Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
التعليق على بحوث التورق المصرفي المنظم
 

التعليق على بحوث التورق المصرفي المنظم

 

يتكون تعليقي من ثلاثة أجزاء يختص أولها بخلاصة رأيي في موضوع التورق المنظم، ويختص ثانيها بالتعليق على البحوث التي ترى حرمة التورق، ويختص ثالثها بالتعليق على شبهات المجيزين لهذا التورق وذلك في مباحث ثلاثة.

 

 

الجزء الأول

خلاصة الحكم الفقهي للتورق المصرفي المنظم في نظري

 

إن التورق المصرفي الذي تجريه بعض البنوك الآن من خلال سلسلة من العقود حرام قطعاً، بل هو عندي أشد حرمة من الربا الصريح الذي تمارسه البنوك الربوية. وقد اطلعت على كل ما كتبه أعضاء هيئات الرقابة الشرعية بالبنوك التي أجازته، وحضرت الندوات الثلاث التي عقدت لهذا الغرض في الشارقة والبحرين ومكة المكرمة، والتي حضرها أكثر الزملاء الأفاضل الذين أفتوا هذه البنوك بجواز هذا المنتج الجديد على حد قولهم. ولعدم وجود تمثيل مناسب في هذه الندوات للقائلين بحرمة هذا التورق لم تصل هذه الندوات إلى إصدار حكم فيه، بل صدرت فتوى في ندوة البركة الأخيرة بمكة المكرمة مضمونها أن هذا التورق ليس صيغة استثمار شرعية، ودعت إلى ندوة أو مؤتمر رابع يمثل فيه العلماء الذين يرون حرمة هذا المنتج.

ولقد توصلت في بحثي إلى أن التورق المصرفي المنظم الذي تمارسه بعض البنوك الآن حرام بأدلة قطعية، وأرجعته إلى عدة أصول كلية شرعية لم تؤخذ من نص واحد ولا من دليل معين، بل أخذت من عدة نصوص وجملة أدلة بطريق الاستقراء المفيد للقطع ، حتى صارت هذه الأصول في معنى العموم المستفاد من الصيغة، فيطبق حكم هذه الأصول على كل ما يتحقق فيه مناطها من الوقائع والنوازل الجديدة التي لم يرد فيها بعينها نص حكم للشارع، ومنها التورق المصرفي المنظم.

 

 

 

 

ومن هذه الأصول القطعية الكلية التي يتحقق مناطها في التورق المصرفي الذي تمارسه بعض البنوك ما يلي:

 

1-    أصل اعتبار المآل:

ومضمون هذا الأصل أن الحكم على تصرفات وعقود المكلف يجب أن يكون باعتبار ما يئول إليه التصرف أو العقد، من مصلحة أو مفسدة، لا باعتبار ذاته ولا بنتائجه القريبة المباشرة، وقد بين الشاطبي هذا الأصل بقوله: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً ... وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل. فقد يكون الفعل مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ (كالسلسلة المترابطة من عقود البيع والوكالة التي يتم بها التورق بين أطراف عدة) لكن له مآل على خلاف ما قصد منه، فإذا أطلق القول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المنفعة أو المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية".

ومفسدة التورق تظهر بشكل قاطع في أن المتورق يقصد الحصول على النقد ويطلبه فتؤول هذه العقود الصورية كلها إلى الحصول على نقد عاجل مقابل نقد آجل مع زيادة مقابل الأجل. وهذا هو ربا الجاهلية الذي قطع القرآن الكريم بتحريمه، هذا إذا كان في سلسلة العقود المتورق بها منفعة أو مصلحة مقصودة لعاقديها، والواقع أننا نقطع بأن هذه العقود ليست مقصودة لذاتها، فضلاً عن أن تكون نافعة أو محققة لمصالح مشروعة، فهذه العقود جاءت لتنفيذ غاية محرمة وهدف غير مشروع يقصده البنك والمتورق ويعلم به مقدماً، وهو الحصول على نقد حال مقابل نقد آجل مع زيادة مقابل الأجل.

 

 

 

 

 

 

ولقد ذكر الشاطبي في نهاية عرضه لهذا الأصل أنه "مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة [الموافقات 4:195] .

ولقد مثل الشاطبي لهذا الأصل بأمثلة كثيرة منها: ما إذا باع شخص سلعة بعشرة إلى أجل ثم اشتراها قبل الأجل بخمسة نقداً، فإن البيع في الأصل مشروع لمصلحة ، ولكن مآل هذا البيع في هذه الحالة يحقق مفسدة، هي الإقراض بالربا، أو كما يعبر هو : "لأن المصالح التي لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شيء". ومنها الواهب لجزء من النصاب قبيل الحول، لأن هذه الهبة تئول إلى مفسدة محرمة، هي حرمان مستحقي الزكاة، مع أن الهبة مشروعة لمصلحة في الظروف العادية.

 

2-    أصل سد الذرائع إلى المفاسد:

وهو أصل كلي قطعي أخذ بطريق الاستقراء المفيد للقطع من عدة نصوص وجملة أدلة تفوق الحصر. ويعرفه الشاطبي بقوله: "إنه التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة" .

فإذا فرضنا- وهو فرض غير واقع- أن سلسلة عقود البيع والوكالة التي يتوسل بها المتورق وبنكه، بمشاركة أطراف أخرى إلى مبادلة عشرة حالة بخمسة عشر إلى أجل، مقصودة في ذاتها، لما يترتب عليها من مصالح في العادة، من حاجة المشتري مثلاً إلى السلعة وحاجة البائع إلى الثمن، فإن هذه العقود يتوسل بها إلى تفويت مصالح أهم وتحقيق مفاسد أشد، تتمثل في بيع نقد عاجل بأكثر منه مقابل الأجل.

ويعرف القرافي أصل سد الذرائع بقوله إنه : "حسم مادة وسائل الفساد دفعاً لها، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة (سلسلة البيوع المتورق بها) وسيلة إلى المفسدة منع من ذلك" [الفروق 2:32] .

 

وصورة التورق المصرفي المنظم تدخل تحت الذرائع المجمع على سدها، لأنها تؤدي إلى المفسدة قطعاً أو ظناً قريباً من القطع بحكم العادة، وهذه المفسدة تتمثل في مبادلة عشرة حالة بخمسة عشر إلى أجل، وفي هذا يقول القرافي: "قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه، كحفر الآبار في طرق المسلمين؛ فإنه وسيلة إلى إهلاكهم فيها، وكذلك إلقاء السم في أطعمتهم، وسب أصنام المشركين عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى عند سبها" [الفروق 2:32].

والتورق المصرفي المنظم يؤدي بالقطع إلى بيع نقد عاجل بنقد آجل مع زيادة مقابل الأجل، فيدخل تحت الذرائع المجمع على سدها. يقول القرافي: "وما أجمع على سده كحفر الآبار في طرق المسلمين، إذا علم وقوعهم فيها أو ظن، وإلقاء السم في أطعمتهم إذ علم أو ظن أنهم يأكلونها فيهلكون" وهذا يعني أن الوسائل المتذرع بها (كسلسلة عقود التورق) وإن كانت مشروعة في ذاتها، ولم يقصد بها الربا ولكنها تؤدي إلى الغاية المحرمة، وهي مبادلة نقد عاجل بنقد آجل مع زيادة مقابل الأجل، بطريق العلم أو الظن فإنه يجمع على سدها وتحريمها.

وعقود التورق المصرفي تؤدي بالقطع إلى مفسدة الربا، لأن المتورق يطلب الورق، أي النقد صراحة، ولا قصد له في تلك العقود ولا في آثارها التي رتبها الشارع عليها. بل إن قصد الربا بهذه العقود ليس شرطاً في سد الذرائع، فوسائل المفاسد تمنع حتى في الحالات التي لا يقصد فيها المتعاملون بهذه العقود أنفسهم الربا، (وإن كان ذلك بعيداً) طالما أن هذه العقود وسائل تؤدي إلى الغاية المحرمة في العادة أو في الواقع ونفس الأمر. يقول الشاطبي بعد ذكر أمثلة الذرائع المجمع على سدها: "ولكن هذا بشرط أن يظهر لذلك قصد ويكثر في الناس بمقتضى العادة" [ الموافقات 4:199] ، فالشرط هو أن يظهر القصد ويكثر في الناس عادة، وإن لم

 

يقصد العاقدان التذرع بالعقود المتورق بها إلى مفسدة محرمة، إذا كان مآل هذه العقود وما تؤدي إليه في الواقع هو المفسدة، وواضح بطريق القطع أن المتورق يقصد الحصول على نقد في الحال مقابل نقد أكثر منه يدفع بعد أجل معين.

 

3-    أصل منع التحيل على إبطال الأحكام الشرعية:

يعرف الشاطبي التحيل الممنوع بأنه " تقديم عمل ظاهر الجواز، لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، كما لو وهب المكلف ماله عند رأس الحول فراراً من الزكاة، فإن أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعاً، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة، ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية" [الموافقات 4:201]

وهذا ينطبق على العقود المتورق بها، فإنها في أصلها ظاهرة الجواز، كما أن مبادلة نقد عاجل بنقد آجل مع زيادة مقابل الأجل ظاهر في أنها ربا محرم، لكن المتورق وبنكه ومن أعانوهم على إتمام عقود التورق قد جمعوا بين الأمرين فصار مآل هذه العقود مفسدة تتمثل في مبادلة عشرة حالة بخمسة عشر إلى أجل، وهو ربا محرم. فهذه العقود عمل ظاهر الجواز ولكنه تم بقصد إبطال أصل أو حكم شرعي، هو حرمة الربا، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، وهو الجواز.

وأصل منع التحيل من الأصول الكلية القطعية التي أخذ معناه من استقراء عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع، فيطبق على ما يتحقق فيه مناطه من النوازل والوقائع الجديدة التي ليس فيها نص حكم للشارع، كالتورق المصرفي المنظم. والفرق بين أصل سد الذرائع وأصل منع التحيل أن القصد مطلوب في الثاني دون الأول.

ومعلوم بالقطع أن قصد المتورق وبنكه والمتعاملين معهم هو التورق أي الحصول على الورق وهو النقد مقابل نقد آجل أكثر منه، ولا قصد له غيره، فأبرم عقوداً ظاهرها الجواز لإبطال حرمة الربا.

 

4-  أصل بطلان العمل الذي خالف قصد المكلف فيه قصد الشارع في تشريعه من الأصول الكلية القطعية أن قصد المكلف في العمل تصرفاً أو عقداً يجب أن يوافق قصد الشارع في تشريع ذلك العمل، فإذا خالف قصد المكلف في العمل قصد الشارع في تشريع ذلك العمل بطل قصد المكلف وصح قصد الشارع. والعقود التي استخدمت للتورق، كالبيع والوكالة عقود قصد الشارع منها تحقيق مصالح معينة، مثل حاجة المشتري إلى السلعة وحاجة البائع إلى الثمن، وكون الوكيل أكثر خبرة من الموكل، وأنه يعمل لصالح الموكل لا لمصلحته هو. وقد خالف قصد المتورق في هذه العقود قصد الشارع في تشريعها، بل إنه لم يقصدها أصلاً ولم يرغب في الآثار التي رتبها الشارع عليها، فبطل قصد المتورق ليصح قصد الشارع، وكانت هذه العقود باطلة، كمن قصد بالنكاح التحليل، مع أن قصد الشارع منه دوام العشرة والقيام على الولد والسكن والمودة والرحمة، والمحلل لا يقصد ذلك من النكاح.

يقول الشاطبي في شرح هذا الأصل: "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع ... كل من ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل" [ الموافقات 2:231]

وقد أقام الشاطبي الأدلة القاطعة على حجية هذا الأصل، وذكر له أمثلة كثيرة وفرع الفروع الفقهية عليه.

 

 

 

5-    أصل انعدام الإرادة في العقود المتورق بها:

 إن ركن العقد هو الرضا الذي تدل عليه الصيغة، فإذا ثبت أن المتعاقد قصد بالصيغة غير ما وضعت له شرعاً، فإن الرضا بهذا العقد يصير منعدماً، كمن يقصد بالهبة التهرب من الزكاة، وكمن يقصد بصيغة البيع الربا، وبصيغة النكاح التحليل.

ولا شك أن العقود التي عقدها المتورق مع البنك، والتي عقدها البنك مع أطراف أخرى، وكذلك التوكيل الذي وقعه المتورق، كل هذه العقود لم يقصد بصيغتها ما قصده الشارع من صيغها، فلم يكن المتعاقد راضياً بها، ولا قابلاً لترتب آثارها عليها في حقه، بل قصد منها التورق، أي الحصول على الورق أي النقد العاجل مقابل النقد الآجل مع زيادة مقابل الأجل. يقول ابن القيم: "المكره قد أتى باللفظ المفضي للحكم، ولم يثبت عليه حكمه، لكونه غير قاصد له، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه، فانتفى الحكم لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ.

وهكذا المحتال الماكر المخادع فإنه لم يقصد الحكم المقصود بذلك اللفظ الذي احتال به، وإنما قصد معنى آخر، فقصد الربا بالبيع، والتحليل بالنكاح، بل المكره قصد دفع الظلم عن نفسه، وهذا قصده التوصل إلى غرض محرم، فالمحتال والمكره يشتركان في أنهما لم يقصدا بالسبب حكمه ولا باللفظ معناه، وإنما قصدا التوسل بذلك اللفظ، وبظاهر ذلك السبب إلى شيء آخر غير حكم السبب"

ويقول الشاطبي: "فإن فاعل السبب –أي العاقد- قاصد لجعله سبباً لمسبب لم يجعله الشارع سبباً له، كنكاح المحلل، فإنه قاصد بنكاحه التحليل لغيره، ولم يضع الشارع النكاح لهذا المسبب، فقارن هذا القصد العقد فلم يكن سبباً شرعياً، فلم يكن محللاً، لا للناكح ولا للمحلل له لأنه باطل" [الموافقات 1:216].

 

 

 

 

وظاهر أن المتورق لا يقصد بالعقود التي يتورق بها معانيها ولا آثارها المترتبة عليها، بل قصد بالصيغ والعبارات معنى آخر لم يقصده الشرع من هذه العقود وهو الربا، بالحصول على نقد عاجل مقابل نقد آجل مع زيادة مقابل الأجل.

 

6-    شبهة المجيزين:

1)  استدل المجيزون للتورق المصرفي المنظم بعموم آيات وأحاديث جواز البيع، وهذا استدلال باطل، لأن الأدلة الشرعية يخصص بعضها بعضاً ويقيد بعضها بعضاً، وعلى المجتهد قبل أن يصدر حكمه بناء على نص معين أو دليل خاص أن يبحث في بقية أدلة الشرع الجزئية ومقاصده العامة وقواعده الكلية، لأن هذه الأخيرة تفيد القطع وهذه العمومات تفيد الظن والقطع مقدم الظن باتفاق. فقولـه تعالى: "وأحل الله البيع" عام في كل بيع غير أن هناك بيوعاً كثيرة نهى الشارع عنها تقييداً للاطلاق وتخصيصاً للعموم. ولذلك يؤكد الشاطبي أن المجتهد لا يحكم على الفعل بمقتضى عموم الأدلة وإطلاقها بل عليه أن ينظر في الأحوال والظروف التي يتم فيها الفعل، ثم يمنع الفعل الذي شرع لمصلحة إذا أتى به المكلف على نحو معين وفي ظروف خاصة يؤدي فيها إلى وقوع مفاسد أشد أو تفويت مصالح أهم من مصلحة ذلك الفعل.

2)  ومما استدل به هؤلاء حديث التمر الجمع أي الرديء والتمر الجنيب أي الجيد حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحب التمر الرديء (الجمع) أن يبيعه بالنقد وأن يشتري بالنقد تمراً جيداً (الجنيب) بدلاً من المقايضة، التي تتم بشراء صاع من التمر الجنيب بصاعين من الجمع، وقد أخذوا من هذا الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام أجاز هذه الوسيلة، بل أمر بها، للوصول إلى الحل فكان التورق المصرفي المنظم جائزاً لأنه مثله، وهذا الاستدلال فيه مغالطة ظاهرة ذلك أن بائع التمر الجمع يريد التخلص منه حقيقة ويرغب في الحصول على الثمن ليشتري به تمراً جنيباً، ومن يشتري هذا التمر منه يريده لأنه يناسب قدرته الشرائية، ثم إن بائع الجمع يحتاج فعلاً إلى التمر الجنيب الذي يشتريه، فقد قصد العاقدان في هذين العقدين ما قصده الشارع منهما، وهذان العقدان لا يئولان إلى مفسدة ارتكاب الربا، بل إن المقصود منهما هو تجنب الربا، وليس تحيلاً على إبطال الأحكام الشرعية، والقصد فيهما لا يخالف قصد الشارع، ولم يقصد العاقد فيها بالصيغة غير ما قصده الشارع منها. وليس كذلك العقود المتورق بها، فإن قصد المتورق الحصول على الورق، أي النقد العاجل مقابل التزامه بأداء نقد آجل أكثر منه، وإنما جعلت سلسلة العقود ذريعة ووسيلة إلى ذلك القصد المحرم والرغبة الآثمة فافترقا.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يطلب بيع الجمع لشخص معين، ولا شراء الجنيب من شخص معين، بل أمره أن يبيع في السوق، ولم ينظم له عملية تربط هذه العقود بحيث يكون أحدهما شرطاً في الآخر.

3)  هذا فوق أن هناك أدلة شرعية أخرى كالنهي عن بيعتين في بيعة، وهذه عدة بيعات مترابطة في بيعة، كل واحدة منها ما كانت لتتم لولا تمام الأخرى، فهي مترابطة وبعضها شرط في البعض الآخر.

 

والخلاصة أن التورق المصرفي المنظم الذي تمارسه بعض البنوك حرام بأدلة قطعية في نظري وليس محل اجتهاد.

 

 

 

 

 

 

وأقترح صدور قرار إجماعي من هذه الندوة بحرمة التورق المصرفي المنظم باعتباره أشد مفسدة من الربا الصريح، ويناقض أهداف البنوك الإسلامية، باعتبارها بنوك تنمية واستثمار، إن صدور هذا القرار يتعلق به مستقبل العمل المصرفي الإسلامي، بل النظام الاقتصادي والمالي الإسلامي كله. إن الحكومات التي أعطت تراخيص للبنوك الإسلامية بحكم أنها بنوك تنمية واستثمار لا بنوك تمويل نقدي ومنح تسهيلات ائتمانية، قد تسحب هذه التراخيص إن عاجلاً أو آجلاً، لأن هناك بنوكاً تقليدية تؤدي هذه الخدمة في المجتمع على نحو أيسر وأوضح.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجزء الثاني

التعليق على بحوث القائلين بحرمة التورق

 

البحث الأول لفضيلة العلامة الدكتور صديق الضرير

 

1- ركز الباحث في بحثه على تعريف التورق الفردي، وفرق بينه وبين التورق المصرفي المنظم، ثم عرف العينة وبين حكمها الفقهي، ثم أتبع ذلك بالحكم الفقهي للتورق العادي والتورق المصرفي، وانتهى إلى القول بأن التورق المصرفي ليس بديلاً للتمويل النقدي.

2- وقد أحسن فضيلته عرض هذه المسائل وأحكم التدليل على الأحكام التي انتهى إليها بشأنها، وأنا اتفق مع فضيلته في كل ما قال.

3- وقد انتهى فضيلته إلى حكم بات قاطع في نظره واجتهاده حيث ذكر أن "التورق المصرفي المبين في المسألة الثالثة لا يجوز شرعاً عند جميع الفقهاء" ، ثم أقام الأدلة التي تفيد القطع على أن جميع الأئمة يذهبون إلى حرمة التورق المصرفي، وقوى ذلك بنقول من كتب المذاهب المعتمدة، راداً على شبهة القائلين بجواز التورق المصرفي، ومعتمداً في ذلك كله على عبارات الإعلانات التي صدرت عن البنوك التي تمارس هذا التورق، والتي تقطع بأن المتورق يقصد السيولة الحالة، أو التمويل النقدي، ولا يقصد البيع أو الشراء، ولا ما يترتب عليهما من آثار، وأن عقود هذه المعاملة وآليات تنفيذها مترابطة لا يتحقق غرض المتورق وبنكه إلا باجتماعها.

4- وقد أحسن فضيلته الرد على القائلين بجواز التورق المصرفي بأنه بديل مشروع التمويل النقدي الربوي، وأثبت أنه شبيه به ومثيل له، لأن المتعامل يحصل في كل منهما على نقد حال من البنك مقابل نقد آجل أكثر منه، ويتم أحدهما بعقد واحد، هو عقد القرض، بتكلفة أقل وفي وقت أسرع، ويتم الآخر بأربعة عقود، وبتكلفة أكثر ووقت أطول، وبين فضيلته البدائل الحقيقية المشروعة للتمويل النقدي كالمضاربة.

5- وقد أنهى الباحث بحثه بالعبارة التالية: "إن عملية التورق المصرفي هذه هي استحلال للربا باسم البيع الذي أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع" ولا حول ولا قوة إلا بالله".

 

وإني إذ أهنئ الباحث على بحثه لأؤكد موافقتي التامة على منهجه وعلى النتائج التي وصل إليها في بحثه، وأدعو الله له بدوام التوفيق وطول الأجل وحسن العمل.

 

 

البحث الثاني

للدكتور سامي إبراهيم السويلم

 

هذا البحث غاية في الدقة وحسن العرض والعمق والأصالة، ومنهجه في التحليل والتدليل والتعليل والنقد منهج علمي رائع أسأل الله أن يزيده توفيقاً. وهذا هو شأن هذا الباحث كما عرفته.

وقد قسم بحثه إلى مقدمة وثلاث محاور:

1- أما المقدمة فقد بين فيها خطورة الربا ودور البنوك الإسلامية في إخراج الناس منه، وقد لاحظ سيادته أن البنوك الإسلامية بدأت مؤخراً تقدم تمويلاً شديد الشبه بالتمويل الربوي وأن الفروق بين البنك الإسلامي والبنك الربوي بدأت تدريجياً تتلاشى، مما يشكل ردة عن الهدف الذي قامت هذه البنوك لتحقيقه وهو إخراج الناس من الربا، ومن هنا فإنه يرى وجوب مراجعة جادة لما آل إليه حال البنوك الإسلامية قبل فوات الأوان وضياع الفرصة.

2- ثم تحدث في المحور الأول عن حقيقة الربا وحكمة تحريمه، وموقف الشريعة من الدين عموماً، مؤكداً على قاعدة "الخراج بالضمان" و "الغنم بالغرم" التي تحكم عقود الاستثمار وتبرر حل العائد عليه، كما بين فلسفة التمويل الإسلامي، وشرح ما في الربا من ظلم للدائن وللمدين على السواء، ثم بين مقصود الدائن والمدين من عقد القرض، ثم تحدث عن منهج الشريعة في سد أبواب الربا. وإني أتفق معه في كل ما جاء في هذا المحور من حقائق وفي التحليل ونتائجه.

3- أما المحور الثاني فقد خصصه لمقارنة التكافؤ الاقتصادي بين الربا والتورق، وقد فند دعوى المجيزين للتورق بأنه أي التورق لا يخرج عن كونه بيعاً وشراءً، وقد أحل الله البيع وحرم الربا، وهذا بيع لا حرج فيه فبين سيادته الفرق بين البيع والربا وأثبت أنها تفرقة حقيقية اقتصادية وليست فقط تعبدية، ثم بين القيمة الاقتصادية للتورق، فقال إن منفعة التبادل التي تجيز زيادة ثمن البيع الآجل غير موجودة في التورق، لأن المتورق لا يريد السلعة أصلاً، لأنه لا ينتفع بها، لا في الاستهلاك ولا في الاستعمال ولا بالاتجار فيها، وإنما هي ذريعة لتحصيل النقد، فإذا انتفت منفعة السلعة بقيت الزيادة للأجل التي تحملها المتورق دون مقابل، ومن ثم انتفى الفرق بين البيع وبين الربا الذي أثبته القرآن، ثم قال سيادته: "بل إن التورق يصبح أسوأ من الربا لأنه يتضمن تكاليف البيع والشراء والقبض والحيازة، وهذه لا توجد في الربا" ثم نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: "المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه".

وقد بين سيادته وظيفة التمويل في الاقتصاد، وأثبت أن الشريعة ربطت التمويل بالتبادل، فالتمويل تابع للتبادل لا متبوع بخلاف التمويل الربوي.

وقد رد سيادته على شبهة القائلين بأن المتورق كالتاجر فكل منهما يشتري ويبيع لتحصيل النقد، فلا فرق بينهما. وقد رد على ذلك بقوله: "إن التاجر يقصد بالشراء والبيع الربح، وذلك يكون بزيادة ثمن البيع عن ثمن الشراء، وهذه حقيقة التجارة والمتورق يقصد العكس تماماً، فهو يشتري بثمن آجل مرتفع ليبيع بثمن حال أقل، وهذا يعني أن هدف المتورق هو الخسارة، فكيف يقارن بالتاجر الذي يهدف للربح. والتاجر يبيع ليربح سواء باع بثمن حال أو مؤجل، فليس هدفه النقد، بل هدفه الربح، أما المتورق فإنه يبيع ليحصل على النقد الحاضر، ولو عرض عليه ثمن مؤجل أعلى من الثمن الذي اشترى به السلعة لرفض البيع لأنه يبحث عن السيولة وليس الربح ولا يمكنه الحصول على السيولة إلا بتكلفة تعادل خسارته في بيع السلعة.

وقد رد على شبهة المجيزين للتورق المصرفي التي تتمثل في قولهم إن خسارة المتورق في بيع السلعة هي مقابل السيولة، فليست خسارة في الحقيقة، والأجل له قسط من الثمن، فما المانع من تحمل هذه التكلفة مقابل السيولة.

ثم يرد على أصحاب هذه الشبهة بأن هذا التعليل نفسه هو منطق المشركين في الاعتراض على حرمة الربا، والفائدة في نظر المدافعين عنها هي ثمن السيولة الحاضرة، فإذا كانت هذه التكلفة مقبولة شرعاً لزم من ذلك جواز الربا، ولذلك يقول دعاة الربا إن تحريمه تعبدي، وهذا خطأ جسيم يقوله من لا يعرف حقيقة الربا وأضراره الاقتصادية.

 

ثم تحدث عن التورق وقوى السوق فقال:

"بأن التورق يؤدي إلى نفس النتيجة التي يؤدي إليها الربا مع زيادة تكاليف البيع والشراء والقبض والتخزين، أي أن التورق وسيلة غير كفؤة للحصول على السيولة مقابل زيادة في الذمة، وذلك أن جميع التكاليف والأعباء المتصلة بالسلعة كالقبض والحيازة والتسليم والمعاينة النافية للجهالة، وكل ما يتصل بذلك من إجراءات ليس من مصلحة المشتري الالتزام بها، لأنه لا غرض له فيها، وفي هذه الحالة فإن الربا الصريح أجدى اقتصادياً من التورق وسائر صور العينة والحيل الربوية.

 

 

 

 

الفروق بين التورق العادي والمنظم:

وقد بين الباحث هذه الفروق بوضوح فيما يأتي:

1-  توسط البائع في بيع السلعة بنقد لمصلحة المتورق، في حين أن البائع في التورق الفردي لا علاقة له ببيع السلعة مطلقاً، ولا علاقة له بالمشتري النهائي.

2-  استلام المتورق للنقد من البائع نفسه الذي صار مديناً له بالثمن المؤجل، في حين أن الثمن في التورق الفردي يقبضه المتورق من المشتري النهائي مباشرة دون أي تدخل من البائع.

3-  قد يتفق البائع مسبقاً مع المشتري النهائي لشراء السلعة، وهذا الاتفاق يحصل من خلال التزام المشتري النهائي بالشراء لتجنب تذبذب الأسعار وليس كذلك التورق الفردي.

 

البحث الثالث

لفضيلة الشيخ محمد المختار السلامي

 

عرف فضيلته التورق ثم ذكر آراء المذاهب في التورق وعرض أدلتهم ثم انتهى إلى القول "بأن سلسلة العقود التي يستخدمها المتورق عقود مأذون فيها شرعاً في الظاهر، غير أن الغطاء وإن كان مشروعاً في ظاهره، فإن النقطة التي انطلقت منها وانتهت إليها المعاملة هي الحاجة إلى نقود يمكن منها مالكها الطرف الآخر بزيادة مرتبطة بالأجل، وما تخلل ذلك من عقود وسلع هي الغطاء الحاجب للحقيقة، وهي كما قال ابن عباس رضي الله عنه دراهم بدراهم بينهما حريرة، فليس للبنك المقترض في الحقيقة حاجة شراء السلعة وليس للبنك المقرض حاجة لدخول سوق السلع ولا لتولي الشراء والبيع والوكالة، والقيمة النقدية هي تتبع الوحدات النمطية التي يجري بها التعامل في سوق السلع فالذي تم هو تعقيدات أدخلت على معاملة ربوية بذلت مجهودات لإخفائها والله لا تخفى عليه خافية".

ثم ذكر فضيلته أن هذه المعاملة لا تتفق مع أهداف البنوك الإسلامية ولا يستفيد من التورق إلا السماسرة الأجانب ولا يتحرك سوق التعامل في العالم الإسلامي إلا حركة سالبة بما يتحول من أموال إلى السماسرة.

وإني أتفق مع سماحة الشيخ محمد المختار السلامي في كل ما قال جملة وتفصيلاً، وأدعو الله له بدوام الصحة وطول الأجل والدفاع عن الحق.

 

 

 

البحث الرابع

لمعالي الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين

 

قدم معاليه سؤالاً عن مبرر وجود البنوك الإسلامية، وأجاب عليه بذكر المبررات وأهمها:

1-  تخليص الأمة من الربا الذي جر عليها النكبات والمصائب، وذلك بتقديم يكون البديل الشرعي الحقيقي والكفء عن البنوك الربوية.

2-  تحقيق المبادئ القرآنية الثلاثة، وهي أن يكون المال قياماً للناس، وألا يكون دولة بين الأغنياء، وعدم الظلم في المعاملة المالية.

3-    إيجاد مناخ استثماري ملائم.

4-    تحقيق النمو الاقتصادي

 

ثم ذكر سيادته أن التقييم الموضوعي لأداء البنوك الإسلامية يجب أن يعتمد على مدى نجاحها في تحقيق الأهداف الأربعة السابقة، ثم قرر أن هذه البنوك:

1-    نجحت في اجتذاب الودائع بالوازع الديني لدى المودعين.

2-    في الخدمات المصرفية لم يكن أداؤها أقل من البنوك الربوية.

3-    أما من ناحية استخدام الموارد فإن نجاحها كان متواضعاً جداً.

 

ثم ذكر معاليه أن الشراء بالمرابحة والاستصناع والإجارة كان بغرض إدانة النقود بأجل مقابل ثمن الأجل، أي إن غرض المصرف الحقيقي أن تكون النقود محلاً للتعامل وليس أداة للتعامل، أما عمليات الشراء والبيع والاستصناع والتأجير فما هي إلا أدوات لإدانة النقود بمقابل هو ثمن الأجل. وقد لجئ إليها فقط للفرار من الربا، ثم ذكر أن آلية العمل في المصارف الإسلامية في منح التسهيلات لا تختلف عن آلية العمل في المصارف الربوية في الجوهر ولا في الآثار الاقتصادية لاستخدام الموارد، إنما تختلف في الشكل والصورة، وبما أنها تتم في البنوك الإسلامية بصورة تشهد لها الهيئات الشرعية بأنها مباحة فأثرها الهام هو طمأنة الضمير الخلقي للمسلم بعدم ارتكابه للربا في سبيل حصوله على التسهيلات، وقد انتهى الأمر بالصيرفة الإسلامية إلى اختراع منتج التيسير الأهلي أو التورق المبارك، حيث اقتربت آلية استخدام الموارد بهذين المنتجين من آلية استخدام الموارد في البنوك الربوية وأصبح الفارق هو زيادة بسيطة في عبء التسهيلات يتحمله العميل.

ثم أكد معاليه على أنه إذا كان كل ما تقدم صحيحاً، فيجب أن يكون صحيحاً كذلك أن الاتجاه العام السائد في البنوك الإسلامية في استخدام الموارد لم يسمح ولن يسمح للمصارف الإسلامية بتحقيق أهدافها. ثم قال كل هذه العوامل لا تجعل المصرف الإسلامي في وضع أفضل من المصرف الربوي فيما يتعلق بالمبادئ القرآنية الثلاثة للتعامل في المال. والواقع يثبت أن البنوك الإسلامية ظلت تقترب من البنوك الربوية شيئاً فشيئاً.

 

هذا وإني أوافق معالي الشيخ صالح الحصين في تحديد هدف البنوك الإسلامية وأن الهدف هو مبرر وجودها وأساس الترخيص لها بالعمل مع البنوك التقليدية التي تقدم تمويلاً نقدياً، وأنها حتى الآن لم تحقق هذه الأهداف، ولكني أختلف معه في نقطتين:

أولاهما: أن بيع المرابحة والاستصناع وعقود الإجارة عقود مداينة تقترب من البنوك الربوية وتنافي هدف البنوك الإسلامية.

ثانيهما: في قوله إنها لن تتمكن في المستقبل من تحقيق هذه الأهداف، ولعل معاليه يقصد إذا استمرت في البعد عن الأهداف وقلدت البنوك الربوية. غير أن المشاهد، إذا صرفنا النظر عن قلة من البنوك التي تقدم التمويل النقدي، أن مسيرة البنوك الإسلامية تؤكد حرصها الشديد على الالتزام بأحكام الشريعة وتحقيق أهداف التنمية والاستثمار، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن العالم كله أصبح يؤمن بالصيرفة الإسلامية ويثق في النظام المالي الإسلامي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجزء الثالث

التعليق على شبهات القائلين بجواز التورق المصرفي

 

تعليقي يتلخص في النقاط التالية:

 

أولاً: الفرق بين التورق الفردي والتورق المصرفي المنظم:

1- هناك فرق بين التورق الذي يمارسه الأفراد والذي دار حوله خلاف وجدل بين العلماء قديماً وحديثاً، وبين التورق الذي بدأت بعض البنوك في تقديمه كمنتج جديد ييسر لعملائها الحصول على ما يحتاجون إليه من النقد الحال في مقابل قيامهم بدفع نقد أكثر، مقابل الأجل، مع توسيط سلسلة من عقود البيع والشراء. فالعلماء الذين تكلموا عن التورق كانوا يقصدون حكم بيع المكلف الفرد ما اشتراه بالأجل بنقد حال أقل منه، وقد أباحه البعض وحرمه البعض الآخر، ولم يتكلموا عن تنظيم هذا النوع من التعامل عن طريق مؤسسة مالية هدفها جمع مدخرات المسلمين وتوجيهها للاستثمار مساهمة منها في خدمة قضايا التنمية في المجتمع المسلم، لأن مثل هذه المؤسسة لم تكن قد وجدت، ولو أنها كانت موجودة لكان لهم عليها حكم آخر. فهذه إذن قضية حادثة تختلف عن التورق الذي يمارسه الأفراد، ولا ينطبق عليها حكم التورق الذي ورد في كتب الفقه، والذي أراه هو حرمة التورق الفردي والمؤسسي المنظم لمنافاته لمقاصد الشريعة العامة ومبادئها الكلية، وإن ظهر جوازه من بعض الأدلة الجزئية، وقد قال بهذا المحققون من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.

2- الفرق بين البنوك الإسلامية وبين بنوك الفروع والنوافذ الإسلامية: هناك فرق كذلك بين البنوك الربوية التي بدأت في فتح فروع أو نوافذ إسلامية بقصد التحول التدريجي إلى العمل الكامل بالشريعة الإسلامية، وبين البنوك الإسلامية القائمة على مبدأ الاستثمار والتنمية من أول يوم، في قضية اللجوء إلى التورق، فالأولى لجأت إلى التورق باعتباره منتجاً مبتكراً يلبي حاجات عملائها من الحصول على النقد الذي كانوا يحصلون عليه من البنك بالفائدة الصريحة، بصيغة تمويل تقل مفسدة، في رأيهم، عن الربا الصريح، إن لم تكن مقبولة شرعاً، حتى يتحول هؤلاء العملاء من التعامل بالفائدة مع المركز الرئيسي إلى المتعامل مع الفروع أو النوافذ الإسلامية بالصيغة الجديدة، وقد يصلح هذا مبرراً لصنيع هذه البنوك في مرحلة التحول التدريجي، أما البنوك الإسلامية التي بدأت بغرض الاستثمار والتنمية وقطعت في ذلك شوطاً كبيراً وأقبل عليها العملاء، فليس لها مبرر في أن ترتد عن هذا الهدف وقد جاهدت في سبيل بلوغه قرابة ربع قرن.

 

ثانياً: الشبهات التي تعلق بها القائلون بجواز التورق المصرفي المنظم:

1- ذكر هؤلاء أن البنوك الإسلامية توسعت في التمويل بالمرابحة حتى بلغت نسبتها في بعض البنوك 95% بالنسبة لصيغ الاستثمار الأخرى، مما حدا بالحريصين على مسيرة البنوك الإسلامية بدق ناقوس الخطر، والسعي الجاد لتقليل هذه النسبة، واستبدال صيغ الاستثمار الأخرى بها ثم يقول أحدهم (د.موسى آدم موسى): ولكن بالرغم من ذلك استمرت المرابحة إلى أن طرح التورق باعتباره صيغة تمويل جديدة تقوم بديلاً عن كثير من صيغ الاستثمار المتعارف عليها، كالمشاركة والمضاربة والسلم والاستصناع والمرابحة.

2- يتضح من التعريف الذي ذكره القائلون بجواز التورق أن التورق هو قيام المتورق بشراء سلعة معينة بثمن آجل، ليس بغرض المتاجرة بها وتحصيل ربح، وليس بغرض استخدامها والانتفاع بعينها، وإنما من أجل إعادة بيع تلك السلعة بثمن أقل من الثمن الذي اشتراها به وتحصيل هذا الثمن واستخدامه في أغراض أخرى يحتاج إليها من زواج أو قضاء دين أو غير ذلك.

3- أن المتورق ليس أمامه للحصول على السيولة سوى القرض الحسن، وقد يكون صعب المنال، أو القرض الربوي، وهو حرام، وهذه الاعتبارات هي العلة التي استند إليها الفقهاء الذين أجازوا التورق.

4-  والواقع أن البنوك الإسلامية لو طبقت فريضة الزكاة ونصت نظمها على وجوب دفع زكاة المساهمين والمودعين بنسبة 2,5% من رأس المال المستثمر بالإضافة إلى أرباحه لاستطاعت هذه البنوك أن تغطي الحاجات الشخصية للفرد بطريق القرض أو الصدقة، أما الاستثمار فله طريق آخر رسمته الشريعة الإسلامية وشرعت له صيغاً وعقوداً تطبقها البنوك الإسلامية.

5- ثم إن البنوك الإسلامية لم تقم لتغطية حاجات الفرد إلى النقود لقضاء حاجاته الشخصية، وقضاء ديونه الربوية، وليست مسؤولة عن ذلك، فهناك مؤسسات تهتم بذلك، ولو أرادت البنوك أن تفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله وطلباً لثوابه، لاستطاعت ذلك من صندوق الزكاة والقرض الحسن، والحقيقة أن هذا طريق للربح، ليس للبنك فقط، ولكن للمؤسسات التي تبيع السلع وتلك التي تشتريها. والعميل هو الضحية.

 

ثالثاً:

اتفق المجيزون للتورق على أن المتورق لا حاجة له في السلعة، بل قصده الوحيد هو الحصول على نقد حال ليدفع أكثر منه بعد أجل معين، وأن السلعة هي وسيلة ذلك، وبذلك يحكم على هذه المعاملة على أساس قصد المتورق، لا على أساس الاتفاقيات والعقود التي قدمت وسيلة للوصول إلى هذه الغاية، وإن أحكمت إحكاماً دقيقاً، كما فعل اليهود في السبت وفي جمل الشحوم.

وقد تقدم أن قصد المكلف في العمل يجب أن يتفق مع قصد الشارع في تشريع ذلك العمل، فإذا خالف قصد المكلف في العمل قصد الشارع في تشريع هذا العمل بطل قصد المكلف وصح قصد الشارع، فيبطل بذلك العمل المخالف ولا يترتب عليه أثر كنكاح المحلل، وهبة النصاب قبيل الحول، وبيع العينة. (الشاطبي الموافقات 2/231).

 

وقد ضرب الشاطبي بعض الأمثلة لبطلان العقود التي قصد بها، عاقدوها غير ما شرعت له ومن هذه العقود:

1- فقصد الشارع من تشريع عقد البيع هو تلبية حاجة المشتري إلى السلعة والبائع إلى الثمن، فإذا اشترى المتورق سلعة لا حاجة له فيها، لا في استعمالها ولا في الاتجار بها، وإنما يقصد الحصول على نقد حال على أن يدفع أكثر منه بعد أجل معين فقد ناقض قصده قصد الشارع في تشريع عقد البيع.

2- وإذا لم يكن المتورق قاصداً من عقد البيع ما قصده الشارع منه، وهو تلبية حاجة المشتري إلى السلعة للاستهلاك أو الاتجار مثلاً، كان قاصداً قصداً مناقضاً، بل إن هذا القصد ظاهر وثابت قطعاً بإقرار المتورق وهو الحصول على النقد، ومناقضة قصد الشارع باطلة.

3- شرع الله الهبة لمصالح تتمثل في تدريب النفس على الجود والسخاء والكرم وتطهيرها من الشح والبخل، وتقوية أواصر المحبة والمودة، بقوله عليه الصلاة والسلام: "تهادوا تحابوا"، فإذا وهب شخص ماله قبيل الحول هرباً من الزكاة فإن هذه الهبة تبطل، لأن قصد المكلف في هذه الهبة مخالف لقصد الشارع في تشريعها، بل إن قصد المكلف هنا هو التهرب من حق الفقراء وهذا هو الشح والبخل بعينه، وليس التدريب على الجود والكرم والسخاء، ولما كان التهرب من الزكاة والامتناع عن دفعها حراماً ويشكل جريمة تعزيرية . والهبة لم تشرع للتهرب من دفع الزكاة، كما أن البيع لم يشرع للحصول على عشرة حالة مقابل عشرين مؤجلة..، بل إن ذلك عقد آخر وهو القرض بفائدة، وهو ربا محرم، ولذلك لجأ المكلف إلى هذه الحيلة، ووسط اتفاقيات وعقود شراء وبيع لسلع لا حاجة له فيها، والبيع شرع لحاجة المشتري إلى السلعة لاستعمال أو تجارة.

6- وقد شرع الله الزواج لمصالح وغايات عرفت من مجموع أدلة الشريعة، هي الإعفاف والسكن والمودة والرحمة واللباس والتناسل والقيام على تربية الأولاد، فإذا تزوج شخص امرأة ليحلها لزوجها الأول (مطلقها ثلاثاً) فإن هذا الزواج يبطل، وفاعله تيس مستعار، لأن قصد المكلف في هذا الزواج مخالف لقصد الشارع في تشريعه، إذ الزواج لم يشرع للتحليل، وإنما شرع لمقاصد أخرى تقتضي قصد دوام العشرة، وقصد المحلل هنا هو قطع العشرة وليس دوامها.

 

رابعاً: التورق يقتضي توقيع عقود بيع ثلاثة:

1- عقد بين البنك والشركة التي تبيعه السلعة، وبالقطع فإن البنك لم يكن ليشتري السلعة لولا أنه يقصد بيعها لعملائه المتورقين، ولكن العاقدين لا يظهران ذلك كالشأن في الحيل.

2- وعقد بين البنك والمتورق، ومن المقطوع به أن المتورق لم يكن ليشتري السلعة لولا أن البنك سيبيع هذه السلعة لحسابه لتوفير النقد المطلوب، ولكنهما لا يظهران ذلك، كالشأن في المحتالين، ولكن القرائن وظروف الحال والعرف الذي يتكون لدى مستخدمي هذه الحيل يقطع بارتباط هذه العقود.

3- عقد وكالة بين البنك البائع والمتعامل يوكل الثاني فيه الأول في بيع السلعة التي اشتراها منه مرابحة بثمن مؤجل، بثمن حال أقل منه وتسليمه الثمن أو وضعه في حساب لديه.

4- وعقد بيع بين البنك بصفته وكيلاً عن المتورق إلى الشركة التي تشتري سلعة التورق، وبالقطع فإن هناك اتفاقاً مسبقاً وترتيبات متفق عليها بين البنك وهذه الشركة على الشراء بثمن معين ومحدد أساسه في هذه الاتفاقية.

ولا خلاف في أن عقود البيع الثلاثة صحيحة إذا استوفت شروطها ووقع فيها القبض، أعني عقد شراء البنك للسلعة، وعقد شراء المتورق لهذه السلعة من البنك، وعقد بيع البنك، بصفته وكيلاً، لهذه السلعة إلى غير بائعها الأول، وذلك إذا أخذت منفردة دون ملاحظة الارتباط القائم بينها في عملية واحدة لغاية واحدة محددة بحيث لا تنفصل حلقاتها أو أجزاؤها في العمل والواقع وحسب طبيعة المعاملة والعرف.

والواقع أن هناك ارتباطاً بين مجموعة من العقود والاتفاقيات، فهي بيعات في بيعة واحدة، وليست بيعتين فقط، فالبنك يشتري السلعة بناء على اتفاقية سابقة مع شركة معينة على صيغة شراء معينة، وهو لم يكن ليشتري السلعة إذا لم يتوقع أن هناك متورقين مستعدين لشرائها، والمتورق لا يشتري بالقطع إلا لأنه يعلم أنه يبيع ما اشتراه بثمن مؤجل بنقد حال أقل منه، والمشتري الثاني أو الأخير، إذا لم يكن هو البائع الأول يشتري ليبيع هو أيضاً. فهذه العملية يجب الحكم عليها في مجموعها أي باعتبارها عملية واحدة وإن تعددت أطرافها وعقودها دون الحكم على كل عملية أو عقد منها على انفراد ثم ينظر إلى قصد أطراف المعاملة، وهو أنهم يتعاونون على الوصول إلى هدف واحد تتحد فيه إرادتهم، هو توفير مبالغ نقدية للمتعاملين حتى يدفعوا أكثر منها بعد حلول الأجل، ويتقاسمون الأدوار والأرباح والعمولات فيما بينهم، ولكنها عملية متكاملة مترابطة محكمة غير منفكة وإلا لم تؤد أهدافها.

ولا شك في أن غاية هذه العملية محرمة ونتيجتها ممنوعة شرعاً، ألا وهي حصول المتورقين على نقود حالة في مقابل الالتزام بنقود أكثر منها بعد أجل. وللمجموع في الشريعة حكم يختلف عن حكم كل فرد من أفراده، فالسلف جائز وحده، والبيع جائز وحده، فإذا اجتمعا حرما معاً، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلف.

وكل من بيعتي العينة مباح، لاستيفاء الأركان والشروط، ويحرم اجتماعهما، لأن هذا الاجتماع قرينة قوية على قصد الحصول على نقد في الحال وأخذ أكثر منه في المستقبل، والسلعة محلل كالمحلل في النكاح.

والطلاق مشروع في أي وقت، ويترتب عليه حكمه وآثاره ومنها قطع علاقة الزوجية، وعدم استحقاق المطلقة ثلاثاً للإرث، ولكن لما اجتمعت قرائن معه بأن كان في مرض الموت، وبدون طلب من الزوجة وكونه بائناً، كان اجتماع هذه الظروف قرينة على أن المطلق لم يقصد بالطلاق ما قصده الشارع من شرعه، وهو علاج خلاف ونفور تتعذر معه العشرة، بل قصد حرمان الزوجة من الميراث وما لهذا شرع الطلاق.

والبيع مشروع إذا توافرت شروطه، ومع ذلك فقد حرم الرسول صلى الله عليه وسلم بيعتين في بيعة وحرم بيع العينة مع أن كلاً من العقدين مباح في ذاته.

والمحاربون يحدون جميعاً حد الحرابة حتى أولئك الذين لم يشاركوا في القتل أو أخذ المال، بل كانوا لهم عيوناً أو حراساً أو الذين يصنعون الطعام، مع أن كلاً من صناعة الطعام والحراسة وحدها لا توجب عقوبة التقتيل أو الصلب أو النفي، ولكن الشارع نظر إلى هذه الأعمال كمشروع إجرامي واحد، وقد حكم علي رضي الله عنه بقتل المشتركين في القتل وإن لم يباشر القتل إلا بعضهم.

فإذا أراد بنك أن ييسر لعملائه الحصول على نقد عاجل مع دفع أكثر منه مقابل الأجل بوسيلة مباحة في الظاهر وفي أصل وضعها وشرعها، واقتضى ذلك عمل ترتيبات وعقد اتفاقيات وإبرام عقود مع عدد من الشركات والمؤسسات للوصول إلى هذه الغاية فإن هذه المؤسسات جميعاً مسئولة عن هذا العمل الذي يقضي على أساس قيام البنوك الإسلامية باعتبارها بنوك استثمار وتنمية شاملة، تستثمر أموال مساهميها ومودعيها استثماراً مباشراً بصيغ استثمار شرعية تعتمد على الأصول الشرعية التي يجمعها أصل "الغنم بالغرم" و "الخراج بالضمان"، وهو ما تميزت به البنوك الإسلامية عن البنوك التي تيسر حصول المتعاملين معها على النقد مقابل نقد أكثر منه مقابل الأجل.

إن هذا الصنيع في نفس الوقت يفقد البنوك الإسلامية مصداقيتها ومبرر وجودها وسند الترخيص بها، وإلا فإن البنوك الربوية القائمة تستطيع أن تقوم بنفس الترتيبات والاتفاقيات وتبرم نفس  العقود وتقدم النقد في خلال يومين كما ذكر الباحثون، وهو زمن قصير إذا قيس بإجراء منح القرض.

وإذا كنا نشكو من المرابحة، لأنها لا تمثل الهدف الحقيقي لقيام بنوك إسلامية متميزة، وأنها تمثل في بعض البنوك نسبة كبيرة، وإذ كنا نشكو كذلك من المرابحات في السلع الدولية لأنها جمع لمدخرات المسلمين وتوجيهها للاستثمار وخدمة قضايا التنمية في غير مجتمعاتهم، وذلك بصيغ وصيغ مشبوهة وعائد متدن، ولا يخضع لرقابة شرعية، فإذا أضيف لذلك التورق المنظم لم يبق للبنوك شيء من صيغ الاستثمار والتنمية.

 

خامساً: مناقضة التورق لهدف البنوك الإسلامية:

1- إن أساس قيام البنوك الإسلامية ومبرر وجودها وسند مشروعيتها أنها تجمع مدخرات المسلمين وتوجهها للاستثمار بصيغ استثمار شرعية مساهمة منها في خطة التنمية الشاملة وليس تقديم التمويل ومنح الائتمان الذي يتمثل في توفير سيولة نقدية للمتعاملين معها، مع عمل الترتيبات التي تمكنهم من رد هذه السيولة مع زيادة بعد أجل معين، فالبنوك الربوية تكفلت بهذا بطريق أيسر وأسرع وهو الاقراض بفائدة، وإذا قيل، كما ذكر بعض الباحثين، إن توسيط سلعة بناء على اتفاقيات وترتيبات وعقود مع شركات معينة، يحولها من الحرام إلى الحلال فإن هذه البنوك يمكنها عمل ذلك بكفاءة وبسرعة أفضل.

2-  وعلى ذلك فإن البنوك الإسلامية إذا أقدمت على هذا فقد فقدت أساس وجودها وسند مشروعيتها، لأن في البنوك الربوية كفاية. إن طبيعة عمل البنوك الإسلامية أنها تستثمر مواردها من حقوق المساهمين، والودائع استثماراً مباشراً، وليست وسيطاً مالياً يوفر السيولة للمتعاملين، وهي تقوم بالاستثمار في انتاج السلع والخدمات، يستوي في ذلك العقود التجارية وصيغ الاستثمار الأصلية كالمشاركات والمضاربات.

3- فعقود البيع بثمن مؤجل وبيع المرابحة والاستصناع والسلم، يشتري فيها العميل من البنك بثمن مؤجل بضاعة تنتقل ملكيتها إليه لاستعمالها أو الاتجار فيها، ولا يتلقى سيولة نقدية. وقد يبيع المشتري السلعة بأقل من ثمنها المؤجل نقداً دون علم البنك وتوجيهه ومساعدته كما هو الشأن في التورق. ويشتري العميل عيناً مصنعة بمواد من عند البنك في مقابل ثمن يدفعه العميل، ولا يتلقى سيولة نقدية من البنك. وقد يبيع المتعامل بضاعة سلماً للبنك على أن يقبض ثمنها لاستخدامه في تمويل إنتاجه، ثم يسلمها في أجل معين.

4-  فهذه كلها صيغ استثمار مباشر يقوم فيها البنك بعملية استثمار وانتاج سلع وخدمات مما يساهم في قضية التنمية التي هي هدف البنوك الإسلامية، والتي لم يكن من بين أهدافها توفير أو تسهيل السيولة النقدية لعملائها.

 

 

 

 

سادساً : التورق ليس صيغة استثمار:

على فرض القول بجواز التورق بين الأفراد، فإن القول بأنه صيغة استثمارية شرعية يخالف الواقع، لأن القصد منه هو الحصول على سيولة والعملية في ذاتها ليست استثماراً، والقول بأن المتورق سوف يستخدم النقود في مشروع استثماري بعيد عن الواقع ولا يستقيم مع المنهج العلمي. فسلسلة العقود والاتفاقيات بين المؤسسات التي تقوم بهذه العملية ليست عقود استثمار بصيغة شرعية ولكنها موجهة جميعاً لغرض واحد هو توفير النقود للمتورق. وعلى القول بأنه صيغة استثمار فإن القروض الربوية صيغة استثمار كذلك إذا قصد بذلك استخدام القرض الربوي، ذلك أن الشريعة توجب جواز الوسيلة والمقصد، فالاستثمار لا يكون حلالاً إلا إذا كان بصيغ وعقود شرعية.

 

سابعاً:

وعلى فرض القول بأن التورق مباح في ذاته، في الحالات الفردية وبين الناس لما يترتب عليه من مصلحة المتورق، فإن تبني البنوك الإسلامية له والادعاء بأنه صيغة من صيغ الاستثمار، واستخدام سلسلة من الاتفاقيات والعقود وإدخال بعض المؤسسات في ترتيبه، يفوت مصالح أهم وتترتب عليه مفاسد أشد فيمنع عملاً بأصل اعتبار المآل، وهو أصل قطعي أخذ معناه من عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع، كما تقدم.

ومضمون هذا الأصل، كما يقول الشاطبي (الموافقات 4/195) هو أن "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المكلف لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالاحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد منه، ثم قال: "وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب جار على مقاصد

الشريعة.

 

والمصالح التي تفوت والمفاسد التي يؤول إليها التورق تتمثل فيما يلي:

1- هناك جهود تبذل لتوجيه البنوك الإسلامية إلى الاستثمار الذي يخدم قضية التنمية في البلاد الإسلامية، وذلك بتمويل مشروعات التنمية عن طريق المضاربات والمشاركات والسلم والاستصناع والإجارة، بل والمرابحات الملتزمة. فإذا تبنت البنوك الإسلامية صيغة التورق كصيغة تمويل لتوفير السيولة لعملائها وأعانتهم ويسرت لهم الحصول على نقد يقومون بسداد أكثر منه بعد أجل معين أو على أقساط، فإن كثيراً من المتعاملين مع البنوك الإسلامية سوف يقبلون على هذه الصيغة، ويؤدي ذلك إلى انصراف المتعاملين مع البنوك الإسلامية عن صيغ الاستثمار الحقيقي، كالمشاركات والمضاربات، التي تسهم في قضية التنمية. ولقد كانت البنوك الإسلامية تشكو من نسبة التعامل بصيغة المرابحة وأنها وصلت في بعض الأحيان إلى 90% وأنها أقرب الصيغ إلى التمويل بفائدة، فإذا دخلت صيغة التورق أقبل المتعاملون عليها بديلاً للمرابحة، وهذا يقضي على هدف البنوك الإسلامية.

2- لقد قامت مراكز بحوث وعقدت مؤتمرات وندوات ومجموعات عمل لتطوير صيغ استثمار جديدة على أساس المشاركة في الغنم والغرم وإذا تبنت البنوك الإسلامية صيغة التورق، توقفت هذه الجهود، واستوت البنوك الإسلامية مع البنوك الربوية في توفير النقود لطالبيها المتورقين بها.

 

ثامناً: التورق المصرفي حيلة محرمة:

إن التورق المصرفي حيلة محرمة، لأن المقصود بها هو تحليل حرام، وهو الحصول على النقد الحال في مقابل دفع أكثر منه مقابل الأجل، واتخذت سلسلة من البيوع والاتفاقيات شاركت فيها مجموعة من المؤسسات بخطة محكمة، وهذه العقود ليست هدفاً للمتورقين وإنما هدفهم الحصول على النقد العاجل مقابل نقد آجل أكثر منه وذلك بمجموعة عقود في عقد واحد وإن لم يصرح بذلك لكنه معلوم بالقطع من القرائن والأحوال وطبيعة المعاملة.

جاء في إعلام الموقعين (3/125) : "إن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراها بالثمن الحال، ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة، فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهماً بلا حيلة البتة، لا في شرع ولا في عقل ولا في عرف. بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقض، فمن المستحيل على شريعة أحكم الحاكمين أن يحرم ما فيه مفسدة ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ورسوله، ويوعده أشد الوعيد ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه، سواء مع قيام تلك المفسدة وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعة الله ورسوله، هذا لا يأتي به شرع".

ويا لله العجب أي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين درهماً صريحاً وبين إدخال سلعة لم تقصد أصلاً بل دخولها لخروجها، ولهذا لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها ولا عيوبها حتى لو كانت خرقة مقطعة، أو أذن شاة، أو عوداً من حطب أدخلوه محللاً للربا، كأي تيس اتفق في باب محلل النكاح".

 

وجاء في إعلام الموقعين (1/124):

قال شيخنا رضي الله عنه: " ووجه الدلالة ما أشار إليه أحمد أن اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها على وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم، ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك، لئلا يكون الانتفاع في الظاهر بعين المحرم، ثم مع كونهم احتالوا بحيلة، خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين، لعنهم الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الاستحلال، نظراً إلى المقصود، وأن حكمة التحريم لا تختلف سواء كان جامداً أو مائعاً، وبدل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده. فالشحم خرج بجمله عن أن يكون شحماً، وصار ودكاً، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعاً.. إذ لا غرض للعاقدين في السلعة بوجه ما، واليهود لم ينتفعوا بعين الشحم بل بثمنه، وهذا يدل على أن العبرة بالنظر إلى المقصود".