Skip Navigation Links
البحوث
|
الرئيسيه
 
 
التورق المصرفي المنظم
 

التورق المصرفي المنظم

 بحث مقدم من

 

 د. حسين حامد حسان

 رئيس هيئات الفتوى والرقابة الشرعية

 لبنك دبي الإسلامي و سوق دبي المالي

 مجمع الفقه الإسلامي الدولي

الدورة التاسعة عشر – الشارقة ، الإمارات العربية المتحدة
التورق المصرفي المنظم

تعريف التورق المصرفي المنظم:

التورق المنظم الذي يجريه المتورق مع البنك الإسلامي هو طلب نقد حال مقابل نقد مؤجل أكثر منه بواسطة مجموعة عقود ووعود لم يقصد أي منها لذاته بل للحصول على هذا النقد العاجل مع التزامه بدفع أكثر منه في المستقبل.

عناصر التورق:

1.   لا خلاف في أن التورق هو طلب الورق أي النقود، فالمتورق  لا يقصد الحصول على النقد العاجل مقابل نقد أجل أكثر منه فقط ، بل إنه يعلن ذلك صراحة للبنك الذي يجري معه التورق. والبنك الذي يجري معه التورق يعلم بقيناً أن المتورق لا يقصد سوى النقد العاجل مقابل النقد الآجل مع زيادة.

2.   ولما كان الحصول على نقد عاجل مقابل الالتزام برد نقد آجل أكثر منه هو الربا المحرم، كانت المعاملة محرمة ولو سميت تورقاً بدلا من تسميتها قرضا بفائدة.

3.   والواقع في العمل أن كلاً من المتورق والبنك الذي يجري معه التورق يتفقان مقدما على مبلغ النقد العاجل والنقد الآجل، ومدة سداد النقد الآجل ومقدار الزيادة، مما يؤكد أن هناك عقد قرض من الناحية الشرعية لاجتماع الإرادتين على الحصول على نقد عاجل مقابل نقد آجل أزيد منه، ولا يحتاج انعقاد العقد في الشريعة إلى التوقيع على أوراق ومستندات مهما كان نوع وطبيعة هذه المستندات سواء كانت عقد قرض أو عقد بيع إذ أن العقد إذا انعقد بالإيجاب و القبول لا يغير فيه اتفاق مكتوب لاحق.

4.   والمستندات التي يوقعها المتورق مع البنك يعد إنعقاد القرض بفائدة بالإيجاب والقبول هي:

‌أ.               وعد من المتورق بشراء كمية من معدن معين من البنك بثمن معين يدفع في المستقبل.

‌ب.           عقد بيع هذه الكمية المطلوبة من المعدن من البنك إلى المتورق بالثمن الموعود به على أن يدفع الثمن في الموعد المحدد في المستقبل.

‌ج.            توكيل المتورق للبنك البائع أو غيره ببيع المعدن الذي اشتراه منه بالأجل، بثمن حال أقل من الثمين الذي اشتراه به منه.

‌د.              قيام البنك ببيع المعدن لسمسار بنقد عاجل يساوي الثمن الذي اشتراه به البنك، وعادة يكون هذا السمسار المشتري غير السمسار الذي اشترى منه البنك المعدن حتى لا تكون عينة، وقد وجدت حالات تم فيها البيع لنفس السمسار البائع فكانت عينة أيضا.

‌ه.              ولما أصدر مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة قرارا بتحريم التورق الذي يوكل فيه المشتري المتورق البنك البائع ببيع المعدن، ابتكر المتورقون وسيلة جديدة، هي توكيل المتورق بنكاً أخر ببيع المعدن الذي اشتراه بالأجل بثمن أقل من ثمن شرائه، فعرضت هذه الحيلة على المجمع نفسه فأفتى بحرمة التورق حتى لو لم يوكل المتورق البنك الذي اشترى منه المعدن بالأجل في بيعه بثمن حال على أساس أن السلعة في عقود البيع ليست مقصودة لذاتها فكانت في حكم الحيلة المحرمة ، وهذا هو منطوق القرار:

( وحول المنتج البديل عن الوديعة لأجل قرر المجلس:
- أن هذه المعاملة مماثلة لمسألة العينة المحرمة شرعاً ، من جهة كون السلعة المبيعة ليست مقصودة لذاتها ، فتأخذ حكمها ، خصوصاً أن المصرف يلتزم للعميل بشراء هذه السلعة منه.
- أن هذه المعاملة تدخل في مفهوم “ التورق المنظم “ وقد سبق للمجمع أن قرر تحريم التورق المنظم بقراره الثاني في دورته السابعة عشرة ، وما علل به منع التورق المصرفي من علل يوجد في هذه المعاملة.
- أن هذه المعاملة تنافي الهدف من التمويل الإسلامي ، القائم على ربط التمويل بالنشاط الحقيقي، بما يعزز النمو والرخاء الاقتصادي.
والمجلس إذ يقدر جهود المصارف الإسلامية في رفع بلوى الربا عن الأمة الإسلامية، ويؤكد على أهمية التطبيق الصحيح للمعاملات المشروعة والابتعاد عن المعاملات المشبوهة أو الصورية التي تؤدي إلى الربا المحرم فإنه يوصي بما يلي:
- أن تحرص المصارف والمؤسسات المالية علــى تجنب الربا بكافة صوره وأشكاله؛ امتثالاً لقوله سبحانه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ).
- تأكيد دور المجامع الفقهية، والهيئات العلمية المستقلة ، في ترشيد وتوجيه مسيرة المصارف الإسلامية؛ لتحقيق مقاصد وأهداف الاقتصاد الإسلامي.
- إيجاد هيئة عليا في البنك المركزي في كل دولة إسلامية ، مستقلة عن المصارف التجارية ، تتكون من العلماء الشرعيين والخبراء الماليين ؛ لتكون مرجعاً للمصارف الإسلامية ، والتأكد من أعمالها وفق الشريعة الإسلامية
)

حكم التورق المصرفي المنظم مع توكيل البائع ببيع المعدن.

التورق المصرفي المنظم الذي يوكل فيه المتشري للمعدن أو السلعة بالأجل، بائعه ليبيعه له بنقد حال أقل من ثمن شرائه منه، سواء باعه البنك للسمسار الذي اشتراه منه (عينة) أو لغيره، حرام بأدلة قطعية، وهذه الأدلة ترجع إلى عدة أصول كلية شرعية لم تؤخذ من نص واحد ولا من دليل معين، بل أخذت من عدة نصوص وجملة أدلة بطريق الاستقراء المفيد للقطع ، حتى صارت هذه الأصول في معنى العموم المستفاد من الصيغة، فيطبق حكم هذه الأصول على كل ما يتحقق فيه مناطها من الوقائع والنوازل الجديدة التي لم يرد فيها بعينها نص حكم للشارع، ومنها التورق المصرفي المنظم و إليك تفصيل هذه الأدلة:

أولاً: أن مجرد الاتفاق بين المتورق والبنك الذي يبيع له المعدن بثمن مؤجل و يبيعه نيابة عنه بنقد أقل منه مع تحديد على مبلغ النقد العاجل ومبلغ النقد الآجل ومقدار الآجل ومبلغ أو نسبة الزيادة مقابل هذا الآجل يكون عقد قرض بفائدة، وذلك لتوافر أركان وشروط هذا العقد بمجرد التقاء إرادة العاقدين على إعطاء نقد عاجل مقابل نقد آجل أكثر منه مقابل الآجل، ولا يحتاج هذا العقد إلى الكتابة ولا التوقيع على مستندات القرض، ولا يغير من هذا الحكم أن يوقع المتورق مع البنك بعض العقود والوعود بعد ذلك أن هذه تكون تالية لانعقاد العقد ولا تؤثر فيه  ولا يحكم بها عليه، وهي لغو وعبث لم يقصد بها أحد عاقديها ما قصده الشارع منها بل قصدها بها قصدا يخالف قصد الشارع، ومن المقرر  أن مخالفة قصد الشارع تبطل العقد.

ثانياً: بطلان العمل الذي خالف قصد المكلف فيه قصد الشارع في تشريعه

من الأصول الكلية القطعية أن قصد المكلف في العمل ، تصرفاً أو عقداً يجب أن يوافق قصد الشارع في تشريع ذلك العمل، فإذا خالف قصد المكلف في العمل قصد الشارع في تشريع ذلك العمل بطل قصد المكلف وصح قصد الشارع.

يقول الشاطبي في شرح هذا الأصل: "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع ... كل من ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله على المخالفة باطل" [ الموافقات 2:231]

وقد أقام الشاطبي الأدلة القاطعة على حجية هذا الأصل، وذكر له أمثلة كثيرة وفرع الفروع الفقهية عليه.

 

والعقود التي استخدمت للتورق، كالبيع والوكالة عقود قصد الشارع منها تحقيق مصالح معينة، مثل حاجة المشتري إلى السلعة وحاجة البائع إلى الثمن، وكون الوكيل أكثر خبرة من الموكل، وأنه يعمل لصالح الموكل لا لمصلحته هو. وقد خالف قصد المتورق في هذه العقود قصد الشارع في تشريعها، بل إنه لم يقصدها أصلاً ولم يرغب في الآثار التي رتبها الشارع عليها، فبطل قصد المتورق ليصح قصد الشارع، وكانت هذه العقود باطلة، كمن قصد بالنكاح التحليل، مع أن قصد الشارع منه دوام العشرة والقيام على الولد والسكن والمودة والرحمة، والمحلل لا يقصد ذلك من النكاح.

 

 والواهب للنصاب قبيل الحول تبطل هبة لأنه قصد بها غير ما قصده الشراع منها، بل قصد بها قصدا يناقض قصد الشارع، فالشارع قصد من شرع الهبة الإحسان إلى الموهوب له وخطب وده في قوله عليه السلام: "تهادوا تحابوا" وتدريب المكلف على الجود والسخاء والكرم ، وتطهير نفسه من الشح والبخل، وعاقد الهبة قبيل االحول قصد بها الفرار من الزكاة وحرمان الفقراء من حقهم المعلوم وهو قصد لم يقصده الشارع من شرع عقد الهبة، بل إنه يناقض قصد الشرع ويدل على البخل والشح وهو نقيض قصد الشارع من الهبة. ومثل ذلك قصد الشارع من شرع عقد الزواج المودة والسكينة واللباس والتناسل ورعاية الولد، فوجب على المكلف إذا عقد الزواج أن يقصد منه ما قصده المشرع منه ، فإن قصد بالزواج تحليل الزوجة لمطلقها ثلاثاً كان الزواج حراما، وما لهذا شرع الله الزواج، بل إن هذا القصد يناقض قصد الشارع من المودة والرحمة واللباس وزيادة النسل والقيام على تربية الولد، مما يقتضي قصد دوام العشرة ونكاح المحلل ليس فيه شئ من ذلك.

 

بل إن الشارع شرع الطلاق لحاجة الزوجين إلى الفرقة لأسباب حاصلها رفع الشقاق الحاصل بين الزوجين، فإذا طلق الزوج زوجته في مرض موته طلاقاً بائناً دون طلب منها لم يعتمد بطلاقه في حق حرمانها من الإرث، لأن هناك قرائن على أن المطلق لم يقصد ما قصده الشارع من شرع الطلاق فلم ينتج الطلاق أثره في حق الإرث.

 

وقد استقرأ الشاطبي من هذه الأحكام وغيرها، أن قصد المكلف في العمل ، عقدا أو غيره يجب أي يكون موافقاً لقصد الشارع من شرع هذا العمل ، فإذا خالف قصد المكلف من العقد قصد الشارع من تشريع ذلك العمل عقداً أو غيره بطل العقد وحرم ولم ينتج أثاره التي رتبها الشارع عليه.

 

 والمتورق الذي يوقع وعداً وبيعاً وتوكيلاً للبنك البائع للمعدن لم يقصد بهذا الوعد والبيع والتوكيل ما قصده الشارع منها، بل قصد منها  ما يناقض قصد الشارع وهو الحصول على عشرة نقداً مقابل خمسة عشر مؤجلة ولا خلاف في ان هذا هو الربا المحرم.

فالمتورق يعد بشراء معدن ربما لا يعرف اسمه ولم يره ولم يسمع عنه طوال حياته،ولا يقصد الوفاء بوعده، لأنه لا يحتاج هذا المعدن لا لاستهلاكه ولا لاستخدامه ولا للاتجار فيه ببيعة لأنه يبيعه بأقل مما اشتراه به بزيادة ربح، وإنما قصد بذلك  صورة الوعد ليحل بها المحرم.

 

وما قيل في الوعد يقال مثله في عقد البيع الذي يوقعه المتورق مع البنك فإنه لا يقصد به ما قصده الشارع من شرع البيع وهو كما قال الشاطبي في الموافقات حاجة المشتري إلى السلعة لاستهلاك أو تجارة وحاجة البائع إلى الثمن، والمتورق لا يقصد السلعة أصلا بل ولا يقبلها، بل مقصوده إظهار عقد القرض المحرم الذي سبق عقده مع البنك بإيجاب وقبول صحيحين في صورة العقد الصحيح، وما لهذا شرع عقد البيع فظهر أن عقد البيع الذي يبرمه المتورق كان القصد منه إظهار الربا المحرم في صورة البيع الحلال و مثله مثل عقد الهبة الذي يقصد به الواهب التهرب من الزكاة، بل صنيع المتورق أشد في الحرمة، لأن الواهب  وإن قصد التهرب من الزكاة فقد وهب ماله والهبة في ذاتها مشروعة، في حين أن عاقد البيع في التورق قصد به إظهار القرض بفائدة في صورة البيع والقرض بفائدة أمر محرم.

 

ثالثا: أصل اعتبار المآل:

ومضمون هذا الأصل أن الحكم على تصرفات وعقود المكلف يجب أن يكون باعتبار ما يئول إليه التصرف أو العقد، من مصلحة أو مفسدة، لا باعتبار ذاته ولا بنتائجه القريبة المباشرة، وقد بين الشاطبي هذا الأصل بقوله: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً ... وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل. فقد يكون الفعل مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ (كالسلسلة المترابطة من عقود البيع والوكالة التي يتم بها التورق بين أطراف عدة) لكن له مآل على خلاف ما قصد منه، فإذا أطلق القول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المنفعة أو المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية".

ومفسدة التورق تظهر بشكل قاطع في أن المتورق يقصد الحصول على النقد ويطلبه فتؤول هذه العقود الصورية كلها إلى الحصول على نقد عاجل مقابل نقد آجل مع زيادة مقابل الأجل. وهذا هو ربا الجاهلية الذي قطع القرآن الكريم بتحريمه، هذا إذا كان في سلسلة العقود المتورق بها منفعة أو مصلحة مقصودة لعاقديها، والواقع أننا نقطع بأن هذه العقود ليست مقصودة لذاتها، فضلاً عن أن تكون نافعة أو محققة لمصالح مشروعة، فهذه العقود جاءت لتنفيذ غاية محرمة وهدف غير مشروع يقصده البنك والمتورق ويعلم به مقدماً، وهو الحصول على نقد حال مقابل نقد آجل مع زيادة مقابل الأجل.

ولقد ذكر الشاطبي في نهاية عرضه لهذا الأصل أنه "مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة [الموافقات 4:195] .

ولقد مثل الشاطبي لهذا الأصل بأمثلة كثيرة منها: ما إذا باع شخص سلعة بعشرة إلى أجل ثم اشتراها قبل الأجل بخمسة نقداً، فإن البيع في الأصل مشروع لمصلحة ، ولكن مآل هذا البيع في هذه الحالة يحقق مفسدة، هي الإقراض بالربا، أو كما يعبر هو : "لأن المصالح التي لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شيء". ومنها الواهب لجزء من النصاب قبيل الحول، لأن هذه الهبة تئول إلى مفسدة محرمة، هي حرمان مستحقي الزكاة، مع أن الهبة مشروعة لمصلحة في الظروف العادية.

 

رابعا: أصل سد الذرائع إلى المفاسد:

وهو أصل كلي قطعي أخذ بطريق الاستقراء المفيد للقطع من عدة نصوص وجملة أدلة تفوق الحصر. ويعرفه الشاطبي بقوله: "إنه التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة" .

فإذا فرضنا- وهو فرض غير واقع- أن سلسلة عقود البيع والوكالة التي يتوسل بها المتورق وبنكه، بمشاركة أطراف أخرى إلى مبادلة عشرة حالة بخمسة عشر إلى أجل، مقصودة في ذاتها، لما يترتب عليها من مصالح في العادة، من حاجة المشتري مثلاً إلى السلعة وحاجة البائع إلى الثمن، فإن هذه العقود يتوسل بها إلى تفويت مصالح أهم وتحقيق مفاسد أشد، تتمثل في بيع نقد عاجل بأكثر منه مقابل الأجل.

ويعرف القرافي أصل سد الذرائع بقوله إنه : "حسم مادة وسائل الفساد دفعاً لها، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة (سلسلة البيوع المتورق بها) وسيلة إلى المفسدة منع من ذلك" [الفروق 2:32] .

 

وصورة التورق المصرفي المنظم تدخل تحت الذرائع المجمع على سدها، لأنها تؤدي إلى المفسدة قطعاً أو ظناً قريباً من القطع بحكم العادة، وهذه المفسدة تتمثل في مبادلة عشرة حالة بخمسة عشر إلى أجل، وفي هذا يقول القرافي: "قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه، كحفر الآبار في طرق المسلمين؛ فإنه وسيلة إلى إهلاكهم فيها، وكذلك إلقاء السم في أطعمتهم، وسب أصنام المشركين عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى عند سبها" [الفروق 2:32].

والتورق المصرفي المنظم يؤدي بالقطع إلى بيع نقد عاجل بنقد آجل مع زيادة مقابل الأجل، فيدخل تحت الذرائع المجمع على سدها. يقول القرافي: "وما أجمع على سده كحفر الآبار في طرق المسلمين، إذا علم وقوعهم فيها أو ظن، وإلقاء السم في أطعمتهم إذ علم أو ظن أنهم يأكلونها فيهلكون" وهذا يعني أن الوسائل المتذرع بها (كسلسلة عقود التورق) وإن كانت مشروعة في ذاتها، ولم يقصد بها الربا ولكنها تؤدي إلى الغاية المحرمة، وهي مبادلة نقد عاجل بنقد آجل مع زيادة مقابل الأجل، بطريق العلم أو الظن فإنه يجمع على سدها وتحريمها.

وعقود التورق المصرفي تؤدي بالقطع إلى مفسدة الربا، لأن المتورق يطلب الورق، أي النقد صراحة، ولا قصد له في تلك العقود ولا في آثارها التي رتبها الشارع عليها. بل إن قصد الربا بهذه العقود ليس شرطاً في سد الذرائع، فوسائل المفاسد تمنع حتى في الحالات التي لا يقصد فيها المتعاملون بهذه العقود أنفسهم الربا، (وإن كان ذلك بعيداً) طالما أن هذه العقود وسائل تؤدي إلى الغاية المحرمة في العادة أو في الواقع ونفس الأمر. يقول الشاطبي بعد ذكر أمثلة الذرائع المجمع على سدها: "ولكن هذا بشرط أن يظهر لذلك قصد ويكثر في الناس بمقتضى العادة" [ الموافقات 4:199] ، فالشرط هو أن يظهر القصد ويكثر في الناس عادة، وإن لم

 

يقصد العاقدان التذرع بالعقود المتورق بها إلى مفسدة محرمة، إذا كان مآل هذه العقود وما تؤدي إليه في الواقع هو المفسدة، وواضح بطريق القطع أن المتورق يحصل على نقد في الحال مقابل نقد أكثر منه يدفع بعد أجل معين.

 

خامسا: أصل منع التحيل على إبطال الأحكام الشرعية:

يعرف الشاطبي التحيل الممنوع بأنه " تقديم عمل ظاهر الجواز، لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، كما لو وهب المكلف ماله عند رأس الحول فراراً من الزكاة، فإن أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعاً، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة، ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية" [الموافقات 4:201]

وهذا ينطبق على العقود المتورق بها، فإنها في أصلها ظاهرة الجواز، كما أن مبادلة نقد عاجل بنقد آجل مع زيادة مقابل الأجل ظاهر في أنها ربا محرم، لكن المتورق وبنكه ومن أعانوهم على إتمام عقود التورق قد جمعوا بين الأمرين فصار مآل هذه العقود مفسدة تتمثل في مبادلة عشرة حالة بخمسة عشر إلى أجل، وهو ربا محرم. فهذه العقود عمل ظاهر الجواز ولكنه تم بقصد إبطال أصل أو حكم شرعي، هو حرمة الربا، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، وهو الجواز.

وأصل منع التحيل من الأصول الكلية القطعية التي أخذ معناه من استقراء عدة نصوص وجملة أدلة تفيد في مجموعها القطع، فيطبق على ما يتحقق فيه مناطه من النوازل والوقائع الجديدة التي ليس فيها نص حكم للشارع، كالتورق المصرفي المنظم. والفرق بين أصل سد الذرائع وأصل منع التحيل أن القصد مطلوب في الثاني دون الأول.

ومعلوم بالقطع أن قصد المتورق وبنكه والمتعاملين معهم هو التورق أي الحصول على الورق وهو النقد مقابل نقد آجل أكثر منه، ولا قصد له غيره، فأبرم عقوداً ظاهرها الجواز لإبطال حرمة الربا.

 

سادسا: أصل بطلان العمل الذي خالف قصد المكلف فيه قصد الشارع في تشريعه

من الأصول الكلية القطعية أن قصد المكلف في العمل تصرفاً أو عقداً يجب أن يوافق قصد الشارع في تشريع ذلك العمل، فإذا خالف قصد المكلف في العمل قصد الشارع في تشريع ذلك العمل بطل قصد المكلف وصح قصد الشارع. والعقود التي استخدمت للتورق، كالبيع والوكالة عقود قصد الشارع منها تحقيق مصالح معينة، مثل حاجة المشتري إلى السلعة وحاجة البائع إلى الثمن، وكون الوكيل أكثر خبرة من الموكل، وأنه يعمل لصالح الموكل لا لمصلحته هو. وقد خالف قصد المتورق في هذه العقود قصد الشارع في تشريعها، بل إنه لم يقصدها أصلاً ولم يرغب في الآثار التي رتبها الشارع عليها، فبطل قصد المتورق ليصح قصد الشارع، وكانت هذه العقود باطلة، كمن قصد بالنكاح التحليل، مع أن قصد الشارع منه دوام العشرة والقيام على الولد والسكن والمودة والرحمة، والمحلل لا يقصد ذلك من النكاح.

يقول الشاطبي في شرح هذا الأصل: "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع ... كل من ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل" [ الموافقات 2:231]

وقد أقام الشاطبي الأدلة القاطعة على حجية هذا الأصل، وذكر له أمثلة كثيرة وفرع الفروع الفقهية عليه.

 

سابعا: أصل انعدام الإرادة في العقود المتورق بها:

 إن ركن العقد هو الرضا الذي تدل عليه الصيغة، فإذا ثبت أن المتعاقد قصد بالصيغة غير ما وضعت له شرعاً، فإن الرضا بهذا العقد يصير منعدماً، كمن يقصد بالهبة التهرب من الزكاة، وكمن يقصد بصيغة البيع الربا، وبصيغة النكاح التحليل.

ولا شك أن العقود التي عقدها المتورق مع البنك، والتي عقدها البنك مع أطراف أخرى، وكذلك التوكيل الذي وقعه المتورق، كل هذه العقود لم يقصد بصيغتها ما قصده الشارع من صيغها، فلم يكن المتعاقد راضياً بها، ولا قابلاً لترتب آثارها عليها في حقه، بل قصد منها التورق، أي الحصول على الورق أي النقد العاجل مقابل النقد الآجل مع زيادة مقابل الأجل. يقول ابن القيم: "المكره قد أتى باللفظ المفضي للحكم، ولم يثبت عليه حكمه، لكونه غير قاصد له، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه، فانتفى الحكم لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ.

وهكذا المحتال الماكر المخادع فإنه لم يقصد الحكم المقصود بذلك اللفظ الذي احتال به، وإنما قصد معنى آخر، فقصد الربا بالبيع، والتحليل بالنكاح، بل المكره قصد دفع الظلم عن نفسه، وهذا قصده التوصل إلى غرض محرم، فالمحتال والمكره يشتركان في أنهما لم يقصدا بالسبب حكمه ولا باللفظ معناه، وإنما قصدا التوسل بذلك اللفظ، وبظاهر ذلك السبب إلى شيء آخر غير حكم السبب"

ويقول الشاطبي: "فإن فاعل السبب –أي العاقد- قاصد لجعله سبباً لمسبب لم يجعله الشارع سبباً له، كنكاح المحلل، فإنه قاصد بنكاحه التحليل لغيره، ولم يضع الشارع النكاح لهذا المسبب، فقارن هذا القصد العقد فلم يكن سبباً شرعياً، فلم يكن محللاً، لا للناكح ولا للمحلل له لأنه باطل" [الموافقات 1:216].

وظاهر أن المتورق لا يقصد بالعقود التي يتورق بها معانيها ولا آثارها المترتبة عليها، بل قصد بالصيغ والعبارات معنى آخر لم يقصده الشرع من هذه العقود وهو الربا، بالحصول على نقد عاجل مقابل نقد آجل مع زيادة مقابل الأجل.

 

ثامنا: شبهة المجيزين:

1)   استدل المجيزون للتورق المصرفي المنظم بعموم آيات وأحاديث جواز البيع، وهذا استدلال باطل، لأن الأدلة الشرعية يخصص بعضها بعضاً ويقيد بعضها بعضاً، وعلى المجتهد قبل أن يصدر حكمه بناء على نص معين أو دليل خاص أن يبحث في بقية أدلة الشرع الجزئية ومقاصده العامة وقواعده الكلية، لأن هذه الأخيرة تفيد القطع وهذه العمومات تفيد الظن والقطع مقدم الظن باتفاق. فقولـه تعالى: "وأحل الله البيع" عام في كل بيع غير أن هناك بيوعاً كثيرة نهى الشارع عنها تقييداً للاطلاق وتخصيصاً للعموم. ولذلك يؤكد الشاطبي أن المجتهد لا يحكم على الفعل بمقتضى عموم الأدلة وإطلاقها بل عليه أن ينظر في الأحوال والظروف التي يتم فيها الفعل، ثم يمنع الفعل الذي شرع لمصلحة إذا أتى به المكلف على نحو معين وفي ظروف خاصة يؤدي فيها إلى وقوع مفاسد أشد أو تفويت مصالح أهم من مصلحة ذلك الفعل.

2)   ومما استدل به هؤلاء حديث التمر الجمع أي الرديء والتمر الجنيب أي الجيد حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحب التمر الرديء (الجمع) أن يبيعه بالنقد وأن يشتري بالنقد تمراً جيداً (الجنيب) بدلاً من المقايضة، التي تتم بشراء صاع من التمر الجنيب بصاعين من الجمع، وقد أخذوا من هذا الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام أجاز هذه الوسيلة، بل أمر بها، للوصول إلى الحل فكان التورق المصرفي المنظم جائزاً لأنه مثله، وهذا الاستدلال فيه مغالطة ظاهرة ذلك أن بائع التمر الجمع يريد التخلص منه حقيقة ويرغب في الحصول على الثمن ليشتري به تمراً جنيباً، ومن يشتري هذا التمر منه يريده لأنه يناسب قدرته الشرائية، ثم إن بائع الجمع يحتاج فعلاً إلى التمر الجنيب الذي يشتريه، فقد قصد العاقدان في هذين العقدين ما قصده الشارع منهما، وهذان العقدان لا يئولان إلى مفسدة ارتكاب الربا، بل إن المقصود منهما هو تجنب الربا، وليس تحيلاً على إبطال الأحكام الشرعية، والقصد فيهما لا يخالف قصد الشارع، ولم يقصد العاقد فيها بالصيغة غير ما قصده الشارع منها. وليس كذلك العقود المتورق بها، فإن قصد المتورق الحصول على الورق، أي النقد العاجل مقابل التزامه بأداء نقد آجل أكثر منه، وإنما جعلت سلسلة العقود ذريعة ووسيلة إلى ذلك القصد المحرم والرغبة الآثمة فافترقا.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يطلب بيع الجمع لشخص معين، ولا شراء الجنيب من شخص معين، بل أمره أن يبيع في السوق، ولم ينظم له عملية تربط هذه العقود بحيث يكون أحدهما شرطاً في الآخر.

3)   هذا فوق أن هناك أدلة شرعية أخرى كالنهي عن بيعتين في بيعة، وهذه عدة بيعات مترابطة في بيعة، كل واحدة منها ما كانت لتتم لولا تمام الأخرى، فهي مترابطة وبعضها شرط في البعض الآخر.

 

والخلاصة أن التورق المصرفي المنظم الذي تمارسه بعض البنوك حرام بأدلة قطعية في نظري وليس محل اجتهاد.

 

وأقترح أن يصدر مجمع الفقه الإسلامي الموقر قراراً بمنع التورق المصرفي المنظم بكل صوره وأشكاله حتى تتجه البنوك الإسلامية إلى تمويل المشاريع التنمية وإنتاج السلع والخدمات، بدلا من التمويل النقدي الذي قاد العالم كله إلى كارثة لا يدرى متى يكون الخروج منها، والفصل في هذا الموضوع بات أمرا ضروريا لأنه يتعلق به مستقبل العمل المصرفي الإسلامي، بل النظام الاقتصادي والمالي الإسلامي كله. بل إني أتوقع ، و توقعي له مبرر قوي، أن الحكومات التي أعطت تراخيص للبنوك الإسلامية بحكم أنها بنوك تنمية واستثمار لا بنوك تمويل نقدي ومنح تسهيلات ائتمانية، قد تسحب هذه التراخيص إن عاجلاً أو آجلاً، لأن هناك بنوكاً تقليدية تؤدي هذه الخدمة في المجتمع على نحو أيسر وأوضح وأقل تكلفة بصرف النظر عن الحل والتحريم، لأن الحكومات مطالبة بتقديم الخدمات التي تناسب جميع أفراد المجتمع، فمن أراد أن يؤسس أو يودع أو يتعامل مع بنك إسلامي فله ذلك، ومن أراد أن يؤسس أو يودع أو يتعامل مع بنك ربوي فله ذلك في نظر هذه الحكومات. فإذا كانت البنوك الإسلامية تقوم بتقديم نفس الخدمة وهي التمويل النقدي فإنها تفقد مبرر وجودها وسبب الترخيص لها. ومن جهة أخرى فإن العالم كله يتطلع إلى نظام التمويل الإسلامي و مؤسساته و أدواته وآلياته، بعد سقوط النظام الرأسمالي ، وما سببه ويسببه من أزمات مالية ، لسبب أن النظام الإسلامي يتجه إلى تمويل المشاريع والاستثمار الحقيقي ولا يتجر في الديون ولا يجيز التعامل في المشتقات والمستقبليات والاختيارات والبيع القصير وغير ذلك من العوامل التي أدت إلى سقوط النظام الرأسمالي وما نتج عنه من أزمات.