Skip Navigation Links
الفتاوي الاقتصاديه
|
الرئيسيه
 
 
مدى مشروعية قبول القوانين الوضعية لتحكم الاتفاقيات والعقود التي تكون المؤسسة المالية الإسلامية طرفاً فيها
 

مدى مشروعية قبول القوانين الوضعية لتحكم الاتفاقيات والعقود
التي تكون المؤسسة المالية الإسلامية طرفاً فيها

 

بعد الاطلاع على البحث القيم الذي قدمه الزميل الفاضل الدكتور عبدالستار الخويلدي في الموضوع عاليه وبعد المناقشة المستفيضة التي جرت في اللجنة الشرعية في البنك الإسلامي للتنمية بحضور الدكتور حمزة كنة المستشار القانوني للبنك، أقدم المبادئ الشرعية التالية لنظر اللجنة الشرعية الموقرة:

 

أولاً: عدم جواز احتكام المؤسسة المالية الإسلامية إلى القوانين الوضعية.

لا خلاف في وجوب الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية وعدم جواز الاحتكام إلى القوانين الوضعية وقد تظاهرت على ذلك أدلة الشريعة.

والشريعة تعني في الأصل الوحي بقسميه: المتلو، وهو القرآن، وغير المتلو وهو السنة، فحكم الشرع هو كما يقول علماء الأصول، خطابه المتعلق بأفعال العباد اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً.

ولذا كان الاجتهاد في فهم نصوص الكتاب والسنة والاستنباط منها وفق أصول الاجتهاد وقواعد الاستنباط أمراً لازماً لمن يتصدى للقضاء أو الفتيا أو التعليم، وهذا الاجتهاد لا يصح إلا ممن استكمل شروطه وتوافرت لديه آلياته ووسائله، كما حددها علماء الأصول ومقاصد الشريعة.

فالأصل في الشريعة الإسلامية أن يكون القاضي مجتهداً، وأن يحكم في القضية المعروضة عليه بما يؤديه إليه اجتهاده، وترتب على ذلك بالضرورة أن الأحكام الصادرة في القضية الواحدة قد تختلف باختلاف نظر المجتهدين، وفقه الصحابة والتابعين والأئمة أصحاب المذاهب المقلدة أكبر شاهد وأقوى دليل على ذلك، ليس في باب المعاملات وحدها، بل في أبواب العبادات والجنايات وغيرها من أبوب الفقه.

ولقد كان هذا محل اتفاق بين فقهاء الأمة ومجتهديها في عصور الاجتهاد الأولى.

ثانياً: هل المقصود بتطبيق أحكام الشريعة في عقود ومعاملات المؤسسات المالية الإسلامية هو رجوع القاضي إلى نصوص الكتاب والسنة مباشرة وفصله في القضية المعروضة عليه حسب ما يؤديه إليه اجتهاده في فهم هذه النصوص؟

الجواب بالقطع لا، ذلك أن الواقع الذي نعيشه يؤكد عدم وجود القاضي المجتهد في فهم النصوص الشرعية والقادر على الفصل فيما يعرض عليه من قضايا حسب ما يؤديه إليه اجتهاده فيها بطريق مباشر، هذا على فرض أن البلاد الإسلامية تلتزم بتطبيق الشريعة الإسلامية في نواحي الحياة كافة، وأن مؤسسا تها التعليمية تعنى بدراسة علوم الشريعة إلى المستوى الذي يخرج القاضي المجتهد، فما بالك إذا كانت الغالبية العظمى من بلاد المسلمين لا تطبق الشريعة وتستبدل بها قوانين وأنظمة ومبادئ ونظريات من صنع البشر ومؤسساتها التعليمية والقضائية كذلك لا تتخذ الشريعة الإسلامية أساساً تلتزم به فكيف يمكن تخريج القاضي المسلم الذي يبلغ رتبة الاجتهاد وتتوافر فيه شروطه والذي يستطيع الحكم في النزاع المعروض عليه وفق أحكام الشريعة التي يستنبطها؟ بل كيف يكون الوضع إذا عرضت القضية على قاض غير مسلم؟

لذا كان غاية ما نصبوا إليه في تطبيق الشريعة في المؤسسات المالية الإسلامية هو قدرة القاضي على الرجوع إلى فقه المجتهدين من الصحابة والتابعين والأئمة أصحاب المذاهب المشهورة والترجيح بين أقوال هؤلاء الأئمة والمجتهدين والحكم في القضية المعروضة عليه بأقوى هذه الأقوال دليلاً وأقربها تحقيقاً للمصلحة وتلبية للحاجة.

ولكن هذا المستوى من الاجتهاد غير متيسر لكل قاض في البلاد الإسلامية بل ولا في غيرها من باب أولى، وإن تيسر فإنه لا يحقق مصالح المتقاضين، لأن فقه الأئمة المستنبط تتعدد فيه الاجتهادات والحلول وتخير القاضي من بين هذه الاجتهادات لا يحقق مصالح المؤسسات المالية الإسلامية ولا المتعاملين معها، لأنهم عند الدخول في العقد لا يعرف أي منهم ما سيحكم به القاضي، فقد يحكم قاض بصحة عقد ويحكم قاض آخر ببطلانه، فمثلاً قد يرى بعض القضاة إلزام الوعد ويرى غيرهم عدم إلزامه ويتعذر على أطراف العقد تحديد حقوقهم والتزاماتهم قبل الدخول في عقود التمويل والاستثمار.

 

ثالثاً: هذا كله على فرض أن الدولة التي توجد بها المؤسسة المالية الإسلامية تطبق الشريعة ويقوم قضاؤها على الحكم بالفقه المستنبط منها كما ذكرنا، وحتى على فرض النص في نظام الدولة القضائي على الحكم بأرجح الآراء في مذهب إمام بعينه فإن الإشكال لا زال قائماً ذلك أن الراجح في هذا المذهب ليس محل اتفاق عند شيوخ المذهب، فالمرجحون يختلفون في الترجيح، والقضاة ليسوا جميعاً مبرئين عن الهوى، فتكون حقوق وواجبات أطراف المعاملة مرهونة بشخصية القاضي ومذهبه والراجح عنده في المذهب المعني.

 

رابعاً: والخلاصة هي أن الحل العملي هو تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، أي وضعها في شكل مواد القانونية مرتبة على أبواب الفقه ومنظمة على نسق القوانين الوضعية سواء أخذت هذه الأحكام من مذهب واحد أو من عدة مذاهب أو من مقاصد الشريعة العامة وقواعدها الكلية وهذا ييسر عمل القاضي عندما تعرض عليه المعاملة وخصوصاً إذا كانت القضية المعروضة جديدة ليس فيها بعينها فقه مستنبط، وهو الحال بالنسبة للصناعة المالية الإسلامية ومؤسساتها وأدواتها وعقودها المستجدة، وذلك على نحو يحقق المصلحة الشرعية المتجددة ويلبي الحاجات المتغيرة وإليك بعض التفصيل لما أجملناه.

 

خامساً: المتعامل مع الموسسة مسلم، فرداً أو مؤسسة

إذا كان المتعامل مع المؤسسة المالية الإسلامية مسلماً فلا يجوز لها الاحتكام إلى القوانين الوضعية بحال، والذي يظهر لي أن المتعامل معها يقبل، بل وربما يصر على تضمين العقد الذي ينظم علاقته بالمؤسسة نصاً يقضي بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، مثل النص على أن العقد يفسر ويحدد نطاق تطبيقه ومجال إعماله ويكمل ما لم يرد فيه من أحكام في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية، غير أن هذا العقد يعرض في حال نشوء نزاع بشأنه على قضاة ليسوا على علم ودراية كافية بأحكام الشريعة الإسلامية، فيتعذر عليهم تفسير العقد وتكميل ما لم يرد فيه من أحكام بالرجوع إلى أحكام الشريعة والتخير من بين آراء المجتهدين ما هو أرجح دليلاً أو أقرب تحقيقاً لقصد المتعاقدين في ضوء مقاصد الشرعية العامة وقواعدها الكلية.

وإذا كان الاختصاص بنظر النزاع بين الموسـسة وعميلها لبلد غير إسلامي، يتولى القضاء فيه قضاة غير مسلمين يحكمون بقانون وضعي فالأمر أصعب وأشق، لأن هؤلاء لم يدرسوا الشريعة الإسلامية، وإذا استطاعوا فهم بعض نصوصها الجزئية فإنه يصعب عليهم العلم بمقاصدها الكلية، ولا خبرة لهم بقواعد الاجتهاد في فهم النصوص وطرق الاستنباط منها، فكان لا بد من إعداد العقود مستكملة لشروطها ومفصلة لأحكامها ومحددة لحقوق والتزامات أطرافها تحديداً وافياً مع الرجوع في التفسير والتكميل الذي يكون في أضيق الحدود إلى المدونات التي قننت أحكام الفقه الإسلامي، وقرارات المجامع والمعايير الشرعية في موضوع العقد كما سنرى.

 

سادساً: المتعامل مع الموسسة ليس مسلماً، مؤسسة أو فرداً:

لا يجوز للمؤسسة في هذه الحالة أيضاً أن تخضع تفسير عقودها مع  المؤسسة أو الفرد غير المسلم وتكميل هذه العقود، لأحكام قانون وضعي أو لاختصاص قضاء لا يحكم بمقتضى الشريعة، هذا من حيث المبدأ، ولكن ما الحكم إذا أصرت المؤسسة الأخرى على تحكيم قانون آخر مثل القانون الإنجليزي، لكي يفسر العقد ويحدد نطاق تطبيقه ومجال إعماله ويكمل ما لم يرد فيه من أحكام في ضوء فلسفة هذا القانون ومبادئه الكلية ونصوصه الجزئية؟

على المؤسسة المالية الإسلامية أن تصر على رفض خضوع عقودها للقانون الوضعي بحكم أن نظامها الأساسي والترخيص الممنوح لها من السلطات الرقابية في البلد الذي تباشر نشاطها فيه لا يسمحان لها بذلك. وفي حالات الضرورة القصوى التي تقدرها الهيئة الشرعية للمؤسسة المالية يتبع ما يلي:

1)       إعداد العقد إعداداً وافياً بحيث يستوعب جميع شروط وأحكام العقد وما يرتبه من حقوق والتزامات على طرفيه، فإذا كان عقد مضاربة مثلاً فإن جميع شروط وأحكام عقد المضاربة والآثار التي تترتب عليه من حقوق وواجبات يجب أن يتضمنها العقد.

2)       يجب إرفاق نسخة من المرجع المتفق عليه لتفسير نصوص عقد المضاربة مثلاً وتكميل ما لم يرد فيه من أحكام حتى يستعين به القاضي باعتباره جزءاً مكملاً للعقد، وفي نفس الوقت يتمكن المتعامل مع المؤسسة من الاطلاع عليه وذلك مثل المعيار الشرعي أو قرار المجمع الفقهي أو النص المقنن الخاص بعقد المضاربة مثل نصوص مجلة الأحكام الشرعية في الفقه الحنبلي والمجلة في الفقه الحنفي.

3)       يجب أن يكون التمهيد للعقد وافياً بشرح طبيعة العقد وخصائصة والهدف المقصود منه بما يميزه عن بعض العقود الوضعية التي قد  تشبهه، ولا مانع من استخدام مصطلحات حديثة مما تستخدم في العقود التقليدية مع الدقة البالغة.

4)       يمكن أن ينص العقد على أنه في حالة الحاجة إلى تفسير العقد أو تكميله يرجع إلى خبير شرعي واحد أو إلى هيئة شرعية معينة، لأنه يتحتم على القاضي في هذه الحالة أن يعرض المسائل التي تحتاج إلى تفسير أو تكميل على الخبير الشرعي المتفق عليه في العقد، لان العقد شريعة المتعاقدين في النظام الوضعي وعلى المحكمة أن تنفذ هذا العقد مع شرط اللجوء إلى الخبير في معرفة حكم الشريعة.

5)       ويجب أن تكون هناك مؤسسة أو مؤسسات تعنى بإعداد نماذج عقود شرعية لا تترك إلا مجالاً محدوداً لدخول القوانين المخالفة للشريعة عن طريق التفسير والتكميل والتكييف إذا اقتضت الضرورة قبول القانون الوضعي مرجعاً للتفسير والتكميل، لأن الضرورة تقدر بقدرها.

وهذا الذي قدمناه يلزم أيضاً حتى مع النص على أن العقد يفسر ويكمل بأحكام الشريعة الإسلامية، ذلك أن القضاة في البلاد الإسلامية حتى التي تطبق الشريعة يتعذر عليهم في الغالب الوصول إلى مقاصد الشريعة العامة ومبادئها الكلية وأحكامها الجزئية التي يفسر العقد ويحدد نطاق تطبيقه ومجال إعماله في ضوئها فكان لا بد من إعداد العقد على نحو يستوعب كل أحكامه، مع تمهيد يشرح طبيعته وخصائصه.

 

سابعاً: ما يجري عليه العمل في المؤسسات المالية الإسلامية بخصوص شرط تطبيق الشريعة:

تتنوع عقود المؤسسات المالية الإسلامية في هذا الخصوص على الوجه التالي:

1) عقود تنص صراحة على أن الشريعة الإسلامية هي المرجع واجب التطبيق في تكييف العقد وتفسيره وتحديد نطاق تطبيقه ومجال إعماله وتكملة ما لم يرد فيه من أحكام، ومعظم هذه العقود عقود محلية أي أن المتعامل فرداً أو شركة يعيش في نفس البلد الذي توجد به المؤسسة المالية الإسلامية. ويصعب غالباً إقناع المؤسسات التقليدية بهذا الشرط وخصوصاً في حالة التمويل المجمع.

ولا خلاف في صحة هذا العقد واستيفائه للشروط الشرعية ولا تكلف المؤسسة بأكثر من هذا، ثم يأتي دور القضاء إذا ما عرض مثل هذا العقد على القضاء، والغالب أن القضاة سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين يجدون صعوبة فائقة في تفسير العقد وتكميله بالرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية وقد تقدم شرح ذلك وبيان طريقة التخفيف من آثاره بصياغة العقد صياغة تضيق من الحاجة إلى التفسير والتكميل، وإذا أخطأ القضاة فلا مسئولية على المؤسسة المالية الإسلامية، لأنها فعلت ما تقدر عليه ولا تكليف إلا بمقدور، وسوف نرى أن شرط التحكيم مع اختيار المحكمين من ذوي التخصصات العميقة في الشريعة الإسلامية، سوف يخفف من الآثار السلبية التي تنتج عن عدم معرفة الحكم الشرعي المناسب أو سوء تفسيره وتكميله في ضوء الشريعة.

 

2) عقود تنص على تطبيق القانون الوضعي ما لم يخالف أحكام الشريعة، وظاهر هذا النص أنه كسابقه في الحكم، لأنه يعني أن الشريعة هي واجبة التطبيق وهي المرجع في تفسير العقد وتكميله إذا خالف القانون الوضعي الشريعة الإسلامية وقد ينص على ذلك صراحة بأن يقال "فإذا خالفها كان حكم الشريعة هو المطبق". وبذلك يكون العقد صحيحاً وتكون المؤسسة قد وفت بالتزامها الشرعي من حيث إنها استبعدت القوانين المناقضة لأحكام الشريعة، وأما القوانين التي تتفق مع الشريعة أو لا تختلف معها فهي داخلة في الشريعة، على اعتبار أن كل ما لا يخالف الشريعة فهو جائز لأن الأصل الجواز والإباحة.

غير أن الواقع العملي يقطع بأن هذا النص يمثل خطورة تزيد عن خطورة النص السابق في استبعاد الشريعة لمصلحة القانون الوضعي، ذلك أن القضاة الذين تخرجوا من كليات القانون على اختلاف نظم القانون ومدارسه يميلون إلى تطبيق القانون الذي تخصصوا فيه ومارسوا تطبيقه، بحيث يكون هو منهجهم في التفكير والفهم والاستنباط، وبالتالي فإنهم، كما يدل الواقع يميلون إلى افتراض أنه ليس في القانون الوضعي ما يخالف الشريعة فيكون الحكم هو للقانون في معظم الحالات، وقد يكون ذلك دون قصد إلى الخروج على أحكام الشريعة، لأنهم لا يعرفون الشريعة بمقاصدها العامة ومبادئها الكلية وأحكامها الجزئية الدقيقة، خصوصاً أن المعاملات المالية التي تعرض عليهم غالباً ما تكون معاملات جديدة لا تحمل نفس مصطلحات العقود الشرعية التي استنبطها الفقهاء، ولا تتفق معها في أحكامها، بل قد تكون عقوداً مركبة أو لا نظير لها في الفقه المستنبط، مثل الإجارة المنتهية بالتمليك والوعد بالشراء والوعد بالاستئجار والوعد بالبيع، وهو يختلف عن الاختيارات التقليدية التي تباع وتشترى بالمال.

ولكن هذه قضايا منشؤها هو الواقع العملي، وهو عدم وجود القاضي المؤهل والمدرب على فهم الشريعة وتحديد حالات مخالفة قانونه المطبق للشريعة الإسلامية، ولذلك فإن النص على وجوب تطبيق الشريعة وحدها أسلم من النص على (تطبيق القانون إذا لم يخالف الشريعة فإن خالفها كانت الشريعة هي واجبة التطبيق) لأن الشريعة في النص الأول سوف تحظى باعتبار أكثر أما في الحالة الثانية فإن القانون يحظى باعتبار أكثر من الشريعة لأنه الأصل ما لم يخالف الشريعة، وقلما رأى القاضي غير المؤهل في الشريعة هذه المخالفة.

ولذلك فإني أرى أن هذا الشرط مبرئ لذمة المؤسسة، وإن كانت الصيغة الأولى أفضل إذا قبلها الطرف الآخر، وعلى المؤسسة أن تصر على الصيغة الأولى وتحاول إقناع المتعاملين معها أو المشاركين لها في المعاملة من المؤسسات المالية التقليدية.

 

3) عقود تنص على أن القانون الوضعي هو واجب التطبيق في حالات التفسير والتكميل ولا تذكر عبارة (مالم يخالف الشريعة) وهذا شرط محرم ويبطل به العقد في نظري، لأنه ليس فقط شرط ينافي مقتضى العقد، بل إنه ينافي نصوص الشرع، وهو قبول شروط لم يشترطها الشرع، أو ترك شروط يشترطها الشرع، أو ترتيب حقوق والتزامات على طرفي العقد لم يرتبها الشرع عليه، وإعطاء هذه السلطة للقاضي الذي يعرض عليه النزاع مخالفة للشرع كذلك، لأنه يكمل أحكام العقد غير المذكورة فيه، ويفسر نصوصه بأحكام القانون الوضعي وإن ناقضت أحكام الشريعة فهو إذن تفويض للقاضي في تكميل العقد وتفسيره بحكم القانون في حالة عرض النزاع عليه إذا رأى أن نصوص العقد تحتاج إلى تفسير أو أن هناك فراعاً في العقد، أي خلوه من بعض الأحكام. ولا شك أن هذا فوق أنه مخالفة للشرع فهو يخالف إرادة العاقدين الذين قصدا باللفظ معناه الشرعي، وأن العقد يكمل بأحكام شرعية وليس بأحكام وضعية.

 

4)    حكم الضرورة:

هل رفض الأفراد أو المؤسسات التقليدية للنص على وجوب الرجوع إلى الشريعة لتفسير العقد وتكيمله، والإصرار على تطبيق القانون الوضعي، يعد حالة ضرورة تبيح للمؤسسات المالية الإسلامية تنحية الشريعة واستبدال القانون الوضعي بها؟

الذي أراه أن على المؤسسة الإسلامية أن تبذل قصارى جهدها مع المتعاملين معها أو المشاركين لها في التمويل على أن تكون العقود شرعية، وأنه يرجع إلى الشريعة في تفسيرها وتكميلها. وإذا أصرت المؤسسة المالية مخلصة على ذلك فإن كثيراً من المؤسسات التقليدية سوف تقبل هذا، ومع ذلك إذا كان حجم تعامل المؤسسات الإسلامية مع الرافضين لتطبيق الشريعة في تفسير العقد وتكميله كبيراً، بحيث تتأثر المؤسسة الإسلامية تأثراً مالياً واضحاً يرفض التعامل مع هذه المؤسسات، كما ترى هيئتها الشرعية، فإن لها أن تقبل مثل هذه العقود كحالة استثنائية لأن الضرورة تقدر بقدرها مع مراعاة ما سبق من وجوب صياغة العقود على نحو يقلل من مفاسد الرجوع إلى القانون الوضعي، بأن تكون عبارة العقد واضحة لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، ونصوصه وافية بشروطه وأحكامه بحيث لا تحتاج إلى تكميل، مع تمهيد أو مقدمة تشرح طبيعة العقد وخصائصة وأهم المبادئ التي يقوم عليها حتى يتميز عما عداه من العقود الوضعية.

فالعقود الشرعية مصدرها الشريعة، وليس لها جميعاً نظائر في القوانين الوضعية، وحتى التي لها نظائر مثل عقدا البيع والرهن والإجارة والوكالة والكفالة، فإن شروطها وأحكامها تختلف عنها في القانون الوضعي، وتفسيرها أو تكميلها بأحكام القانون الوضعي يفسدها ويخرجها عن خصائصها.

 

5) هناك عقود ينص فيها على أن طرفيها يقران بأنها صيغت صياغة شرعية، وأنه لا يجوز لأي منهما المنازعة مستقبلاً بمخالفة العقد للشريعة الإسلامية، ومن ثم الدفع ببطلانه وعدم ترتب آثاره عليه، وقد تحتوى هذه العقود على نصوص مخالفة للشريعة، بل قد يكون المنتج الذي ينظمه العقد حراماً، مثل التورق الذي منعه مجمع الفقه الإسلامي الدولي، فما حكم هذا الشرط؟

الذي أراه أن هذا الشرط باطل ولكن لا يبطل به العقد ويستطيع كل من طرفيه أن يدفع ببطلان العقد، إذا تضمن ما يوجب بطلانه، أو يطلب عدم ترتيب الحقوق الالتزامات على هذا العقد، إذا لم ترتبه الشريعة عليه بأن كان منافياً لمقتضاه، لأن الرضا بما خالف الشريعة باطل باتفاق.

ومن هذا القبيل عقود نصت على ضمان المضارب والشريك المدير والوكيل، وهي شروط مخالفة للشرع فما حكم العقد الذي تضمن هذه الشروط بعد توقيعه وعند التنفيذ، هل يلزم العقد طرفيه أو الطرف الضامن فيكون له حق التمسك به مع بطلانه ما دام العاقدان قد ارتضياه؟ أم يستطيع الطرف المتضرر أن يتخلص من الشرط المنافي للشرع ومقتضى العقد؟

الذي أراه أن مثل هذا العقود تقع باطلة برمتها ولا يقتصر البطلان على الشرط المنافي، لارتباط شروط العقد والحقوق والالتزامات التي يرتبها على طرفيه ارتباطاً لا يقبل التجزئة.

6) هناك عقود تتضمن شرطاً يقتضي أنه إذا بطل شرط من شروط العقد أو أثر من آثاره فإن بقية شروط وآثار العقد تكون ملزمة وواجبة التنفيذ فما أثر هذا الشرط؟

الذي أراه هو بطلان هذا الشرط، وبالتالي فإنه إذا بطل شرط أو التزام أو حق، لمخالفته لأحكام الشريعة ومخالفته لمقتضى العقد فإن العقد يبطل على الرغم من وجود النص على أن بطلان شرط أو نص لا يقتضي بطلان بقية شروط وأحكام العقد.

 

الخلاصة:

1) لا يجوز النص على تحكيم القانون الوضعي في عقود المؤسسات المالية الإسلامية ليكون مصدراً لتفسير هذه العقود وتكميل ما لم يرد فيها من أحكام، لأن ذلك يعد قبولاً مقدماً لأحكام تناقض أحكام الشريعة.

2)    يجب النص في عقود الموسسة المالية على خضوع هذه العقود في تفسيرها وتكميلها إلى أحكام الشريعة.

3) يجوز النص على تحكيم القانون الوضعي في تفسير عقود المؤسسات المالية الإسلامية وتكميلها، ما لم يخالف أحكام الشريعة الإسلامية فإن خالفها كانت أحكام الشريعة هي الحاكمة. غير أن هذا النص يتيح في كثير من الحالات وكما هو الواقع في العمل – للقاضي غير المتخصص في الشريعة الإسلامية، أن ينحي الشريعة الإسلامية لصالح القانون الوضعي الذي درسه ومارسه وذلك بقصد أو بدون قصد لعدم خبرته بمقاصد الشريعة العامة ومبادئها الكلية وأحكامها الجزئية، ويزيد من هذه الصعوبة لدى القاضي أن معظم العقود التي تكون المؤسسة الإسلامية طرفاً فيها عقود جديدة أو مركبة من عدة عقود شرعية، وقد لا تحمل نفس مصطلحات الفقه الإسلامي وهذا على فرض أن القاضي قد تمرس على نصوص هذا الفقه.      
ولا يمكن القول بحرمة هذا الشرط وبطلان العقد سداً لدريعة تنحية الشريعة وتطبيق القانون الوضعي؟ لأن مفاسد تنحية الشريعة وتطبيق القانون الوضعي حاصلة حتى مع النص على تطبيق أحكام الشريعة طالما كان القاضي الذي يعرض عليه النزاع متخصصاً في القانون الوضعي وليس لديه إلمام بأحكام الشريعة الإسلامية، وهو مطالب بالحكم في النزاع المعروض عليه في جميع الأحوال فإذا لم يعرف الشريعة فإنه سوف يطبق مبادئ القانون الوضعي.

4)    إن الحل الأمثل الذي يقلل مفاسد تنحية أحكام الشريعة لصالح أحكام القانون الوضعي هو ما ذكرناه سابقاً.

 

وخلاصة:

1) إعداد العقود بدريقة مفصلة، بحيث تستوعب جميع شروط العقد وأحكامه وآثاره وما يترتب عليه من حقوق والتزامات.

2)    يقدم للعقد بتمهيد أو مقدمة وافية تشرح طبيعة العقد وخصائصة التي تميزه عن غيره من العقود الوضعية.

3)    النص على أنه يجب الرجوع في تفسير العقد وتكميله إلى:

(‌أ)     الفقه المدون (الخاص بالعقد) مثل مجلة الأحكام الشرعية في الفقه الحنبلي والمجلة في الفقه الحنفي.

(‌ب)          المعايير الشرعية.

(‌ج)    قرارات المجامع الفقهية الإسلامية في موضوع العقد، مثل مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ومجمع الفقه الدولي ومجمع فقهاء الشريعة في أمريكا الشمالية والمجلس الإوربي للفتوى والبحوث.

(‌د)    ومع ذلك فإن الأفضل هو اللجوء إلى التحكيم في العقود التي تنص على تطبيق الشريعة الإسلامية، أو تطبيق القانون الوضعي في غير ما يتعارض فيه مع أحكام الشريعة فإن وجد تعارض حكمت الشريعة وحدها، مع اختيار محكمين مؤهلين علمياً ومدربين عملياً على فهم وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وينص في العقد على شروط المحكم، وتحديد مؤهلاته وخبرته في الشريعة الإسلامية، وبذلك يكون المتعامل مع المؤسسة المالية الإسلامية ملتزماً في اختيار محكمه من بين ذوي العلم الشرعي والخبرة الكافية، ولا مانع من النص على أن لهيئة التحكيم أن تضم خبراء استشاريين في المسائل الفنية لموضوع النزاع.

(‌ه)    ومركز المصالحة والتحكيم الإسلامي الدولي بدبي يحقق هذا البديل، ويمكن ان تتضمن مشارطة التحكيم شروط من يتولى التحكيم زيادة على أن المركز نفسه بصفته مركزاً إسلامياً سوف يراعي في اختيار المحكمين أن يكونوا مؤهلين للحكم في القضية حسب أحكام الشريعة الإسلامية.

 

 

 

بقلم الدكتور

حُسَين حَامِد حَسَّان