثمن وهو دين في ذمة البائع في نفس الوقت، فيجمع بين العوض والمعوض، وأن الأجرة تمثل فائدة هذا القرض، وأنها دين ثابت كذلك في ذمة المستأجر، أي المدين المقترض، لا يسقط إلا بالوفاء أو الإبراء، ولا يسقط بهلاك العين وفسخ عقد الإجارة مثلا (وهو فرض باطل ومخالف للمنطق كمنا قدمنا).

وهذان الفرضان باطلان، ذلك أن الثمن ليس قرضا للبائع الذي نقل ملكية العين إلى المشتري، وتربت على هذه الملكية أحكامها الشرعية من تحمل المالك للضمان واستحقاقه للخراج أي الأجرة، والأجرة ليست فائدة أو زيادة مقابل الأجل، بدليل سقوطها إذا هلكت العين أو ذهبت منفعة العين، بل هي الغنم الذي يحصل عليه مالك العين المؤجر لها مقابل الغرم الذي يتحمله، ويترتب على ذلك كله أن بطلان الإجارة لا يصلح أساسا لبطلان هذه الصيغة.

 

الدليل الثالث: ضمان البائع استئجار الأصول مدة الإصدار

 

مدة الإصدار هي مدة الإجارة، وعقد الإجارة عقد لازم في حق المؤجر والمستأجر، وبالتالي فإن المستأجر يضمن الأجرة طوال مدة الإجارة هذا هو حكم الشريعة المسلم به الذي لا يجادل فيه أحد، وبالتالي فضمان البائع استئجار الأصول يعني ضمان استمراره في تنفيذ عقد الإجارة اللازم والوفاء بما يرتبه من أحكام وأهمها دفع الأجرة.

وهذا لا يعني بحال ضمان مبلغ الإجارة أو استمرار الإجارة في جميع الحالات بل يعني استمرارها وضمان أجرة العين طالما كانت العين موجودة صالحة للانتفاع بها في الغرض الذي أجرت من أجله، فان هلك محل الإجارة بهلاك العين انفسخت الإجارة وسقط التزام المستأجر (حكومة البحرين) بدفع الأجرة. هذا هو المقصود وليس في العقود التي اعتمد عليها الإصدار ولا في نشرة الإصدار ما يخالف ذلك.

 

خلاصة رأيي:

 

أن هذه الصيغة تصح إذا ما روعيت شروط العقود والوعود التي تتكون منها هذه المنظومة التي يتحدث عنها الباحث بحق، وأن تترتب على كل عقد من عقود هذه المنظومة آثاره وأحكامه الشرعية التي رتبها الشرع عليه، فإذا خولفت الشروط أو الآثار في عقد منها بطل ذلك العقد، وبالتالي فقدت المنظومة ترابطها وأصبحت عاجزة عن تحقيق هدفها في العملية التمويلية المقصودة منها، وعلى سبيل المثال:

 

1. عقد البيع لا بد أن يرتب جميع الآثار الشرعية بمعنى أن المالك يتحمل جميع المخاطر حتى بعد تأجير العين إلى المستأجر (البائع لها) ومنها مخاطر الهلاك والتلف، والنفقات والمصروفات اللازمة للصيانة الأساسية وأقساط التأمين، والضرائب على الأصول وضريبة الدخل وغيره من يقرضه القانون على المالك المؤجر، ولا يجوز بحال أن يتحملها المستأجر، وإلا صار مقترضا وصارت المنظومة كما قال الباحث عملا محرما يخفي معاملة ربوية.

2. أن يكون عقد الإجارة صحيحا، تتوافر فيه أركان العقد وشروطه، ومنها العلم بالعين المؤجرة، والعلم بالأجرة وتحديد المدة، فإذا كانت الأجرة غير معلومة كان تكون مدة العقد عشر سنين والأجرة تحسب على أساس مؤشر معين، كل ستة اشهر أو سنة، فالإجارة باطلة لعدم العلم بالأجرة، وعلاج ذلك يكون بتحديد مدة العقد بستة أشهر أو سنة مثلا بأجرة معلومة، مع وعد المؤجر بتحديده بمؤشر معين، وهذا المؤشر يمكن العلم به بعد انتهاء فترة الإجارة الأولى وقبل بداية الفترة الثانية، فتكون الأجرة معلومة بالأرقام عند بداية كل فترة تجديد، أو على حسب المعايير الشرعية تحدد الأجرة كل ستة أشهر أو سنة بمؤشر مع حد أعلى وحد أدنى. وكذلك جميع أحكام الإجارة ومنها أن الهلاك الكلي يرتب فسخ الإجارة وأن التعيب يفرض الإصلاح على المؤجر دون المستأجر، وإذا كان بخطأ المستأجر، فإنه يوجب التزام المستأجر بالإصلاح ودفع الأجرة مدة الإصلاح وإن لم يكن بخطئه التزم المؤجر بالإصلاح وأعفي المستأجر من دفع الأجرة مدة الإصلاح. وأهم المخالفات الشائعة اعتبار المستأجر مسئولا عن دفع الأجرة حتى في حالة الهلاك الكلي، وفي حالات لا تلزم الشريعة فيها المستأجر بالمسئولية فهذه تجعل المعاملة قرضا مضمونا على بائع العين المستأجر لها إجارة منتهية بالتمليك وكان العين مرهونة في القرض وليست مملوكة للمشتري المؤجر، لأن جميع المخاطر والضمان إذا حمل به المستأجر وهو ما يسمى بالمخاطر التجارية، كان البائع المستأجر في مركز المقترض الذي يلتزم بدفع مبلغ القرض بالإضافة إلى الفائدة في جميع الأحوال.

3. أن تكون هناك عقود ثلاثة أولها عقد البيع الأول، وثانيها عقد الإجارة وثالثها عقد البيع أو الهبة الثاني الذي ينقل الملك من المالك المؤجر إلى المستأجر.

4. أن يكون البيع بسعر السوق أو بما يتفق عليه العاقدان، أو بما تحدده جهة تحكيم محايدة، هذا إذا كان التملك بعقد بيع في نهاية مدة الإجارة.

أما إذا كان بهبة معلقة على شرط ووفاء فيجب أن تكون الأجرة التي تشمل قسطا ثابتا وقسطا متغيرا أجرة حقيقية تسري عليها جميع أحكام الأجرة.

والخلاصة أن الصيغة أو المنظومة العقدية المؤلفة من عقود والتزامات ووعود مترابطة الأجزاء متوالية المراحل تعد بديلا مشروعا كما ذكر الباحث، وإنما يأتي الخلل من الإخلال بشروط وحدات هذه المنظومة، وترتب أثارها الشرعية عليها، فكل لبنة من البناء لا بد أن تكون سليمة في ذاتها والمجموع في نظري لا خلل فيه ولا يعد مخالفا للشريعة، إذا توافرت شروط كل عقد والتزام وترتبت عليه أثاره الشرعية.